مع آخر كبشة تراب نزلت فوق قبر جوزي،

مع آخر كبشة تراب نزلت فوق قبر جوزي، والشيخ بيرفع إيده بالدعاء الأخير والناس ملمومة في المقابر، تليفوني رن بـ “مسدج” من رقم غريب:

​”أنا عايش… إياكي تثقي فيهم.”

​رجلي اتسمرت في الأرض.

قلت لنفسي أكيد دي هزارة سخيفة من حد معندوش ريحة الدم بيستغل يوم الدفنة. لكن ثواني والتليفون نور تاني بمسدج فيها صورة لمكتب جوزي، ومكتوب تحتها:

​”هناك خبيت الوصية الحقيقية.”

​التليفون كان بيترعش في إيدي في نفس اللحظة اللي الشيخ كان بيختم فيها الدعاء.

وقفت قدام تربة “حسام”، عشرة عمري ورفيق دربي لأكثر من تلاتة وأربعين سنة. السواد كان كاسيني من راسي لرجلي، وركبي بتخبط في بعضها من الصدمة وقهرة القلب.

أما ولادي، خالد وهيثم، فكانوا واقفين جنبي.

هاديين بزيادة.

متماسكين بزيادة.

وباردين برود مايطلعش من رجالة لسه دافنين أبوهم من دقايق!

​رسالة تالتة وصلت من نفس الرقم المجهول:

​”يا أم خالد… ماتبكيش على الجتة دي. ده مش أنا.”

​حسيت إن النفس كتم في صدري. رفعت عيني بالراحة وبصيت على القبر. الدنيا لفت بيا، واضطريت أسند على دراع واحدة جارتنا كانت واقفة جنبي عشان ما أقعش. وبصوابع بتترعش كتبت:

“أنت مين؟”

​ثواني والرد جالي:

​”أنا حسام… إياكي تثقي في ولادك.”

​التليفون كان هيقع من إيدي. خالد خد باله وبص لي فوراً:

ـ أمي… إنتي كويسة؟

خبيت التليفون بسرعة ورا العباية وقلت له:

ـ أيوة يا حبيبي… دوخة بسيطة بس.

ابتسملي، بس دي ماكانتش ابتسامة ابن خايف على أمه! دي كانت ابتسامة واحد بيتأكد إن كل حاجة ماشية زي ما خطط لها.

هيثم قرب ومسك دراعي:

ـ هنرجع على البيت دلوقتي يا أمي… مايصحش تفضلي هنا أكتر من كده.

ده ماكانش اقتراح.. ده كان أمر متغلف بالذوق.

​في سرادق العزاء

​طول العزا والناس بتسلم عليا تواسيني..

“البقاء لله يا أم خالد.”

“شدي حيلك، إنتي ست مؤمنة وقوية.”

“ولادك رجالة وهيبقوا ضهرك وسندك.”

​كنت بهز راسي في صمت، بس عقلي ماكانش سامع غير جملة واحدة بتتردد جواه: “إياكي تثقي في ولادك.”

​حسب كلامهم ليا، حسام مات بأزمة قلبية مفاجئة وهو في مكتبه. أنا ماكنتش موجودة. خالد هو اللي كلمني على نص الليل، وبصوت مخنوق قالي: “أمي.. أبويا مات.”

ولما وصلت، لقيت الإسعاف واقفة تحت، وورق تصريح الدفن جاهز، وكل الإجراءات خلصت. حتى ترتيبات الدفنة والصوان حسيته اتعمل بسرعة غريبة.. أسرع من اللازم، ومترتب أكتر من اللازم!

​ودلوقتي… في حد بيبعتلي رسايل وبيقول إنه حسام!

​بيت الأسرار

​بالليل، وبعد ما العزا خلص والناس مشيت، رجعت لفيليتنا الكبيرة. بس البيت ماكانش هو البيت. ضلمة، كئيب، وهادي هدوء يخوف. صورة حسام لسه متعلقة فوق الدفاية، نضارة القراية بتاعته على الترابيزة، وكوباية الشاي بفتلتها اللي شربها إمبارح الصبح لسه في مكانها.

​خالد وهيثم فضلوا معايا شوية. كانوا بيتنقلوا بين الأوض، بيفتحوا أدراج، بيتكلموا في التليفونات كتير، وبيهمسوا لبعض كل ما يحسوا إني بعيدة.

ولما عديت من جنب المطبخ من غير ما يحسوا بيا، سمعت هيثم بيقول:

ـ لازم نخلص الليلة قبل ما تفوق وتبدأ تسأل.

رد عليه خالد:

ـ هجيب الدكتور بكرا.. ومع سنها وصدمتها في أبويا، موضوع “الحجر” عليها مش هياخد في إيدنا غلوة.

​حسيت بتلج بيمشي في عروقي. مافهمتش كل التفاصيل، بس فهمت اللي يكفي عشان أخاف. خوف عمري ما حسيته في حياتي كلها.

ولما مشيوا أخيراً، قفلت باب الفيلا بالترباس، وطلعت السلم بالراحة، ودخلت مكتب حسام.

​الأوضة كانت غرقانة في الصمت. ريحة الخشب الزان القديم مالية المكان، ومختلطة بريحة “برفانه” اللي لسه ماطارتش.

أول ما دخلت، التليفون في إيدي هز تاني.

صورة.

صورة لمكتب حسام بالظبط. المكتب اللي كان بيشيل فيه عقود البيع والشرا، حجة البيت، وأوراقه المهمة.

في الصورة، كان في دايرة حمرا مرسومة على الركن الشمال من تحت، ومكتوب تحتها:

​”دوسي على الركن ده من تحت… وإياكي تفتحي حاجة قدامهم.”

​قشعريرة مسكت جسمي كله. نزلت على ركبي بالراحة، ومديت إيدي اللي بتترعش أتحسس الخشب. مشيت صوابعي على الحافة من تحت.. وضغطت.

فجأة… سمعت “تكة” صغيرة.

حتة من المكتب اتفتحت.. درج سحري عمري ما تخيلت إنه موجود طول سنين جوازنا!

بصيت جواه.

مالقيتش فلوس، ولا دهب. لقيت جواب متطبق، فلاشة صغيرة، وظرف أصفر مكتوب عليه اسمي بخط حسام.

​مسكت الجواب الأول. وأول ما عيني وقعت على أول سطر، حسيت إن قلبي هيقف.

“لأم خالد…”

ده خطه! الخط اللي كتبلي بيه مية جواب قبل كده. الخط اللي أطلعه من وسط ألف خط. وكملت قراية:

​”لو بتقري الجواب ده، يبقى هما بدأوا ينفذوا اللي خططوا له. خالد وهيثم مش الرجالة اللي إنتي فاهماهم. أنا سمعت بودني حوارات بينهم عن التأمين والأملاك ودكاترة المخ والأعصاب. سمعتهم بيسألوا محامي إزاي يقدروا يحجروا عليكي ويثبتوا إنك مش في وعيك عشان يديروا هما الفلوس لو أنا مت.

ماتمضيش على أي ورقة.

ماتاكليش ولا تشربي أي حاجة من إيدهم.

وماتصدقيش إعلام الوراثة ولا الوصية اللي هيجيبوهالك.

الوصية الحقيقية مخبيها في المكان الوحيد اللي عارف إنك هتدوري فيه.”

​وفي نفس اللحظة… سمعت صوت كوتش عربية بيفرمل برا الفيلا.

اتسمرت في مكاني. جريت على الشباك ووربت الستارة حتة صغيرة.

عربية سودة وقفت قدام البوابة الحديد.

أنفاسي سرعت… رجعوا!

خالد نزل من العربية وشايل أكياس أكل. وهيثم نزل وفي إيده كوبايات قهوة.

بس الشخص التالت اللي نزل معاهم هو اللي خلى الدم يهرب من وشي..

راجل لابس بالطو أبيض بتاع دكاترة!

​الهروب

​طبقت الجواب في إيدي لحد ما كان هيتقطع.

جرس الباب رن.

مرة.. والتانية.. والتالتة.

وبعدها صوت خالد بيزعق من برا:

ـ أمي! إحنا جينا.. جبنالك عشا.

مارديتش. ماتحركتش. يادوب بتنفس.

التليفون هز تاني:

​”ماتفتحيش الباب.”

​فضلت واقفة مكاني. الخبط على الباب تحت بدأ يزيد، وسمعت صوت هيثم حاد:

ـ يا أمي.. بلاش تصعبي الأمور. الدكتور بس جاي يطمن على ضغطك عشان إنتي تعبانة.

وبعدين جه صوت خالد.. بس المرة دي ماكانش فيه أي حنية ولا دفى:

ـ افتحي الباب يا أم خالد.

سكت ثواني.. وكمل بصوت قاسي يخوف:

ـ افتحي الباب!

​الرعب مسك في قلبي. جريت على أوضة النوم، وفتحت الخزنة الصغيرة اللي حسام كان حاططها في الدولاب. طلعت منها الطبنجة المرخصة بتاعته اللي ماشفتهاش من سنين. ماعرفش أضرب بيها إزاي، بس مجرد مسكتي ليها إديتني شجاعة ماحستش بيها من ساعة ما قالولي إنه مات.

فجأة.. مسدج جديدة:

​”اخرجي من باب الجنينة الوراني.. السواق القديم لسه على العهد.”

