روحت اخدت مراتي من بيت أهلها بقلم زهره الربيع
روحت اخدت مراتي من بيت اهلها بعد ولادتها بشهر ، وحماتي بعتت معاها 16 كيلو لحمة من النضيف. علشان بنتها تتغذى كويس..ولما روحت اشيلهم في الفريزر لقيت ورقة صغيرة متطبقة جوه الكيس مكتوب فيها:”ماتاخدوش منها ولا تلمسوها إلا بعد أسبوع.. !!!!!!
أنا استغربت جدا بس مهتمتش شيلت الورقة وسمعت الكلام وما جيتش جنب اللحمة
بس أبويا ما هداش له بال، اتسحب في الِمداري وأخد 15 كيلو بحالهم وراح إداهم لأخويا الصغير وقال له…نزل دول عند امك تحت ياض وقلها تطبخلنا حته كويسه منهم.
انا اتفاجأت ومسكت الشنطه من اخويا..
”يا بابا، اللحمة دي بالذات ما ينفعش حد يلمسها، أم رانيا مأكدة عليا تشديد جامد!”
أبويا الحاج عبد العزيز مهتمش لكلامي
“أخوك تامر اليومين دول خس النص وبقى جلد على عضم، من شغله في الجبال وانا وامك بقالنا كتير ماكلناش اللحم النضيف ده ..متخافش هخليها تطلعلك نابك انت ومراتك كل ما نطبخ
وانت اصلابيتك مليان خير أهو وكمان سبتلكم كيلو في التلاجه
“هتأكلوا كل ده لوحدكم؟ بطنكم هتستحمل؟”
”يا بابا الموضوع مش موضوع كتير وقليل دي حاجة مبعوته لصاحبتها مش بتاعتي !” وبعدين انت ماشوفتش الورقة اللي كانت في الكيس؟”
“حماتي قالت سيبوها أسبوع بحاله وماتقربوش منها، أكيد في إنّ وفي سبب كبير!”
”سبب إيه وبتاع إيه!”
الحاج عبد العزيز برّق لي وقال:
“حماتك دي طول عمرها أبلة موسوسة وبتعمل من الحبة قبة.”
“تلاقيها خايفة على حاجتها ومستخسراها، فكتبت الكلمتين دول عشان تخوفكم ..جايبه الهديه وعينها فيها.”
“أنا عشت في الدنيا دي فوق الخمسين سنة، وعمري ما سمعت عن حتة لحمة فيها لِغز ولا بتعض!”
في اللحظة دي، اخويا قال :
” جرى إيه يا أبو حميد؟ ما تبقاش جلده بقى وخلي إيدك فرطة.”
كام كيلو لحمة مش هتقوم القيامة يعني
جوه أوضة النوم، كانت رانيا قاعدة على السرير وبتطبطب على بنتها اللي يادوب لسه مكملة شهر. لما سمعت الدوشة والزيطة بره، فتحت الباب حتة صغيرة وبصت.
ولما لمحها، عملت لها إشارة بعيني بسرعه: “اقفلي الباب ومالكيش دعوة باللي بيحصل.”
وبصيت لابويا وقولتله
لو نفسك في لحمة، أنا الصبح هانزل بنفسي للمعلم عطوه الجزار وأجيب لك أحسن حتة فليتو طازة.”
“بس اللحمة دي حماتي جايباها لرانيا مخصوص عشان “نُفاسها” وعشان تِرد صحتها بعد الولادة، ما ينفعش تتاخد.”
”يا راجل كبر مخك! مراتك ولدت وبقت زي الفل ومكملة شهر وزيادة، نُفاس إيه وصحة إيه اللي هتردها بكل ده؟”
”بقولك إيه يا أحمد، الكلام اخره هنا.”
“لو أخوك ماخدش الشنطة دي ونزل بيها مش هدخلك بيت تاني ولا تعرفني ..هتخسر ابوك علشان كام حتة لحمه ؟
سبت الشنطه من ايدي وقولت ما باليد حيله واهو ابقى اجيب انا بدالهم لرانيا مع ان تمنهم تقيل عليا في الفتره دي بعد مصاريف الولاده بس اهو احسن ما استحمل غضب ابويا وعقوقه
بصيت لابويا وقولتله
تمام يابا خد اللحمه بس شيلها اسبوع حتى تاكلوا منها الست كاتبه كده في الورقه لاحسن تكون فيه حاجه منعرفهاش
ضحك جامد وقال
لما نطلعلك منابك كله بعد اسبوع
ونزل هو واخويا وهما بيتريقوا ومكملوش نص ساعه وكانت ريحة اللحمه ملت البيت بس اللي حصل بعد ما اكلوها ميخطرش على البال اسوء بكتير من اللي اتخيلته ووقتها بس عرفت ايه سر الورقه !!!!!!!!
#زهرة_الربيع
القصه مذهله للمتابعه سيب لايك وكمنت بتم وهيوصلك اشعار👇👇👇👇👇👇
روحت اخدت مراتي من بيت اهلها بعد ولادتها بشهر ، وحماتي بعتت معاها 16 كيلو لحمة من النضيف. علشان بنتها تتغذى كويس..ولما روحت اشيلهم في الفريزر لقيت ورقة صغيرة متطبقة جوه الكيس مكتوب فيها:”ماتاخدوش منها ولا تلمسوها إلا بعد أسبوع.. !!!!!!
كملنا…
قعدت فوق في شقتي وأنا مش مرتاح. كلام حماتي والورقة كانوا بيلفوا في دماغي، بس كنت بحاول أقنع نفسي إن أبويا صح وإنها مجرد وسوسة.
بعد حوالي ساعة، سمعت خبط جامد على باب الشقة تحت وصوت أمي بتصرخ: “يا أحمد الحقنا… أبوك واقع ومش قادر يقوم!”
جريت على السلم وأنا قلبي هيقف. لقيت أبويا ماسك بطنه ووشه أصفر، وأخويا تامر قاعد جنبه بيتلوى من الوجع.
قلت بخوف: “إيه اللي حصل؟!”
أمي قالت وهي بتعيط: “من أول ما أكلوا اللحمة وهم مش مرتاحين، وبعدين فجأة التعب زاد عليهم.”
ما استنتش لحظة، طلبت الإسعاف وجرينا على المستشفى. طول الطريق وأنا بفكر في الورقة… ليه قالت ما تلمسوش اللحمة أسبوع؟
بعد الكشف، الدكتور قال: “متقلقوش، دي أعراض تسمم غذائي بسيط، بس الحمد لله جيتوا بسرعة.”
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لما اتصلت بحماتي وحكيت لها اللي حصل.
سكتت لحظة وقالت: “يا ابني… أنا كنت ناوية أقولك، بس كتبت في الورقة عشان محدش ينسى. اللحمة دي كانت لسه متدبوحة يوم ما جهزناها، والدكتور البيطري قال لازم تتساب في الفريزر أسبوع كامل قبل ما تتاكل عشان تتجمد كويس وتكون آمنة.”
سكتُّ وأنا حاسس بالندم، مش عشان اللحمة بس… عشان إننا ما احترمناش كلام صاحبة الحاجة.
بعد يومين رجع أبويا البيت، وأول ما شاف رانيا قالها: “سامحيني يا بنتي… حقك عليا. كنت فاكر إني أكبر من إني أسمع نصيحة حد.”
رانيا ابتسمت وقالت: “ولا يهمك يا بابا، المهم إنكم بخير.”
وأنا بعدها اشتريت لمراتي لحمة زي اللي راحت، يمكن ما تعوضش تعب أمها ونيتها، لكن على الأقل تعوض التقصير اللي حصل.
ومن يومها، كل ما أبويا يشوف ورقة ملزوقة على أي حاجة، يضحك ويقول: “اقروا التعليمات الأول… يمكن الورقة دي أغلى من اللي جوا الكيس!”
تمتنكمل الأحداث بعد كده…
بعد مرور شهر على الحكاية، افتكرنا إن الموضوع انتهى، لكن المفاجأة كانت إن أبويا اتغير فعلًا.
بقى كل شوية يبص على رانيا وهي شايلة البنت الصغيرة ويقول لها:
“والله يا بنتي أنا ظلمتك يومها، كنت فاكر إن الخبرة بالسن بس، طلع الواحد بيتعلم لآخر يوم في عمره.”
ورانيا كانت تضحك وتقول:
“خلاص يا بابا، أهم حاجة إنك بقيت كويس.”
أما أمي، فبقت كل ما تشوف حماتي تزورها، تحكي لكل الناس:
“دي الست دي أنقذتنا من مصيبة، واحنا اللي ما سمعناش كلامها!”
وفي يوم، قررت أروح لحماتي وأشكرها. أول ما فتحت الباب قالت وهي بتضحك:
“ها يا أحمد، المرة دي هتسمع الكلام ولا لسه؟”
ضحكت وقلت:
“من النهاردة لو لقيت ورقة مكتوب عليها ماتفتحش، هقعد جنبها شهر كامل مش أسبوع بس!”
ضحكت هي وقالت:
“يا ابني، اللحمة راحت وربنا عوض، بس خلي بالك من حاجة أهم… مراتك بعد الولادة محتاجة اللي يقف جنبها ويهتم بيها، مش مجرد أكل وشرب.”
الكلام دخل قلبي، وبدأت فعلًا أساعد رانيا أكتر وأهتم ببنتي الصغيرة.
وبعد شهور، يوم سبوع البنت، كان أبويا أول واحد داخل شايل هدية كبيرة، وقال قدام الكل:
“أنا جاي أعتذر رسميًا عن قضية الستاشر كيلو لحمة!”
وانفجر البيت كله من الضحك.
وبقت الحكاية دي تُحكى في كل تجمع عائلي، وكل ما حد يطمع في حاجة مش بتاعته، أبويا يسبق الجميع ويقول:
“اوعوا تكرروا غلطة الحاج عبد العزيز… لأن بعض الورق الصغير بيكون وراه درس كبير.”لو حابب أقدر أكمل جزء جديد عن **اللي حصل في يوم السبوع والمفاجأة اللي عملها الحاج عبد العزيز لرانيا**.في يوم السبوع، البيت كان مليان زينة وفرحة، والكل مستني يشوف إيه المفاجأة اللي الحاج عبد العزيز بيقول عليها من أسبوع.
دخل أبويا وهو شايل علبة كبيرة ومتغلفة بشريط أحمر، وكل الناس بصت له باستغراب.
أمي قالت له: — يا عبد العزيز، إيه ده؟ ما تقولنا بقى بدل ما نموت من الفضول!
ابتسم أبويا وقال: — استنوا… الهدية دي لرانيا، ولازم أقول كلمتين قبل ما تفتحها.
سكت البيت كله.
بص لرانيا وقال: — يا بنتي، يوم ما حصل موضوع اللحمة أنا كنت شايف نفسي الكبير اللي فاهم كل حاجة، وما سمعتش كلام حد. لكن إنتِ ما زعلتيش، وما خليتيش أحمد يزعل مني، وفضلتي محترمة وطيبة. عشان كده أنا حبيت أقول قدام الكل إني فخور إنك مراتي ابني.
دمعت عيون رانيا وقالت: — يا بابا، كفاية كلامك ده، دي أغلى هدية.
قال: — لا، لسه الهدية ما اتفتحتش.
فتحت رانيا العلبة، واتفاجأت إنها فيها ألبوم صور كبير، أول صفحة فيه مكتوب:
“إلى رانيا… أم حفيدتي الغالية، آسف على أول درس اتعلمته منك.”
وقلبت الصفحات، لقت صور من يوم جوازنا، وصور فترة الحمل، وصورة أول يوم رجعت فيه من المستشفى وهي شايلة بنتنا.
لكن آخر صفحة كانت أغرب حاجة…
كانت فيها صورة كيس لحمة مرسوم وعليه الورقة الصغيرة: “ماتفتحوش قبل أسبوع”
وتحتها مكتوب: “السبب في إننا اتعلمنا إن الاحترام أهم من أي حاجة في التلاجة.”
البيت كله انفجر من الضحك، حتى حماتي كانت بتضحك لدرجة إنها قالت: — أهو أخيرًا الستاشر كيلو لحمة جابوا فايدة!
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش الألبوم…
لأن الحاج عبد العزيز وقف وقال: — ولسه عندي قرار هيفاجئكم كلكم… وخصوصًا أحمد!
وسكت فجأة، وبصلي بابتسامة غريبة…
يتبع…سكت أبويا لحظة، وكل الناس بصت له مستنية.
قلت له وأنا بضحك: — خير يا حاج عبد العزيز؟ هو لسه فيه قضايا تانية غير قضية الستاشر كيلو لحمة؟
ضحك الكل، وأبويا قال: — لأ يا سيدي، المرة دي الحكم هيكون في صالحك.
قام من مكانه وطلع ظرف صغير من جيبه، واداني إياه.
فتحته وأنا مستغرب، ولقيت فيه مفتاح.
قلت: — مفتاح إيه ده؟
قال أبويا: — ده مفتاح الشقة اللي جنبنا.
الكل اتفاجئ، وأمي قالت: — شقة إيه يا عبد العزيز؟ إنت ما قلتلناش حاجة!
قال وهو مبتسم: — من شهرين وأنا بجهزها. قلت بدل ما أحمد ورانيا يتعبوا في الإيجار والتنقل، أساعدهم يبدأوا حياتهم منوبص لرانيا وقال: — أنا اتعلمت إن مساعدة الأب والأم لأولادهم مش معناها إننا ندخل في كل قرار ياخدوه. كل بيت له خصوصيته، واحنا دورنا نسند وننصح بس وقت ما يطلبوا مننا.
سكت لحظة، وبعدين كمل وهو بيضحك: — بس عندي شرط واحد.
أنا قلت بسرعة: — أهو بدأنا بقى… قول يا حاج، الشرط إيه؟
قال: — ممنوع يدخل بيتكم أي كيس لحمة عليه ورقة من غير ما نعمل اجتماع عائلي الأول!
انفجر البيت كله من الضحك، حتى رانيا كانت بتضحك وهي ماسكة بنتنا الصغيرة.
بعد أيام، بدأنا نجهز الشقة الجديدة. أبويا كان أول واحد ييجي الصبح يشيل معايا الأثاث، وأمي كانت تحضر الأكل لينا، وحماتي تيجي تساعد رانيا في ترتيب حاجات البيبي.
وفي يوم وإحنا بنرتب المطبخ، لقيت درج صغير مقفول بمفتاح.
استغربت، لأننا فتحنا كل حاجة قبل كده.
ناديت على أبويا: — يا حاج، الدرج ده مفتاحه فين؟
ابتسم ابتسامة غريبة وقال: — افتحه… بس أوعى تفتكر إن جواه لحمة المرة دي!
فتحت الدرج وسط ضحك الجميع…
لكن اللي لقيناه جواه خلّى رانيا تحط إيدها على بوقها من الصدمة.
يتبع…اقتربت رانيا وهي مستغربة، وأنا فتحت الدرج ببطء وسط نظرات الكل.
لقينا جواه صندوق خشب صغير، وفوقه ظرف مكتوب عليه بخط أبويا: “يتفتح في وجود رانيا وأحمد بس.”
بصيت لأبويا وقلت: — هو إنت بتحب المفاجآت أكتر من المسلسلات ولا إيه؟
ضحك وقال: — افتح بس، وهتفهم.
دخلنا الأوضة أنا ورانيا، وفتحنا الظرف الأول. كان فيه جواب من أبويا مكتوب فيه:
“يا أحمد… يا ابني، يمكن طول عمري كنت فاكر إن دوري إني أعلمك كل حاجة، لكن الأيام أثبتت لي إن الأب كمان بيتعلم من أولاده.
رانيا دخلت بيتنا عروسة، لكن تصرفاتها خلتها بنت ليا. وعشان كده، حبيت أسيب لكم بداية تساعدكم وتفك عنكم هموم كتير.”
فتحنا الصندوق، فلقينا فيه دفتر توفير باسم بنتنا الصغيرة، وفيه مبلغ كان أبويا محوشه من سنين.
خرجنا وإحنا متأثرين، ورانيا دموعها في عينيها.
قالت له: — والله يا بابا، الهدية دي كبيرة أوي، بس أكبر حاجة إنك اعتبرتني بنتك.
أبويا مسح دموعه وقال: — وأنا كسبت بنت زيادة في البيت.
من يومها، بقى كل عيد ميلاد للبنت، أبويا يضيف مبلغ جديد في الدفتر ويقول: — دي مش فلوس… دي ذكرى من جدها عشان لما تكبر تعرف إن الحب مش بالكلام بس.
ومرت السنين، وكبرت بنتنا، وبقت تعرف حكاية الستاشر كيلو لحمة أكتر ما تعرف أي حكاية تانية في العيلة.
وفي عيد ميلادها العاشر، وهي بتقلب الألبوم القديم، وقفت عند صورة كيس اللحمة والورقة الصغيرة، وضحكت وقالت:
— يعني يا جدو… كل الحب ده بدأ من ورقة مكتوب عليها “ما تفتحوش قبل أسبوع”؟
ابتسم الحاج عبد العزيز وقال: — لأ يا حبيبتي… كل الحب ده بدأ يوم ما اعترفنا إننا كنا غلطانين، وقررنا نصلّح الغلط.
وساد البيت صمت جميل… قبل ما تقول حفيدته جملة خلت الجميع ينظر إليها بدهشة:
— طب هو حد فيكم سأل ليه أصلًا تيتة كتبت الورقة دي؟
نظر الجميع لبعضهم البعض…
لأن الحقيقة أنهم طول السنين كانوا يضحكون على الموقف… لكن لم يسأل أحد أبدًا عن السر الحقيقي وراء الورقة.
يتبع…عمّ الصمت في البيت لثوانٍ، وكل واحد فينا بص للتاني كأنه بيسأل نفس السؤال: إزاي ما فكرناش في ده قبل كده؟
أبويا حك راسه وقال وهو يضحك: — والله البت دي طلعت أذكى مننا كلنا.
أمي قالت: — معقول بعد عشر سنين لسه في سر ورا الورقة دي؟
وقتها بصينا كلنا لحماتي، كانت قاعدة بهدوء وابتسامة صغيرة على وشها، كأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان.
رانيا قالت: — يلا يا ماما، قولي بقى… ليه كتبتي “ما تفتحوش قبل أسبوع”؟
تنهدت حماتي وقالت: — الحقيقة إن السبب مش زي ما أنتم فاكرين.
اقترب الجميع، حتى الأطفال سكتوا.
قالت: — يوم ما جهّزت اللحمة، كنت عارفة إن بنتي راجعة بيتها بعد الولادة، وكنت عايزة أوفر لها أكل جاهز ومغذي أول أيامها، فعملت جزء منها متبل ومجهز للطهي، وحطيت عليه توابل وخلطة خاصة لازم تفضل يومين تلاتة عشان تتشرب الطعم.
أبويا قاطعها: — بس الورقة كانت بتقول أسبوع!
ابتسمت وقالت: — عارفة.
استغربنا كلنا.
قالت وهي تضحك: — كتبت أسبوع علشان كنت عارفة إن الحاج عبد العزيز لو شاف “يومين أو تلاتة” هيقول: “خلاص نفتحها النهاردة!” ويبدأ يوزع منها على البيت كله.
انفجر الجميع من الضحك، وأبويا حط إيده على صدره وقال: — يعني كنتِ عاملة دراسة لشخصيتي من زمان؟
قالت: — من أول يوم شفتك يا حاج.
فضحكت أمي وقالت: — والله معاها حق… إنت كنت بتعتبر أي حاجة تدخل الفريزر ملكًا عامًا للعيلة!
رد أبويا وهو يضحك: — خلاص خلاص، كفاية فضايح قدام الأحفاد.
لكن حماتي لم تتوقف عن الابتسام، وقالت: — لا، ده مش كل السر.
رجع الهدوء مرة تانية.
سألتها رانيا: — يعني فيه سبب تاني؟
هزّت رأسها وقالت: — أيوه… والسبب ده ما عرفتهوش حتى إنتِ يا رانيا.
نظرت لها رانيا بدهشة: — أنا كمان؟
أخرجت حماتي من شنطتها ظرفًا قديمًا أصفر اللون، احتفظت به كل هذه السنوات، وقالت:
— لأن الورقة اللي كانت في كيس اللحمة… ما كانتش الورقة الوحيدة اللي حطيتها يومها.
وتجمدت الابتسامات على الوجوه.
يتبع…أخذت حماتي الظرف القديم بيد مرتعشة قليلًا، وفتحته أمامنا.
أخرجت ورقة مطوية بنفس شكل الورقة الأولى تمامًا.
قال أبويا وهو يضحك: — يا ساتر… يعني كان فيه مؤامرة لحوم كاملة واحنا مش عارفين؟
ضحك الجميع، حتى حماتي، ثم قالت: — لا يا حاج عبد العزيز، المرة دي الموضوع مش عن اللحمة خالص.
فتحت الورقة وسلمتها لرانيا.
بدأت رانيا تقرأ بصوت مرتجف:
“يا بنتي… لو بتقري الرسالة دي، يبقى عدى وقت طويل على يوم رجوعك بيتك بعد الولادة. يمكن وقتها تكوني نسيتي تعب الأيام الأولى، لكن أنا مش هنسى خوفك وقلقك وأنتِ داخلة على مرحلة جديدة في حياتك.”
سكتت رانيا وامتلأت عيناها بالدموع.
كملت القراءة:
“أنا ما بعتلكيش اللحمة علشان تاكلي بس… أنا بعتلك معاها رسالة من غير كلام: إن بيت أمك دايمًا مفتوح، وإنك مهما كبرتي وخلفتي، هتفضلي بنتي الصغيرة.”
لم تستطع رانيا أن تكمل، فأخذتُ الورقة منها وقرأت:
“ولو في يوم حسّيتي إن الناس مش مقدرة تعبك، افتكري إن أمك عارفة كل ليلة سهر، وكل وجع، وكل دمعة خبّيتيها.”
كان البيت كله ساكتًا.
حتى أبويا، الذي كان دائمًا يحوّل كل موقف إلى نكتة، مسح عينيه وقال: — والله الست دي كسبتنا كلنا.
ثم نظر إلى حماتي وقال: — بس عندي سؤال واحد.
ابتسمت وقالت: — إيه هو؟
قال: — ليه ما اديتيش رانيا الرسالة دي من الأول؟
نظرت إليه حماتي بابتسامة هادئة وقالت:
— لأن الرسائل اللي بتتقال في وقتها بتبقى كلمات… لكن الرسائل اللي تيجي بعد سنين، بتبقى عمر كامل اتحط بين سطورها.
سكت الجميع، لكن الحفيدة الصغيرة رفعت يدها فجأة وقالت:
— طيب يا تيتة… لو كان فيه ورقتين، إحنا لقينا واحدة بس في كيس اللحمة. الورقة التانية كانت مستخبية فين طول العشر سنين؟
نظر الجميع إلى حماتي…
لكن هذه المرة، اختفت ابتسامتها.
وقالت بصوت هادئ:
— لأنها ما كانتش في كيس اللحمة أصلًا… كانت في مكان محدش منكم هيتوقعه.
يتبع…سادت لحظة صمت في البيت، حتى الأطفال وقفوا عن اللعب وكأنهم شعروا أن وراء الكلام حكاية أكبر.
سألت رانيا وهي تنظر لأمها: — يعني إيه يا ماما؟ كانت فين؟
تنهدت حماتي وقالت: — كانت في شنطة المستشفى بتاعتك.
اتسعت عينا رانيا بدهشة: — شنطتي؟! بس أنا فتحتها كلها بعد ما رجعت البيت.
هزت أمها رأسها وقالت: — لا يا بنتي… مش كلها.
ثم أشارت إلى دولاب قديم في ركن الصالة وقالت: — فاكرة الشنطة الزرقا الصغيرة اللي كنتِ حاطة فيها أول هدوم للبنت؟
رانيا فكرت قليلًا ثم قالت: — أيوه… دي لسه عندي، ومحتفظة بيها عشان الذكريات.
ابتسمت حماتي وقالت: — جوه الجيب الداخلي بتاعها حطيت الرسالة يوم الولادة، وكنت ناوية أقولك عليها لما تهدي وتعدي أول شهور التعب… لكن بعدها حصلت قصة اللحمة، والضحك والمشاكل والصلح، والسنين جريت، وأنا نسيت تمامًا.
قال أبويا مازحًا: — يعني الستاشر كيلو لحمة سرقوا شهرة رسالة أهم منهم!
فضحك الجميع، ثم قال: — والله لو كنت أعرف إن الموضوع هيعيش عشر سنين، كنت عملت تمثال لكيس اللحمة وحطيته عند باب البيت.
ضحكت رانيا وهي تمسح دموعها: — لا يا بابا، كفاية إنك بقيت بطل الحكاية.
لكن حماتي قالت بهدوء: — لسه في حاجة ما قلتهاش.
نظرنا إليها مرة أخرى.
قالت: — يوم ما حطيت الرسالة في الشنطة، ما كتبتهاش بس لرانيا… كتبت في آخرها وصية صغيرة للحفيدة اللي لسه ما كانتش اتولدت في عقلها حتى.
استغربت رانيا: — إزاي؟ هي البنت كانت لسه مولودة!
ابتسمت أمها وقالت: — كنت أقصد مستقبلها… وكتبت لها جملة ما توقعتش إنها هتسمعها في عيد ميلادها العاشر.
أخرجت حماتي الورقة الأخيرة من الظرف، ونظرت إلى حفيدتها وقالت:
— تعالي يا حبيبتي… دي أول رسالة اتكتبت لكِ قبل ما تعرفي تقري أو تكتبي.
أخذت الطفلة الورقة بيدين مرتعشتين، وبدأت تقرأ أول سطر…
فتغيرت ملامح وجهها فجأة.
وقالت بصوت منخفض:
— يا نهار أبيض… هو ده اللي حصل يوم ما اتولدت؟!
ونظر الجميع إليها بصدمة.
يتبع…خطفنا الورقة من إيدها بسرعة، وأنا قلت بقلق:
— إيه يا بنتي؟ مكتوب إيه خلاكي تتفاجئي كده؟
ابتسمت الصغيرة وقالت: — لا يا بابا… كملوا القراءة بس.
أخذت رانيا الورقة وبدأت تقرأ:
“إلى حفيدتي التي لم أعرف ملامحها بعد…
يمكن لما تقري كلامي ده أكون بقيت ست كبيرة، ويمكن أكون مش موجودة، لكن نفسي تعرفي حاجة مهمة: يوم ولادتك ما كانش يوم عادي.”
بدأت دموع حماتي تنزل في صمت.
وأكملت رانيا:
“في الليلة اللي قبل ما تيجي للدنيا، الأطباء كانوا قلقانين على أمك جدًا. كانت الولادة صعبة، وكنت واقفة برا الباب بدعي ربنا في كل لحظة. وقتها وعدت ربنا إن لو خرجت بنتي وحفيدتي بخير، هفضل طول عمري أذكركم إن الحياة هدية، وإن العيلة سند لبعض.”
ارتجف صوت رانيا وهي تكمل:
“علشان كده يوم رجعتي البيت، ما جبتش لحمة وبس… كنت بحاول أحط في بيتكم بداية جديدة، أكل يدفّيكم، وكلمة تطمنكم، ودعوة تفضل معاكم.”
لم يتمالك أبويا نفسه وقال: — سبحان الله… إحنا فضلنا عشر سنين فاكرين إن حكايتنا كلها بدأت بخناقة على كيس لحمة، وطلع إن وراها خوف أم ودعوة جدة.
اقتربت الحفيدة من جدتها وحضنتها بقوة وقالت: — يعني أنا كنت هدية ربنا ليكم؟
قالت الجدة وهي تمسح دموعها: — إنتِ بركة دخلت البيت يا حبيبتي.
وفي هذه اللحظة، دخلت أمي المطبخ، ثم عادت وهي تحمل صينية عليها أكواب الشاي وقالت:
— خلاص يا جماعة، كفاية عياط. أنا عندي اقتراح.
نظر إليها الجميع.
قالت وهي تضحك: — من السنة دي، يوم ميلاد البنت هيبقى عيدين: عيد ميلادها… وعيد الستاشر كيلو لحمة.
انفجر الجميع من الضحك.
ومن يومها بقى تقليدًا في العائلة، كل سنة يجتمعون في نفس اليوم، يروون القصة من البداية للنهاية، ويضحكون على غلطة الحاج عبد العزيز، ويتذكرون حب الجدة وخوفها ودعاءها.
لكن بعد خمس سنوات، وفي عيد ميلاد الحفيدة الخامس عشر، كانت هناك مفاجأة لم يتوقعها أحد…
لأن الحاج عبد العزيز وقف وسط الجميع وقال:
— النهارده جه الوقت إني أعترف بسر كنت مخبيه من يوم قضية اللحمة.
وسقط الصمت في البيت من جديد…
يتبع…نظرنا إلى أبي بصدمة.
أمي وضعت كوب الشاي من يدها وقالت:
— يا عبد العزيز، بالله عليك ما تقولش إنك كنت مخبي كيس لحمة احتياطي كل السنين دي!
انفجر الجميع من الضحك، حتى الحاج عبد العزيز ضحك وقال:
— لا يا ستي، بعد اللي حصل أنا بقيت أخاف أقرب من الفريزر أصلاً.
ثم هدأ وجهه قليلًا وقال:
— بس الحقيقة إن يوم ما لقيت الورقة جوه الكيس، أنا ما كنتش بس مستعجل آخد من اللحمة… أنا كنت زعلان.
نظرنا له باستغراب.
قال:
— وقتها حسيت إن حمات رانيا مش واثقة فينا، وكأنها بتقول إننا هنمد إيدنا على حاجة مش بتاعتنا. وده جرح كرامتي، فبدل ما أسأل بهدوء، خلتني عصبيتي أتصرف غلط.
نظرت إليه حماتي وابتسمت:
— وأنا كمان عندي اعتراف.
قال أبويا: — لسه في اعترافات؟ هو إحنا في محكمة ولا إيه؟
ضحكنا جميعًا.
قالت: — أنا فعلًا كنت عارفة إنك ممكن تاخد منها، وكتبت الورقة بالطريقة دي علشان أحمي حق بنتي بعد الولادة. بس ما كنتش أقصد أجرحك ولا أقلل منك.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قام أبويا من مكانه، ومشى ناحيتها، وقال:
— يبقى إحنا الاتنين غلطنا. أنا استعجلت، وإنتِ ما وضحتيش السبب.
مد يده لها وقال: — إيه رأيك نعتبر قضية الستاشر كيلو لحمة اتقفلت رسميًا؟
صافحته وهي تضحك:
— اتقفلت… بس الملف يفضل محفوظ للذكرى.
صفق الأحفاد، وتحول الموقف إلى ضحك.
وفي نهاية اليوم، أخذني أبي جانبًا وقال:
— يا أحمد، عايز أقولك حاجة.
قلت: — خير يا حاج؟
قال وهو ينظر إلى أولادي وهم يلعبون:
— يمكن أكبر درس اتعلمته في عمري كله إن البيت مش بيقف على مين صح ومين غلط… البيت بيقف على مين مستعد يعتذر ومين مستعد يسامح.
سكت قليلًا، ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة مطوية.
ضحكت فورًا وقلت:
— لاااا… مش ورقة تاني يا حاج!
ابتسم وقال:
— المرة دي مختلفة.
فتحتها، فوجدت مكتوبًا عليها:
“لا تفتح إلا بعد عشر سنوات.”
نظرت إليه بدهشة، بينما هو ابتسم وقال:
— المرة دي بقى… خلي عندك صبر.
ونظر الجميع إلى الورقة…
ولأول مرة منذ خمسة عشر عامًا، لم يجرؤ أحد على فتحها.
النهاية… أم أن للورقة الأخيرة حكاية أخرى؟مرت لحظة صمت طويلة، والورقة في إيدي بتترعش.
قلت وأنا بضحك توترًا: — يا حاج… إحنا لسه خارجين من صدمة “ورقة الستاشر كيلو”، هتدخلنا في مسلسل ورق جديد؟
ضحك وقال: — المرة دي مش مشكلة لحمة… دي مشكلة حياة كاملة.
رانيا بصّتلي وقالت: — افتحها يا أحمد… يمكن تكون حاجة مهمة.
أمي قاطعت: — لا يا بنتي، سيبك منه، ده لو شاف كلمة “ممنوع” هيستنى عشر سنين زي ما هي!
ضحكنا كلنا، لكن الفضول كان أقوى.
حطيت الورقة على الترابيزة، وكل العيلة اتلمت حوالينها كأنها كنز.
وبهدوء شديد، الحاج عبد العزيز قال: — قبل ما تفتحوا… لازم تفهموا حاجة.
سكتنا.
قال: — الورقة دي مش ليكم أنتم بس… دي للبيت كله اللي جاي بعدكم.
سألت: — يعني إيه؟
ابتسم وقال: — يعني القرار مش هيتاخد بالعافية… ولا بالفضول… القرار هيتاخد لما تبقوا جاهزين تفهموا معناه.
رانيا همست: — طب وإحنا جاهزين ولا لأ؟
أبويا بص لنا كلنا وقال: — الصراحة؟ لسه.
سكتنا.
وهنا حصل اللي ماكنش في الحسبان…
الحفيدة الصغيرة قربت من الورقة، ولمستها بإيدها وقالت:
— طب ليه نستنى عشر سنين؟ أنا ممكن أستنى خمس دقايق بس.
ضحكنا، لكن أبويا فجأة قال بجدية:
— لا.
كلمة واحدة بس خلت الجو يتغير.
ثم أكمل: — لأن الورقة دي مش فيها سر… فيها وعد.
نظرنا له بتركيز.
قال: — وعد إني لو لسه عايش بعد عشر سنين، هجمعكم هنا تاني، ونفتحها سوا… ونشوف هل فعلاً البيت فضل زي ما هو ولا اتغير.
سكت الجميع، والضحك اختفى تمامًا.
أمي قالت بصوت هادي: — يعني دي رسالة للمستقبل؟
هز رأسه: — أيوه… بس كمان اختبار.
سألت: — اختبار إيه؟
ابتسم وقال: — هل هتفضلوا متماسكين زي النهارده… ولا هتفرقكم الأيام؟
وفي اللحظة دي، الحفيدة خدت الورقة من على الترابيزة وقالت فجأة:
— خلاص… أنا هحطها في مكان آمن.
وماشيِت بيها ناحية أوضة غريبة محدش فينا دخلها قبل كده.
صرخت: — استني! هتحطيها فين؟!
لكنها قفلت الباب وقالت من جوه: — في المكان اللي هتلاقوها فيه لما تبقوا جاهزين بجد.
وقفنا كلنا نبص لبعض.
أبويا قال بهدوء غريب: — شكلها هي اللي اختارت النهاية مش أنا.
وفجأة…
سمعنا صوت حاجة بتتقفل جوا الأوضة… وبعدين سكون كامل.
ورغم إننا كنا عايشين نفس البيت…
إحساس غريب دخل قلوبنا كلنا: إن في حاجة جديدة بدأت… من غير ما نكون إحنا اللي قررناها.
يتبع…وقفنا كلنا قدام الباب، مش مستوعبين اللي حصل.
أبويا قرب وخبط خبطتين خفيفين: — افتحي يا بنتي… مش هنكمل الفيلم ده كده.
مفيش رد.
أمي قالت بقلق: — يا بنتي افتحي، متخوفناش عليكي.
ثواني وعدّت… وبعدين سمعنا صوت الحفيدة من جوه: — أنا كويسة… بس الورقة مش هتخرج دلوقتي.
رانيا بصّتلي وقالت: — إزاي يعني مش هتخرج؟
أنا نفسي ماكنتش فاهم حاجة، فقلت: — افتحي بس الباب ونتكلم.
فتح الباب بهدوء.
وقفت قدامنا وهي ماسكة الورقة، لكن الغريب إن وشها كان جاد جدًا بشكل ماينفعش مع سنها.
قالت: — أنا قريتها.
سكتنا كلنا.
أبويا قال بسرعة: — إنتِ قريتي إيه؟! إحنا ما فتحناهاش أصلاً!
قالت: — مكتوب عليها مش بس “لا تفتح إلا بعد عشر سنين”…
بصينا لبعض بصدمة.
كملت: — مكتوب تحت بخط صغير جدًا… “ولو اتفتحت قبل ميعادها، البيت هيتغير.”
ساعتها أمي شهقت: — يا ساتر يا رب… إيه الكلام ده!
أبويا حاول يضحك: — بيتغير إزاي يعني؟ هنهدمه ونبنيه تاني؟
لكن الحفيدة رفعت إيدها وقالت: — مش تغيير بيت… تغيير ناس.
سكتنا.
الجو اتقلب فجأة من هزار لجد.
رانيا همست: — قصدك إيه يا حبيبتي؟
قالت بهدوء: — من ساعة ما الورقة دخلت الأوضة… وأنا حسّيت إن كل واحد فيكم بدأ يقول حاجات ما كانش بيقولها قبل كده.
بصتلها أمي: — زي إيه؟
قالت: — زي الاعتذار… والاعتراف… والكلام اللي بيتقال من غير زعل.
سكتنا كلنا.
أبويا قعد على الكرسي وقال بهدوء: — يمكن… لأننا لأول مرة بنسمع بعض بجد.
وقتها الحفيدة قربت وحطت الورقة على الترابيزة وقالت: — عشان كده مش هترجع الأوضة تاني.
أنا استغربت: — يعني إيه؟
قالت: — لأننا لو سبناها هناك… هنرجع ننسى الكلام ده.
سكتت لحظة، وبعدين ابتسمت: — أنا مش عايزة البيت يتغير… أنا عايزة البيت يفضل فاكر.
أبويا بص لها وقال بابتسامة خفيفة: — يعني إنتِ اللي هتحكمي علينا بقى؟
ضحكت: — لأ… أنا بس هفكركم.
وفي اللحظة دي، أمي قامت وجابت صندوق خشب قديم من الدولاب وقالت: — طيب بما إننا دخلنا في موضوع الذكريات… فيه حاجة كمان لازم تتشاف.
بصينا كلنا بصدمة تانية.
أبويا قال: — لا… كفاية مفاجآت بقى النهارده!
لكن أمي فتحت الصندوق وقالت: — دي مش مفاجأة… دي بداية حكاية تانية خالص.
ووقتها بس…
بدأنا نحس إن قصة “الستاشر كيلو لحمة” ماكنتش النهاية ولا حتى أهم حكاية…
دي كانت مجرد أول باب في بيت مليان أسرار صغيرة… بتكبر مع الأيام.
يتبع…أمي حطت الصندوق على الترابيزة بهدوء، كأنها خايفة نفتح حاجة نندم عليها.
أبويا ضحك وقال: — هو إحنا داخلين على متحف عائلي ولا إيه؟
لكن ملامح أمي كانت جدّية لأول مرة: — افتحه يا عبد العزيز… دي حاجات من زمان قوي.
رانيا قربت وقالت: — ده شكلها صور قديمة؟
أمي هزت راسها: — مش صور بس.
سكتنا كلنا، وأبويا فتح الغطا ببطء.
جواه كان فيه حاجات بسيطة… بس غريبة:
دفتر قديم جدًا متغلف بغلاف جلد
شريط كاسيت
رسائل متربطة بشريط أبيض
وصورة أبيض وأسود لبيت قديم
أبويا مسك الصورة وقال: — ده بيت مين ده؟
أمي قالت بهدوء: — بيتنا الأول… قبل ما نجيله اللي إحنا فيه دلوقتي.
سكتنا.
رانيا قالت: — ليه محتفظة بالحاجات دي كلها؟
أمي ردت: — لأن كل حاجة هنا بدأت فيه… حتى إحنا.
فتحت الدفتر، ولقيته مكتوب فيه بخط يدها:
“يوميات بيت عبد العزيز”
أبويا اتجمد: — يوميات إيه؟ أنا ما كنتش أعرف الكلام ده!
ضحكت أمي: — عشان ماكنتش لازم تعرف كل حاجة وقتها.
بدأت تقلب الصفحات، وكل صفحة كانت فيها موقف من حياتهم: خناقة صغيرة… صلح… حلم… ضحكة… خوف… ولحظات ماحدش غيرها كتبها.
وفجأة وقفت عند صفحة وقالت: — شوفوا دي.
قربنا كلنا.
كان مكتوب فيها:
“يوم دخل عبد العزيز البيت وهو شايل كيس لحمة كبير… وقال إنها رزق الأسبوع… وما كانش يعرف إن اليوم ده هيكون بداية درس هيعلمه لأولاده بعد 30 سنة.”
أبويا بص لها بصمت طويل… وبعدين قال بهدوء: — يعني إنتِ كنتِ عارفة إن يوم اللحمة ده مش هيتنسي؟
ابتسمت: — كنت عارفة إنه مش هيتنسي… بس ماكنتش عارفة إنه هيبقى نكتة عائلية.
ضحكنا كلنا.
لكن فجأة، الحفيدة مسكت الشريط الكاسيت وقالت: — طب ده نشغله؟
أبويا قال بسرعة: — لا!
بس كان متأخر.
أمي كانت شبكته في جهاز قديم كان في الركن من زمان.
وضغطت زر التشغيل…
وسمعنا صوت خشن شوية… صوت راجل ستيناتي شاب نسبيًا… وكان الصوت مألوف جدًا.
كان صوت أبويا.
بس بيقول جملة خلتنا كلنا نسكت:
“لو يوم من الأيام الحاجات الصغيرة دي اتنسيت، يبقى البيت ده فقد روحه.”
أبويا وقف فجأة وقال: — أنا قلت الكلام ده؟
أمي بصت له وقالت بابتسامة: — قلت أكتر من كده كمان… بس ماكنتش فاكر.
وسكت البيت كله.
لأننا فجأة فهمنا إن المشكلة عمرها ما كانت في ورقة… ولا كيس لحمة…
المشكلة كانت في إننا كنا عايشين… بس مش دايمًا فاكرين إحنا مين لبعض.
وفي اللحظة دي، الحفيدة قالت بهدوء: — يبقى لازم نكتب إحنا كمان حاجة تتسمع بعد 30 سنة.
رفعنا كلنا راسنا لها.
وأبويا قال بابتسامة: — شكلها البداية الجديدة مش النهاية بقى.
يتبع…