حماتي بقلم زهره الربيع
حماتي طلبت من جوزي يديها مرتبه بتاع الشهر كامل ، وقالتله انتو مش محتاجين قبض مراتك يكفيكم ، ولما انا رفضت قالتلي انتي ملكيش حق ترفضي انا جوزتك لابني علشان وظيفتك علشان تشيلي معاه ، يومها سكت وسبتها تاخد الفلوس واللي حصل بعدها مكانش يخطر على بالها ولا حتى في كوابيسها !!!!
أنا سناء شغاله في وظيفه محترمة، ومرتبي—الحمد لله حلو وفي حدود المعقول—. جوازتي كانت جوازة صالونات تقليدية جدًا، حماتي هي اللي خطبتني لابنها “حازم”، ومن أول شهر جواز، وبدأت النوايا تبان. حماتي مكنتش بتشيل عينيها من على مرتب حازم، كل شوية تخترع حوار.. مرة غسالتها باظت وعايزة أحدث موديل، ومرة أخت حازم محتاجة طقم ألمونيوم جديد، ومرة تانية طالعة عمرة وعايزة فلوس زيادة لزوم الهدايا. كانت تطلب الطلب من هنا، ولما حازم يلمح لها إن المصاريف هتقصر معاه، تقوله بقلب جامد وبمنتهى العشم البارد:
“يا بني دي فلوسك انت، ومرتب مراتك يكفيكم ويفيض، هي بتقبض على قلبها قد كده ومش هتبخل على بيتها وعيالها!”
وحازم؟ حازم مكنش بيرفض لأمه طلب، “حاضر يا أمي، نعم يا أمي”. وأنا كنت بمشي المركب، أقول معلش دي أمه وبرضه البر بيبدأ من هنا، كنت باخد مرتبي وأصرف منه على البيت، أجيب لبس للعيال—ربنا رزقنا بتلاتة وكلهم في مدارس ومصاريفهم تكسر الظهر—وكنت لما أحتاج حاجة لنفسي، فستان جديد، خروجة مع أصحابي، أو حتى علبة مكياج، كنت آجلها وأقول: “العيال أولى، والبيت ميتخربش”.
لحد ما جه اليوم اللي مش هنساه طول عمري.
كان أول الشهر، وحازم لسه قابض مرتبه وحاطه في المحفظة. حماتي دخلت علينا الشقة من غير ميعاد، قعدت وحطت رجل على رجل، وبصت لحازم وقالتله بنبرة آمرة:
”بقولك إيه يا حازم، أنا محتاجة مرتبك بتاع الشهر ده كله.. كله من أول جنيه لآخر جنيه!”
حازم اتصدم وبصلي، وأنا تنحت وقلت لها:
”مرتبه كله ازاي يا حماتي؟! طب وإحنا هنعيش إزاي الشهر ده؟ المدارس والالتزامات وإيجار البيت؟”
ردت عليا بلوية بوز:
”معلش أصل عليا دين كبير ومزنوقة فيه ولازم يتسدد عيب في حقي، وإنتي يا سناء ما شاء الله فلوسك مغرقاكي وتكفيكم الشهر ده وزيادة، مش هتموتوا يعني لو مشيتوا حالكم بمرتبك!”
هنا أنا ملقيتش نفسي غير وأنا برفض.. السكوت لغاية هنا وبس. قلت لها بنبرة حاسمة:
”لا يا حماتي، مرتب حازم مش هينفع تاخديه كله. إحنا معانا تلت أولاد والعيشة بقت غالية ومبقاش في حاجة بتكفي. لو عليكي دين، قولي لنا الدين ده لمين وبكام؟ وإحنا نكلم صاحبه ونقسطه معاه كل شهر مبلغ بسيط، مش لازم نديه الفلوس كلها مرة واحدة ونقعد إحنا نشحت!”
الدنيا اتقلبت في ثانية، وحماتي وشها احمر وقامت وقفت وفضلت تصرخ وتزعق:
”نعم يا اختي؟! ليه إن شاء الله؟ إنتي هتمني عليا ولا إيه؟! أنا باخد فلوس ابني اللي تعبت فيه، وأقولك ليه على ديوني؟ دي حاجة خاصة بيا ومحدش ليه دعوة.. أنا عايزة الفلوس كاش وحالاً وخلاص!”
حاولت أهدي نفسي وأكلمها بالعقل، قلت لها:
”يا حماتي افهميني، المصاريف بتقصر معايا جداً، أنا بقالي شهور مجبتش لنفسي حاجة، وكل قرش يدوب بيروح للعيال ومصاريفهم.. أنا تعبت!”
بصت لي باحتقار وسخرية وقالت:
”ومجبتيش لنفسك ليه؟ مش جبتي لعيالك خلاص؟ ده المهم وده اللي بتعمله كل الستات الأصيلة! وبعدين تعالي هنا.. إنتي شمتانة فيا؟ أنا أصلاً جوزتك لابني علشان وظيفتك ومرتبك ده! علشان تشيلي معاه وتبقى عيشتكم مبحبحة ويقدر يديني اللي أحتاجه.. كنت فاكراكي وش سعد، طلعتي حربايه و بتبصي لكل قرش !”
الكلام نزل عليا زي مية نار.. جسمي كله ساب، وبصيت لحازم مستنية يثور، مستنية يقول لها “لا يا أمي سناء دي مراتي وحبيبتي وأنا متجوزتهاش عشان قرشين”، كنت مستنياه يدافع عن كرامتي وكرامته اللي اتهانت في ثانية، بس الصدمة الأكبر كانت منه هو..
حازم زعق وقالي:
”خلاص إنتي وهي!! خلصنا بقى وفضوا السيرة دي! حاضر يا أمي، اتفضلي المرتب كله أهو، وإحنا هنبقى نتصرف الشهر ده، مش قصة يعني ولا حوار هتعملوا عليه خناقة!”
طلع المحفظة واداها المرتب كامل، وهي بصت لي بنظرة شماتة وانتصار تكسر أي ست، وخدت الفلوس ونزلت وهي بتقول: “ابني وتربيتي وعارف قيمة امه”.
حازم سابني واقفة مصدومة ودخل الأوضة ينام. دخلت وراه وأنا هتجنن، قفلت الباب وقلت له وصوتي بيرتعش:
”أنت ازاي تعمل كده؟ أنت عارف كويس إن مرتبي لوحده مش هيقضي، وعارف إنها بتستغلنا!”
رد عليا ببرود وهو بيعدل السرير:
”دي أمي، واللي تحتاجه أهم مني ومنك ومن العيال، وبعدين إيه الأوفر ده؟ ما إحنا معانا مرتبك، واقفالي على الموضوع ده ليه يا سناء؟”
دموعي نزلت وقلت له بصدمة عمري:
”يعني كلامها صح؟ أنت فعلاً اتجوزتني علشان المرتب وبس؟ أنا بالنسبالكم بنك؟”
بص لي بزهق ونفخ وقال بقلة ذوق:
”أقولك إيه؟ اعتبريها كده يا سيتي! طالما ده هيريحك.. اخلصي بقى وادخلي حضري لي الهدوم عشان داخل أخد دش!”
دخل الحمام، وأنا وقفت في نص الأوضة، مصدومه ومخنوقه بس عزمت امري لحد هنا وبس خلصت كده ، انا عارفه كويس هعمل ايه
وتاني يوم الصبح، حازم وامه صحيوا من النوم على مفاجأة من العيار الثقيل، مفاجأة مكنتش تخطر على بال بشر، خلتهم يلفو حوالين نفسهم!!!!!!
دخل حازم الحمام، وأنا فضلت واقفة مكاني في الأوضة، دموعي نشفت فجأة وحل محلها برود غريب، كأن في حاجة جوايا اتكسرت ومبقاش ينفع تتصلح. كلام حماتي ونظرة الشماتة في عينيها، وكسرة نفسي قدام جوزي اللي باعني وباع عياله عشان يرضي كبرياء أمه، والأدهى إقراره الصادم بأني مجرد “بنك” متحرك في حياتهم.. كل ده خلاني أدرك إني كنت عايشة في وهم كبير.
لميت هدومي في شنطة صغيرة بسرعة من غير ما يحس، وخدت كل الأوراق الرسمية بتاعتي وبتاعت العيال، شهادات ميلادهم، وبطاقتي، وفيزا المرتب بتاعتي. وقبل ما حازم يخرج من الحمام، كنت واخدة ولادي التلاتة في إيدي ومستغلة إنه مش هيركز إحنا رايحين فين في الوقت ده. نزلت من الشقة ورحت لبيت أهلي، ودموعي نزلت وأنا بحكي لأبويا وأخواتي اللي حصل. أبويا قالي بصلابة: “بيتك ومكانك هنا يا بنتي، واللي يبيعك عشان قرشين مش لازمنا، وكرامتك فوق أي حازم وأي مرتب”.
لكن خطتي الحقيقية مكنتش مجرد قعدة في بيت أهلي.. الخطوة اللي مكنتش تخطر ليهم على بال بدأت من الليلة دي.
أنا بشتغل في شركة مالية محترمة، وليا علاقات كويسة جداً. كلمت مديري في الشغل، وشرحت له بوضوح إني بمر بظروف عائلية وقانونية صعبة، وطلبت منه طلب واحد: “أنا عايزة أحول مرتبي بالكامل من بنكي الحالي لحساب بنكي جديد باسم والدي، وعايزة أقدم على إجازة بدون مرتب لمدة شهر، قابلة للتجديد، وهاخد رصيد إجازاتي السنوية فوراً”. المديري تفهم الموقف تماماً وسهل لي كل الإجراءات في الساعات الأولى من الصباح.
تاني يوم الصبح، الساعة جت تمانية. حازم صحي من النوم، ملقانيش في الشقة، والعيال مش موجودين. افتكر إني نزلت الشغل والعيال راحوا المدارس، فمأهتمش، ونزل هو كمان على شغله.
المفاجأة الأولى بدأت تظهر لما حازم رجع البيت العصر. دخل الشقة، لقاها ضلمة، مفيش لقمة تتاكل، مفيش غدا، مفيش عيال بتلعب، ومفيش سناء. دخل الأوضة لقى دواليب العيال ودولابي فاضيين من الهدوم الأساسية والأوراق. بدأ يقلق، طلع تليفونه ورن عليا. رديت بمنتهى البرود: “أنا عند أهلي يا حازم، ومش راجعة”.
ضحك باستخفاف وقالي: “هو شغل العيال ده؟ عشان شوية فلوس سيبتي البيت؟ طب والعيال والمدارس والمصاريف؟ ومين هيصرف على البيت الشهر ده بعد ما أمي خدت المرتب؟ اخلصي وتعالي بدل ما أجي أبهدلك”.
رديت عليه بكلمة واحدة: “وريني هتعمل إيه”، وقفلت السكة في وشه.
حازم افتكر إنها مجرد “قرصة ودن” وإني هصرف من مرتبي على العيال وأنا عند أهلي وأرجع مجرورة من الحوجة. لكن الكابوس الحقيقي بدأ لما حماتي نزلت من شقتها ودخلت عليه وهي بتصوت وتلطم على وشها!
حماتي دخلت الشقة ووشها أصفر زي الليمونة، وبتقول لحازم بصوت يرتعش: “الحقني يا حازم! الحقني يا ابني المصيبة حلت علينا!”.
حازم اتخض وقالها: “في إيه يا أمي؟ مالك؟ الديون اللي عليكي حصل فيها حاجة؟”.
قعدت على الكنبة وهي بتنهج وقالت: “ديون إيه وزفت إيه! أنا مكنش عليا ديون أصلاً! أنا كنت واخدة مرتبك عشان أشتري غويشتين دهب أشيلهم للزمن قبل ما الذهب يغلى، وروحت الصايغ الصبح واديتله الفلوس، ولما جيت أرجع شقتي، لقيت صاحب البيت وصاحب المحل اللي تحتنا، وبتوع الوكالة واقفين على باب العمارة بيصرخوا!”.
حازم اتصدم: “بيصرخوا ليه؟ في إيه؟”.
حماتي كملت ودموعها نازلة من الرعب: “سناء.. سناء الحرباية طلعت مش سهلة! الشقة اللي إنت قاعد فيها دي، وعقد الإيجار، والوصلات، وكل حاجة باسمها وبضمان وظيفتها! والوكالة والمحل اللي أنا مأجراهم وبأكل منهم عيش أنا وأختك وبناخد إيرادهم كل شهر، سناء كانت هي الضامن القانوني ليهم في البنك عشان القرض اللي فتحنا بيه الشغل! سناء راحت الصبح بدري وسحبت ضمانها، وبلغت أصحاب الأملاك إنها غير مسؤولة عن أي مليم من النهاردة، وقفلت الحساب البنكي اللي كان بيتحول منه الإيجار التلقائي!”.
حازم وقف مكانه مش قادر يستوعب، وفجأة تليفونه رن. كان صاحب الشقة اللي هما ساكنين فيها، وقاله بنبرة شديدة: “يا أستاذ حازم، المدام كلمتني وقالت إنها سابت البيت ومسؤولة عن نفسها بس، وإن عقد الإيجار هينتهي الشهر ده ومش هتجدد، وحسابها مش هيتحول منه مليم. قدامك ٢٤ ساعة تدفع إيجار الشهر ده كاش، يا إما تجيبلي حد يضمنك، يا إما تخلي الشقة!”.
وقبل ما يقفل، جاتله رسالة على تليفونه من البنك، بتخطره إن القرض اللي بضمان مرتب “سناء” الخاص بمحل أمه، تم إيقاف التسهيلات عليه لعدم وجود الضامن، وإن البنك هيتخذ الإجراءات القانونية بالحجز على المحل ومحتوياته خلال أيام لو متمش توفير ضامن جديد بمرتب يوازي مرتب سناء!
حازم لقى نفسه فجأة محاصر.. مرتبه بالكامل مع أمه، وأمه راحت اشترت بيه دهب وشالته، والشقة اللي عايش فيها مهدد يترمي منها في الشارع، ومحل أمه اللي عايشين من خيره هيتحجز عليه.
مسك التليفون وفضل يرن عليا زي المجنون، وأنا مبردش. رن على أبويا، أبويا رد عليه بكلمتين: “بنتي مش بنك يا حازم، بنتي بني آدمة ليها كرامة. والفلوس اللي كنتوا فاكرين إنكم بتذلوها بيها، أهي اتمنعت عنكم. ورونا بقى الست الأصيلة وأمك التربية هتعمل لكم إيه بمرتبك اللي في بطن الصايغ!”.
حماتي وحازم بقوا يلفوا حوالين نفسهم في الشقة، الكبرياء والشماتة اللي كانوا في عيونهم امبارح اتمسحوا تماماً وبقى مكانهم رعب حقيقي من بكره، وعرفوا إن سناء اللي سكتت شهور، لما قررت تقلب التربيزة.. قلبتها وهدت المعبد كله على دماغهم!
مرت الأيام القليلة اللي بعد الصدمة دي وحازم وأمه عايشين في رعب حقيقي، الرعب اللي خلاهم مش عارفين يناموا ساعة على بعضها، لدرجة إن حماتي نبرتها الآمرة وصوتها اللي كان بيهز البيت اختفوا تماماً، وبقت تقعد في ركن الصالة حاطة إيدها على خدها وبتندب حظها.
أما حازم، فكان زي المجنون، نزل راح للصايغ عشان يرجع الدهب اللي أمه اشترته وياخد الفلوس كاش يلحق بيها الإيجار ويدفع للبنك، بس الصايغ بصله ببرود وقاله: “يا أستاذ، الدهب اللي اشتريته نزل سعره النهاردة في البورصة، ولو هترجعه يبقى بيع، وخسارتك فيه هتوصل لآلاف الجنيهات، غير المصنعية اللي راحت عليك!”، حازم حس إن الأرض بتلف بيه، وخرج من المحل وهو بيضرب كف على كف.
في الوقت ده، أنا كنت قاعدة في بيت أهلي وسط ولادي، باصة لضحكتهم اللامعة اللي بقالي سنين مشوفتاهاش بسبب الضغط والهم. كنت واخدة إجازتي، وتليفوني مبيفصلش رن من حازم وأخواته وحتى أعمامه اللي حماتي دخلتهم في الموضوع عشان يضغطوا عليا.
لحد ما جه يوم، ولقيت الباب بيخبط، وأخويا فتح ولقى حازم واقف ومعاه عمّه الكبير “الحاج رفعت”.
أبويا استقبلهم في الصالون، ودخلت وقعدت بكل ثقة وبرود، حاطة رجل على رجل وباصة لحازم اللي كان دبلان، ووشه فيه علامات قلة النوم والبهدلة.
بدأ عمّه الكلام ونبرته فيها محاولة لتهدئة الأجواء: “يا سناء يا بنتي، إحنا أهو جينا لحد عندك، والبيوت مابتتخربش بالشكل ده عشان قرشين، وحازم ابننا وغلط وعارف إنه غلط، والمسامح كريم.. إنتي برضه أم عياله وشايلة اسمه”.
بصيت للعم وقلت له بكل هدوء: “يا حاج رفعت، أنا مقولتش البيوت بتتخرب عشان قرشين. البيوت بتهدها الكلمة، بتهدها الكسرة، وبيهدها لما الراجل يبص لمراته ويقولها إنتي بالنسبالي بنك واعتبريها كدة طالما ده بيريحك! أنا مش بنك، وأنا متهنتش من حازم بس، أنا اتهنت من أمه في بيتي وقدام جوزي، وهو وقف يتفرج ويقولها حاضر يا أمي”.
حازم اتكلم وصوته واطي، مكسور، وعينه في الأرض: “أنا أسف يا سناء.. أنا كنت مضغوط ومكنتش أقصد الكلام ده، بس إنتي شوفتي اللي حصل؟ البنك باعت إنذار بالحجز على المحل، وصاحب الشقة هيرمينا في الشارع، والعيال مدارسهم هتقف.. إنتي كدة بتهدي عيالك مش بتهديني أنا بس!”.
ضحكت ضحكة خفيفة وساخرة وقارنت حاله امبارح بحاله النهاردة: “عيالي؟ عيالي معايا في الحفظ والصون، ومدارسهم مدفوعة ومصاريفهم جاهزة، لأن مرتب سناء اللي كنتوا بتستقلو بيه وبتقولوا مش هتموتوا لو مشيتوا حالكم بيه، أهو كفاهم ويفيض وهم في بيت جدهم مكرّمين. الدور والباقي على الست الأصيلة وتربيتها.. وريني هتحل أزمتك إزاي بمرتبك اللي ضاع في المصنعية والذهب!”.
هنا عمّه اتدخل وقال: “طب وإيه يرضيكي يا بنتي عشان المركب تمشي والمهزلة دي تنتهي؟ المحل ده هو أكل عيش العيلة كلها، والشقة دي سترتكم”.
قمت وقفت، وبصيت لحازم وعمّه، وقلت لهم الشروط اللي كنت مرتباها في دماغي من أول ليلة نمت فيها في بيت أهلي، الشروط اللي نزلت على حازم زي الصاعقة:
“أولاً: الشقة اللي باسمي، أنا مش هجدد عقدها، وإنت يا حازم قدامك الأسبوع ده تلم حاجتك وحاجة أمك وتنقلوا في شقة تانية إنت اللي تدفع إيجارها وتكتب عقدها باسمك ورجلك فوق رقبتك، عشان تعرف الإيجار بكام والمصاريف كام.
ثانياً: بالنسبة لمحل أمك والضمان القانوني بتاعي في البنك، أنا مش هرجع الضمان ده أبداً، وأمك قدامها حل من اثنين: يا تبيع الدهب اللي فرحت بيه وتدفع تمن القرض للبنك كاش وتقفل القضية، يا إما البنك يحجز على المحل وتتحمل نتيجة طمعها وعشمها البارد.
ثالثاً وأخيراً: رجوعي لبيتك، لو فكرت فيه، مش هيكون غير بوصل أمانة وقائمة منقولات جديدة، بمرتبك إنت اللي هيتحول منه جزء ثابت شهرياً لبرنت نفقة لعيالك التلاتة، ومرتبي أنا مش هتشوف منه جنيه واحد، ولا هتعرف هو كام ولا بيروح فين، والبيت ده يتصرف عليه من مليمك إنت، والست الأصيلة اللي بتشيل، خلاص ماتت!”.
حازم وقف مذهول، ووشه جاب ألوان: “إنتي بتلوي دراعي يا سناء؟! بتستغلي زنقتي وعايزة تخربي بيت أمي وتشردينا؟!”.
رديت عليه بكل حسم وأنا داخلة أوضتي: “أنا مبلويش دراع حد، أنا برجع كرامتي اللي داست عليها أمك بمباركتك.. قدامكم أسبوع تفكروا، يا الشروط دي تتنفذ بالحرف، يا إما تتدبروا أموركم مع البنك وصاحب الشقة، ونتقابل في محكمة الأسرة!”.
سبتهم وطلعت بره الصالون، وقفل أبويا الباب وراهم وهما مش قادرين ينطقوا بكلمة. حازم خرج من بيت أهلي وهو حاسس إنه حرفياً غرق في شبر مية، الكابوس مكنش مجرد فلوس اتمنعت، الكابوس إن سناء الضعيفة الطيبة، تحولت لوحش قانوني ومالي كسر عينه وعين أمه في كام ساعة.
لما رجعوا البيت، وطبعاً حماتي كانت مستنياه على نار، حازم حكالها على الشروط.. حماتي فضلت تصرخ وتقول: “تكتب وصل أمانة؟! ونبيع الدهب وخسارة المصنعية؟! لا يا حازم، طلقها وسيبها في بيت أهلها، الستات كتير وأنا أجوزك ست ستها!”.
حازم بصلها فجأة ب غضب مكنتش هي متعودة عليه منه، وزعق بعلو صوته وقالها: “ست ستها مين يا أمي؟! إنتي مش فاهمة المصيبة اللي إحنا فيها؟! البنك هيحجز على المحل وهيحبسنا، وصاحب الشقة هيطردنا! الدهب ده لازم يتباع الصبح ورجلينا فوق رقبتنا، بسبب طمعك ضيعتيني وضيعتي بيتي!”.
لأول مرة، الخناقة والصراخ مكنش بيني وبينهم، الخناقة بدأت تدور جوه بيتهم هما، وبدأوا ياكلوا في بعض.. وحازم بقاله يومين بيبعتلي رسائل استعطاف ووعود، لكن أنا كنت لسه مأخدتش خطوتي الأخيرة اللي هتقلب حياتهم أكتر وأكثر..
مرت أيام الأسبوع المهلة، والخناقات جوه بيت حماتي مكنتش بتهدى. حازم ملقاش قدامه أي مفر؛ البنك مبيحظرش مرتين، وصاحب الشقة رفض تماماً يستنى يوم زيادة. وتحت ضغط الواقع المرير، حماتي اضطرت تاخد الذهب وهي بتعيط وتندب حظها، ونزلت باعته وخسرت فيه مبلع محترم من المصنعية وقيمة الجرام اللي نزل، وخد حازم الفلوس وجري على البنك سدد باقي القرض عشان يرفع الحجز عن المحل وينقذ أكل عيشهم.
أما الإيجار، فدفع حازم من اللقاط اللي فضل معاه إيجار الشهر بالعافية لصاحب الشقة، وبقى حرفياً “على الحديدة”، مملكش في جيبه جنيه واحد يكفي بيه مصاريف أكله وشربه لأخر الشهر.
في يوم السبت الصبح، تليفون أبويا رن، وكان حازم. صوته كان هادي ومكسور تماماً، وقال لأبويا: “يا عمي، أنا وافقت على كل شروط سناء، والذهب اتمسح ب تمنه القرض، والوصلات اتدفعت، وأنا جاهز أوقع على كل اللي هي عايزاه.. بس ترجع بيتها وعيالها كفاية فضوح وسط الناس”.
أبويا طلب منه ييجي بالليل ومعه المحامي بتاعه، وكلمت أنا كمان محامي زميل ليا في الشركة عشان يضمن إن كل ورقة تتكتب تكون قانونية ومفيهاش ثغرة واحدة.
الساعة جت تسعة بالليل، جه حازم وعمه والمحامي، وقعدنا في الصالون. حازم مكنش قادر يحط عينه في عيني. المحامي بتاعي طلع الأوراق:
1. **وصل أمانة بمبلغ كبير** كضمان لعدم التعرض ليا أو إهانتي مجدداً.
2. **شيك مقبول الدفع بقيمة نفقة شهرية ثابتة للولاد**، يتحول تلقائياً من مرتبه لحسابي أول كل شهر قبل ما أي حد يلمس قرش من قبضه.
3. **عقد اتفاق وإقرار** بإن مرتبي ملكي بالكامل، وليس له أو لأي من عائلته الحق في معرفة قيمته أو التدخل في أوجه صرفه.
حازم مسك القلم وإيده بتمضي وبترتعش، وكل خطوة كان بيمضيها كانت بمثابة إعلان استسلام تام وهدم لكبرياء السنين اللي عاشها تحت طوع أمه على حسابي. بعد ما خلص، بصل المحامي بتاعي وقال لحازم: “مبروك يا أستاذ حازم، المدام هترجع معاك.. بس على شقتها الجديدة”.
هنا حازم اتصدم ورفع راسه: “شقة جديدة إيه؟ ما أنا دفعت إيجار الشقة الحالية خلاص من دمي!”.
رديت عليه بكل برود: “أنا قولتلك في شروطي يا حازم، الشقة القديمة باسمي وعقدها هينتهي ومستحيل هقعد فيها يوم زيادة مع حماتي في نفس العمارة. أنا أجرت شقة تانية في منطقة قريبة من بيت أهلي ومدرسة العيال، وعقدها باسمك إنت وإنت اللي ملتزم تدفع إيجارها من الشهر الجاي. الشنط بتاعتي وبتاعت العيال هتروح هناك علطول”.
حازم بلع ريقه وبص لعمه، وعمه هز راسه وقاله: “امشي معها للاخر يا ابني، إنت اللي جبت ده كله لنفسك ولأمك”.
رجعنا الشقة الجديدة، العيال دخلوا أوضهم فرحانين بالمكان الجديد، وحازم دخل قعد في الصالة وهو حاطط رأسه بين إيديه، لقى نفسه في شقة جديدة، بإيجار جديد، ومصاريف مطلوبة منه لوحده، ومرتبه الحقيقي بقى يدوب مقسوم بين النفقة الثابتة للبيت والعيال، وبين اللي هيتفضل لأمه.
تاني يوم، حماتي عرفت بنقلة ابنها وعرفت بكل اللي حصل، وإنها مبقاش ليها أي سلطة على البيت ده ولا على مليم واحد من فلوسي. اتصلت بحازم وفضلت تصرخ: “باعتني يا حازم؟ مشيت ورا المدام وسيبت أمك؟ بقى تمضي على نفسك وصولات وشيكات عشان حتة ست؟”.
لكن المرة دي، حازم رد عليها بنبرة جافة تماماً، النبرة اللي كانت المفروض تطلع من سنين: “أنا مبعتكيش يا أمي، أنا لولا طمعك وكلامك اللي ملوش لازمة مكنتش بقيت مديون وممضي على نفسي في المحاكم! فلوسي اللي باقية هتوصلك كل شهر، لكن بيتي ومراتي خط أحمر، لأني مش مستغني عن عيالي ولا مستعد أترمي في الشارع تاني بسبب غويشتين ذهب!”.
حماتي قفلت السكة وهي مش مصدقة إن ابنها “حازم” الوديع اللي مبيقولش غير “حاضر ونعم”، لسان حاله اتقلب عليها بالشكل ده.
افتكرتوا إن الحكاية خلصت لحد هنا؟ وإن سناء خدت شروطها ورجعت تعيش حياتها طبيعي؟
لأ.. الخطوة اللي جاية مكنتش تخطر على بال حازم ولا حماتي، خطوة أنا كنت مأجلاها لحد ما أرجع الشقة وأقفل عليا بابي وأضمن ولادي في حضني. في يوم كنت قاعدة في الصالة، وحازم نزل الشغل، تليفونه القديم اللي سابه في البيت ومسحش اللي عليه بدأ يتبعت عليه رسائل وإشعارات.. رسائل من أخته “نيرمين”!
فتحت الرسائل وقريت اللي مكتوب، وعيني وسعت من الصدمة.. الموضوع مكنش مجرد طمع وعشم بارد من حماتي، الموضوع كان فيه مؤامرة تانية خالص بتتدبر في الخفاء بين حماتي وأخته عشان يخلصوا مني تماماً وياخدوا الشقة والعيال!
وقفت في نص الصالة، والضحكة رجعت على وشي تاني، وقلت لنفسي: “والله وبإيدكم جيبتوا أخرتكم معايا يا نيرمين.. وروني بقى هتعملوا إيه في المفاجأة اللي هتنزل على دماغكم الصبح!”.
فتحت تليفون حازم القديم، وبدأت أصابعي تتحرك على الشاشة بذهول وأنا بقرأ السطور اللي بعتتها أخته “نيرمين”. الكلام كان صدمة، بس الصدمة المرة دي مخلتنيش أعيط ولا جسمي يسيب، بالعكس، دي خلتني أبتسم ببرود مفيش بعده.
نيرمين كانت كاتبة لأخوها قبل الأزمة بيومين بس: “يا حازم، أمي اتفقت مع محامي كبير تبعنا، قالي إن لو سناء فضلت متمسكة بمرتبها وبيتها، إحنا ممكن نرفع عليها قضية طاعة في الشقة القديمة، ولو رفضت هتبقى ناشز وتسقط نفقتها. وبخصوص العيال، المحامي قال لأمي لو عرفنا نثبت إن سناء بتسيب العيال لوحدهم فترات طويلة بسبب شغلها وسفرها تبع الشركة، أو لو صورناها في أي خروجة مع صحابها بشكل مش عاجبنا، نقدر نسحب منها حضانة العيال والعيال يجوا عندك، وأمي هي اللي تربيهم، وساعتها تضطر تدفع هي نفقة للعيال من مرتبها المحترم ده ورجلها فوق رقبتها، وبكدة نكسر مناخيرها وناخد الفلوس والعيال والشقة!”
حماتي ونيرمين مكنوش مجرد طماعين، دول كانوا بيخططوا يدمّروا مستقبلي ويحرموني من عيالي التلاتة وياخدوا شقى عمري عشان يعيشوا بيه في “تبحبح”!
مسكت تليفوني، وصوّرت كل الرسائل دي شوتس واضحة جداً، وبعتها فوراً للمحامي بتاعي على الواتساب، وكتبت له: “أستاذ مدحت، شوف الرواية الجديدة دي، دي السلاح اللي هنهي بيه اللعبة خالص”. المحامي رد عليا في ثواني: “يا مدام سناء، ده حبل المشنقة اللي هما لفوه حوالين رقابهم بإيدهم.. الرسائل دي مع صك النزاع ووصول الأمانة اللي حازم مضى عليها، تخلينا نقلب الترابيزة قلبة ميعرفوش يقوموا منها طول عمرهم”.
تاني يوم الصبح، حازم رجع من الشغل تعبان، لقى البيت هادي، والعيال في أوضهم. قعدت قدامه في الصالة، وحطيت تليفونه القديم على التربيزة، وبصيت له وقلت له بنبرة خلت ركبه تتخبط في بعضها: “نورت بيتك الجديد يا أبو العيال.. قريت رسائل نيرمين وأمك؟”
حازم وشّه اتخطف، وبقى يبص للتليفون ويبصلي، وحاول يتلعثم: “رسائل إيه؟ نيرمين مين؟ أنا ماليش دعوة بحوارات الستات دي يا سناء!”.
وقفت بكل ثبات وقلت له: “لأ ليك يا حازم.. لأنك كنت ساكت وعارف إنهم بيفكروا ياخدوا عيالي مني ويسقطوا حضانتي ويسموني ناشز عشان فلوسي! بس أنا بقى مش هستنى لما المحامي بتاع أمك يتحرك. أنا الصبح بعت الرسائل دي مع المحامي بتاعي لجهة عمل نيرمين—نيرمين اللي شغالة في الشؤون القانونية في هيئة حكومية وبتستغل معارفها—وقدمنا فيها بلاغ رسمي بالابتزاز والتواطؤ واستغلال النفوذ. ده غير إن المحامي بتاعي رفع الصبح قضية ‘طلب ولاية تعليمية مطلق’ وقضية ‘حجر قانوني’ على المحل بخصوص أي تعاملات تخصني، والرسائل دي هتنزل بكره في ملف محكمة الأسرة كدليل قاطع على الضرر والتهديد المباشر لأمومتي وعيالي”.
حازم قام وقف زي المجنون، وصوته يترعش: “إنتي هتحبسي أختي وتخربي بيتها؟! دي متجوزة وعندها عيال وممكن تترفض من شغلها!”.
قلت له وأنا ببص في عينيه بقوة: “واللي كانت عايزة تحرمني من ولادي وتخرب بيتي وتسرق شقايا مكنتش بتفكر في عيالي ليه؟ اللي يلعب بالنار يتحمل حرقها يا حازم. أمك وأختك فاكرين إن الدنيا سايبة، وإني ست طيبة هقعد أعيط في الركن.. أنا أخدت حقي مالي وقانوني، ودلوقتي جه الدور على الحساب العائلي”.
وفي نفس اللحظة، تليفون حازم رن، وكانت أمه بتصرخ بهستيريا وصوتها جايب لآخر الشارع: “الحقني يا حازم!! أختك نيرمين جالها وقف عن العمل وتحقيق في الشغل بسبب شكوى من مصلحة الضرائب والرقابة بخصوص المحل والضمانات القديمة ورسائل الابتزاز! سناء خربت بيتنا رسمي يا حازم!! الحقناااا!”.
حازم رمى التليفون من إيده وبصلي بنظرة رعب، كأنه شايف قدامه شخص تاني أول مرة يتعرف عليه.. مبقاش قادر ينطق، ولا بقى قادر يدافع، ولا حتى قادر يطلب السماح.
بصيت له وقلت له: “دي البداية بس يا حازم.. المفاجأة الكبيرة بقى لأمك وأختك نيرمين لسه هتوصلهم بكره الضهر، مفاجأة هتخليهم يتمنوا إنهم مكنوش يعرفوا اسم سناء من الأساس!”.
حازم نزل على الكنبة وهو مش قادر يشيل طوله، باصص للأرض ودموعه نزلت من قلة الحيلة والخوف من اللي جاي. لقى نفسه فجأة في نص المعركة اللي أمّه وأخته خططوا ليها، بس بدل ما يكسروا مناخيري زي ما كانوا فاكرين، لقوا نفسهم تحت أنقاض خطتهم. وبصلي وصوته طالع بالعافية: “بوس إيدك يا سناء.. بلاش أمي وأختي، دمريهم ودمريني أنا بس بلاش هما، نيرمين بيتها هيتخرب وجوزها لو عرف بموضوع التحقيق ده هيطلقها!”.
بصيت له بمنتهى الجفاء وقلت له: “اللي بيخاف على بيته مبيخربش بيوت الناس يا حازم. أمك وأختك نسوا إن الله حق، ودارت الأيام ووقعوا في شر أعمالهم”. سبته ودخلت أوضتي وقفلت الباب، ونمت ليلتها وأنا مرتاحة لأول مرة من سنين.
تاني يوم الضهر، الكابوس الحقيقي والمفاجأة الكبرى نزلت على دماغ حماتي ونيرمين زي الصاعقة.
المفاجأة مكنتش مجرد بلاغ في الشغل، المفاجأة كانت إن المحامي بتاعي، بالتعاون مع مستشار قانوني كبير في شركتنا، قدروا يثبتوا إن المحل اللي حماتي مشغلاه وبتاكل منه عيش هي وبنتها، ومكتوب باسم حماتي، مكنش قايم بس على ضمان مرتبه، لأ.. ده كان فيه تلاعب ضريبي كبير جداً في الفواتير وفي حجم الأرباح اللي بتدخلهم كل شهر عشان يهربوا من الضرائب، والتلاعب ده نيرمين هي اللي كانت ميزاه بحكم معارفها في الشؤون القانونية!
الساعة جت واحدة الضهر، ولقيت حازم تليفونه بيرن، فتح الخط على “الاسبيكر” وإيده بترتعش. كانت حماتي، بس المرة دي مكنتش بتصرخ ولا بتزعق، صوتها كان مكسور، وبتشهق من البكاء والرعب: “الحقني يا حازم.. يا خراب بيتنا يا ابني! مباحث التموين والضرائب العقارية جم المحل وشمعوه بالشمع الأحمر! وخدوا نيرمين من بيتها للنيابة عشان التحقيق في قضية تزوير وتهرب ضريبي واستغلال نفوذ! المحامي بيقول القضية كبيرة وفيها حبس وغرامة بمئات الآلاف! الحقنا يا حازم كلم سناء خليها تتنازل وتبوس إيد أصحاب القرار، سناء واصلة وليها ناسها في الشركة وهي اللي حركت كل ده!”.
حازم رمى التليفون وقام جرى عليا، ونزل على ركبه قدامي، ومسك إيدي وهو بيبكي بنحيب: “أرجوكي يا سناء! أرجوكي ارحمينا! أمي هتموت من الصدمة وأختي بتضيع ومستقبل عيالها بيتدمر! أنا مستعد أبوس رجلك قدام الناس كلها، مستعد أعملك أي حاجة، بس انقذي أختي وشيلي البلاغات دي!”.
سحبت إيدي منه بكل حسم وقوة، وبصيت له وعيني مفيهاش أي نقطة ضعف: “عايزني أتنازل؟ بعد كل اللي عملتوه؟ بعد ما كنتوا عايزين تحرموني من ولادي وتستغلوني كأني آلة فلوس؟ أنا متحركتش غير لما هما فكروا يؤذوني في أعز ما أملك.. عيالي! ودلوقتي، القانون بياخد مجراه، والذنب ذنب أختك وأمك اللي مشوا في الحرام والظلم”.
حازم فضّل يتوسل ويصوت، وأنا واقفة زي الجبل مفيش كلمة منه بتهزني. حماتي اللي كانت بتقول “أنا جوزتك لابني عشان وظيفتك ومرتبك” وبتقولي “انتي ملكيش حق ترفضي”، أهي دلوقتي قاعدة على باب النيابة بتلطم وتتمنى بس نظرة رضا مني أو كلمة تشفع لبنتها.
حازم لقى إن كلامه معايا ملوش فايدة، فمسك تليفونه وجرى على بره عشان يلحق أخته وأمه ويشوف هيتصرف إزاي في الغرامات والمصيبة اللي ملهاش أول من آخر دي، لقى نفسه داخل في دوامة ديون وقضايا ومحاكم ميعلم بيها إلا ربنا، وبقى حرفياً بيدفع تمن “العشم البارد” وطمع أمه من دمه وعافيته ومستقبله.
أما أنا، فقعدت وسط ولادي التلاتة في شقتنا الجديدة، وبصيت لملف القضايا اللي قدامي على التربيزة، وابتسمت.. لأن الفصل الأخير من الرواية دي، مكنش مجرد عقاب ليهم، ده كان التوقيع الرسمي على نهاية عصر الظلم وبداية حياتي الجديدة، والخطوة اللي جاية.. هي اللي هتنهي القصة دي للأبد!
خرج حازم من الشقة يجري في الشوارع زي المجنون، مش عارف يروح فين ولا يلم مصيبته منين. المحل اتقفل واتشمع، وأخته نيرمين محبوسة على ذمة التحقيق، وأمه اللي كانت “تتحامى في ابنها وتربيتها” بقت مرمية على رصيف النيابة بدموعها تلطم وتندب حظها، وجوز نيرمين أول ما عرف بمصيبة التزوير والضرائب اتصل بحازم وقاله: “أختك تخرج من النيابة على بيت أمها، ماليش عيش مع ست كانت بتخطط تخرب بيوت الناس وتزور!”.
كل اللي بنوه في سنين من طمع وجشع وافتراء على ولايا، انهد فوق دماغهم في كام يوم.
أما أنا، فقفلت باب شقتي الجديدة عليّ وعلى عيالي. قعدت مع المحامي بتاعي ومضيت على الخطوة الأخيرة.. “قضية خلع”.
حازم مكنش ينفع يفضل في حياتي ولا ثانية زيادة، الراجل اللي سمح لأمه تهين كرامتي، والراجل اللي رضي يشارك في مؤامرة لحرماني من عيالي ويقولي بملء فيه “اعتبري نفسك بنك”، ملوش مكان في مستقبلي.
بعد أسبوعين من المرمطة في المحاكم والنيابات، وبمساعدة المحامي والاتصالات القانونية، وافقت أتنازل عن الشق الخاص بالبلاغ الشخصي بالابتزاز ضد نيرمين—رأفةً بعيالها الصغيرين اللي مالهمش ذنب—لكن التنازل ده مأنقذهاش من قضية التموين والتهرب الضريبي لأنها حق دولة. نيرمين خرجت بكفالة مكسورة الظهر، ومفصولة من شغلها رسميًا، ورجعت مطلقة لبيت أمها.
وعشان يلموا الغرامات اللي فرضتها المحكمة على المحل عشان يتشال الشمع الأحمر، اضطر حازم يبيع عربيتهم، وحماتي باعت كل حيلتها والذهب القديم اللي كانت مخبياه للزمن، وبقوا هما الاتنين يشتغلوا في المحل يدوب عشان يسددوا ديون الغرامات وإيجار الشقة الجديدة اللي دبلت حالهم.
في يوم الجلسة الأخيرة في محكمة الأسرة، وقفت قدام القاضي بكل ثبات. حازم كان واقف على بعد خطوات مني، دبلان، خسس النص، هدومه مبهدلة، ونظرته كلها انكسار ورجاء. بصلي ودموعه في عينه وقالي بصوت واطي: “سامحيني يا سناء.. ضيعت نفسي وضيعت أمي وأختي بسبب طمعنا، ارحميني وارجعيلي وأنا خدام تحت رجليكي”.
بصيت له بكل برود وقلت له: “اللي بيبيع مراته عشان قرشين، ميرجعش يطلب الرحمة لما يتفلس.. إنت وأهلك كنتوا فاكرين إن وظيفتي ومرتبي نقطة ضعفي اللي هتذلوني بيها، ومكنتوش تعرفوا إنها هي السلاح اللي هكسر بيه عينكم”.
نطق القاضي بالحكم: **”حكمت المحكمة بخلع المدعوة سناء من زوجها حازم، مع إلزام المدعى عليه بالنفقة الشهرية المقررة للأبناء والولاية التعليمية الكاملة للأم.”**
نزلت من المحكمة وأنا حاسة بوزن جبل انزاح من على صدري. الهوا كان برا المحكمة نظيف، والشمس طالعة بتنور طريقي الجديد.
النهاردة، أنا عايشة في شقتي مع عيالي التلاتة، مركزة في شغلي وطورته والحمد لله اترقيت وبقى مرتبي ضعف الأولاني. فلوسي بقت لبيتي ولعيالي و لنفسي، مبقتش بآجل فستان ولا خروجة، وعيالي عايشين في مستوى محترم وكرامتهم وكرامة أمهم فوق راس الجميع.
أما حازم وأمه وأخته، فكل ما يفتكروا اليوم اللي دخلوا فيه شقتي عشان ياخدوا المرتب كله ويلووا دراعي، ويفتكروا النظرة اللي بصوهالي بيها، بيعرفوا إن ربنا يمهل ولا يهمل، وإن الست الطيبة لما بتتقي شرها.. بتعلم درس مبيتنسيش في الكوابيس!
**تمت**