​عيني وسعت من الصدمة. السواق القديم؟ عم “أبو ياسر”؟ الراجل اللي شغال مع حسام بقاله عشرين سنة وخالد طرده من شهرين من غير سبب؟

في اللحظة دي.. سمعت هبدة جامدة أوي تحت، وبعدها صوت إزاز بيتكسر.

قلبي وقع في رجلي.

كسروا شباك الصالة.. ومابقوش مستنيين أفتح لهم!

​جريت على المطبخ عشان أخرج من الباب الوراني. وعالترابيزة، كانت لسه كوباية الشاي بتاعة حسام محطوطة. بس المرة دي، أخدت بالي من حاجة ماكنتش شايفاها قبل كده.

إزازة قزاز صغيرة أوي وفاضية، متدارية ورا سكرية الشاي.

مديت إيدي أخدتها، وشميتها. ريحتها تمرر الريق.. ريحة كيماويات غريبة.. ريحة تشبه الموت.

تليفوني هز:

​”شفتي هما استخدموا إيه؟”

​عيني زغللت بالدموع، وكتبت بسرعة: “أنت فين؟”

الرد اتأخر المرة دي. بس خطوات ولادي كانت خلاص جوه البيت.

سمعت هيثم بيزعق:

ـ أمي! إحنا مش عايزين نخوفك، بس إنتي مش في حالتك الطبيعية ولازم تاخدي حقنة مهدئة!

​فتحت باب المطبخ وطلعت أجري في الجنينة الضلمة. وفي الشارع الخلفي الضيق، كانت في عربية قديمة مطفية نورها واقفة مستنية. إزاز العربية نزل.. كان عم أبو ياسر!

قالي بسرعة:

ـ اركبي يا أم خالد.. حسام بيه موصيني أجيلك لو حصل حاجة.

حسيت إن الأرض بتلف بيا. سألته:

ـ عم أبو ياسر.. أنت عارف جوزي فين؟

ماردش عليا.. بس بص ورايا.

لفيت وشي، لقيت خالد طالع يجري في الجنينة، وأول ما شافني صرخ:

ـ أمي.. اقفي عندك!

​نطيت في العربية، وعم أبو ياسر داس بنزين وطلعنا نجري بعيد عن البيت.

وبينما أضواء الشوارع بتجري ورايا، والفيلا بتبعد وتختفي… تليفوني هز للمرة الأخيرة في الليلة دي.

بصيت على الشاشة. كانت مسدج قصيرة أوي.. كلمتين بس:

​”ماتسأليش دلوقتي.”

​فضلت باصة للشاشة في صمت تام، وعقلي مش قادر يفكر غير في سؤال واحد بس مرعب…

لو حسام هو اللي بيبعتلي الرسايل دي… أومال مين الجتة اللي دفناها في التربة النهاردة الصبح؟

لايك وكومنت بصلاه علىالنبي لمتابعه باقي القصه المشوقه

القصة كاملة في أول تعليق متنساش تصلي علي النبي 👇👇👇عم أبو ياسر فضل سايق من غير ما ينطق حرف. الطريق كان فاضي، وأنا قاعدة في الكرسي الخلفي ضامة الظرف والفلاشة لصدري كأنهم آخر طوق نجاة ليا.

 

بعد حوالي نص ساعة وقف قدام استراحة صغيرة على طريق صحراوي مهجور.

 

نزل وفتح الباب وقال: ـ انزلي يا أم خالد… في حد مستنيكي.

 

قلبي كان هيقف.

 

نزلت وأنا ببص حوالي بخوف.

 

وفجأة…

 

سمعت صوت أعرفه أكتر من صوت نفسي.

 

ـ أم خالد…

 

لفيت بسرعة.

 

وشفته.

 

حسام!

 

واقف قدامي.

 

أضعف شوية… دقنه طويلة… ووشه شاحب.

 

بس هو.

 

هو بعينه.

 

صرخت باسمه وجريت عليه وأنا بعيط.

 

فضلت ألمسه بإيديا كأني بتأكد إنه مش خيال.

 

ـ إنت عايش؟!

 

هز راسه بحزن وقال: ـ للأسف… أيوة.

 

ـ طب مين اللي دفناه؟!

 

سكت ثواني.

 

وبعدين قال: ـ راجل مجهول الهوية مات في حادثة من أسبوع. ولادنا استغلوا الموضوع.

 

حسيت الدنيا بتلف بيا.

 

ـ ولادنا؟! خالد وهيثم؟!

 

قال بصوت مكسور: ـ أيوة… ولادنا.

 

ودخلنا جوه الاستراحة.

 

طلع لابتوب قديم وحط الفلاشة اللي كانت في الدرج السري.

 

فتح ملفات وصور وتسجيلات.

 

وأول تسجيل اشتغل…

 

سمعت صوت خالد.

 

“أبويا رافض يكتب الأملاك باسمنا.”

 

وبعدين صوت هيثم:

 

“يبقى لازم نتصرف قبل ما يغير الوصية.”

 

حسام بصلي بعين مليانة وجع.

 

ـ التسجيل ده سجلته من شهرين.

 

ـ ليه ماواجهتهمش؟

 

ـ لأن اللي اكتشفته بعد كده كان أسوأ.

 

فتح ملف تاني.

 

كان كشف تحويلات بنكية بمبالغ ضخمة.

 

وشركات وهمية.

 

وإمضاءات مزورة باسمه.

 

خالد وهيثم كانوا بيسرقوا من الشركة بقالهم سنين.

 

وأول ما حسام اكتشف الحقيقة…

 

قرر يحرمهم من الإدارة كلها.

 

ومن هنا بدأت المؤامرة.

 

قال: ـ حاولوا يسمموني.

 

افتكرت الإزازة اللي لقيتها جنب الشاي.

 

فهمت كل حاجة.

 

ـ بس إنت نجيت إزاي؟

 

ابتسم ابتسامة حزينة.

 

ـ ربنا سترها.

 

اتنقلت المستشفى وأنا فاقد الوعي. والدكتور اللي أنقذني كان صاحبي القديم. ولما عرف اللي حصل، خباني وساعدني أراقبهم.

 

ـ وسيبتهم يدفنوك؟!

 

ـ كان لازم.

 

ـ ليه؟!

 

ـ عشان يبانوا على حقيقتهم.

 

وساعتها رن تليفون حسام.

 

بص للشاشة.

 

وقال: ـ بدأوا.

 

على شاشة اللابتوب ظهر بث مباشر من كاميرات الفيلا.

 

خالد وهيثم كانوا بيفتشوا البيت كله بجنون.

 

يقلبوا الأوض.

 

يكسروا الأدراج.

 

ويدوروا على الوصية.

 

وفجأة خالد زعق:

 

ـ أكيد خدت الأوراق معاها!

 

هيثم رد بعصبية: ـ لازم نلاقيها قبل ما توصل للشرطة.

 

حسام قفل الشاشة.

 

وقال: ـ خلاص.

 

جه الوقت.

 

في صباح اليوم التالي…

 

اتوجهنا للنيابة.

 

ومعانا التسجيلات.

 

والتحويلات البنكية.

 

وتقارير التسمم.

 

وكل الأدلة.

 

وفي أقل من أسبوع…

 

تم القبض على خالد وهيثم.

 

وأثناء التحقيقات اعترف موظف قديم في الشركة إنهم كانوا بيخططوا للاستيلاء على كل حاجة بعد إعلان وفاة أبوهم.

 

القضية هزت البلد كلها.

 

والصحف اتكلمت عنها شهور.

 

أما أنا…

 

فكنت كل يوم بروح أزور السجن.

 

مش عشان أشمت.

 

ولا عشان أعاتب.

 

لكن عشان أبص في وش ولادي وأسأل نفسي السؤال اللي عمره ما لقى إجابة:

 

إزاي طفلين ربيتهم بعمري كله وصلوا لكده؟

 

وبعد سنة كاملة…

 

صدر الحكم.

 

سنوات طويلة خلف القضبان.

 

خرجنا من المحكمة.

 

أنا وحسام.

 

مسك إيدي لأول مرة من شهور.

 

وقال: ـ سامحيني.

 

بصيتله باستغراب.

 

ـ على إيه؟

 

قال: ـ لأني خبيت عنك كل ده.

 

ابتسمت وسط دموعي.

 

وقلت: ـ المهم إنك رجعت.

 

رجعنا البيت.

 

نفس البيت اللي خرجت منه ليلة مرعوبة.

 

لكن المرة دي رجعت وأنا عارفة الحقيقة كلها.

 

وفي أول ليلة…

 

وأنا بقفل النور استعداد للنوم…

 

وصلت رسالة على تليفون حسام.

 

بص للشاشة.

 

واتجمد مكانه.

 

سألته: ـ في إيه؟

 

ناولني التليفون.

 

كانت رسالة من رقم مجهول.

 

مكتوب فيها:

 

“افتكرتوا إن خالد وهيثم كانوا لوحدهم؟”

 

وتحت الرسالة…

 

صورة قديمة جدًا.

 

صورة لحسام مع شريك سابق اختفى من عشرين سنة.

 

وتحتها كلمة واحدة:

 

“راجع.”

 

تمت.حسام فضل باصص للشاشة كأنه شاف شبح.

أنا أخدت التليفون من إيده وقلت: ـ مين ده؟

ابتلع ريقه بصعوبة وقال: ـ سامر.

ـ سامر مين؟

قعد على الكرسي ببطء وقال: ـ الشريك اللي كنت فاكره مات من عشرين سنة.

حسيت بقشعريرة.

ـ يعني إيه كنت فاكره مات؟

تنهد حسام وقال: ـ لأننا دفناه.

سكتت لحظة.

ـ دفنتوا مين بالظبط؟!

قال: ـ الراجل اللي لقيناه في العربية المحروقة كان لابس هدومه، ومعاه أوراقه، وكل الأدلة كانت بتقول إنه سامر.

ـ وبعد عشرين سنة يظهر فجأة؟

ـ لو هو فعلًا سامر… يبقى مصيبة.

في الليلة دي محدش فينا نام.

وبدأنا نفتش في الملفات القديمة اللي كانت مقفولة من سنين.

وبعد ساعات من البحث لقينا حاجة غريبة.

قبل اختفاء سامر بشهر واحد، كان فيه تحويل مالي ضخم خرج من الشركة واتحول لحساب في دولة أجنبية.

المبلغ وقتها كان مليون جنيه.

لكن بعد عشرين سنة من الاستثمارات والفوائد بقى يساوي ثروة كاملة.

حسام بص للورق وقال: ـ أنا طول عمري فاكر إن سامر سرق الفلوس وهرب.

قلت: ـ ويمكن فعلًا هرب.

هز راسه وقال: ـ لا… في حاجة غلط.

وفي اليوم التالي وصل ظرف من غير مرسل.

جواه مفتاح.

وخريطة قديمة.

وورقة مكتوب فيها:

“لو عايزين تعرفوا الحقيقة… روحوا المخزن رقم 17.”

المخزن كان في الميناء القديم.

مكان مهجور ومقفل من سنين.

ورغم خوفي، أنا وحسام وعم أبو ياسر رحنا.

وصلنا قبل الغروب.

المكان كان شبه مدينة أشباح.

فتحنا باب المخزن بالمفتاح.

التراب كان مغطي كل حاجة.

وفي آخر المخزن لقينا صندوق حديد ضخم.

فتحناه بصعوبة.

وجوه…

مئات الملفات.

وصور.

وتسجيلات.

وأشرطة فيديو قديمة.

لكن الحاجة اللي جمدت الدم في عروقي كانت صورة كبيرة متعلقة داخل الصندوق.

صورة لخالد وهيثم.

وهما أطفال.

عمرهم يمكن عشر سنين.

وبجانبهم رجل واقف حاطط إيده على كتفهم.

مش حسام.

مش أي حد من العيلة.

راجل غريب.

خلف الصورة مكتوب بخط اليد:

“أول خطوة في الخطة.”

بصيت لحسام.

وشه كان أصفر.

ـ إيه ده؟

قال بصوت مرتعش: ـ مستحيل…

ـ تعرفه؟

هز راسه ببطء.

ـ أيوة.

ـ مين؟

قال وهو بيبص للصورة:

ـ سامر.

وفجأة…

سمعنا صوت باب المخزن بيتقفل بعنف.

لفينا بسرعة.

وفي نفس اللحظة انطفت الأنوار كلها.

وغرق المكان في ظلام كامل.

ثم دوى صوت رجل من آخر المخزن:

ـ أخيرًا وصلتوا للحقيقة…

الصوت كان هادئًا…

لكنه كان مرعبًا.

وأكمل:

ـ بس للأسف… الحقيقة الكاملة لسه ما بدأتش.

يتبع…تجمدنا مكاننا.

 

الظلام كان حالك، وصوت الرجل بيتردد بين جدران المخزن الفاضي.

 

حسام شد إيدي بقوة وهمس: ـ خليكِ جنبي.

 

وفجأة اشتغل كشاف قوي من آخر المخزن.

 

النور ضرب في عيوننا لثواني، ولما وضحت الرؤية شوية، شوفنا راجل واقف.

 

شعره كله أبيض تقريبًا.

 

لكن ملامحه كانت واضحة.

 

حسام شهق: ـ سامر!

 

الرجل ابتسم ابتسامة باردة.

 

ـ وحشتني يا حسام.

 

عم أبو ياسر اتحرك خطوة لقدام وقال: ـ إنت عايش فعلًا!

 

سامر ضحك ضحكة قصيرة. ـ واضح إن الناس بتحب تدفني بدري.

 

بصيت له وأنا مش فاهمة حاجة. ـ إنت عايز إيه مننا؟

 

رد بهدوء: ـ الحقيقة.

 

حسام انفجر: ـ الحقيقة؟ بعد عشرين سنة؟!

 

رفع سامر ملف من فوق صندوق قريب ورماه قدامه.

 

ـ افتحه.

 

حسام فتح الملف، وبدأت ملامحه تتغير.

 

صدمة.

 

خوف.

 

ندم.

 

كلهم مرة واحدة.

 

خطفته من إيده أبص فيه.

 

ولقيت أوراق تحليل DNA.

 

وأسماء.

 

وتواريخ.

 

وفجأة وقعت عيني على سطر خلاني أحس إن الأرض بتتهز تحتي.

 

“خالد وهيثم ليسا أبناء حسام البيولوجيين.”

 

بصيت لحسام.

 

كان واقف كأنه تمثال.

 

قلت بصوت مخنوق: ـ ده كذب.

 

سامر هز رأسه. ـ لا.

 

ـ مستحيل!

 

قال: ـ التحاليل دي اتعملت من عشرين سنة.

 

لفيت لحسام وأنا بعيط: ـ قول إنه كذب!

 

لكن حسام نزل عينيه للأرض.

 

وساعتها فهمت.

 

فهمت إنه كان عارف.

 

من زمان.

 

قعدت على أقرب كرسي وأنا حاسة إن الدنيا كلها بتنهار فوق دماغي.

 

ـ كنت عارف؟

 

رد بصوت مكسور: ـ أيوة.

 

ـ وسكت؟

 

ـ كنت بحبهم.

 

الدموع نزلت من عيني من غير ما أحس.

 

أكمل: ـ يوم ما عرفت الحقيقة كانوا أطفال صغيرين. ماقدرتش أعاقبهم بذنب مش ذنبهم.

 

سامر قال: ـ وأنا اعترضت.

 

بصينا له.

 

ـ قلت له لازم يعرفوا الحقيقة لما يكبروا. لكنه رفض.

 

سكت لحظة وأكمل: ـ ومن يومها بدأ الخلاف بيني وبينه.

 

قلت: ـ لكن ده ما يفسرش اللي حصل دلوقتي.

 

سامر تنهد.

 

ـ لأن في حد تالت في القصة.

 

ـ مين؟

 

مد إيده داخل الصندوق.

 

وطلع صورة قديمة جدًا.

 

الصورة كانت ليا.

 

أنا.

 

وأقف جنبي رجل ماعرفوش.

 

لكن خلف الصورة مكتوب تاريخ يرجع لأكتر من أربعين سنة.

 

قال سامر: ـ الراجل ده هو بداية كل المصايب.

 

بصيت للصورة وقلبي بيدق بعنف.

 

كنت صغيرة جدًا وقتها.

 

لكن فجأة…

 

افتكرت.

 

الاسم خرج من لساني من غير تفكير:

 

ـ فؤاد.

 

سامر هز رأسه.

 

ـ بالضبط.

 

ـ لكنه مات من زمان.

 

ـ لا.

 

سكت ثانية.

 

ثم قال:

 

ـ فؤاد لسه عايش.

 

وفي اللحظة دي بالذات…

 

رن تليفوني.

 

رقم مجهول.

 

نفس الرقم اللي بدأ منه كل شيء يوم الجنازة.

 

فتحت المكالمة على السماعة.

 

وسمعنا صوت رجل كبير في السن يقول:

 

ـ مساء الخير يا أم خالد…

 

ثم سكت لحظة وأكمل:

 

ـ وحشتيني بعد أربعين سنة.

 

اتسعت عيناي من الرعب.

 

لأني عرفت الصوت.

 

وكان فعلًا…

 

صوت فؤاد.الصوت اللي جاي من التليفون خلّى إيدي ترتعش لدرجة إن الجهاز كان هيفلت مني.

 

ـ فؤاد…؟

قلت الاسم بصوت شبه مكسور.

 

من الناحية التانية جه نفس الصوت الهادئ، البارد: ـ لسه فاكرة اسمي يا أم خالد… حلو.

 

سامر شد التليفون مني وقال بعصبية: ـ إنت عايش إزاي؟ وإنت فين دلوقتي؟!

 

ضحكة خفيفة وصلت من السماعة. ـ أنا في المكان اللي بدأ فيه كل حاجة… واللي هتنتهي فيه.

 

حسام كان واقف مش بيتحرك، كأنه بيتفرج على شريط عمره كله بيتسحب قدامه.

 

فؤاد كمل: ـ سامر رجع لكم؟ ممتاز… يبقى التجميعة اكتملت.

 

قلت بصوت عالي: ـ إنت عايز إيه مننا؟

 

سكت ثانيتين، وبعدين قال: ـ عايز اللي اتاخد مني زمان… الشركة… الفلوس… والابن.

 

الهواء اتجمد.

 

حسام بص لسامر: ـ ابن مين؟

 

سامر ما ردّش.

 

لكن فؤاد رد مكانه: ـ ابني أنا وحسام.

 

سكون.

 

سكون تقيل كأنه بيكسر العضم.

 

بصيت لحسام: ـ إيه الكلام ده؟

 

حسام كان أول مرة في حياته عاجز عن الكلام.

 

سامر قال بهدوء: ـ الحقيقة اللي كنت خايف يقولها… فؤاد هو اللي كان بيشارك حسام في البداية… وبعد الخلاف، كل حاجة اتقلبت.

 

فؤاد كمل بصوت أهدى من الأول: ـ أنا ما متش يا حسام… أنا اتدفنت بإيدك… بس طلعت منها.

 

وبعدين فجأة صوته اتغير، بقى أخطر: ـ والنهاردة، أنا جاي آخد حقي… وهبدأ بيها هي.

 

اتجمدت.

 

ـ أنا؟!

 

سامر صرخ: ـ اقفلي الخط!!

 

لكن قبل ما أتحرك، صوت خبط عالي جداً جه من باب المخزن الحديد.

 

بوم!

 

ثم تاني.

 

بوم!

 

حسام مسك إيدي: ـ اطلعي من الباب الجانبي بسرعة!

 

عم أبو ياسر جري ناحية صندوق خشبي وبدأ يفتحه: ـ فيه ممر قديم تحت المخزن… بيطلع على بره!

 

سامر بص حواليه: ـ هو مش جاي يدخل… هو جاي يحاصرنا.

 

الخبط زاد، والباب بدأ يتقوس من القوة.

 

وفجأة…

 

صوت فؤاد من بره، واضح من غير تليفون:

 

ـ افتحوا… قبل ما أفتح أنا.

 

النور بدأ يومض.

 

والأرض تحتينا كأنها بتتنفس.

 

عم أبو ياسر صرخ: ـ لقيته!

 

باب أرضي اتفتح قدامنا.

 

سامر نزل أول واحد.

 

حسام شدني: ـ انزلي!

 

بدأت أنزل السلم الحديدي، وقلبي هيقف.

 

وفوقنا…

 

صوت الحديد وهو بيتكسر.

 

فؤاد دخل.

 

وفي اللحظة اللي كنت بختفي فيها تحت الأرض…

 

سمعت صوته جاي من فوق، قريب جدًا، مرعب جدًا:

 

ـ أم خالد… اللعبة لسه في أولها.

 

والظلام بلعنا تحت المخزن…

 

والممر اتقفل علينا.

 

يتبع…الممر كان ضيق ورطوبة الأرض خانقة، وصوت خطواتنا بيتكسر على الجدران كأنه بيجري أسرع مننا.

 

سامر قدامنا بيحاول يفتح الطريق بإيده، وعم أبو ياسر بيهمس: ـ ده ممر قديم… زمان كان بيهربوا منه البضايع المهربة.

 

حسام ماسك إيدي، بس أول مرة أحس إن إيده بترتعش.

 

فجأة…

 

فوقنا صوت حاجة بتتهد.

 

بوم!

 

تراب نزل علينا من السقف.

 

عم أبو ياسر صرخ: ـ بيقفلوا علينا المدخل!

 

وقبل ما حد يرد، سمعنا صوت فؤاد… جاي من فوق كأنه واقف على الأرض اللي فوقنا مباشرة:

 

ـ فاكرين إنكم هتهربوا؟

 

سامر وقف فجأة وبص لفوق: ـ إنت عايز إيه بالظبط؟!

 

جاله الرد هادي جدًا: ـ عايز اللي اتاخد مني… ومش هسيب حد يطلع من هنا غير لما أختاره أنا.

 

حسام بصلي وقال بصوت منخفض: ـ لو خرجنا من هنا لازم نروح للشرطة فورًا.

 

قبل ما أرد، الأرض تحت رجلي هزّت.

 

الممر بدأ يضيق فعليًا.

 

الجدران كأنها بتتحرك.

 

عم أبو ياسر قال بصدمة: ـ ده مش ممر عادي… ده متصمم يقفل نفسه!

 

سامر جري لقدام وهو بيقول: ـ في باب حديد في آخره… لو وصلناه نقدر نطلع على البحر.

 

جرينا.

 

الصوت وراينا بقى أقرب.

 

خطوات.

 

مش خطوة واحدة.

 

خطوات كتير.

 

كأن في أكتر من شخص بينزلوا وراينا.

 

بصيت لحسام: ـ هو لوحده؟

 

ما ردش.

 

وده كان الرد نفسه.

 

وصلنا لباب حديد ضخم فعلاً.

 

سامر حاول يفتحه، لكنه كان مقفول بسلسلة كبيرة.

 

عم أبو ياسر طلع مفتاح قديم: ـ حسام كان مخليه عندي “لوقت الضرورة”.

 

فتحناه بصعوبة.

 

وفجأة الباب اتفتح على شاطئ مهجور.

 

هوا بارد.

 

وصوت البحر عالي.

 

طلعنا نجري برا واحد ورا التاني.

 

لكن أول ما خرجنا…

 

لقينا عربيتين سودا واقفين.

 

ومستنيين.

 

ونفس اللحظة…

 

فؤاد طلع من الممر ووقف عند المدخل.

 

ماكانش مستعجل.

 

كان واثق.

 

وبص لنا كلنا وقال:

 

ـ كده الصورة بدأت تكتمل.

 

ثم رفع إيده.

 

ومن العربيات نزلوا رجالة.

 

كأنهم كانوا عارفين كل خطوة هنهربها.

 

سامر همس: ـ كنا متراقبين من البداية…

 

حسام شد إيدي جامد وقال: ـ اسمعي… مهما حصل، متبعديش عني.

 

فؤاد ابتسم من بعيد وقال بصوت عالي:

 

ـ يا حسام… آخر فرصة.

 

تسلملي اللي عندك… وأسيبلك تخرج.

 

حسام رد بصوت ثابت لأول مرة: ـ مش هتاخد حاجة تانية.

 

سكت فؤاد لحظة…

 

وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد:

 

ـ حتى لو قلتلك إن ابنك لسه عايش؟

 

الصمت وقع.

 

حسام قال ببطء: ـ تقصد مين؟

 

فؤاد ابتسم: ـ خالد… أو اللي كنت فاكره خالد.

 

وقبل ما أي حد يتحرك…

 

فؤاد لوّح بإيده ناحية البحر.

 

وضوء كشافات جه من بعيد على مركب صغير بيقرب.

 

وعلى سطح المركب…

 

كان فيه شخص مربوط.

 

رأسه مرفوعة بالعافية.

 

وشه باين رغم المسافة.

 

حسام شهق بصوت عالي: ـ خالد!!

 

وانتهت اللحظة على صوت فؤاد وهو بيقول بهدوء قاتل:

 

ـ اللعبة دلوقتي بقت عيلة ضد عيلة… والاختيار ليك يا حسام.

 

يتبع…الهواء وقف في لحظتها.

حسام ما اتحركش… كأنه اتشل تمامًا.

وعينه ثابتة على المركب اللي بتقرب.

الشخص المربوط… كان بيحاول يرفع راسه.

حركة بسيطة بس كفيلة تقطع الشك.

سامر قال بصوت منخفض: ـ ممكن يكون فخ…

لكن حسام قاطعه بعصبية مكتومة: ـ ده ابني.

فؤاد ابتسم من بعيد: ـ أخيرًا افتكرت تبص صح.

المركب قربت أكتر.

والكشافات نورت وش الشخص بوضوح أكبر.

مفيش شك.

خالد.

حسام خطا خطوة لقدام، لكن سامر مسكه بسرعة: ـ استنى! ده ممكن يكون تمثيل!

حسام زعق: ـ ابني مربوط قدامي وأنا أستنى؟!

وفجأة…

صوت من المركب:

ـ يا بابا…

صوت خالد.

ضعيف.

مكسور.

لكن حقيقي.

رجلي اتخبطت في الأرض.

سامر بصلي: ـ الصوت متسجل… ده مش دليل!

لكن فؤاد رد وهو ضاحك: ـ لأ… ده حي.

وبعدين بص لحسام: ـ اختار.

سكت ثانية.

ـ الفلوس… ولا ابنك؟

حسام ما فكرش.

صرخ: ـ خد كل حاجة… سيب ابني!

ابتسامة فؤاد اختفت لأول مرة.

وبدلها نظرة باردة.

ـ كنت عارف إنك هتقول كده.

ورفع إيده.

وفي لحظة…

الرجالة اللي حوالينا قربوا.

سامر شدني وجرنا ناحية البحر: ـ لازم نتحرك دلوقتي!

لكن حسام وقف مكانه.

ـ مش هسيب خالد.

فؤاد قال بهدوء: ـ يبقى هتخسره تاني.

وفجأة…

صوت طلق ناري شق الهواء.

بوم!

الرصاصة جت في الرمل جنب حسام.

الكل اتجمد.

لكن قبل الطلقة التانية…

عم أبو ياسر طلع مسدس قديم كان مخبيه تحت هدومه.

وصرخ: ـ اركبوا العربية بسرعة!

وانفجر المكان في لحظة فوضى.

طلق نار.

صراخ.

حركة رجالة فؤاد بيقربوا.

سامر شدني بالعافية: ـ اركبي!!

حسام جري ناحية المركب وهو بيصرخ: ـ خالد!!

لكن فؤاد وقف قدامه مباشرة.

من غير سلاح.

من غير خوف.

وقال بصوت هادي: ـ لو خطوت خطوة كمان… مش هتشوفه تاني.

حسام وقف.

عيونه على ابنه.

وقلبه بيتكسر.

وفجأة…

خالد رفع راسه بصعوبة وصاح: ـ يا بابا… متصدقوش!

الصوت كان كفاية.

حسام فهم.

دي مش لعبة إنقاذ.

دي مصيدة.

حسام لف بسرعة ناحية سامر: ـ اسحبوه!

سامر جري ناحيته.

وفي اللحظة دي…

خالد صرخ تاني: ـ تحت المركب… في قنبلة!

الصمت ضرب المكان.

فؤاد لأول مرة فقد هدوءه: ـ اسكت!!

لكن كان فات الأوان.

سامر بص لحسام: ـ لازم نخرج دلوقتي!

حسام بص ناحية خالد مرة أخيرة…

وبصوت مكسور قال: ـ سامحني يا ابني…

وبعدين جري.

كلنا جرينا ناحية العربيات.

وفجأة…

انفجار ضخم هز الميناء كله.

المركب اتحولت لنار.

والبحر اتغطي دخان.

وقعنا على الأرض.

الصمت رجع.

لكن حسام كان بيبص للنار وهو بيهمس: ـ خالد…

سامر مسكه: ـ لو كان عليها قنبلة فعلًا… كان لازم ننقذ نفسنا.

لكن حسام ما ردش.

كان باصص للنار كأنه بيستنى معجزة.

وفجأة…

من وسط الدخان…

طلعت إشارة ضوء صغيرة.

بتتحرك.

قلب حسام وقف.

ـ ده… خالد؟

سامر شد عينه: ـ مستحيل يكون نجا…

لكن الإشارة قربت من الشاطئ.

وشخص طلع من الميه بيجري…

كان خالد.

حي.

لكن أول ما وصل للبر…

قال جملة واحدة وهو بيكح: ـ فؤاد… مش لوحده.

وقبل ما يكمل…

وقع على الأرض.

ومن وراه…

ظهر ظل جديد واقف على حافة البحر.

ظل لحد دلوقتي ما اتكلمش.

لكن صوته طلع هادي جدًا:

ـ اللعبة لسه مكملة… وأنا دوري بدأ دلوقتي.

يتبع…الكل رفع عينه ناحية الشاطئ.

 

الظل كان واقف ثابت… كأنه جزء من الضباب نفسه.

 

مش بيتحرك.

 

مش بيجري.

 

بس وجوده لوحده كان كافي يخلي أي حد يتجمد.

 

حسام بص له وقال بصوت منخفض: ـ إنت مين؟

 

الرد جه هادي جدًا، شبه همس: ـ أنا اللي كنت بلمّ الخيوط وإنتوا بتتخانقوا.

 

سامر شد المسدس في إيده: ـ اظهر!

 

الظل بدأ يقرب خطوة… خطوة… لحد ما نور القمر كشف ملامحه.

 

راجل في أواخر الخمسينات.

 

هدومه أنيقة بشكل مبالغ فيه وسط المكان الموحل ده.

 

وفي إيده ملف سميك.

 

بص لحسام وقال: ـ من زمان وأنا مستني اللحظة دي.

 

حسام ضيق عينه: ـ نعرفك؟

 

ابتسامة خفيفة ظهرت على وش الراجل: ـ تعرفني أكتر مما تتخيل… أنا كنت محاسب الشركة الأول.

 

سامر شهق: ـ “محمود الدسوقي”…

 

الرجل هز راسه: ـ أخيرًا حد افتكر.

 

الصمت وقع ثواني.

 

وبعدين كمل: ـ أنا اللي بدأت كل حاجة… قبل سامر… وقبل فؤاد… وقبل حتى الخلافات اللي دمرتكم.

 

حسام قال بعصبية: ـ تقصد إيه بدأت كل حاجة؟

 

محمود فتح الملف اللي في إيده.

 

ورمى ورقة على الأرض.

 

الورقة كانت عقد قديم جدًا.

 

ـ الشركة دي ماكنتش شركتكم… كانت مشروع مشترك بيني وبين حسام… وبين فؤاد… وبين سامر.

 

سامر بص بصدمة: ـ مستحيل…

 

محمود كمل: ـ ولما بدأت الفلوس تكبر… كل واحد فيكم بدأ يشوف نفسه صاحب الحق الوحيد.

 

بص لحسام: ـ وإنت كنت أذكى واحد… فقررت تمحي الباقي.

 

حسام صرخ: ـ كدب!

 

لكن الراجل رفع إيده: ـ مش كدب… واسأل نفسك… مين أول واحد اختفى؟ سامر؟ ولا فؤاد؟

 

سكون.

 

ثم أكمل: ـ الحقيقة إنكم كلكم حاولتوا تمسحوا بعض… وأنا كنت اللي براقب.

 

خالد رفع راسه بصعوبة وهو على الأرض: ـ بابا… بلاش تسمعه…

 

لكن محمود بص له: ـ حتى ابنك… جزء من اللعبة من غير ما يعرف.

 

حسام بص له: ـ عايز إيه دلوقتي؟

 

الراجل ابتسم: ـ أرجع الشركة… كلها.

 

سامر ضحك بسخرية: ـ بعد كل ده؟ فاكرنا هنوافق؟

 

محمود بص ناحية البحر: ـ مش محتاج موافقتكم.

 

وفجأة…

 

صوت محركات جاي من بعيد.

 

قوارب تانية بدأت تقرب.

 

كأن المكان كله بيتقفل.

 

عم أبو ياسر صرخ: ـ إحنا محاصرين!

 

محمود رفع إيده تاني: ـ عندي تسجيلات… تحويلات… اعترافات… وكل حاجة تثبت إنكم كلكم شاركتم في جرائم مالية وقتل.

 

بص لحسام: ـ بس في حاجة واحدة ممكن تنقذك.

 

حسام قال: ـ إيه؟

 

محمود: ـ توقعلي التنازل الكامل… وهسيبكم تمشوا أحياء.

 

سامر صرخ: ـ ما تمضيش!

 

لكن حسام كان ساكت.

 

بيبص على ابنه.

 

وبعدين على البحر.

 

وبعدين على الورق.

 

اللحظة كانت تقيلة.

 

وفجأة…

 

خالد قال بصوت واطي: ـ يا بابا… متصدقهوش.

 

حسام غمض عينه.

 

وبعد ثانيتين فتحهم.

 

وقال: ـ مش هيمضي حاجة.

 

محمود هز راسه بهدوء غريب: ـ كنت عارف إنك هتقول كده.

 

ورفع إيده.

 

وفجأة…

 

كل القوارب اللي في البحر نورت كشافاتها علينا.

 

محمود قال: ـ يبقى نخلصها بالطريقة التانية.

 

وفي اللحظة دي…

 

سامر صرخ: ـ اركضوا!

 

وانفجرت الفوضى من جديد.

 

طلق نار من البحر.

 

وجري في كل اتجاه.

 

حسام شد خالد اللي لسه بيترنح: ـ فوق يا ابني!

 

خالد بص له وقال بصوت مكسور: ـ في ممر تحت الصخور… فؤاد كان عارفه… استخدموه للهروب زمان…

 

سامر سمعه: ـ فين؟

 

خالد أشار: ـ هناك!

 

في نفس اللحظة…

 

رصاصة عدت جنبهم.

 

والمكان كله اتحول لساحة حرب.

 

حسام شال خالد على كتفه وصرخ: ـ امشوا!!

 

وكلهم جريوا ناحية الصخور…

 

بينما خلفهم…

 

صوت محمود كان بيعلو وسط الرصاص: ـ محدش هيروح… غير لما أقرر أنا النهاية!

 

وانفتح باب جديد من الظلام…

 

تحت الصخور…

 

يدخلهم لمكان ماحدش يعرف نهايته.

 

يتبع…النفق تحت الصخور كان أضيق مما توقعوا.

 

رطوبة خانقة، وصوت البحر فوقهم كأنه بيخبط على دماغهم مش على الصخر.

 

حسام شايل خالد، ونَفَسه تقيل: ـ خليك معايا… خليك صاحي.

 

خالد بصعوبة فتح عينه: ـ بابا… سامر… مش لازم تثقوا في محمود… هو مش بس محاسب…

 

سامر اللي ماشي وراهم وقف فجأة: ـ يعني إيه؟

 

خالد كحّ وقال: ـ هو اللي كان بيدير التحويلات كلها… باسم شركات وهمية… وهو اللي لعب على الكل… حتى فؤاد…

 

سكت لحظة، وكمل بصوت مكسور: ـ وهو اللي خلّى بابا يصدق إن سامر مات.

 

الصمت وقع في النفق لحظة.

 

حسام بص قدامه كأنه بيستوعب صدمة جديدة: ـ يعني… من البداية؟

 

سامر قال ببطء: ـ هو اللي حرّك اللعبة كلها…

 

من وراهم، صوت ضرب نار خفيف بدأ يختفي تدريجيًا… لكن مكانه بدأ ييجي صوت خطوات.

 

قريبة.

 

جوا النفق.

 

عم أبو ياسر همس: ـ دخلوا وراينا…

 

وفجأة…

 

نور كشاف قوي ظهر في آخر النفق.

 

صوت محمود: ـ فكرين إن النفق هيخبيكم مني؟

 

سامر شد المسدس: ـ ده جاي لوحده؟

 

لكن خالد بص بخوف: ـ لأ… هو مش لوحده.

 

وفعلاً…

 

ظهر وراه شخص تاني.

 

لكن لما قرب…

 

حسام شهق: ـ فؤاد!

 

فؤاد كان واقف، ملامحه متغيرة، كأنه عايش بين نارين.

 

بص لحسام وقال: ـ أنا ماجيتش أقاتل… أنا جيت أوقفه.

 

محمود ضحك من وراه: ـ أوقفني؟ بعد ما كنت شغال معايا سنين؟

 

فؤاد رد ببرود: ـ كنت فاكرني شريك… لكن أنا كنت مراقبك.

 

سكون.

 

ثم فجأة فؤاد بص لحسام: ـ الحقيقة كلها عندي… ووقتها مش هتقدر تثق في أي حد هنا.

 

سامر صرخ: ـ اخلصوا! مين فيكم بيلعب علينا؟

 

لكن قبل ما حد يرد…

 

محمود رفع جهاز صغير في إيده.

 

وقال: ـ النهاية دلوقتي.

 

ضغط زر.

 

وفجأة…

 

النفق كله اهتز.

 

حجارة بدأت تتساقط من السقف.

 

حسام صرخ: ـ بينا نطلع!

 

لكن فؤاد وقف في النص: ـ الطريق اللي وراكم اتقفل… واللي قدامكم هو أنا أو هو.

 

خالد بص لحسام: ـ بابا… لازم نختار بسرعة…

 

وفي لحظة صمت مرعبة…

 

سامر قال: ـ مفيش اختيار… في حقيقة واحدة.

 

وفجأة وجه المسدس ناحية محمود.

 

لكن فؤاد صرخ: ـ استنى!!

 

وانطلقت رصاصة…

 

لكن مش من سامر.

 

ولا من محمود.

 

ولا من فؤاد.

 

من مكان مجهول في النفق.

 

الكل اتجمد.

 

ووقع شخص على الأرض.

 

الضوء انكسر على وشه…

 

وكان…

 

عم أبو ياسر.

 

حسام صرخ: ـ لااا!

 

لكن قبل ما حد يتحرك…

 

عم أبو ياسر مسك إيد حسام وهمس بصوت ضعيف: ـ الوصية… الحقيقية… مش في الورق…

 

بلع ريقه بصعوبة: ـ فيك إنت…

 

وبعدين سكت.

 

والصمت دخل النفق كله.

 

محمود وقف ببطء وقال: ـ كده بقى مفيش شهود…

 

فؤاد بص له وقال بهدوء مرعب: ـ بالعكس… دلوقتي بدأت النهاية الحقيقية.

 

والنفق كله دخل في ظلام تام…

 

غير صوت خطوات جديدة جاية من بعيد…

 

أكتر من أي وقت فات.

 

يتبع…الظلام في النفق كان تقيل لدرجة إنك تحسّه بيتلمس بإيدك.

 

حسام واقف مكانه، ماسك جسد عم أبو ياسر اللي بدأ يبرد، وملامحه متخشبة من الصدمة.

 

خالد بصوت ضعيف: ـ لازم نكمل… لو وقفنا هنا هنموت كلنا.

 

سامر رفع الكشاف بتاعه ناحية الصوت اللي جاي من بعيد: ـ في حد بيقرب… وكتير.

 

فؤاد فجأة مسك دراع حسام: ـ اسمعني كويس… مفيش وقت للحزن دلوقتي.

 

حسام زعق فيه: ـ عم أبو ياسر مات!

 

فؤاد رد بحدة لأول مرة: ـ وهو مات عشان يحميكوا! فمش هتضيع موته كمان!

 

الصوت اللي جاي في النفق بقى أقرب… خطوات منظمة، مش عشوائية.

 

محمود ابتسم في الظلام: ـ خلاص… رجالي وصلوا.

 

سامر لف بسرعة: ـ إنت جايب جيش؟

 

محمود: ـ أنا ماجيتش لوحدي من الأول أصلاً.

 

وفجأة نور قوي جدًا ضرب النفق من الجهة التانية.

 

ظهر باب حديد قديم كان مدفون جزئيًا في الصخور.

 

خالد قال بسرعة: ـ ده مخرج قديم… لو فتحناه نطلع على الجهة التانية من الساحل!

 

حسام مسك الباب وحاول يفتحه، لكنه كان مقفول بسلسلة ضخمة.

 

فؤاد بص حواليه: ـ مفيش وقت للكلام… ساعدوني!

 

كلهم شدوا السلسلة مع بعض.

 

سامر صرخ: ـ بسرعة!

 

وفي نفس اللحظة…

 

طلق نار اخترق الجدار الصخري جنبهم.

 

محمود كان بيقرب.

 

صوته جاي من الخلف: ـ مش هتخرجوا إلا لما أنا أقرر!

 

خالد صرخ: ـ بابا! أسرع!

 

حسام شد بكل قوته… وفجأة السلسلة اتكسرت.

 

الباب الحديدي اتفتح بنص صرير مرعب.

 

ضوء النهار دخل النفق لأول مرة.

 

لكن قبل ما يخرجوا…

 

فؤاد وقف فجأة.

 

حسام بص له: ـ إنت جاي ولا لأ؟

 

فؤاد بص ناحية الخلف حيث محمود وجنوده: ـ لو خرجت أنا… هو هيخرج وراكم.

 

سامر: ـ يعني إيه؟

 

فؤاد ابتسم ابتسامة حزينة: ـ يعني لازم حد يفضل هنا يقفل عليه الطريق.

 

سكون.

 

خالد: ـ لا… مش هنسيبك.

 

فؤاد بص له: ـ دي أول مرة أكون أنا اللي بختار النهاية.

 

وفجأة…

 

فؤاد دفعهم واحد واحد ناحية الباب: ـ اطلعوا!

 

حسام صرخ: ـ فؤاد!!

 

لكن فؤاد كان ثابت.

 

وراءه صوت محمود بيقرب بسرعة جنونية.

 

فؤاد رفع سلاحه ووجهه ناحية المدخل المظلم: ـ خلاص يا محمود… انتهيت.

 

محمود ظهر في آخر النفق، وابتسامة جنونية على وشه: ـ إنت فاكر إنك كده كسبت؟

 

فؤاد: ـ لأ… بس هخليك تخسر اللي وراك كمان.

 

وضغط على زر صغير في إيده.

 

ثواني صمت.

 

وبعدين…

 

انفجار ضخم هز النفق كله.

 

حسام وخالد وسامر اتسحبوا بره الباب بقوة الانفجار، ووقعوا على الرمل خارج النفق.

 

الصخور انهارت خلفهم.

 

المدخل اتقفل بالكامل.

 

سكون تام.

 

الدخان طالع من تحت الصخور.

 

خالد بص على المكان وهو بيكح: ـ فؤاد…

 

حسام ما ردش.

 

كان بيبص على الركام… عينه مش بتتحرك.

 

سامر قال بصوت منخفض: ـ هو اللي اختار.

 

مرت ثواني ثقيلة.

 

وفجأة…

 

من وسط الدخان…

 

ظهر ظل بيتحرك ببطء.

 

خطوة.

 

وبعدين خطوة.

 

وطلع…

 

لكن مش فؤاد.

 

كان محمود.

 

مغطى بالتراب… ووشه مليان غضب.

 

بص لهم وقال: ـ افتكروا إن ده نهاية؟

 

وبص ناحية البحر: ـ لسه في ملف ما اتقفلش.

 

ثم اختفى في الضباب على الساحل.

 

خالد بص لحسام: ـ هو لسه عايش…

 

حسام بص قدامه وقال بصوت مكسور: ـ يبقى احنا لسه ما خلصناش.

 

وانتهت اللحظة على صوت البحر العالي…

 

وبداية فصل جديد أخطر من كل اللي فات.

 

يتبع…الضباب على الساحل كان بيزيد، كأنه بيبلع أي أثر.

 

حسام واقف مكانه، عينه على المكان اللي اختفى فيه محمود، كأنّه بيحاول يصدق إن كل ده مش انتهى فعلاً.

 

خالد بصوت مبحوح: ـ بابا… إحنا لازم نمشي من هنا دلوقتي.

 

سامر مسح التراب من على وشه: ـ هو مش هيسيبنا. محمود لو نجا من الانفجار ده يبقى عنده خطة تانية.

 

حسام قال ببطء: ـ وفؤاد…

 

سكت.

 

الكلمة لوحدها كانت تقيلة.

 

فجأة، من بين الصخور اللي انهارت، سمعوا صوت خفيف… زي حد بيخبط.

 

طَق… طَق…

 

خالد لف بسرعة: ـ في حد جوه!

 

سامر شدّه: ـ مستحيل يكون فؤاد… المكان كله اتقفل عليه!

 

لكن الصوت اتكرر.

 

أقوى.

 

حسام قرب من الركام، وبدأ يزيح حجارة بإيده رغم إنها ساخنة ومليانة غبار.

 

ـ لو كان لسه فيه نفس… لازم نطلّعه.

 

كلهم بدأوا يحفروا.

 

دقايق طويلة، إيدين بتنزف، ورمل بيغرق المكان.

 

وفجأة…

 

إيد طلعت من تحت الصخور.

 

الكل اتجمد.

 

وبعدين ظهر وش فؤاد… مرهق، مغطي بالدم والتراب، لكنه عايش.

 

خالد صرخ: ـ هو حي!

 

حسام سحبه بسرعة: ـ إنت مجنون… كنت هتموت هناك!

 

فؤاد أخذ نفس بصعوبة: ـ محمود… ماكانش الهدف إنه يموتنا… كان الهدف إنه يدفن الحقيقة معانا.

 

سامر: ـ إيه الحقيقة دي اللي بتكلف كل ده؟

 

فؤاد فتح عينه بصعوبة: ـ محمود مش لوحده… فيه شبكة أكبر منه… أكبر من الشركة… أكبر من أي حد.

 

حسام بص له: ـ تقصد إيه؟

 

فؤاد حاول يقف: ـ كل اللي حصل… من أول دفن الجثة الغلط… لحد لعبته مع خالد وهيثم… كان هدفه يوصلك لمرحلة واحدة.

 

خالد: ـ مرحلة إيه؟

 

فؤاد بص لحسام مباشرة: ـ مرحلة إنك تفتح الخزنة.

 

سكون.

 

حسام شهق: ـ الخزنة…؟

 

فؤاد هز راسه: ـ اللي في البنك القديم… باسمك إنت… مش باسم الشركة.

 

سامر: ـ ليه مهمه للدرجة دي؟

 

فؤاد قال بصوت منخفض: ـ لأنها مش فلوس.

 

بص لهم واحد واحد: ـ دي ملفات ناس كبار… سياسات… صفقات… وأسماء لو خرجت للنور… هتقلب البلد.

 

خالد بص بصدمة: ـ وإنت عايزنا نعمل إيه؟

 

فؤاد: ـ محمود دلوقتي رايح قبلنا عليها.

 

حسام شد نفسه: ـ يبقى لازم نلحقه.

 

لكن سامر قال: ـ وإحنا نقدر نثق فيك إزاي بعد كل ده؟

 

فؤاد ابتسم ابتسامة مرهقة: ـ ماحدش يثق في حد… بس لو محمود فتح الخزنة الأول… ساعتها الكل هيدفع التمن.

 

سكون ثقيل.

 

حسام بص لخالد، ثم لسامر.

 

وبعدين قال: ـ هنروح البنك.

 

خالد: ـ وإحنا ممكن نموت هناك.

 

حسام: ـ إحنا أصلًا ميتين من يوم الجنازة.

 

ركبوا عربية قديمة لاقوها على الطريق الترابي، وانطلقوا بسرعة ناحية المدينة.

 

وخلفهم… البحر كان هادي بشكل مريب.

 

لكن في مكان بعيد جدًا على الشاطئ…

 

كان في مركب صغير بيتحرك من غير أضواء.

 

وعلى سطحه…

 

محمود واقف، ماسك ملف سميك، وبصص قدامه وهو بيقول لنفسه: ـ الخزنة دي مش هتتفتح بس.

 

ابتسم ابتسامة باردة: ـ دي هتكتب النهاية.

 

وانتهت الليلة على الطريق…

 

والرحلة اللي جاية ناحية البنك القديم كانت بداية مواجهة أخطر من كل اللي قبلها.

 

يتبع…الضباب على الساحل كان بيزيد، كأنه بيبلع أي أثر.

 

حسام واقف مكانه، عينه على المكان اللي اختفى فيه محمود، كأنّه بيحاول يصدق إن كل ده مش انتهى فعلاً.

 

خالد بصوت مبحوح: ـ بابا… إحنا لازم نمشي من هنا دلوقتي.

 

سامر مسح التراب من على وشه: ـ هو مش هيسيبنا. محمود لو نجا من الانفجار ده يبقى عنده خطة تانية.

 

حسام قال ببطء: ـ وفؤاد…

 

سكت.

 

الكلمة لوحدها كانت تقيلة.

 

فجأة، من بين الصخور اللي انهارت، سمعوا صوت خفيف… زي حد بيخبط.

 

طَق… طَق…

 

خالد لف بسرعة: ـ في حد جوه!

 

سامر شدّه: ـ مستحيل يكون فؤاد… المكان كله اتقفل عليه!

 

لكن الصوت اتكرر.

 

أقوى.

 

حسام قرب من الركام، وبدأ يزيح حجارة بإيده رغم إنها ساخنة ومليانة غبار.

 

ـ لو كان لسه فيه نفس… لازم نطلّعه.

 

كلهم بدأوا يحفروا.

 

دقايق طويلة، إيدين بتنزف، ورمل بيغرق المكان.

 

وفجأة…

 

إيد طلعت من تحت الصخور.

 

الكل اتجمد.

 

وبعدين ظهر وش فؤاد… مرهق، مغطي بالدم والتراب، لكنه عايش.

 

خالد صرخ: ـ هو حي!

 

حسام سحبه بسرعة: ـ إنت مجنون… كنت هتموت هناك!

 

فؤاد أخذ نفس بصعوبة: ـ محمود… ماكانش الهدف إنه يموتنا… كان الهدف إنه يدفن الحقيقة معانا.

 

سامر: ـ إيه الحقيقة دي اللي بتكلف كل ده؟

 

فؤاد فتح عينه بصعوبة: ـ محمود مش لوحده… فيه شبكة أكبر منه… أكبر من الشركة… أكبر من أي حد.

 

حسام بص له: ـ تقصد إيه؟

 

فؤاد حاول يقف: ـ كل اللي حصل… من أول دفن الجثة الغلط… لحد لعبته مع خالد وهيثم… كان هدفه يوصلك لمرحلة واحدة.

 

خالد: ـ مرحلة إيه؟

 

فؤاد بص لحسام مباشرة: ـ مرحلة إنك تفتح الخزنة.

 

سكون.

 

حسام شهق: ـ الخزنة…؟

 

فؤاد هز راسه: ـ اللي في البنك القديم… باسمك إنت… مش باسم الشركة.

 

سامر: ـ ليه مهمه للدرجة دي؟

 

فؤاد قال بصوت منخفض: ـ لأنها مش فلوس.

 

بص لهم واحد واحد: ـ دي ملفات ناس كبار… سياسات… صفقات… وأسماء لو خرجت للنور… هتقلب البلد.

 

خالد بص بصدمة: ـ وإنت عايزنا نعمل إيه؟

 

فؤاد: ـ محمود دلوقتي رايح قبلنا عليها.

 

حسام شد نفسه: ـ يبقى لازم نلحقه.

 

لكن سامر قال: ـ وإحنا نقدر نثق فيك إزاي بعد كل ده؟

 

فؤاد ابتسم ابتسامة مرهقة: ـ ماحدش يثق في حد… بس لو محمود فتح الخزنة الأول… ساعتها الكل هيدفع التمن.

 

سكون ثقيل.

 

حسام بص لخالد، ثم لسامر.

 

وبعدين قال: ـ هنروح البنك.

 

خالد: ـ وإحنا ممكن نموت هناك.

 

حسام: ـ إحنا أصلًا ميتين من يوم الجنازة.

 

ركبوا عربية قديمة لاقوها على الطريق الترابي، وانطلقوا بسرعة ناحية المدينة.

 

وخلفهم… البحر كان هادي بشكل مريب.

 

لكن في مكان بعيد جدًا على الشاطئ…

 

كان في مركب صغير بيتحرك من غير أضواء.

 

وعلى سطحه…

 

محمود واقف، ماسك ملف سميك، وبصص قدامه وهو بيقول لنفسه: ـ الخزنة دي مش هتتفتح بس.

 

ابتسم ابتسامة باردة: ـ دي هتكتب النهاية.

 

وانتهت الليلة على الطريق…

 

والرحلة اللي جاية ناحية البنك القديم كانت بداية مواجهة أخطر من كل اللي قبلها.

 

يتبع…العربية كانت ماشية بسرعة على طريق شبه فاضي، والجو بدأ يبرد بشكل غريب كأن المدينة نفسها حاسة إن حاجة كبيرة قربت تحصل.

 

حسام ماسك الدركسيون بإيد، والتانية بتترعش.

 

خالد بص من الشباك: ـ البنك ده فين بالظبط؟

 

سامر فتح الموبايل القديم بتاعه: ـ في وسط المدينة القديمة… مبنى مقفول من سنين، بس الخزنة لسه شغالة بنظام قديم مش متسجل إلكتروني.

 

فؤاد، اللي قاعد ورا وهو لسه مصاب: ـ محمود هيكون سبقنا.

 

حسام: ـ وإحنا هنلحقه.

 

سكت لحظة، وبعدين قال: ـ حتى لو حصل إيه.

 

 

—

 

في نفس الوقت…

 

في قلب المدينة القديمة…

 

محمود كان واقف قدام مبنى ضخم مهجور، بوابته الحديد بتصرّ بصوت قديم.

 

معاه رجالة، وكلهم لابسين هدوم عادية، كأنهم مش مسلحين… لكن عيونهم كانت بتقول العكس.

 

فتح الباب ودخل.

 

الممر الطويل كان مظلم.

 

لكن هو كان حافظ المكان.

 

وصل قدام باب حديد عليه رقم قديم: 17

 

ابتسم: ـ أخيرًا.

 

حط كارت معدني في فتحة صغيرة.

 

الباب فتح ببطء.

 

نور أصفر ضعيف خرج من جوه.

 

والخزنة كانت هناك.

 

كبيرة… قديمة… تقيلة.

 

لكن الغريب إنها كانت مفتوحة جزئيًا.

 

محمود وقف مكانه: ـ إيه ده…؟

 

وفجأة سمع صوت وراه:

 

ـ متستعجلش.

 

لف بسرعة.

 

سامر كان واقف عند المدخل.

 

وخلفه حسام وخالد وفؤاد.

 

محمود ابتسم: ـ جيتوا في الوقت الصح… أو المتأخر.

 

حسام بص للباب: ـ متلمسش الخزنة.

 

محمود ضحك: ـ متأخرين يا حسام… أنا فتحت أول طبقة بالفعل.

 

سامر: ـ طبقة؟

 

محمود أشار ناحية الخزنة: ـ دي مش خزنة فلوس… دي نظام تخزين ملفات متعدد المستويات… كل مستوى فيه اسم مختلف… وكل اسم يفتح باب حرب جديدة.

 

خالد بص بدهشة: ـ حرب إيه؟

 

محمود قرب خطوة: ـ حرب اللي هيحكم البلد من بعدكم.

 

فؤاد شد نفسه: ـ إنت مجنون.

 

محمود: ـ لأ… أنا الوحيد اللي فهم اللعبة صح.

 

وفجأة ضغط زر صغير في جهاز في إيده.

 

صوت إنذار خافت اشتغل في المبنى.

 

حسام: ـ عملت إيه؟!

 

محمود: ـ قفلت عليكم المخرج.

 

في نفس اللحظة… الباب الخلفي اتقفل بمعدن نازل من السقف.

 

سامر: ـ إحنا محبوسين!

 

محمود ابتسم: ـ دلوقتي نقدر نبدأ.

 

خطا ناحية الخزنة بالكامل.

 

لكن قبل ما يلمسها…

 

خالد صرخ: ـ استنى!

 

كلهم بصوا له.

 

خالد كان ماسك ورقة صغيرة وقعِت من جيب فؤاد.

 

فتحها بسرعة.

 

كانت مكتوب بخط قديم:

 

“اللي يفتح الخزنة مش هو اللي يخرج منها.”

 

سكون.

 

محمود ضحك: ـ بالظبط.

 

وفجأة…

 

ضغط زر تاني.

 

والخزنة بدأت تصدر صوت داخلي غريب.

 

كأنها بتتنفس.

 

سامر: ـ ده مش فتح خزنة… ده تشغيل نظام أمان!

 

فؤاد فجأة: ـ اطلعوا برا! ده فخ!

 

لكن الأوان كان فات.

 

الأرض تحتهم بدأت تهتز.

 

والخزنة اتفتحت بالكامل.

 

ومن جوه…

 

طلع ضوء أبيض قوي عمى الكل.

 

وصوت آلي قديم اشتغل في المكان كله:

 

“تم تفعيل البروتوكول النهائي.”

 

محمود ابتسم وهو بيغمض عينه من الضوء: ـ أخيرًا…

 

حسام صرخ: ـ بروتوكول إيه؟!

 

الصوت الآلي كمل:

 

“تحديد الهوية… فؤاد محمود سامر حسام خالد… تم التعرف على جميع الأطراف.”

 

سكون مرعب.

 

ثم:

 

“بدء الإغلاق النهائي للمبنى.”

 

سامر: ـ إغلاق إيه؟!

 

فؤاد بص بصدمة: ـ ده نظام تدمير ذاتي…

 

خالد: ـ يعني إيه؟!

 

فؤاد بص لهم: ـ يعني المكان كله هيتقفل… ومفيش حد هيطلع.

 

محمود بص لحسام: ـ قولتلك… النهاية هتتكتب هنا.

 

حسام شد خالد: ـ اطلعوا حالًا!

 

لكن الأبواب كانت بتتقفل واحدة واحدة.

 

والممرات بدأت تتغير.

 

كأن المبنى نفسه بيبتلعهم.

 

وفجأة…

 

محمود قال بهدوء: ـ في مخرج واحد بس.

 

بص لهم: ـ وأنا الوحيد اللي يعرفه.

 

سكون.

 

حسام: ـ عايز إيه؟

 

محمود ابتسم: ـ الخزنة… واللي فيها… مقابل حياتكم.

 

خالد بص لحسام: ـ بابا…

 

حسام سكت ثانيتين.

 

وبعدين قال:

 

ـ افتحها.

 

لكن قبل ما محمود يقرب…

 

فؤاد رفع سلاحه وقال: ـ لأ… محدش هيلمسها.

 

وانقسم المكان في لحظة بين قرارين…

 

وبين ضوء بيقرب من الانفجار…

 

كانت النهاية الحقيقية بتبدأ.

 

يتبع…الضوء الأبيض كان بيزيد لدرجة إن ملامحهم بدأت تبهت كأنهم بيتسحبوا من الواقع نفسه.

 

الصوت الآلي تكرر مرة تانية:

 

“تبقى 120 ثانية قبل الإغلاق الكامل.”

 

حسام بص حواليه: ـ مفيش وقت!

 

محمود وقف قدام الخزنة وهو مبتسم: ـ قولتلكم… أنا الوحيد اللي فاهم النظام ده.

 

فؤاد رفع السلاح أكتر: ـ خطوة كمان وأنا هفرغ السلاح ده فيك.

 

محمود بص له بهدوء مخيف: ـ مش هتقدر توقفني… لأنك محتاجني زيهم بالظبط.

 

خالد كان بيحاول يفك باب جانبي: ـ الباب ده مقفول من جوه!

 

سامر: ـ إحنا محبوسين في قفص حديد!

 

فجأة الأرض اهتزت تاني.

 

صوت ميكانيكي تقيل جه من تحت الخزنة.

 

كأن حاجة ضخمة بدأت تتحرك.

 

فؤاد بص بسرعة: ـ ده مش نظام أمان… ده نظام دفن!

 

حسام: ـ دفن؟!

 

فؤاد: ـ المبنى ده معمول إنه يدفن كل اللي جواه لو الخزنة اتفتحت من غير “مفتاح الأساس”!

 

محمود ضحك: ـ ومين معاه مفتاح الأساس؟ أنا.

 

طلع قطعة معدنية صغيرة من جيبه.

 

لكن قبل ما يستخدمها…

 

خالد صرخ: ـ استنى!

 

كلهم بصوا له.

 

خالد كان ماسك ملف وقع من الأرض.

 

فتحه بسرعة.

 

كان فيه ورقة مكتوب فيها بخط قديم جدًا:

 

“مفتاح الأساس لا يُستخدم إلا من طرف واحد فقط… الوريث الحقيقي.”

 

سكون.

 

حسام بص له: ـ وريث إيه؟

 

فؤاد قال ببطء: ـ الوريث الحقيقي للشركة… وللنظام كله.

 

محمود ضحك: ـ مفيش حاجة اسمها كده.

 

لكن فجأة…

 

الضوء الأبيض بدأ يتركز على خالد.

 

الصوت الآلي اشتغل تاني:

 

“تم التعرف على تطابق جزئي… بدء إعادة التحقق.”

 

كلهم اتجمدوا.

 

خالد: ـ إيه ده؟!

 

حسام شدّه: ـ ابعد عن الضوء ده!

 

لكن شعاع من الخزنة كان بيجذبه فعليًا.

 

سامر: ـ ليه هو؟!

 

فؤاد بص بصدمة: ـ لأنه… في حاجة مش كاملة في الملف…

 

محمود ابتسم ببطء: ـ أخيرًا اللعبة بان فيها الوجه الحقيقي.

 

وبص لخالد: ـ شكلك أنت المفتاح اللي كلنا بندور عليه.

 

خالد بص لحسام: ـ بابا… أنا مش فاهم حاجة!

 

حسام كان بين الشك والخوف: ـ ابعد يا خالد!

 

لكن الضوء زاد أكتر، وسحب خالد ناحية الخزنة رغم مقاومته.

 

خالد صرخ: ـ مش قادر أقف!

 

فؤاد: ـ لو دخل جواه… مش هيطلع!

 

محمود: ـ أو يمكن هيطلع… بس مش هو.

 

سكون.

 

سامر: ـ تقصد إيه؟

 

محمود بص لهم: ـ الخزنة دي مش بتكشف أسرار… دي بتعيد تشكيلها.

 

وفجأة…

 

خالد اختفى داخل الضوء.

 

حسام صرخ بأعلى صوته: ـ خالدددد!

 

وفي اللحظة دي…

 

الصوت الآلي اتغير لأول مرة:

 

“تأكيد الهوية… الوريث تم تفعيله.”

 

سكون مرعب.

 

ثم:

 

“إعادة تشغيل النظام.”

 

كل الأبواب اللي كانت بتقفل… توقفت.

 

والخزنة بدأت تقفل ببطء تاني.

 

لكن المرة دي…

 

من جوه.

 

فؤاد بص بصدمة: ـ هو قفلها من الداخل…

 

محمود رجع خطوة: ـ لا… ده اختار يقلب اللعبة.

 

وفجأة…

 

صوت خالد جه من داخل الخزنة، بس مش بصوته القديم.

 

كان أهدى… أعمق… مختلف:

 

ـ دلوقتي… أنا عرفت كل حاجة.

 

حسام همس: ـ يا رب…

 

والخزنة بدأت تغلق بالكامل…

 

والضوء الأبيض بدأ يتحول للون أحمر خافت…

 

كأن النظام كله بيستعد لقرار واحد نهائي:

 

إعادة كتابة النهاية.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *