كانت مرات أخويا الجديدة بتدخل عليا الأوضة

كانت مرات أخويا الجديدة بتدخل عليا الأوضة كل ليلة والـمخدة تحت باطها، وتتحايل عليا ودموعها في عينيها عشان تنام في نص السرير، بيني وبين جوزي! في الأول قلت أنا اتهبلت ومبقتش مجمعة، وبعدين شكيت في جوزي وقلت يمكن عينه منها.. لحد ما جت ليلة…**

 

— أهي أختك اللطيفة نامت وسطنا تاني — جوزي همس الكلمتين دول في ودني بابتسامة صفرا وغريبة —. وبعدين بقى؟ ناوية تلبسيها هدومك كمان بالمرة؟

أول ليلة عدت وقلت “هبل وجنان عيال”، تاني ليلة قلت “قلة ذوق وقلة رباية”، لكن على الليلة الخامسة مكنتش عارفة أنا عايشة في بيتي وعزوتي، ولا في كابوس أسود مفيش حد راضي يصحيني منه!

 

## الحكاية من أولها

أنا اسمي **مريم**، عندي اتنين وتلاتين سنة وعايشة في قلب **طنطا** مع جوزي **مصطفى**. بيتنا مش قصر، لكن طول عمره حتة من الجنة وهادي: دورين، وسطوح مليان قوارير زرع ونعناع، ومطبخ كانت أمي بتعملنا فيه أحلى قهوة بوش كل يوم جمعة، وممر طويل وضلمة بالليل، كان بيحسسني إنه بيبلع أي صوت يطلع في البيت.

كل الدنيا اتقلبت حالها لما أخويا **تامر** اتجوز **نهى**.

نهى كانت زي القشطة، مؤدبة وفي حالها، من نوع الستات اللي تطلب الإذن قبل ما تقعد على الكرسي. كانت من مركز **بسيون**، وشغالة مدرسة رياض أطفال، وصوتها واطي يدوب تسمعه، كأنها خايفة تزعج الهوا وهو ماشي. تامر كان طاير بيها من الفرحة، وأمي كمان كانت بتموت فيها وتقول: “أخيرًا أخوك ربنا رزقه بست عاقلة وبنت بنوت وأصيلة”.

وعشان شقتهم كانت بتتوضب وبتدهن، عزمنامهم يقعدوا معانا كام أسبوع لحد ما تخلص.

في الأول، كل حاجة كانت ماشية سكين في الحلاوة.

حد ما جت الليلة الثالثة.

## الكابوس اللي دخل أوضتي

كنت خلاص داخلة في النوم جنب مصطفى، لما سمعت تلات خبطات خفاف ومترددين على الباب.

— مريم؟ — نهى همست من ورا الباب —. ممكن أدخل؟

قمت مخضوضة وبفرك في عيني. لقيتها واقفة في الطرقة، حاضنة المخدة في صدرها، ولابسة شال صوف على كتافها وبترتعش.

— في إيه يا بنتي؟ إيه اللي موقفك كده؟

نزلت عينيها في الأرض وقالت بصوت مكسور:

— حلمت بكابوس يقص العمر.. ممكن أنام جنبك الليلة دي بس؟

أنا اتسمرت في مكاني:

— هنا؟ تنامي معانا في الأوضة؟!

— في النص.. — قالتها وهي بتموت من الكسوف —. والله العظيم مش هتحرك من مكاني ولا هتحسوا بيا.

قلت في بالي ده شغل عيال وسخافة وقلة قيمة، بس لما بصيت في وشها لقيتها قطعت النفس: وشها أصفر زي الليمونة، وعرقانة، وعينيها مبرقة كأنها كانت بتجري من غول.

صعبت عليا ودخلتها.

مصطفى صحي وضحك ضحكة مكتومة وهو مش داري بالدنيا:

— في إيه يا بنتي؟

— نهى خايفة من الكابوس — قلتله وأنا بغطيها.

اتقلب الناحية التانية وقال:

— ماشي، خليها تنام ونبي أنا مش قادر افتح عيني.

نهى اتكومت في نص السرير وزي ما تكون صغرت وبقت حتة لحمة حمرا، ومطقتش بكلمة تانية.

تاني يوم الصبح، فضلت تتأسف وتتحايل لدرجة إني صعبت عليا وكسفتني من كتر ذوقها.

لكن المصيبة إنها كررتها الليلة اللي بعدها.

واللي بعدها.

واللي بعدها!

كل ليلة تيجي بنفس المخدة ونفس الشال ونفس الجملة:

— حلمت بحلم وحش.

## الشك بياكل في قلبي

صبري بدأ ينفد وخلاص هطق. تامر أخويا مكنش دريان بحاجة خالص، ولما سألته ووشه اتقلب قاللي:

— هي بتنام عندكم فعلاً؟

نهى وطت راسها في الأرض وقالت:

— ده ساعات بس يا تامر.

— وليه مابتصحينيش أنا يا نهى؟

— مكنتش عايزة أقلق راحتك وأنت شقيان طول النهار.

أما أمي بقى، فكانت واقفة في المطبخ بتغرف الفول، ورمت كلمة حامية حطمتني:

— جرا إيه يا مريم؟ متبقيش حامقة وزرجونة كده! عروسة جديدة وواخداها الغربة ومستوحشة البيت، سيبوا البنت في حالها.

لكن اللي كان هيموتني ويركبني ميت عفريت، إن مصطفى جوزي مكنش مضايق خالص! دي أول حاجة خلت الشك يلعب في دماغي. أي راجل شرقي كان هيقلب الدنيا لو أخت مراته دخلت نامت في سريره، لكن هو؟ لأ، ده كان بياخد الموضوع بهزار وسخرية.

كان بيقولي: “خلاص يا ستي، اعتبري ربنا رزقنا ببنت وربتها كبرت فجأة”.

أو يلتفت لنهى ويقولها: “يا نهى، طالما محتلة السرير بتاعنا كده، على الأقل اعمليلنا كوبايتين شاي متين الصبح”.

وهي تبسم بكسوف وتمشي.

أنا بدأت أغلي.. مش من مصطفى، منها هي!

## الليلة اللي كشفت المستور

في ليلة من الليالي، والبيت كله زي القبر، فتحت عيني فجأة لأن نهى اتحركت حركة سريعة ومفاجئة. مكنتش حركة واحدة بتتقلب في النوم، دي كانت حركة حد قفش حاجة.. كأنها سمعت صوت أنا مسمعتوش.

الأوضة كانت كحل وضلمة هوس. مصطفى نايم على يميني بيشخر، ونهى في النص، متغطية لحد مناخيرها.

وفجأة.. لمحت خط نور رفيع جاي من تحت عقب الباب.

في حد واقف برة الأوضة في الطرقة!

جسمي اتصلب ومبقتش قادرة حتى أتنفس من الرعب.

في اللحظة دي، نهى رفعت راسها براحة من تحت الغطا، ومدت إيدها ومسكت إيدي جامد. مكنتش بتوجعني، لكنها كانت بتضغط بتوسل، كأنها بتقولي من غير ولا كلمة: “عشان خاطري، اوعي تنطقي ولا تتحركي”.

خط النور فضِل مكانه.

ثانية..

تانية..

ثالثة..

وفجأة اختفى.

سمعت خطوة رجل خفيفة قوي في الطرقة.. وبعدها خطوة تانية. خطوت حد حافظ أرض البيت وعارف يدوس فين عشان الخشب والبلات ميتكتكش ويطلع صوت.

كنت هصرخ وأصحي مصطفى، بس نهى كانت كابسة على إيدي وبتترعش زي الفرخة المبلولة.

لما السكون رجع تاني للبيت، نمت على ضهري وأنا عيني مفتحة في السقف وضربات قلبي بتطحن في صدري.

ولأول مرة، فهمت الحقيقة المرة اللي وقفت الدم في عروقي.

نهى مكنتش بتيجي تنام في نص سريري عشان جنان، ولا عشان بتتدلع..

نهى كانت بتستخبى في حضني من حد جوة البيت!

## المواجهة

أول ما الفجر شقشق، لقيتها واقفة في المطبخ بتقلّب بليلة في الحلة ولا كأن في حاجة حصلت، بس عينيها كانت منفوخة وسودة، وإيديها محمرة وهي عاصرة على المعلقة الخشب.

وقفت وراها وسألتها وش لوش:

— مين اللي كان واقف برة أوضتي امبارح بالليل يا نهى؟

المعلقة خبطت في قعر الحلة ورنت رنة غريبة.

— مش عارفة بتتكلمي عن إيه يا مريم.

— لأ عارفة.. وعارفة كويس قوي كمان! أنتِ مسكتِ إيدي، وشُفتِ النور، وكنتِ عارفة إن في حد واقف برة الباب بيراقبنا.. مين ده؟

نهى بصت بسرعة ناحية السلم، وبعدين بصت للممر، وشفايفها بدأت تترعش وتزرق:

#الكاتب_رومانى_مكرم

— أبوس إيدك يا مريم.. بلاش هنا.. مش في البيت ده.

حسيت بـتلج نزل على ضهري ومبقتش شايفة قدامي:

— مش هنا ليه؟ ومين اللي خايفة منه؟

مردتش عليا.. طفت البوتاجاز، ولمت الشال الصوف بتاعها على كتافها وقالتلي في ودني وهي ماشية:

— بالليل.. على السطوح.

وفي اللحظة دي، عرفت إن الكلام اللي هسمعه بالليل ممكن يهد البيت ده على دماغي ويدمر عيلتي كلها.. بس عمري في حياتي ما تخيلت البلاوي السودة اللي كانت مستنياني!

يا ترى إيه اللي مستني مريم ونهى فوق السطوح؟ وإيه السر الأسود اللي هيقلب البيت ده ويهدّه على دماغ الكل؟

لايك وكومنت وهرد عليك بباقى القصه

حكايات رومانى مكرمعلى السطوح…

الليلة دي ماكنتش شبه أي ليلة قبلها.

البيت كله كان ساكت بشكل يخوف، حتى صوت التلاجة في المطبخ كان كأنه اختفى.

طلعت مريم السلم وهي حاسة إن رجليها مش شايلينها، وكل درجة بتطلعها كانت بتقربها من حاجة هي مش عايزاها تعرفها… بس برضه لازم تعرفها.

لما فتحت باب السطوح، الهوا ضرب وشها جامد كأنه بيحاول يردّها.

ولقيت نهى واقفة هناك.

مش لوحدها.

كانت واقفة في نص السطوح، ضامة المخدة في صدرها، ووشها أبيض بشكل مرعب… لكن اللي شد انتباه مريم أكتر، إن في باب خشب صغير قديم في آخر السطوح، مكنتش واخدة بالها إنه موجود قبل كده.

نهى بصّت لمريم وقالت بصوت واطي جدًا:

— قلتلك بالليل… عشان مفيش حد يسمعنا.

مريم بصّت ناحية الباب: — باب إيه ده يا نهى؟ ده جديد!

نهى بلعت ريقها: — مش جديد… ده مقفول من زمان… ومحدش في البيت ده يفتحه غيره.

سكتت ثانيتين، وبعدين كملت وهي بتترعش: — وأنا عشان كده كنت بنام بينكم… عشان لو جه بالليل… يلاقيكم شايفيني وسطكم… مايقربش.

مريم حسّت قلبها وقع: — “هو” مين؟

قبل ما نهى ترد… الباب الخشب من نفسه…

خبط خَبطة واحدة.

خفيفة.

بس واضحة.

مريم رجعت خطوة لورا، ونهى فجأة مسكت إيدها جامد زي اللي بيستغيث: — بلاش تبصي عليه… لو بصيتي… هيعرف إنك عرفتي.

الخبطه اتكررت تاني.

بس المرة دي كانت أقوى.

وبصوت واطي جدًا جاي من ورا الباب، صوت راجل مش واضح، كأنه خارج من بئر:

— نهــــى…

نهى غمضت عينيها جامد وقالت: — شُفتي؟… هو رجع يسمعنا.

مريم بصّت لها بصدمة: — ده مين يا نهى؟!

نهى بصّت لها لأول مرة بجرأة مرعبة، وقالت جملة واحدة قلبت دم مريم:

— ده مش جوزي… ده اللي كان ساكن البيت ده قبله.

وفي اللحظة دي…

مقبض الباب بدأ يلف ببطء.المقبض كان بيلف ببطء… كأن اللي وراه عارف إنهم واقفين، وبيتسلى برعبهم.

 

مريم مسكت إيد نهى جامد: — إنتِ بتقولي إيه؟ البيت ده ماكنش فيه حد قبلنا! إحنا اللي اشتريناه!

 

نهى هزّت راسها بسرعة: — لأ… كان فيه… وكان لسه عايش هنا… ومش راضي يمشي.

 

الخبط على الباب الخشب بقى أقوى، مرة… مرتين… تلاتة.

 

وبعدين الصوت رجع تاني، أقرب كأنه ورا الباب مباشرة: — نهى… افتحي…

 

نهى اتشنجت، وسابت إيد مريم فجأة، ووقعت على ركبتها: — أنا مش هفتح… والله مش هفتح…

 

مريم بصّت لها بذهول: — يعني إيه “افتحي”؟ هو عايش فين أصلاً؟!

 

نهى رفعت وشها، ودموعها نازلة: — تحتنا.

 

سكتت ثانية… وبعدين كملت: — تحت السطوح ده فيه غرفة مقفولة من سنين… بابها كان بيتقفل بمفتاح مفقود… بس هو… لقى طريقة يفضل موجود.

 

فجأة الهوا على السطوح اتغير… بقى تقيل، زي ما يكون في حد تالت واقف معاهم.

 

الصوت جه مرة تانية، بس المرة دي كان فيه غضب: — قلتلك… افتحي.

 

الخشب بدأ يهتز.

 

مريم رجعت لورا وهي بتنهج: — إحنا هننزل حالًا ونقفل الموضوع ده! هنصحي تامر! ونبلغ الشرطة!

 

نهى مسكت دراعها بعنف غير متوقع: — لو نزلنا دلوقتي… هيعرف إننا فوق. ووقتها مش هيبقى محتاج باب.

 

في اللحظة دي، الأرضية الخشب تحت رجليهم…

 

عملت صوت “تكة” واحدة.

 

زي ما يكون حد… تحرك تحتهم.

 

مريم جمدت في مكانها: — إنتِ بتقولي تحتنا إيه؟

 

نهى همست بصوت مكسور: — هو مش بيطلع لنا… إحنا اللي بقينا فوقه.

 

وفجأة…

 

من وسط أرض السطوح الخشب، في حتة صغيرة بدأت تغوص لتحت شوية… شوية… كأن في إيد من جوه بتدفعها لفوق.

 

ومع أول شق في الخشب…

 

طلع صوت ضحكة خفيفة جدًا.

 

مش من الباب…

 

من تحت رجليهم مباشرة.مريم اتجمدت في مكانها، وحست إن الهواء نفسه اتسحب من صدرها.

 

الخشب تحت رجليها كان بيهبط سنة بس سنة… كأن الأرض بقت طرية، مش ثابتة.

 

نهى صرخت: — متتحركيش!

 

بس كان متأخر.

 

الضحكة اللي جاية من تحت بقت أوضح… وبقت معاها همس:

 

— أخيرًا… بقينا فوق بعض.

 

مريم بصّت لنهى بعينين مرعوبين: — نطلع من هنا فورًا!

 

نهى رجعت خطوة لورا وهي بتبص للأرض كأنها خايفة الأرض نفسها تمسكها: — لو نزلنا السلم دلوقتي… هنقابله في الطرقة… هو مش محتاج يطلع… هو بيختصر الطريق.

 

فجأة، جزء صغير من خشب السطوح اتكسر…

 

وإيد!

 

إيد باينة بس مش كاملة… طلعت من تحت الخشب، بطيئة، لونها غريب، كأنها مش بتاعة حد عايشين.

 

مريم صرخت، ونهى سحبتها ناحية الباب بسرعة: — اقفلي عينيكِ… ومتبصيش وراكي!

 

بس مريم بصّت غصب عنها.

 

وشافت.

 

كان في ملامح بتتكوّن تحت السطوح… مش جسم كامل… بس ظل بني آدم بيتجمع من تحت الأرض، كأنه بيطلع من سنين محبوسة في الخشب والتراب.

 

الصوت رجع، بس المرة دي كان قريب جدًا من ودنها: — مريم…

 

اسمها اتقال كأنه معروف لها من زمان.

 

نهى فتحت الباب بسرعة: — انزلي دلوقتي!

 

جريت مريم ونزلوا السلم بسرعة جنونية، والخشب وراهم بيخبط كأنه حد بيزحف وراهم.

 

وصلوا نص السلم… وفجأة صوت الباب فوق اتفتح بقوة.

 

خطوة واحدة على السطوح…

 

وبعدين خطوة على السلم.

 

نهى وقفت مرة واحدة، عينيها وسعت: — خلاص… نزل.

 

مريم بصّت وراها ببطء…

 

وشافت ضل طويل نازل السلم… بس مش ماشي زي البشر.

 

كان بيزحف على الحيطان كمان.

 

وصلوا لباب الشقة، نهى بتدوّر على المفتاح بإيد بترعش، ومريم بتخبط: — افتحي بسرعة!

 

بس قبل ما تفتح…

 

الصوت جه من وراهم في نص الطرقة:

 

— أنا مش داخل عليكم بالعافية… أنا كنت ساكن هنا قبلكم.

 

نهى فتحت الباب أخيرًا ورمت مريم جوه، وقفلت بسرعة.

 

اتنينهم واقفين في الصالة، بيتنفسوا بصعوبة.

 

الهدوء رجع ثانية واحدة…

 

وبعدين…

 

تكة خفيفة على باب الشقة.

 

مرة واحدة بس.

 

وبعدها صوت واطي جدًا، كأنه بيبتسم:

 

— هو أنا هطلع من السطوح ليه… ما أنا طول عمري هنا تحتكم.مريم بصّت لنهى ببطء، وكأن عقلها بيرفض يصدق اللي سمعه: — “تحتكم” يعني إيه؟ بيتنا ده دورين ومفيش تحته حاجة غير أساسات!

 

نهى كانت بتنهج بشكل مرعب، وبتبص ناحية الأرض كأنها شايفة حاجة مريم مش شايفاها: — في حاجة أقدم من البيت… هو مش في الشقة… هو في المكان اللي اتبنت عليه الشقة.

 

التكة على الباب اتكررت… بس المرة دي كانت أخف، كأنه بيجربهم، مش بيهددهم.

 

وفجأة… الهدوء رجع بشكل أسوأ من الصوت نفسه.

 

مريم بصّت حوالين الصالة: — إحنا لازم نطلع دلوقتي وننادي تامر… أو أي حد!

 

نهى مسكتها من كتفها بقوة: — لو خرجنا برا الشقة، هنخليه يعرف إننا لوحدنا… هنا على الأقل الباب حاجز.

 

قبل ما تكمل جملتها، النور في الصالة يومض مرة.

 

مرة تانية.

 

وبعدين ثبت على إضاءة ضعيفة جدًا، كأن الكهرباء نفسها مرعوبة.

 

ومن تحت الأرض… صوت خبط خفيف.

 

مش على الباب.

 

تحت رجليهم.

 

مريم بصّت للأرضية… والسيراميك كان فيه خط رفيع بدأ يظهر، كأنه شرخ جديد اتولد لوحده.

 

نهى همست: — بيختبر الأرض… زي ما بيختبر الباب.

 

مريم بصت لها: — إنتِ عرفتي إزاي كل ده؟ إنتِ مين أصلاً؟

 

سكتت نهى.

 

وهنا لأول مرة… ملامحها اتغيرت. مش خوف بس… لا، فيه حاجة تانية. إحساس بالذنب.

 

— أنا… كنت هنا قبل الجواز.

 

مريم جمدت: — قبل جوازك من تامر؟

 

نهى هزّت راسها: — قبل ما البيت يبقى بيت… كنت أنا اللي ساكنة هنا لوحدي.

 

الصوت من تحت الأرض اتغير فجأة، وبقى واضح أكتر: — كفاية كلام…

 

الشرخ في الأرض اتسع شوية… وبدأ يطلع منه هوا بارد جدًا، ريحته تراب قديم.

 

ومع أول موجة الهوا دي… باب الشقة من نفسه اتفتح سنة.

 

مريم صرخت: — اقفلي الباب!

 

لكن نهى بصّت ناحية الباب… وبعدين بصّت ناحية الأرض… وقالت بصوت ميت: — فات الوقت.

 

وفجأة…

 

الشرخ في الأرض فتح أكتر… كأنه فم بيتشق.

 

وصوت واحد بس طلع من جوه، واضح جدًا هذه المرة:

 

— أنا مش ضيف… أنا الأساس.مريم رجعت لورا لحد ما خبطت في ترابيزة الصالون، ووقعت منها فازة على الأرض واتكسرت… الصوت كان عالي بشكل مزعج في الصمت.

 

لكن الغريب إن مفيش أي رد فعل من اللي “تحت”.

 

كأن الكسر ده ما يهموش.

 

الشرخ في الأرض اتسع أكتر، وبقى واضح إنه مش مجرد شق في السيراميك… ده كأنه فتحة بتتنفس.

 

نهى بصّت له، وعيونها دمعت: — أنا كنت فاكرة إنه انتهى…

 

مريم صرخت فيها: — انتهى إزاي وإنتِ بتقولي إنه أساس البيت؟!

 

نهى بلعت ريقها: — لأنه مش “حد”… ده حادثة… حصلت من سنين… واتدفن هنا.

 

الصوت طلع تاني، أقرب، وكأنه بيطلع من تحت الكنبة نفسها: — اتدفن… بس ما اتحبسش.

 

فجأة الكنبة اتحركت سنة لورا لوحدها.

 

مريم شهقت: — في إيه بيحصل؟!

 

نهى فجأة جريت ناحية المطبخ: — الملح… لازم ملح!

 

مريم بصّت لها بذهول: — ملح؟! إنتِ بتهزي؟

 

بس قبل ما تلحقها، الأرض اتفتحت أكتر، وطلعت منها إيد تانية… وبعدين إيد تانية… كأن اللي تحت بيطلع نفسه ببطء متعمد.

 

البيت كله بدأ يطفي وينور، والحيطان عملت صوت زي الأنين.

 

مريم جريت ورا نهى على المطبخ: — قوليلي الحقيقة! مين ده؟!

 

نهى فتحت درج التوابل بإيد بتترعش: — من سنين… كان في راجل عايش هنا لوحده… وبنى المكان ده بإيده… وبعدين حصل انهيار صغير في القبو وقتها… واتقال إنه مات…

 

سكتت لحظة… وبعدين كملت بصوت مكسور: — بس هو ما ماتش… هو اتساب تحت… وفضل واعي.

 

الصوت من الصالة رجع يضحك: — كنتوا فاكرين الجدران بتحمي؟ الجدران كانت بتغطي عليّا بس.

 

فجأة… باب المطبخ اتقفل لوحده.

 

نهى ومريم اتجمدوا.

 

ومن تحت الباب مباشرة… بدأ يظهر تراب ناعم بيتسحب لجوا، كأنه حد بيحفر ناحيتهم.

 

نهى همست: — خلاص… هو داخل النظام كله… مش الأرض بس.

 

مريم مسكت إيدها: — نعمل إيه دلوقتي؟!

 

نهى بصّت لها لأول مرة بجدية كاملة: — في طريقة واحدة… لازم نرجع السطوح.

 

مريم شهقت: — السطوح؟! إنتِ اتجننتي؟ ده جاي من هناك!

 

نهى هزّت راسها: — لأ… هو تحتنا في كل حتة… بس في السطوح لسه فيه نقطة ضعف… الباب القديم.

 

وفجأة…

 

كل حاجة سكتت.

 

لا صوت.

 

لا حركة.

 

وبعدين…

 

صوت واحد بس جاي من كل ناحية في البيت في نفس الوقت:

 

— خلاص… أنا وصلت المطبخ.مريم جمودها اتكسر، وصوت نفسها بقى عالي وهي بتحاول تتنفس: — ده… ده مستحيل… إنت كنت في الصالة!

 

لكن مفيش رد.

 

الصمت اللي بعد الجملة كان أخطر من أي صوت.

 

نهى مسكت إيد مريم جامد: — مفيش وقت نفكر… الباب اللي في السطوح هو الوحيد اللي ممكن يوقفه حتى لو مؤقت.

 

فجأة، تحت رجليهم في المطبخ، التراب اللي كان بيتسحب بدأ يبطّأ…

 

وبعدين وقف.

 

كأن اللي تحت بيسمعهم.

 

وبعدين الصوت جه هادي جدًا… قريب جدًا من ودن مريم:

 

— السطوح… أنا عارفه كويس.

 

مريم صرخت ورجعت لورا تخبط في الحوض، والمية اتفتحت لوحدها بقوة كأن حاجة ضغطت على الحنفية.

 

نهى فجأة مسكت سكينة من على الرخامة—بس مش بهدف الهجوم، كأنها بتتأكد إنها ماسكة حاجة حقيقية في وسط الكابوس: — اسمعيني كويس… هو بيتحرك من خلال الأماكن اللي فيها فراغات قديمة… سلالم… مواسير… تراب تحت البلاط… عشان كده بيظهر في أكتر من مكان.

 

مريم بصّت لها بصدمة: — وإنتِ عرفتي الكلام ده منين؟!

 

نهى سكتت لحظة طويلة… وبعدين قالت بصوت منخفض: — عشان أنا كنت السبب في إنه يفضل موجود.

 

قبل ما مريم ترد، باب المطبخ اتفتح مرة واحدة بقوة.

 

لكن مفيش حد.

 

بس الأرض نفسها كانت بتتحرك… زي موجة بتمشي جوا البيت.

 

الصوت جه أخيرًا واضح: — إنتِ مش فاكرة… لكن أنا فاكر.

 

النور في المطبخ طفى.

 

وفي الظلام… حسّوا إن الأرض تحتهم بقت أعمق… كأنها بتفتح فمها.

 

نهى شدّت مريم ناحية باب الشقة: — نطلع السطوح فورًا… دلوقتي!

 

جروا الاتنين في الطرقة، وكل خطوة كانت الأرض بترد عليها بصوت خفيف كأنه أنين.

 

وصلوا السلم.

 

وطالعين بسرعة.

 

لكن في نص السلم…

 

مريم وقفت فجأة.

 

حست بحاجة ماسكاها من رجلها.

 

بصّت تحت…

 

ومفيش حاجة.

 

لكن صوت قريب جدًا قال:

 

— مش هتطلعي السطوح لوحدكوا.

 

نهى صرخت: — كمّلي يا مريم!!

 

مريم شدت نفسها بالعافية، وطلعت درجة… درجة…

 

ولما وصلوا لباب السطوح الحديد…

 

كان مقفول.

 

بمفتاح مش موجود.

 

وفي اللحظة دي…

 

الصوت جه وراهم على السلم مباشرة:

 

— المفتاح عندي… من زمان.مريم مسكت باب السطوح الحديد بإيديها الاتنين وتهزّه بعنف: — افتح! افتح أي حاجة!

 

لكن الباب ما اتحركش.

 

نهى كانت واقفة وراها، وشها اتغير تمامًا… ملامح الخوف بقت أقرب للقرار: — مفيش وقت… لازم ندخل من أي طريقة حتى لو هنكسره!

 

قبل ما تكمل، صوت خطوات على السلم وقف تحتهم مباشرة.

 

خطوة… ثم خطوة تانية… ببطء شديد، كأن اللي جاي مش مستعجل خالص.

 

الصوت طلع من تحت: — إنتوا فاكرين السطوح هتهربكوا مني؟

 

مريم بصّت وراها… السلم كان فاضي.

 

لكن الصوت كان موجود.

 

نهى همست وهي بتدفع الباب: — هو مش محتاج جسم… هو بيستخدم المكان نفسه.

 

فجأة… مقبض الباب اتحرك.

 

ببطء.

 

وبعدين الباب الحديد اتفتح سنة صغيرة لوحده… كأن حد من جوه وافق.

 

هوا ساقع قوي ضرب وشهم.

 

نهى شهقت: — هو هنا… سبقنا.

 

مريم دخلت خطوة لورا: — يعني إيه سبقنا؟!

 

لكن نهى كانت دخلت بالفعل.

 

ومريم اضطرت تدخل وراها.

 

السطوح كان مختلف.

 

مش زي أي سطوح عادي… النعناع اللي كان موجود زمان مات، القوارير مكسورة، وفي ركن بعيد… الباب الخشب القديم واقف مفتوح نص فتحة.

 

نهى بصّت له وقالت بصوت واطي: — ده الباب اللي بيفصل بينه وبين باقي البيت…

 

مريم شهقت: — ده مفتوح!

 

نهى هزّت راسها ببطء: — يعني هو عايزنا هنا.

 

وفجأة… الباب الحديد وراهم اتقفل لوحده بعنف.

 

“تخبيط!”

 

واتحبسوا فوق السطوح.

 

الصمت رجع تاني… لكن المرة دي مفيش هروب.

 

وفجأة… من جوه الباب الخشب المفتوح… ظهر نور خفيف جدًا… زي نفس قديم.

 

وبعدين الصوت طلع، أقرب من أي مرة: — أخيرًا… رجعتوا لمكان البداية.

 

نهى رجعت خطوة لورا وهي بتهمس: — مريم… ما تبصّيش جوا الباب…

 

لكن مريم كانت خلاص بصّت.

 

وساعتها شافت.

 

مش شخص.

 

لا…

 

شافت البيت كله من جوه الباب.

 

شافت نفسها… وهي بتدخل البيت أول مرة.

 

وشافت حاجة وقفت الزمن عندها:

 

إيد ماسكة المفتاح… وبتقفل الباب القديم من جوه… عشان ما يطلعش.

 

لكن الإيد دي…

 

كانت إيد نهى.مريم رجعت لورا كأن الباب شدّها جوه الصورة اللي شافتها.

 

— إيدك…؟! إنتِ اللي قفلتِه؟!

 

نهى هزّت راسها بسرعة، ودموعها نزلت: — مش زي ما إنتِ فاكرة… أنا ماقفلتش عشان أؤذيه… أنا قفلت عشان أحبسه.

 

الصوت من جوه الباب الخشب اتغير فجأة… بقى فيه غضب واضح: — كذبتِ.

 

الهواء على السطوح اتقلب مرة واحدة، والنعناع الميت اتحرك كأنه رجع فيه نفس.

 

مريم مسكت رأسها: — أنا مش فاهمة حاجة! إنتوا بتتكلموا عن مين أصلاً؟!

 

نهى قربت من الباب الخشب خطوة، ووشها كان مكسور: — كان ساكن هنا قبلنا… وكان بيخلي المكان ده مش آمن… مش بس بيت… كان بيحوّل البيت لحاجة تانية كل ما حد يعيش فيه.

 

الصوت خرج أقوى: — كنتوا ضيوف… وأنا الأصل.

 

وفجأة… الباب الخشب اتفتح أكتر لوحده.

 

ومن جوه… مفيش ظلام.

 

فيه “بيت تاني”.

 

نفس البيت… بس قديم، أقدم، الجدران متشققة، والأرض تراب، وفيه باب سري في الأرض مفتوح على قبو.

 

ومريم شافت حركة… ظل بيطلع من القبو ببطء.

 

نهى صرخت: — اقفليه! متكمليش تبصي!

 

لكن مريم ماقدرتش تشيل عينيها.

 

الظل طلع للنص… ووقف.

 

وكأنه شايفها هي كمان.

 

الصوت جه هادي جدًا: — أخيرًا… واحدة تانية شايفة الحقيقة.

 

نهى وقفت قدام مريم كدرع: — سيبها… أنا كفاية!

 

لكن الظل ضحك.

 

الضحكة دي كانت مختلفة… مش تهديد بس… لا… فيها معرفة قديمة: — إنتِ اللي بدأتِ… وإنتِ اللي سبتِ الباب مفتوح أول مرة.

 

نهى ارتعشت لأول مرة: — أنا ما سبتوش… أنا اتخدعت…

 

وفجأة… الأرض تحت رجلي نهى انشقت شق بسيط.

 

مريم صرخت: — نهى!!

 

نهى بصّت لها، وعيونها فيها قرار أخير: — اسمعيني كويس… الباب ده مش بيتقفل بالقوة… بيتقفل بالحقيقة.

 

مريم شهقت: — يعني إيه؟!

 

نهى قربت من الباب الخشب وهي بتهمس: — لازم حد يعترف ليه اتفتح من الأول…

 

الصوت من جوه رد فورًا: — لأنه اتساب مفتوح عن قصد.

 

وساعتها… مريم فهمت.

 

وبصّت لنهى: — إنتِ مش بس كنتي موجودة قبله…

 

سكتت لحظة…

 

— إنتِ كنتي السبب إنه يدخل البيت أصلاً.السطوح سكتت لحظة كأن الزمن نفسه اتجمد.

 

نهى ما ردّتش فورًا… وده كان أخطر من أي رد.

 

مريم بصّت لها بصدمة متكسرة: — إنتِ… دخلتيه البيت؟

 

نهى دموعها نزلت وهي بتهز راسها: — ماكانش كده… أنا ماكنتش أعرف هو إيه… كنت فاكرة إني بساعد حد… مش بفتح باب حاجة مش بتتقفل.

 

الصوت من جوه الباب الخشب قاطعهم، هادي لكن قاسي: — هي اللي اختارت.

 

الهواء اتغير فجأة، وبقى تقيل كأنه مليان تراب قديم.

 

نهى ابتدت تتكلم بسرعة، وكأنها بتعترف قبل ما تتسحب: — من سنين… كان في قبو تحت البيت القديم، قبل ما يتبني كله بالشكل ده… أنا كنت بدخل أساعد في تنظيف المكان… وكان في باب مقفول… وكنت فاكرة إنه مخزن قديم.

 

مريم كانت بتسمع وعيونها بتتسع: — وإنتِ فتحتيه؟

 

نهى بصت لها: — لقيت صوت… حد بينادي… كان بيبان إنه عالق… بيطلب مساعدة… وأنا كنت صغيرة وقتها… وخايفة أسيب حد لوحده.

 

الصوت من جوه الباب ضحك ضحكة قصيرة: — وأنا كنت محتاج بس “كلمة”.

 

فجأة… الباب الخشب فتح أكتر.

 

ومن جوه، الظل قرب لحد ما بقى واضح… مش جسم كامل، لكن ملامح إنسان بدأت تتشكل في الهواء.

 

مريم رجعت خطوة لورا: — يعني ده كله… بسبب كلمة؟

 

الظل رد: — الكلمات هي اللي بتفتح… مش المفاتيح.

 

نهى وقعت على ركبتها فجأة: — أنا قلت له “تعالى”… كنت فاكرة إني بساعده يطلع من القبو…

 

الصمت ضرب السطوح تاني.

 

مريم بصّت لها بذهول: — وإنتِ فكرتي إنه إنسان…؟

 

نهى همست: — لحد ما ما قدرش يطلع لوحده بعد كده… وابتدى يفضل… ويتعلق بالمكان… وبأي حد فيه.

 

الصوت اقترب جدًا لدرجة إنهم حسّوا إنه حوالينهم مش جوه الباب: — وبقيتِ إنتِ أول بيت ليّا.

 

فجأة، الأرض تحت السطوح بدأت ترجع “تتكسر” زي الأول… بس المرة دي مش عشان يطلع… عشان يرجع كل حاجة لمكانها القديم.

 

نهى رفعت راسها فجأة، وكأنها خدت قرار نهائي: — مريم… لازم أنا أقفله… المرة دي للأبد.

 

مريم صرخت: — إزاي؟!

 

نهى بصت لها لأول مرة بهدوء غريب: — زي ما فتحته… بكلمة… لازم يتقفل بكلمة… بس لازم تبقى منّي أنا.

 

الظل اتوتر لأول مرة: — لأ.

 

الهواء ضرب السطوح بعنف.

 

لكن نهى كانت خلاص واقفة قدام الباب، وعيونها عليه: — أنا بترجعك مكانك… سامعني؟

 

الصوت بقى أعلى، فيه غضب لأول مرة: — إنتِ ملكيش حق—

 

لكن نهى قاطعته بصوت ثابت: — “ارجع.”

 

وفي اللحظة دي…

 

كل حاجة اتشدّت لورا.

 

الباب الخشب بدأ يقفل لوحده بعنف كأنه بيتسحب لجوه الزمن.

 

الظل صرخ: — لاااا—

 

ومريم شافت القبو القديم بيختفي… واحدة واحدة… كأنه بيتقفل من جديد.

 

آخر حاجة اختفت كانت عينين مظلمة بتبص عليها.

 

وبعدين…

 

سكون.

 

الباب الخشب اتقفل.

 

والسطوح رجعت هادية.

 

مريم وقفت مصدومة، بتبص لنهى: — خلص؟

 

نهى ما ردّتش.

 

بس وقعت ببطء على الأرض، والمخدة وقعت جنبها.

 

ومن تحت الباب الحديد…

 

مفيش أي صوت.

 

ولا خبط.

 

ولا همس.

 

لكن قبل ما مريم تلمسها…

 

نهى همست آخر كلمة: — لو سمعتِ حد بينادي… ما تردّيش… أبدًا.مريم فضلت واقفة مكانها ثواني، مش قادرة تستوعب إن كل حاجة سكتت فجأة كده.

 

السطوح هادي… زيادة عن اللزوم.

حتى الهوا وقف كأنه مستني حاجة.

 

بصّت على نهى اللي كانت مرمية على الأرض، عيونها نص مفتوحة، لكن مفيش أي حركة.

 

— نهى…؟ بصوت مكسور.

 

مفيش رد.

 

مريم ركعت جنبها وهزّتها بخفة: — قومي… خلاص هو راح… قومي بقى!

 

لكن إيد نهى كانت باردة بشكل غريب.

 

وفي اللحظة دي… مريم سمعت حاجة خفيفة جدًا.

 

مش من الباب… ولا من السطوح…

 

من تحت.

 

نفس الصوت القديم… بس أضعف، كأنه بعيد جدًا: — رجعتيه… لوحدك مش كفاية…

 

مريم جمدت.

 

وببطء بصّت للأرض.

 

الشرخ اللي كان في السطوح… رجع يظهر تاني.

بس المرة دي… مش بيكبر لفوق.

 

بيغوص لتحت.

 

كأن حاجة بتسحب السطح كله ناحية القبو القديم تاني.

 

مريم قامت بسرعة، ودماغها بترفض تصدق: — لأ… لأ إحنا قفلنا الباب! خلاص انتهى!

 

لكن الصوت رجع… أقرب شوية: — الباب ما بيتقفلش مرة واحدة… بيتقفل لما آخر حد ينساه.

 

مريم بصّت حوالينها بارتباك: — يعني إيه؟!

 

وفجأة… لمحت حاجة تخلي قلبها يقف.

 

ظل خفيف جدًا… واقف عند باب السطوح الحديد من بره.

 

مش بيخبط.

 

مش بيكسر.

 

بس واقف.

 

كأنه مستنيها هي اللي تفتح من جديد.

 

مريم رجعت خطوة لورا وهي بتهمس: — مش هفتح… مش هفتح أبدًا…

 

لكن صوت نهى، أو شبهه، طلع من وراها مباشرة: — وأنا قولتلك قبل كده… ما تردّيش.

 

مريم اتجمدت.

 

ببطء شديد… بصّت وراها.

 

نهى كانت واقفة.

 

بس مش زي الأول.

 

عينها فاضية… وصوتها هادي بشكل مخيف: — بس إنتِ رديتي.

 

السطوح كله اتنفس مرة واحدة.

 

والباب الحديد بدأ يتحرك… من نفسه… ببطء.

 

ومريم فهمت آخر حاجة قبل ما الصوت يعلى:

 

إن القصة ماكنتش عن اللي تحت البيت…

 

كانت عن أول ردّ.

 

وإنه لسه ما اتقفلش فعلاً.مريم رجعت لورا بخطوة… وبعدين خطوة تانية، لحد ما ضهرها خبط في الحائط.

 

— إنتِ نهى… ولا لأ؟

 

نهى ابتسمت ابتسامة صغيرة، مش مطمّنة خالص: — أنا اللي فضلت هنا لما الباب اتقفل.

 

الهواء على السطوح اتغيّر تاني… وبقى تقيل كأنه بيزقها ناحية الباب الحديد اللي بيتهز.

 

مريم صرخت: — إنتِ بتكدبي! أنا شفتك بتقفلي كل حاجة!

 

نهى هزّت راسها ببطء: — قفلت “جزء” بس… مش كله.

 

وفجأة، الأرض تحت رجلي مريم عملت نفس الصوت القديم… “تكة” خفيفة.

 

لكن المرة دي كانت من تحتها مباشرة.

 

الصوت اللي جاي من تحت رجع يهمس: — أخيرًا… بقت لوحدها.

 

مريم بصّت لنهى: — لو إنتِ مش إنتِ… يبقى إيه ده كله؟!

 

نهى رفعت إيدها بهدوء، وأشارت للباب الخشب اللي لسه موجود في السطوح: — أنا كنت “الجزء اللي اتساب مفتوح”.

 

الصمت ضرب المكان.

 

وفجأة… الباب الحديد اتفتح بالكامل لوحده.

 

ومن وراه… مفيش سلالم.

 

فيه ظلام بس.

 

كأن السطوح نفسه بقى مدخل لحاجة أعمق.

 

مريم رجعت تصرخ: — أنا مش هنزل!

 

لكن الأرض بدأت تميل سنة… سنة… ناحية الباب.

 

وكأن البيت كله بيقولها: “مش اختيارك”.

 

نهى همست وهي واقفة مكانها: — هو ما بيحتاجش حد ينزل… هو بيحتاج حد يعترف.

 

مريم دموعها نزلت: — أعترف بإيه؟!

 

الصوت جاوب بدلها… من تحت: — إنك سمعتي… وما سكتّيش.

 

الأرض اتشقّت سنة أكبر.

 

ومريم في اللحظة دي، مسكت أول حاجة لقتها—حافة الحائط—وقلت بصوت مكسور: — أنا… أنا سمعت بس كنت فاكرة إن ده حلم!

 

الصمت رجع فجأة.

 

كل حاجة وقفت.

 

حتى الهواء.

 

وبعدين…

 

صوت واحد طلع، مختلف عن كل مرة: — أول مرة… حد يقول الحقيقة.

 

الشرخ ابتدى يقفل ببطء… كأنه بيرجع لورا.

 

السطوح رجعت تهدى.

 

والباب الحديد اتقفل تاني.

 

لكن قبل ما مريم تلتقط نفسها…

 

نهى بصّت لها آخر مرة وقالت بهدوء: — المرة دي اتقفل… بس مش علشان اتغلب… علشان اتسمّى صح.

 

وبعدين اختفت نهى.

 

مش اختفاء مفاجئ.

 

لا…

 

كأنها كانت جزء من البيت واتفك.

 

مريم فضلت واقفة لوحدها على السطوح، بتنهج، والنعناع الميت بيتحرك مع آخر نفس هوا.

 

ومن بعيد… صوت خفيف جدًا، شبه نفس قديم، قال لها آخر جملة:

 

— دلوقتي… ما تردّيش على أي حد ينادي باسمك في البيت ده.مريم فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تتحرك.

الصمت كان تقيل لدرجة إن أي صوت صغير كان بيبان كأنه صرخة.

قعدت تبص حوالين السطوح… الباب الحديد مقفول، الباب الخشب ثابت، مفيش حركة… مفيش أي علامة إن اللي حصل كان حقيقي.

لكن قلبها كان لسه بيخبط بعنف.

نزلت درجة… وبعدين وقفت فجأة.

سمعت حاجة.

همسة خفيفة جدًا من جوه الشقة اللي تحت:

— مريم…

جسمها اتجمد.

بصّت للسلم اللي نازل لتحت ببطء.

البيت كان هادي… زيادة عن الطبيعي.

— مريم…

الهمسة اتكررت، بس المرة دي من ناحية تانية.

من المطبخ.

مريم بصّت وراها بسرعة، مفيش حد على السطوح.

رجعت بصّت للسلم… لقت الباب الحديد اتفتح سنة صغيرة لوحده من غير صوت.

هي ابتدت تهز راسها: — لأ… لأ أنا مش هرد… أنا مش هرد…

لكن الصوت بقى أقرب: — أنا عارف إنك سامعاني…

ومن تحت رجليها، الأرض عملت “تكة” خفيفة.

مريم رجعت لورا بسرعة، وخبطت في الباب الخشب.

وفجأة…

الباب الخشب اتفتح لوحده.

ومن جوه مفيش صورة قديمة ولا ظلال.

بس صوت نهى.

نفس الصوت بالظبط: — متسبيش الباب مفتوح حتى لو للحظة واحدة…

مريم صرخت: — إنتِ مش موجودة! أنا شفتك تختفي!

الصوت رد بهدوء مرعب: — اللي بيختفي… بيرجع في البيت ده على هيئة تانية.

الهواء برد فجأة.

والسلم اللي نازل من السطوح بدأ يبين عليه ظل طالع.

خطوة… خطوة… ببطء.

مريم مسكت الباب الحديد بإيدين بتترعش، وقررت تقفله بنفسها.

لكن أول ما مسكته…

سمعت صوت قريب جدًا من ودنها:

— افتحي… عشان أطلعلك الحقيقة اللي إنتِ رفضتيها.

مريم غمضت عينها بكل قوتها، وصرخت: — لأ!

وفي نفس اللحظة…

كل الأبواب في البيت—السطوح، الخشب، وشقة تحت—اتقفلت مرة واحدة بعنف.

سكون.

وبعدها…

ولا صوت.

مريم فتحت عينها ببطء.

البيت كان هادي جدًا.

هادئ لدرجة مخيفة.

قعدت على الأرض وهي بتنهج، وبتحاول تقنع نفسها إن ده انتهى فعلًا.

لكن قبل ما تستوعب…

في ودنها مباشرة، من غير ما أي باب يتفتح:

— مش لازم تردّي بصوت… كفاية إنك تسمعي.

مريم بصّت قدامها ببطء شديد…

ولقت إن باب الشقة الداخلي… مفيهوش أي مقبض من جوه.

كأنه بقى بيتقفل من برّه… بس عمره ما اتقفل من جوه.

والصوت رجع تاني، هادي جدًا:

— وأنا لسه هنا.مريم فضلت بصّة للباب من غير مقبض، كأن عقلها بيرفض يترجم اللي قدامها.

 

— إنتِ… إنتِ عايزة إيه مني؟ — قالت بصوت مبحوح.

 

مفيش رد مباشر.

 

لكن الصوت رجع، أهدى من الأول… أقرب لحزن منه لتهديد: — أنا مش عايز حاجة… أنا بس مش عايز أخرج لوحدي تاني.

 

مريم حست ببرودة تسري في إيديها: — يعني إيه “لوحدي”؟!

 

السكوت رجع لحظة، وبعدين الباب اللي من غير مقبض… “اتنفس”.

 

آه… اتنفس فعلًا.

 

زي ما يكون الخشب نفسه فيه حاجة عايشة من جوه.

 

وفجأة، من تحت الباب، طلع خيط تراب خفيف… وبقى يتحرك ناحية مريم.

 

مريم رجعت بسرعة لورا: — لأ… لأ ده مش طبيعي!

 

الصوت جاها مرة تانية، أقرب: — كل مرة حد بيقفل الباب… بيحط جزء منه جوا القفل.

 

مريم همست وهي بتترعش: — وأنا مالي؟ أنا ما عملتش حاجة!

 

وفي اللحظة دي…

 

ذكريات غريبة بدأت تظهر في دماغها.

 

مش صور واضحة… إحساس.

 

باب قديم في السطوح… صوت حد بينادي… وإيدها هي اللي بتتردد.

 

مريم مسكت راسها: — لأ… أنا ما كنتش هنا قبل كده… أنا أول مرة أشوف السطوح ده!

 

لكن الباب الخشب اللي فوق في السطوح… بدأ يبان في دماغها تاني، كأنه بيبعت لها الصورة.

 

والصوت قال بهدوء قاتل: — الذاكرة هنا مش ثابتة… هي جزء من البيت.

 

فجأة…

 

باب الشقة الداخلي من غير مقبض اتحرك سنة لداخل.

 

مش حد فتحه.

 

هو اللي “اختار” يفتح.

 

ومن جوه… مفيش ظلام.

 

فيه السطوح.

 

نفس السطوح.

 

مريم شافت نفسها واقفة هناك… قدام الباب الخشب… وبتتكلم مع نهى.

 

بس النسخة اللي جوا الباب رفعت راسها فجأة وبصّت لها.

 

وبصوت ميت قالت: — شايفة؟ إنتِ كنتِ هنا من الأول.

 

مريم صرخت: — لأ! ده كدب!

 

لكن الصوت من كل مكان رد مرة واحدة: — مش كدب… ده “تكرار”.

 

الأرض تحتها بدأت تهتز خفيف.

 

والباب اللي من غير مقبض اتفتح أكتر.

 

ومن جوه…

 

إيد خرجت ببطء.

 

نفس الإيد اللي شافتها قبل كده.

 

بس المرة دي كانت بتشد حاجة وراها.

 

وكان واضح جدًا…

 

إن اللي جاي مش بيطلع من البيت.

 

ده البيت هو اللي بيطلع منه.مريم رجعت لورا لحد ما خبطت في الحيطة، وإيديها بقت بتدور وراها على أي حاجة تتعلق بيها.

 

الإيد اللي طالعة من الباب من غير مقبض كانت بتتقدم ببطء… مش مستعجلة، كأنها متأكدة إن مفيش هروب.

 

الصوت رجع تاني، بس المرة دي كان أهدى بشكل مخيف: — كل مرة كنتِ بتفكري إنك خارجة… كنتِ بتدخلي أكتر.

 

مريم صرخت: — أنا عايزة أخرج! أنا مش فاهمة حاجة!

 

وفجأة… الإيد وقفت.

 

السكون رجع لحظة.

 

وبعدين الصوت قال: — دي أول جملة صح.

 

البيت كله هدى بشكل مفاجئ… لدرجة إن مريم سمعت نفسها بتتنفس.

 

وبعدين الباب اللي من غير مقبض بدأ يتقفل ببطء… لوحده.

 

مريم اتجمدت: — إيه اللي بيحصل…؟

 

الصوت جاوب: — لما الحقيقة تتقال… البيت بيهدى… بس مش بيختفي.

 

الشرخ اللي كان بيظهر في الأرض اختفى تمامًا.

 

والباب الخشب اللي في السطوح… ظهر في ذهنها كذكرى بعيدة، بس مش مرعبة زي الأول… كأنه مكان قديم بس مقفول.

 

لكن قبل ما ترتاح…

 

حست بحاجة غريبة.

 

كأن في حد واقف وراها بالظبط.

 

مريم ما قدرتش تبص.

 

لكن الصوت طلع من وراها مباشرة، بصوت إنساني جدًا لأول مرة: — أنا مش عايز أؤذيك.

 

مريم بصّت ببطء…

 

ومفيش حد.

 

لكن الصوت كمل: — أنا بس كنت عايز حد يسمعني من الأول… من غير خوف.

 

مريم همست: — إنت مين؟

 

سكت لحظة… وبعدين جاوب: — أنا اللي اتقال عليه “اتدفن هنا”.

 

مريم بلعت ريقها: — وعايز إيه دلوقتي؟

 

الصوت رد بهدوء: — إني أطلع من الذاكرة… مش من البيت.

 

البيت كله بقى ساكن.

 

ومريم لأول مرة… ما سمعتش صوت تراب، ولا خبط، ولا همس.

 

بس الباب من غير مقبض… اتفتح سنة صغيرة تاني.

 

لكن المرة دي…

 

ماكانش بيحاول يدخل.

 

كان بيعرض اختيار.

 

ومريم واقفة قدامه… مش عارفة ترد… ولا لأول مرة عارفة إذا كانت لوحدها فعلاً… ولا لسه “بتسمع”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *