ابني كان لسه يدوب عنده سبع أيام لما لقيته غرقان

ابني كان لسه يدوب عنده سبع أيام لما لقيته غرقان في السخونية وجنبه أمه مغمي عليها ومش حاسة بالدنيا. الدكتور أول ما بصلهم قال كلمة واحدة: “اطلبوا الشرطة”.

اسمي يحيى، وعايش في منطقة شعبية على قد حالها.

 

​شغال مشرف مخازن في شركة توريدات بناء. مراتي “ندى” كانت أطيب وأهدأ إنسانة عرفتها في حياتي، كانت تشكر الكاشير اللي بيتجاهلها، وتعتذر لو حد خبط في عربية السوق بتاعتها، وبطريقة ما كانت مخليّة بيتنا الإيجار الصغير ده فيه دفا وبركة ميتوصفوش.

 

​قبل سبع أيام من كل اللي حصل ده، ولدت أول فرحتنا.

 

​ولد.

 

​سميناه “يوسف”.

 

​يومها الصبح في المستشفى، لما شلته وهو ملفوف في لفة بيضا وطاقية لبني صغيرة نازلة على ودنه، حسيت إن ربنا أخيراً حط في إيدي حاجة نقية من غير ذنب.

 

​بس كنت غلطان.

 

​بعد أربع أيام من رجوع ندى البيت، جالي تليفون من الشغل. قالوا فيه مشكلة كبيرة في فرع تاني.. ورق بضاعة ناقص، والمورد مهدد بقضايا، وإمضائي أنا اللي على الملفات، ومفيش حد هيعرف يحل الليلة دي غيري.

 

​قلت للمدير: “مش هينفع، مراتي لسه والدة وابني مكملش أسبوع”.

 

​فضل يتحايل عليا ويقولي هما أربع أيام بس، والشركة ممكن تخسر العميل، ومستقبلي في الشغل كله ممكن يضيع.

 

​وعملت الحاجة الوحيدة اللي هفضل ندمان عليها لحد ما أموت.

 

​سافرت.

 

​قبل ما أمشي، كنت واقف في المطبخ مع أمي وأختي الصغيرة “رنا”.. ريحة المطبخ كانت صابون مواعين، والغسالة شغالة، وندى نايمة في الأوضة ويوسف نايم في حضنها.

 

​قلت لهم: “بالله عليكم خلوا بالكم منها، دي لسه تعبانة، ودكتور المستشفى قال محتاجة راحة، وأكل دافي، وسوائل كتير عشان تقدر ترضع الواد”.

 

​أمي طبطبت على خدي كأني لسه عيل عنده عشر سنين.

 

​وقالت لي: “يا يحيى دي بقت بنتنا خلاص، روح شوف شغلك وأنت مطمن، مراتك وابن ابننا في عنينا”.

 

​رنا ابتسمت وهزت صباع يوسف الصغير وقالت: “جرى إيه يا عم يحيى؟ محسسنا إنك الوحيد اللي بتحبهم! سيبها على الله، إحنا سادّين”.

 

​صدقتهم.

 

​وده كان أول ذنب أعمله في حقهم.

 

​خلال الأربع أيام دول، كنت بكلم البيت كل شوية.

 

​في كل مرة أمي اللي كانت بترد.

 

​وفي كل مرة كانت تفتح الكاميرا لثواني معدودة وتلفها بالعافية.

 

​أشوف ندى نايمة على السرير، وشها باهت تحت ضوء اللمبة السهاري، شفايفها مشققة، وشعرها ملزوق في وشها، وعينها نص مفتوحة كأنها منامتش من يوم الولادة.

 

​في مرة همست وقالت: “يحيى…”

 

​وقبل ما تكمل الكلمة، أمي أخدت التليفون بسرعة.

 

​وقالت بحزم: “دي الهرمونات مأثرة عليها، كل اللي بيولدو جداد بيبقوا كدة بيعيطوا من أقل حاجة، متزودهاش عليها أنت كمان بأسئلتك”.

 

​مرة تانية، سمعت صوت يوسف بيعيط في الخلفية.

 

​بس مكنش عياط طبيعي.

 

​كان صوت شرقة ناشفة ونازلة من الزور، كأن حنجرته الصغيرة تعبت من كتر النداء.

 

​سألتها: “هو الواد بيعيط كدة ليه؟”

 

​رنا ضحكت وقالت: “عيل صغير وبيعيط يا يحيى! كنت عايزه يعمل إيه يعني؟ يدفع الإيجار؟”

 

​حسيت بنغزة في بطني وقلت: “هاتي ندى أكلمها”.

 

​قالت: “نايمة”.

 

​”طب وريني يوسف”.

 

​”لسه مرضعاه ونايم”.

 

​”ياما.. ندى بتاكل كويس؟”

 

​وش أمي اتغير وبان عليه الضيق من ورا الشاشة وقالت: “جرى إيه يا يحيى؟ هو أنا هعلمني إزاي أراعي الوالدة؟ أنا مربياك أنت وأختك، ومراتك دي مش أميرة يعني عشان يجيلها أكل مخصوص”.

 

​سكتّ.

 

​عشان دي أمي.

 

​وعشان أنا كنت على بعد مئات الكيلومترات.

 

​وعشان كنت مغفل.

 

​في الليلة الخامسة، الشغل خلص بدري.. مقلتش لحد، ركبت عربيتي وراجعت في الضلمة، كوباية قهوة المحطة كانت بتلسع لساني والمطر بينزل على الإزاز، ووصلت قدام البيت قبل الفجر.

 

​المنطقة كانت هس هس وكل الناس نايمة.. صندوق الزبالة كان مقلوب على الرصيف، والجو برا ساقعة ومطير، وكلب بعيد هوى هوة وراحت.

 

​بس بيتي مكنش فيه ريحة البيت اللي فيه عيل لسه مولود.

 

​مفيش ريحة شوربة دافية.

 

​مفيش ريحة غسيل نضيف.

 

​مفيش ريحة بودرة أطفال.

 

​مفيش غير ريحة هواء ساقع وحاجة مكمكمة ومزرنخة تحتيه.

 

​فتحت الباب بالمفتاح.

 

​نور الصالة كان شغال.

 

​أمي ورنا نايمين على الكنبة تحت التكييف، ومتغطيين ببطاطين تقيلة، وتربيزة الصالون مليانة علب بيتزا فاضية، وأكياس شيبسي، وقزايز حاجة ساقعة.

 

​حسيت بقلبي بيتعصر.

 

​أمي فتحت عينها وقامت مفزوعة.

 

​وقالت: “يحيى؟ مقلتش ليه إنك جاي؟”

 

​مردتش عليها.

 

​”فين ندى؟”

 

​قالت وهي بتمسح وشها: “جوه في الأوضة.. ابنك فضل يصرخ طول الليل، وهي تلاقيها نايمة دلوقتي”.

 

​وهنا سمعت الصوت.

 

​يوسف.

 

​صوته مكنش عالي.. كان طالع بالعافية، منتهي، كأن طاقته خلصت تماماً.

 

​جريت.

 

​باب الأوضة كان موارب، وأول ما زقيته، الريحة ضربت في وشي الأول.

 

​لبن قاطع.. عرق.. دم.. وحفاضات مش نظيفة.. الشبابيك مقفولة، والمروحة مطفية، والأوضة كانت مكتومة وخنقة كأنها عربية مقفولة في عز حر يوليو.

 

​ندى كانت مرمية على جنبها على السرير.. شعرها لازق في قورتها، وهدومها مبلولة عند صدرها، ووشها لونه رصاصي.. إيد منها كانت مدلدلة برا السرير، وصوابعها متشنجة في الملاية كأنها كانت بتحاول تقوم وفشلت.

 

​همست: “ندى؟”

 

​مفيش رد.

 

​يوسف كان جنبها، ملفوف في حتة قماشة مش نظيفة، وشه أحمر دم، وشفايفه بيضا ومقشرة، وجسمه الصغير كان زي النار لما لمسته.

 

​شلت الواد في إيدي.

 

​مكنش بيتحرك تقريباً.

 

​”ندى!”

 

​هزيت كتفها.

 

​مفيش فايدة.

 

​”ندى.. قومي بالله عليكي!”

 

​جسمها كان سخن مولع.. سخن زيادة عن اللزوم.

 

​لفيت وشي ناحية الباب وصرخت بأعلى صوت لدرجة إني معرفتش صوتي.

 

​”يامااااا!”

 

​أمي جت تجري ووراها رنا.

 

​أول ما شافوا منظر ندى، الاتنين اتسمروا مكانهم.

 

​مش مخضوضين.. ولا مرعوبين.

 

​كانوا واقفين زي اللي اتمسكوا وهما بيعملوا مصيبة وكانوا فاكرين إن محدش هيشوفها أبداً.

 

​زعقت فيهم: “جرى لها إيه؟”

 

​شفايف أمي اتهزت وقالت: “كانت كويسة امبارح بالليل”.

 

​صرخت فيها: “كويسة إزاي؟ الست غايبة عن الوعي!”

 

​رنا رجعت خطوة لورا وقالت: “تلاقيها بتمثل.. هي من يوم ما ولدت وهي عايزة تسحب الاهتمام كله ليها”.

 

​بصيت لأختي، وفي اللحظة دي، نسيت تماماً إنها أختي.

 

​لفيت يوسف في الجاكيت بتاعي، وشلت ندى بين إيديا، وجريت بيهم في الشارع وأنا حافي.. جارنا عم أحمد فتح بابه لما سمع صريخي، وجاب مفاتيح عربيته من غير ما يسأل سؤال واحد.

 

​على الساعة 5:42 الصبح، كنا واقفين قدام باب الطوارئ في المستشفى.

 

​الممرضة بتاعة الاستقبال أول ما شافت وش ندى، ضربت زرار الإنذار قبل ما أكمل كلامي.. ركبوا ليوسف إسويرة الطوارئ في رجله الصغيرة، وممرضة تانية كتبت على التذكرة بخط عريض: “طفل عمره 7 أيام – حمى شديدة” وندهت على دكاترة الأطفال.

 

​كنت عمال أقول وأعيد: “مراتي لسه والدة.. ابني سخن بيموت.. بالله عليكم الحقوهم.. بالله عليكم”.

 

​دكتورة لابسة سكراب أزرق كشفت على نبض ندى، ورفعت جفون عينها، وبعدين بصت على البطانية اللي كان ملفوف فيها يوسف وعلى علامات التسلخات الشديدة اللي في رجله من كتر قعدة الحفاضة.

 

​نظرة عينها اتغيرت تماماً.

 

​مش نظرة دكتورة بتشوف عيان.. دي كانت نظرة بني آدم بيشوف قسوة مفيش بعدها قسوة.

 

​لفت ليا وسألتني بصوت حاد: “مين اللي كان قاعد بيهم في البيت؟”

 

​قلت لها وصوتي بيقطع من العياط: “أمي وأختي.. في إيه يا دكتورة؟ حصلهم إيه؟”

 

​الدكتورة مردتش عليا.. بصت للممرضة وقالت بصوت واطي وناشف:

 

​”اطلبي الشرطة فورا…”

 

ابني كان لسه يدوب عنده سبع أيام لما لقيته غرقان في السخونية وجنبه أمه مغمي عليها ومش حاسة بالدنيا. الدكتور أول ما بصلهم قال كلمة واحدة: “اطلبوا الشرطة”.

القصة كاملة في أول تعليق متنساش تصلي علي النبي 👇👇👇وقفت الكلمة في ودني زي الصدمة.

 

“اطلبي الشرطة فورًا…”

 

الممرضة بصت للدكتورة، وبعدين بسرعة خرجت تجري ناحية التليفون الداخلي.

 

أنا ساعتها ماكنتش فاهم حاجة.

 

كل اللي في دماغي إن مراتي بتضيع، وابني بيتحرق من السخونية، والدنيا كلها بتقفل عليا.

 

بصيت للدكتورة وقلت بصوت مكسور: “في إيه يا دكتورة؟ قوليلي حصل إيه؟ ده ابني ومراتي!”

 

ما ردتش عليا فورًا… كانت لسه بتفحص ندى بسرعة، بتحط سماعة على صدرها، وبتقيس نبضها بإيد باردة جدًا كأنها بتحاول ما تدخلش مشاعرها في اللي شايفاه.

 

وبعدين قالت وهي من غير ما تبصلي: “الاتنين حالتهم خطيرة… بس اللي يهمني دلوقتي إن ده مش إهمال عادي.”

 

سكتت لحظة، وبصت ليوسف اللي كان في حضني بيأن بصوت ضعيف جدًا، وقالت: “ده شكل إهمال جسيم… وممكن يكون فيه حاجة أبشع من كده.”

 

الكلمة دي وقعت عليا زي طوبة.

 

“أبشع من كده؟ يعني إيه؟!”

 

قبل ما تجاوب، دخلت ممرضة تانية بتجري: “الشرطة في الطريق يا دكتورة.”

 

في اللحظة دي حسيت إن رجلي مش شايلاني.

 

قعدت على الكرسي اللي جنب الحيطة، ودماغي بتلف.

 

إهمال؟ أبشع من إهمال؟ أمي… أختي… البيت…

 

كل صورة كنت شايفها في الأربع أيام اللي فاتوا بدأت ترجعلي بشكل مختلف.

 

التليفون اللي كان بيتقفل بسرعة. الصوت اللي كان بيتكتم. الضحك اللي كان مش في مكانه. ريحة البيت اللي ماكنتش طبيعية.

 

فجأة… صوت يوسف علا سنة بسيطة، كأنه بيستغيث.

 

قمت جريت عليه: “اهدى يا حبيبي… اهدي يا يوسف… أنا هنا…”

 

الدكتورة قربت وقالت بحسم: “مش وقت عواطف. الطفل عنده حرارة خطيرة وجفاف واضح. لازم يدخل حضّانة فورًا.”

 

وبالفعل شالوه مني.

 

أول ما شيلوه حسيت إن روحي بتتسحب معاه.

 

“لا… لا يا دكتورة بالله عليكي سيبوه معايا!”

 

بس الباب اتقفل.

 

فضلت واقف قدامه، باصص على الضلمة اللي وراه، كأني مستني حد يفتح ويقولي كله كان كابوس.

 

بس الصوت اللي جه من ورايا كان أخطر من أي كابوس.

 

صوت ضابط: “أنت يحيى؟”

 

لفيت.

 

كان واقف معاه اتنين جنود شرطة، ومعاهم دكتور بيرشدهم.

 

سألني بصوت رسمي: “مين كان مسؤول عن الطفل والأم في البيت؟”

 

بلعت ريقي: “أمي… وأختي… بس… بس أنا مسافر شغل…”

 

الضابط بصلي نظرة طويلة، وقال: “هنحتاج نسمع كل حاجة بالتفصيل.”

 

وفي اللحظة دي… اتفتح باب الطوارئ تاني.

 

ممرضة خارجة بسرعة، وبتقول: “الدكتورة عايزاك حالًا… الأم صحت جزئيًا وبدأت تهلوس وبتقول كلام مهم.”

 

جريت.

 

دخلت الأوضة.

 

ندى كانت عينيها مفتوحة نص فتحة، نفسها تقيل، ووشها مرهق كأنها عاشت سنين في أسبوع واحد.

 

همست بصوت مكسور: “يحيى… خد بالك من يوسف… ما تخليش حد… يقرب منه…”

 

قربت منها بسرعة: “مين؟ مين يا ندى؟ قوليلي حصل إيه؟”

 

دمعة نزلت من عينها وهي بتقول جملة واحدة بس:

 

“مش كانوا بيساعدوني… كانوا… بيسيبو…ني لوحدي…”

 

وفجأة صوت جهاز المراقبة علا.

 

الدكتورة دخلت بسرعة: “خلوها ترتاح! بسرعة!”

 

بس أنا كنت واقف متجمد.

 

لأول مرة… فهمت إن الرجوع للبيت مش هيكون زي الخروج منه.

 

وبره الأوضة… الشرطة كانت بتفتح ملف أول بلاغ في الق*ضية.

 

وقبل ما الباب يتقفل عليا تاني… سمعت الضابط بيقول:

 

“في محضر هيترفع… وإحنا محتاجين نعرف الحقيقة كلها من الأول.”وقفت الكلمة “محضر” في وداني كأنها حكم مش مجرد إجراء.

 

الممرضة سحبتني بره الأوضة بسرعة: “سيبها ترتاح دلوقتي… الحالة حرجة.”

 

وقبل ما أتكلم، لقيت الضابط واقف في الممر، ماسك نوتة صغيرة، وبصلي نظرة تقيلة:

 

“يا أستاذ يحيى… احنا مش جايين نأذيك. بس لازم نفهم اللي حصل خلال الأربع أيام دول بالتفصيل.”

 

بلعت ريقي: “أنا قلتلك… كنت في الشغل… وسبت أمي وأختي معاهم… كانوا بيطمنوني… كل يوم كانوا بيقولوا كويسين…”

 

سكت شوية، وبعدين سألني: “طب فين والدتك وأختك دلوقتي؟”

 

لفيت بصيت حواليا لأول مرة.

 

مش موجودين.

 

الكنبة اللي كانوا قاعدين عليها فاضية. موبايلاتهم مش في إيديهم. ولا أي صوت.

 

حسيت قلبي وقع.

 

“كانوا هنا… من شوية…”

 

الممرضة اللي كانت معدية قالت بسرعة: “محدش من المرافقين موجود من ساعة ما دخلتوا الطوارئ.”

 

الضابط رفع عينه على طول: “امتى آخر مرة شفتهم؟”

 

سكت.

 

آخر مرة… لما دخلت الأوضة… ولقيت اللي لقيته.

 

جالي إحساس غريب، زي حد بيقفل باب ورايا واحدة واحدة.

 

في اللحظة دي، موبايل الضابط رن.

 

رد بسرعة: “ايوه… طب امسكوا الشخصين دول عندكم… متحركوش…”

 

قفل وبصلي: “فيه بلاغ اتفتح على اسمك في القسم… واسم أمك وأختك طلعوا في محضر قديم كمان.”

 

جسمي اتجمد.

 

“محضر قديم؟ إيه الكلام ده؟!”

 

قبل ما يجاوب، خرج دكتور من أوضة يوسف بسرعة، ووشه مختلف عن أي مرة شفته قبل كده.

 

“الطفل دخل الحضّانة… بس في حاجة لازم تتقال.”

 

بصلي مباشرة: “ده طفل تعرّض لإهمال شديد… بس كمان فيه علامات مش طبيعية… آثار مش من مجرد تعب أو حرارة.”

 

الضابط شد جسمه: “يعني إيه؟”

 

الدكتور تردد لحظة، وبعدين قال: “يعني لازم التحقيق يكمل… بسرعة.”

 

وفي اللحظة دي… أنا حسيت إن الأرض بتتفلت من تحت رجلي.

 

لأن كل حاجة كنت فاكرها واضحة… بدأت تبقى غامضة.

 

وكل الناس اللي وثقت فيهم… اختفوا في نفس اللحظة اللي الحقيقة بدأت تظهر فيها.

 

الضابط قرب مني وقال بصوت أخف شوية: “إحنا هنحط حراسة على الأم والطفل… ومش هيسمح لحد يخرج من المستشفى لحد ما نفهم كل حاجة.”

 

سكت لحظة وبعدين قال الجملة اللي كسرتني:

 

“وممكن تكون أنت أول واحد محتاج حماية في القصة دي.”

 

رفعت عيني له بصدمة: “أنا؟!”

 

ما ردش.

 

بس اللي رد بدل منه كان صوت باب الحضّانة…

 

بيتقفل على يوسف.وقفت عند كلمة “حماية” كأنها غريبة عليا.

 

أنا؟ محتاج حماية من مين؟

 

قبل ما أسأل، الضابط اتحرك خطوة ناحية أوضة التمريض وقال: “هاتوا تسجيلات الكاميرات من مدخل العمارة ومنطقة البيت… بسرعة.”

 

لفيت للدكتور: “يوسف عامل إيه دلوقتي؟”

 

بصلي بنظرة أهدى شوية من الأول: “داخل الحضّانة… الحرارة عالية، والجفاف شديد… لكن لحقناه في الوقت المناسب.”

 

الكلمة دي “لحقناه” كانت أول حاجة خلت نفسي أتنفس.

 

بس الراحة ماكملتش ثواني.

 

ممرضة جريت ناحية الضابط: “في ناس من أقاربك بره بيقولوا عايزين يشوفوك… بيقولوا إنهم جاين يطمنوا.”

 

سكت الضابط لحظة: “مين؟”

 

الممرضة: “ست كبيرة… وشابة… قالوا أمك وأختك.”

 

جسمي اتشد.

 

“إنت بتقول إيه؟ دول كانوا معايا هنا من شوية!”

 

الضابط رفع إيده: “اهدى. خلينا نشوف الأول.”

 

مشى ناحية باب الطوارئ، وأنا وراه غصب عني.

 

فتح الباب…

 

وبصيت.

 

مفيش حد.

 

الكرسي الحديد قدام المستشفى فاضي. ولا صوت. ولا أي حركة.

 

الضابط لف للممرضة: “محدش دخل ولا خرج من هنا؟”

 

هزت راسها: “لا… الكاميرات عند الباب مثبتة.”

 

بصلي الضابط: “تعالى.”

 

دخلنا غرفة صغيرة فيها شاشة مراقبة.

 

الموظف رجّع التسجيل.

 

الساعة 5:10 صباحًا…

 

أنا داخل شايل يوسف ونازل جاري.

 

5:12…

 

الممرضة بتضغط زر الإنذار.

 

5:13…

 

ناس بتدخل الطوارئ.

 

5:20…

 

أنا جوا أوضة الكشف.

 

لكن…

 

اللي خلاني أتجمد فعلاً…

 

إن الكاميرا اللي على باب المستشفى…

 

ما سجلتش خروج أي ست كبيرة ولا بنت في نفس التوقيت اللي أنا شفتهم فيه.

 

سألت بصوت مبحوح: “يعني إيه؟ كانوا في البيت… وطلعوا إمتى؟”

 

الضابط قفل الشاشة وقال بهدوء خطير: “إحنا عندنا احتمالين…”

 

سكت.

 

وبعدين كمل:

 

“يا إما مفيش حد خرج من البيت أصلاً…”

 

“يا إما اللي شفته في البيت… مش كان زي ما إنت فاكر.”

 

حسيت بصداع بيكسر دماغي.

 

“أنا شوفتهم بعيني!”

 

الضابط قرب مني: “وإحنا مش بنشكك فيك… إحنا بنحاول نفهم.”

 

في اللحظة دي… باب الحضّانة اتفتح.

 

الدكتور خرج بسرعة، ووشه مختلف تمامًا.

 

“يوسف استقر شوية… بس لسه في حاجة غريبة.”

 

بصلي مباشرة:

 

“الطفل عنده علامات إهمال شديد… لكن فيه كدمات خفيفة في أماكن مش منطقية لرضيع عمره أسبوع… وكمان…”

 

سكت لحظة.

 

“في مادة غريبة في دمه.”

 

سألت بسرعة: “مادة إيه؟!”

 

الدكتور هز راسه: “لسه التحليل… بس مش طبيعي.”

 

ساعتها الضابط بصلي وقال جملة أخيرة:

 

“الق*ضية بدأت تبقى أكبر من مجرد إهمال عائلي.”

 

وفجأة… جالي رنين في ودني من تاني.

 

مش صوت الناس.

 

صوت ندى وهي بتهمس قبل ما تغيب عن الوعي:

 

“ما تخليش حد يقرب منه…”

 

وقتها بس… بدأت أفهم إن اللي حصل في البيت… ماكانش مجرد إهمال… ولا صدفة.وقفت جملة ندى في دماغي كأنها إنذار متأخر.

 

“ما تخليش حد يقرب منه…”

 

الضابط لاحظ إنّي سرحت: “إنت سامعني؟”

 

هزّيت راسي غصب: “آه… سامع.”

 

الدكتور رجع يكمل بسرعة: “لازم ننقل الطفل حضّانة أعلى تجهيزًا. الحالة مش مستقرة، ومحتاج متابعة دقيقة جدًا.”

 

وفي نفس اللحظة، ممرضة جريت: “فيه تدهور بسيط في ضغط الأم!”

 

رجعت أجري ناحية أوضة ندى.

 

لقيتها عينيها نص مفتوحة تاني، لكن المرة دي كانت أهدى… أهدى بشكل يخوف.

 

همست: “يحيى… يوسف… خليه بعيد… عن البيت…”

 

قربت منها: “ليه يا ندى؟ قوليلي مين عمل فيكي كده؟”

 

سكتت لحظة طويلة، وبعدين قالت بصوت شبه مكسور: “مش كنت لوحدي…”

 

قبل ما أكمل سؤالها، جهاز المراقبة علا فجأة.

 

الدكتور دخل بسرعة: “برا! بسرعة!”

 

اتسحبت غصب عني.

 

وقفت بره الأوضة، وقلبي بيخبط كأنه عايز يخرج من صدري.

 

الضابط كان واقف: “قالتلك إيه؟”

 

رديت وأنا تايه: “بتقول إنها ماكنتش لوحدها…”

 

سكت الضابط لحظة، وبعدين بصلي: “فيه كاميرات هتتركب دلوقتي في أوضتها. وممنوع أي حد يدخل غير الطاقم الطبي.”

 

هزّيت راسي من غير ما أفهم حاجة.

 

بعد ساعة تقريبًا…

 

قعدت على كرسي في الممر، مش حاسس برجليا.

 

الضابط رجعلي تاني ومعاه ملف: “ده اللي وصلنا له لحد دلوقتي…”

 

فتح الورق.

 

“مفيش أي بلاغات قديمة ضد أمك أو أختك… لكن فيه شكوى قديمة في نفس العنوان عن إهمال لطفل تاني من 3 سنين.”

 

بصيت له بسرعة: “طفل تاني؟!”

 

هز راسه: “اختفى وقتها… ومفيش بلاغ رسمي اتسجل للنهاية.”

 

سكت.

 

الإحساس اللي جوايا بدأ يتحول لشيء تقيل… مش مجرد خوف.

 

كأن في تاريخ كامل في البيت ده… أنا ماكنتش شايفه.

 

فجأة… الممرضة نادت بصوت عالي: “الدكتور عايزك فورًا!”

 

جريت.

 

دخلت الحضّانة.

 

وشفت يوسف… لأول مرة وهو تحت الأجهزة.

 

صغير… أضعف مما تخيلت… لكن لسه عايش.

 

الدكتور وقف جنبه وقال بهدوء: “الطفل نجا من مرحلة خطيرة… لكن لازم نعرف سبب الحالة دي بالضبط.”

 

لفّ عليا: “هل في أي حد غيرك كان بيهتم بيه بشكل مباشر؟”

 

سكت.

 

وبعدين… بصيت في الأرض.

 

“أمي… وأختي…”

 

الدكتور بص للضابط اللي كان واقف عند الباب.

 

والضابط قال جملة واحدة:

 

“نحتاج نرجع البيت… فورًا.”الكلمة وقعت في المكان الغلط.

 

“نرجع البيت… فورًا.”

 

حسّيت جسمي اتشد.

 

“نرجع البيت؟! وإبني لسه في الحضّانة!”

 

الضابط رد بهدوء: “مش هنسيبه. لكن لازم نفهم اللي حصل جوه البيت ده. كل دقيقة بتفرق.”

 

الدكتور أيده بسرعة: “لو في مصدر تلوث أو إهمال متكرر أو حاجة بتتكرر في البيئة، علاج الطفل مش هيكمل غير لما نعرف السبب.”

 

سكت.

 

المنطق بيقول “مصلحة يوسف”. بس قلبي بيقول “خطر”.

 

بعد ساعة، كنت في عربية الشرطة.

 

مش لوحدي… مع الضابط.

 

الطريق للبيت كان نفس الطريق، بس شكله مختلف.

 

كل عمارة كنت عارفها بقت غريبة.

 

كل شارع كنت حافظه بقى مش مألوف.

 

وصلنا.

 

نفس الباب الحديد. نفس السلم الضيق.

 

لكن أول ما دخلنا الشقة…

 

الصمت كان تقيل.

 

الضابط دخل قبلي، ماسك س*لاحه بحذر مش طبيعي.

 

أنا وراه.

 

“أمي؟… رنا؟”

 

مفيش رد.

 

الصالة فاضية.

 

ولا كنبة. ولا أكل. ولا أي حاجة من اللي شفتها في خيالي في المستشفى.

 

بس اللي كان أغرب…

 

إن البيت كان نضيف جدًا.

 

كأن محدش عاش فيه من أيام.

 

الضابط بصلي: “إنت متأكد إنك جيت هنا قبل كده؟”

 

اتجمدت: “أنا… أنا دخلت هنا وشفتهم… وشفت الأكل… وشفت النوم…”

 

فتح باب أوضة النوم.

 

فاضية.

 

لا أثر لسرير اتستخدم. ولا ملايات. ولا حتى ريحة بشر.

 

لفّ عليا: “فيه حاجة غلط.”

 

في اللحظة دي، عيني وقعت على حاجة في الأرض.

 

مفتاح صغير.

 

مش بتاع البيت.

 

ومكتوب عليه رقم.

 

رقم مخزن في الشركة اللي أنا شغال فيها.

 

قلبي وقع.

 

“إيه ده هنا بيعمل إيه؟”

 

الضابط أخده بإيده: “ده دليل مش هنا بالصدفة.”

 

قبل ما أكمل، موبايل الضابط رن.

 

رد بسرعة: “ايوه؟… إزاي يعني؟!”

 

بصلي بعدها بحدة مختلفة تمامًا: “كاميرات المستشفى سجلت حاجة جديدة.”

 

“في ست شبه أمك… دخلت الحضّانة… من غير إذن… قبل ما الطفل يتحول للحالة المستقرة.”

 

وقفت مكاني.

 

“إنت بتقول إيه؟”

 

الضابط قرب خطوة: “ومش لوحدها.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين قال الجملة اللي كسرت آخر جزء في يقيني:

 

“كان معاها حد تاني… شايل طفل صغير.”

 

نفس حجم يوسف.سكتت الكلمة في الهوا كأنها بتتسحب من جوّا راسي.

 

“شايل طفل صغير… نفس حجم يوسف.”

 

بصيت للضابط: “إنت بتقول إيه؟ يوسف في الحضّانة دلوقتي!”

 

رد بسرعة: “وعشان كده إحنا مستغربين… الكاميرا سجلت دخول طفل تاني شبهه… مش نفس الطفل اللي دخل من شوية.”

 

حسّيت الأرض بتتهز تحت رجلي.

 

“يعني إيه طفل تاني؟! ده ابني!”

 

الضابط شدّني من دراعي بهدوء: “تعالى نشوف التسجيل.”

 

رجعنا غرفة المراقبة في المستشفى.

 

الشاشة اشتغلت.

 

الساعة كانت 6:03 صباحًا…

 

مدخل الطوارئ.

 

ست واقفة على الباب… ملامحها مش واضحة قوي، لكن جسمها قريب بشكل غريب من شكل أمي.

 

ومعاها… حد شايل طفل ملفوف.

 

قلبي بدأ يضرب.

 

الصورة قربت شوية.

 

وشي بدأ يبان أكتر.

 

“دي… أمي؟”

 

الضابط ما ردش.

 

بس قال: “ركز.”

 

الست دخلت بسرعة، من غير ما حد يوقفها.

 

لكن الغريب…

 

إن الممرضة اللي على الباب ما بصّتش ليها أصلاً في التسجيل.

 

كأنها مش شايفاها.

 

لفّينا التسجيل لداخل الممر.

 

نفس الشخص… بيمشي بسرعة ناحية حضّانة الأطفال.

 

وبعدها…

 

الشاشة تهتز لحظة.

 

وتقطع.

 

“إيه ده؟”

 

الموظف قال: “الكاميرا فصلت 47 ثانية… وبعدين رجعت لوحدها.”

 

رجع الفيديو.

 

لكن اللي دخل الحضّانة قبل الفصل…

 

مش هو اللي خرج بعده.

 

الضابط قفل الشاشة: “في حاجة متبدلة.”

 

بصلي: “الطفل اللي عندك دلوقتي… متأكد إنه نفس الطفل؟”

 

سكت.

 

بس إيدي كانت بتترعش.

 

لأول مرة في حياتي… ما قدرتش أجاوب.

 

في اللحظة دي دخل الدكتور بسرعة: “الطفل في الحضّانة بدأ يستجيب بشكل أفضل… لكن في حاجة تانية.”

 

بص لنا: “في فحص الدم… ظهر إن في اختلاف بسيط في الـDNA عن العينة اللي اتسحبت أول مرة.”

 

اتجمدت.

 

“يعني إيه؟!”

 

الدكتور بصلي مباشرة: “يعني احتمال… إن الطفل اللي عندك دلوقتي… مش هو نفس الطفل اللي دخل المستشفى الصبح.”

 

صوتي طلع مكسور: “ابني… اتبدل؟”

 

الضابط رد بسرعة: “أو اتنقل… أو حد لعب في الموضوع من البداية.”

 

وفي اللحظة دي…

 

موبايل الضابط رن تاني.

 

رد.

 

وبعد ثواني وشه اتغير.

 

قفل وقال بصوت أخف بس أخطر: “في بلاغ من الأمن… في طفل لسه مولود… تم الإبلاغ عن اختفاؤه من حضّانة تانية في نفس المستشفى.”

 

بصلي: “في أكتر من طفل… يا يحيى.”

 

وسكت لحظة.

 

وبعدين قال:

 

“وكلهم شبه بعض.”وقفت كلمة “شبه بعض” كأنها خيط شدّني لدوامة.

 

“شبه بعض إزاي؟!” صوتي طلع متكسر.

 

الضابط رد وهو بيقلب في الموبايل: “نفس الوزن التقريبي… نفس العمر بالساعات… ونفس الحالة الطبية تقريبًا.”

 

الدكتور دخل بسرعة على الكلام: “ده مش طبيعي… دي حالات ولادة مختلفة مستحيل تطلع بنفس النمط كده.”

 

سكت لحظة، وبعدين قال الجملة اللي خلت الجو يتغير: “إلا لو في حاجة واحدة مشتركة بينهم.”

 

بصينا له سوا.

 

“إيه؟”

 

قال بهدوء: “المصدر.”

 

سكتنا.

 

قبل ما حد يرد، صوت ممرضة جه من بعيد: “الدكتور! الطفل اللي في الحضّانة بدأ يسخن تاني!”

 

جريت أنا والضابط.

 

دخلنا الحضّانة.

 

يوسف… أو اللي المفروض يبقى يوسف… كان بيتحرك حركة بسيطة، لكن الأجهزة كانت بتصرخ.

 

الدكتور شد السماعة: “الحرارة بتعلى بسرعة… في تذبذب غير مفهوم!”

 

وبصلي: “إنت متأكد إنه ابنك؟”

 

وقفت.

 

مش قادر أجاوب.

 

كل حاجة بقت ضباب.

 

وشه… نفس ملامحه. بس الإحساس جوايا… مختلف.

 

في اللحظة دي، الضابط قال فجأة: “في كاميرا إضافية فوق السقف.”

 

بص للسقف: “مش شغالة في النظام الأساسي.”

 

رجع الفيديو الاحتياطي.

 

وشوفنا حاجة تانية.

 

ست داخل الحضّانة تاني… بعد ما خرجنا إحنا بدقايق.

 

لكن المرة دي ملامحها واضحة.

 

أمي.

 

بس اللي كان معاها…

 

مش رنا.

 

كان راجل غريب لابس لبس عمال.

 

وشايل صندوق صغير محكم الغلق.

 

الدكتور بص بدهشة: “الصندوق ده بيستخدم في نقل عينات بيولوجية… مش أطفال.”

 

الضابط قرب: “يعني إيه؟”

 

الدكتور رد وهو صوته بيتغير: “يعني لو الكلام ده صحيح… إحنا مش بنتكلم عن إهمال.”

 

سكت.

 

وبعدين قال: “إحنا بنتكلم عن نقل أطفال بشكل منظّم.”

 

في اللحظة دي، الممرضة صرخت: “الطفل بيهبط ضغطه!”

 

جريت ناحية الحضّانة.

 

لكن وأنا داخل…

 

لقيت حاجة غريبة جدًا.

 

على طرف السرير… ورقة صغيرة.

 

مش متوقّعة.

 

مكتوب فيها بخط واضح:

 

“ده مش أول طفل… ومش هيكون الأخير.”

 

بصيت للضابط: “إيه ده؟ مين حاطط ده؟!”

 

الضابط مسك الورقة، ووشه اتقفل تمامًا: “ده تهديد… أو رسالة من حد جوه النظام.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين قال: “في حد كان متابع كل خطوة من البداية.”

 

وفجأة…

 

نور الحضّانة فصل.

 

وصوت جهاز واحد بس فضل شغال.

 

نبض ضعيف… بيقل.

 

والدكتور صرخ: “الطفل بيدخل في انهيار!”

 

وفي اللحظة دي…

 

باب الحضّانة اتقفل من بره.قبل ما أستوعب اللي حصل، الباب الحديدي للحضّانة اتقفل بقوة خلت الزجاج يهتز.

 

“خبط!”

 

الضابط اندفع ناحية الباب: “افتحوا الباب فورًا!”

 

مفيش رد.

 

الدكتور جري ناحية لوحة التحكم: “النظام اتقفل من بره… ده إغلاق يدوي مش عطل!”

 

قلبي وقع.

 

جريت ناحية الشباك الزجاجي أبص على يوسف.

 

الأجهزة بدأت تصرخ بشكل أسرع… خط النبض بينزل.

 

“لا… لا يا رب…”

 

حاولت أفتح الباب بإيدي، أزعق، أخبط: “افتحوا! ابني جوا!”

 

الضابط شدني: “اهدى! لازم نلاقي طريقة تانية!”

 

في اللحظة دي، النور في الممر كله اتقطع.

 

الظلام دخل فجأة… إلا ضوء أحمر طالع من أجهزة الحضّانة.

 

الدكتور بص حوالين: “في UPS شغال… بس باب العزل نفسه مقفول علينا.”

 

سكت لحظة، وبعدين قال: “في زر طوارئ داخلي… في آخر الممر.”

 

الضابط: “أنا هروح.”

 

مشي في الظلام، وأنا واقف قدام الزجاج، شايف يوسف بيتهزّ حركته ضعفت أكتر.

 

همست: “استحمل يا حبيبي… بابا هنا…”

 

وفجأة…

 

سمعت صوت ورايا.

 

خطوات.

 

لفّيت بسرعة.

 

مفيش حد.

 

بس على الأرض… لقيت نفس الورقة اللي كانت في الحضّانة.

 

بس المرة دي مكتوب عليها سطر جديد:

 

“مش هتقدر توصل له لوحدك.”

 

رجعت أبص للزجاج.

 

لقيت حاجة مستحيلة.

 

في داخل الحضّانة…

 

ست واقفة جنب السرير.

 

وشها مش واضح… لكن شكلها قريب من أمي.

 

وإيديها فوق الأجهزة.

 

صرخت: “ابعدي عنه!!”

 

الدكتور رجع يجري: “إحنا لسه محدش دخل! الباب مقفول!”

 

الضابط رجع بسرعة: “الزر مش شغال!”

 

بصينا كلنا للزجاج.

 

الست رفعت راسها.

 

وبصتلي مباشرة.

 

وفي نفس اللحظة…

 

خط النبض على الشاشة وقف لحظة واحدة.

 

ثم بدأ يرجع… بشكل طبيعي فجأة.

 

الدكتور بص بصدمة: “إيه اللي حصل؟!”

 

لكن أنا ماكنتش سامع.

 

كنت شايف الست بس.

 

بتهمس من ورا الزجاج… بصوت مش واضح:

 

“هو مش ابنك الوحيد يا يحيى…”

 

الدنيا دارت بيا.

 

الضابط صرخ: “افتحوا الكاميرات الخارجية! شوفوا مين جوه!”

 

لكن لما رجعنا نبص…

 

الحضّانة كانت فاضية.

 

مفيش أي حد.

 

إلا يوسف… نايم بهدوء غريب.

 

كأن مفيش حاجة حصلت.

 

الدكتور بصلي: “الطفل مستقر… بشكل غير مفهوم.”

 

بس الضابط قال بصوت منخفض: “القصة دي مش بتخلص… دي لسه بتبدأ.”

 

وفي اللحظة دي…

 

وصل إشعار على شاشة النظام:

 

“تحويل حالة: طفل رقم 3 تم استلامه.”

 

سكتنا كلنا.

 

الدكتور همس: “طفل رقم 3؟”

 

الضابط بصلي ببطء: “واضح إن في سلسلة… وإنت جزء منها من غير ما تعرف.”

 

وقبل ما أرد…

 

النور رجع فجأة.

 

والباب اتفتح لوحده.باب الحضّانة اتفتح لوحده… ببطء، كأن حد بيجرب يقيس رد فعلنا.

 

الضابط رفع سل*احه فورًا: “ما حدش يتحرك!”

 

الدكتور وقف مكانه: “دي مش طبيعية… النظام ما كانش بيفتح كده!”

 

أنا كنت واقف عند الزجاج، عيني على يوسف… لسه نايم بشكل هادي بشكل يخوّف أكتر من أي صراخ.

 

الضابط دخل الأول بحذر.

 

ثانية… اتنين…

 

وبعدين قال: “مفيش حد هنا.”

 

دخلنا وراه.

 

الحضّانة فاضية فعلاً.

 

بس الغريب… إن الأجهزة شغالة عادي، وكأنها كانت بتراقب طفل موجود.

 

الدكتور بص على السرير: “في حاجة ناقصة.”

 

قرب… ولمس الملاية.

 

“الحرارة هنا أقل من باقي المكان… كأن طفل كان موجود من ثواني بس.”

 

لفّ ناحيتي: “إنت متأكد إن الطفل ده ما اتحركش؟”

 

بلعت ريقي: “أنا واقف هنا… ما فيش حد دخل ولا خرج!”

 

الضابط بدأ يفحص الأرض… لقى حاجة صغيرة على الطرف.

 

مشبك شعر.

 

بس مش عادي.

 

نفس اللون اللي كان في شعر أختي رنا.

 

مسكته بإيده وبصلي: “ده بتاعها؟”

 

سكت.

 

ومقدرتش أجاوب.

 

في اللحظة دي الدكتور قال فجأة: “تعالوا شوفوا ده.”

 

بصينا على شاشة المراقبة الداخلية.

 

آخر تسجيل قبل ما الباب يفتح…

 

كان فيه ظل واقف عند السرير.

 

لكن الغريب…

 

إن الظل مش ماشي في اتجاه واحد.

 

كأنه بيتحرك… وبعدين يتكرر.

 

الدكتور قال بصوت منخفض: “ده تسجيل متداخل… حد عبث بالنظام.”

 

الضابط قرب الشاشة: “يعني في حد داخل النظام الأمني نفسه.”

 

وفجأة… الشاشة عرضت لقطة جديدة لوحدها.

 

مش من الكاميرات.

 

لقطة قريبة جدًا لوش طفل.

 

يوسف.

 

بس عينه مفتوحة.

 

وبيهمس حاجة مش مسموعة.

 

المكبرات اشتغلت لحظة واحدة.

 

وصوته طلع واضح:

 

“ماما…”

 

الدكتور اتجمد: “ده مستحيل… الطفل تحت مهدئات خفيفة!”

 

الضابط لفّ بسرعة: “إنت كنت لوحدك معاه قبل ما نيجي؟”

 

رديت بسرعة: “والله ما قربتش منه!”

 

لكن قبل ما أكمل…

 

سماعنا صوت خفيف جدًا جاي من السقف.

 

زي حركة حاجة بتتزحلق فوق المواسير.

 

الضابط رفع الس*لاح لفوق: “فيه حد فوقنا.”

 

الدكتور: “مفيش مداخل للسقف غير من غرفة الصيانة!”

 

وفجأة…

 

نفس الصوت اللي سمعناه في التسجيل… طلع من السماعة في الحضانة:

 

“طفل رقم 3 جاهز.”

 

والأضواء كلها بدأت تومض.

 

وباب تاني في آخر الممر اتفتح.

 

بس المرة دي…

 

مش باب خروج.

 

باب مكتوب عليه: “غرفة العزل”.باب “غرفة العزل” اتفتح ببطء، كأن حد من جوه هو اللي بيستنانا.

 

الضابط شدّ الس*لاح أكتر: “محدش يدخل غير لما أقول!”

 

لكن الصوت اللي جوا الممر كان بيزيد… زي همس متكرر: “طفل رقم 3… جاهز… طفل رقم 3… جاهز…”

 

الدكتور بص ناحيتي: “دي مش لغة نظام مستشفى… دي حاجة متبرمجة تتكرر.”

 

أنا كنت واقف، ومش عارف ليه عيني مش قادرة تبعد عن الباب المفتوح.

 

الضابط تقدم خطوة… وبعدين وقف فجأة: “في حاجة على الأرض.”

 

نور الكشاف وقع على حاجة صغيرة.

 

بطاقة تعريف.

 

مكتوب عليها:

 

“يوسف – حضّانة 2”

 

الضابط بصلي بسرعة: “دي بطاقته!”

 

جريت أخدها من الأرض.

 

بس الدكتور مسكني: “استنى… بص وراها.”

 

قلبناها.

 

كان مكتوب بخط صغير جدًا:

 

“تم الاستبدال الأول – ناجح”

 

سكتنا.

 

الضابط بصلي: “استبدال إيه؟”

 

قبل ما أرد، صوت جاي من غرفة العزل قطع الكلام.

 

باب الغرفة اتقفل فجأة من جوه.

 

وبعدين… طرق خفيف.

 

طرق… كأنه طفل بيخبط بإيده الصغيرة.

 

الدكتور همس: “مفيش طفل جوه الغرفة دي أصلاً… دي غرفة فاضية من الصيانة.”

 

الضابط رفع الس*لاح: “لو في حد بيحاول يستدرجنا… هيطلع دلوقتي.”

 

الطرق زاد.

 

وبعدين توقف.

 

صمت.

 

ثانيتين…

 

وبعدين صوت واحد واضح، خارج من جوه الباب:

 

“بابا…”

 

رجلي اتخلت عني.

 

“ده يوسف…”

 

الدكتور هز راسه بسرعة: “مستحيل… صوته متسجلش كده في أي مرحلة نطق!”

 

الضابط قرب من الباب: “افتح!”

 

الدكتور: “لا! دي ممكن تكون فخ صوتي!”

 

لكن الضابط ما سمعش.

 

فتح الباب فجأة.

 

اللي جوه…

 

كان ظلام كامل.

 

مفيش أي حد.

 

بس في نص الغرفة…

 

سرير أطفال صغير.

 

وعليه نفس الملاية اللي اختفت من الحضانة.

 

وبجانب السرير…

 

صندوق معدني مفتوح.

 

الدكتور دخل بسرعة: “ده نفس نوع صناديق نقل العينات!”

 

قربنا كلنا.

 

جوا الصندوق…

 

كان فيه جهاز صغير شغال.

 

وشاشة بتعرض صورة ثابتة.

 

يوسف نايم.

 

بس الصورة كانت مش من الحضّانة.

 

كانت من مكان تاني.

 

غرفة مختلفة تمامًا.

 

وفوق الصورة مكتوب:

 

“الوحدة الثانية – قيد النقل”

 

الضابط بصلي: “فيه وحدة تانية؟ يعني إيه وحدة؟”

 

الدكتور صوته اتغير: “يعني الموضوع مش مستشفى… ده نظام توزيع… أو نقل…”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين قال: “أطفال بيتم نقلهم بين أماكن.”

 

وفجأة…

 

الجهاز في الصندوق اشتغل صوت.

 

صوت الست اللي شفتها قبل كده.

 

بس المرة دي أوضح:

 

“لو وصلتوا هنا… يبقى الطفل الأول فشل.”

 

الضابط شد س*لاحه: “إنتي مين؟!”

 

الصوت كمل:

 

“طفل رقم 3 هو البديل الحقيقي.”

 

وفي اللحظة دي…

 

نور غرفة العزل قفل تمامًا.

 

وإحنا اتحبسنا جوه.الظلام قفل علينا كأنه اتسحب بسلك واحد.

 

الدكتور صوته طلع مبحوح: “الكهربا اتفصلت… الباب بيتقفل إلكترونيًا بالكامل!”

 

الضابط خبط على الباب بقوة: “افتحوا! ده أمر شرطة!”

 

مفيش رد.

 

بس الجهاز اللي جوه الصندوق فضل شغال… وشاشته بتنور في الضلمة.

 

صورة يوسف لسه ثابتة.

 

وبدأت الصورة تهتز.

 

الصوت رجع تاني من الجهاز، بس المرة دي كان أقرب… كأنه جاي من الغرفة نفسها:

 

“مفيش خروج من الوحدة بعد بدء النقل.”

 

حسّيت إني مش قادر أتنفس.

 

“نقل إيه؟! ابني في الحضّانة!”

 

الدكتور قرب من الصندوق بسرعة، بيحاول يفصله: “ده مش جهاز مستشفى عادي… ده متوصل بخط خارجي!”

 

الضابط مسكه: “يعني حد بره هو اللي متحكم؟”

 

الدكتور هز راسه: “أيوه… وده أخطر جزء.”

 

في اللحظة دي، نور أحمر طلع من فوق الباب.

 

وصوت آلي: “تفعيل بروتوكول العزل الثاني.”

 

الضابط رجع خطوة: “فيه بروتوكول؟! مين اللي مفعّله؟”

 

الصوت كمل: “المستوى: 3. الهدف: احتواء الوحدة.”

 

لفيت للدكتور: “احتواء مين؟ إحنا ولا الطفل؟”

 

الدكتور ما ردش.

 

كان بيبص للصندوق كأنه اكتشف حاجة مرعبة.

 

“ده مش حضانة بس… ده نظام بيقسم الأطفال لوحدات… وبيتعامل معاهم كأنهم حالات منفصلة مش أفراد.”

 

الضابط بصله بحدة: “اتكلم واضح!”

 

الدكتور ابتلع ريقه: “يعني ممكن يكون الطفل اللي عندك… مش واحد…”

 

سكت لحظة.

 

“ممكن يكون نسخة من أصل أكبر.”

 

سكتنا كلنا.

 

قبل ما أرد، الصوت جاي من الجهاز اتغير فجأة.

 

وصوت يوسف رجع تاني… لكن المرة دي كان بيبكي:

 

“بابا… أنا مش هنا…”

 

قلبي اتكسر.

 

جريت على الجهاز: “يوسف! أنا هنا! فين يا حبيبي؟!”

 

الصوت اتقطع لحظة.

 

وبعدين الست رجعت تتكلم:

 

“الوحدة الثانية بدأت تستيقظ.”

 

وفجأة…

 

نور الباب اشتغل.

 

لكن المرة دي ما اتفتحش.

 

الضوء بس كشف حاجة على الباب من جوه.

 

خدوش صغيرة.

 

كأن طفل كان بيحاول يطلع.

 

الدكتور بصلي: “الطفل… لوحده جوه النظام ده بقى جزء من حاجة أكبر.”

 

الضابط قرب من الباب: “هنخرجه مهما كان الثمن.”

 

لكن قبل ما يلمس القفل…

 

الصندوق في الأرض بدأ يهتز.

 

وبعدين فتح لوحده.

 

ومن جوه…

 

طلع صوت بكاء طفل واحد… مش يوسف.

 

وبعدين صوت تاني.

 

وبعدين تالت.

 

الضابط بصلي بصدمة: “ده فيه أكتر من طفل هنا…”

 

وفي نفس اللحظة…

 

الجهاز قال آخر جملة:

 

“بدء استبدال الوحدة الثالثة.”قبل ما أي حد يستوعب معنى “استبدال الوحدة الثالثة”، الصندوق اتقفل فجأة كأنه اتقفل من جوه.

 

البكاء اللي كان طالع منه سكت مرة واحدة.

 

سكون كامل… أخطر من أي صوت.

 

الضابط شد الباب بعنف: “افتح! افتح الصندوق ده!”

 

الدكتور مسكه: “استنى! أي تفاعل ممكن يفعّل النظام أكتر!”

 

لكن الضابط ما سمعش.

 

وفي اللحظة دي…

 

نور الباب الأحمر اشتغل أعلى درجة.

 

وصوت آلي خرج أقوى من الأول: “تأكيد الاستبدال… جاري التنفيذ.”

 

الأرض تحت رجلي اهتزت اهتزاز خفيف.

 

والصندوق… بدأ يفتح تاني.

 

بس المرة دي ببطء.

 

كأن حاجة من جوه مش بس بتطلع…

 

لكن بتتبدل فعلاً.

 

الدكتور بصلي بصدمة: “إحنا لازم نخرج من هنا فورًا!”

 

الضابط رجع خطوة: “مفيش خروج الباب مقفول إلكتروني!”

 

أنا بصيت للصندوق.

 

الغريب… إن البكاء رجع.

 

بس صوت واحد بس.

 

وصوت يوسف.

 

واضح جدًا.

 

“بابا… أنا هنا.”

 

قلبي اتخلع من مكاني.

 

جريت ناحية الصندوق: “يوسف! فين؟!”

 

الدكتور صرخ: “ما تفتحوش! ده ممكن يكون تضليل صوتي!”

 

لكن إيدي كانت على الغطاء.

 

الضابط حاول يوقفني: “استنى!”

 

فتحت.

 

الصندوق كان فاضي تقريبًا.

 

بس في النص…

 

كان فيه جهاز صغير متثبت، عليه لاصق مكتوب:

 

“وحدة التحكم – النسخة الأولى”

 

وصوت يوسف جاي منه.

 

مش طفل… جهاز.

 

الدكتور همس: “يبقى الصوت اللي سمعناه… مش منه هو.”

 

في اللحظة دي، الباب الحديدي اتحرك فجأة.

 

واتفتح.

 

لكن اللي واقف برا…

 

ماكانش حد من الشرطة.

 

كان راجل لابس لبس عادي… ماسك ملف.

 

وبصلي بهدوء غريب: “أخيرًا وصلت للوحدة الصح.”

 

الضابط رفع الس*لاح فورًا: “إنت مين؟!”

 

الراجل ابتسم: “أنا اللي براجع جودة النقل.”

 

الدكتور رجع خطوة: “إنت من المنظومة؟!”

 

الراجل بص للصندوق: “مش منظومة… ده مشروع.”

 

بعدين بصلي: “وابنك… هو أول نسخة مستقرة فعلاً من تجربة الاستبدال.”

 

حسيت الدنيا بتقفل.

 

“تجربة؟ ابني؟!”

 

الراجل هز راسه: “مش ابنك لوحدك يا يحيى… هو نتيجة اختيار حصل قبل ما يتولد.”

 

الضابط صرخ: “اتكلم بوضوح!”

 

لكن الراجل رفع إيده ناحية الباب.

 

والباب اتقفل تاني.

 

لكن المرة دي… إحنا جوه، وهو برا.

 

وصوته جه من السماعات: “الوحدة الثالثة اكتملت.”

 

وبعدين سكت.

 

والصندوق اللي في إيدي…

 

نور لأول مرة من جوه.

 

وبدأ يعرض صورة جديدة.

 

طفل تاني.

 

نفس شكل يوسف.

 

بس مش هو.

 

وكان بيبصلي.

 

وبيبتسم.الابتسامة اللي على وش الطفل في الشاشة ما كانتش مطمّنة… كانت باردة بشكل يخوف، كأنه عارف حاجة أنا مش عارفها.

 

الدكتور همس وهو بيرجع خطوة: “ده مش تسجيل… ده بث مباشر.”

 

الضابط ضرب على السماعة: “افتح الباب فورًا! إنت بتلعب بإيه؟!”

 

صوت الراجل رجع من نفس النظام، هادي جدًا: “أنا مش بلعب… أنا بكمّل التجربة.”

 

أنا كنت ماسك الصندوق بإيدي، وحاسس إنه بيسخن.

 

الصوت اللي جواه رجع تاني… بس المرة دي مش يوسف ولا بكاء.

 

كان نبض.

 

زي جهاز قلب… بيعدّ.

 

الدكتور بصلي بحدة: “ارميه! دلوقتي!”

 

بس قبل ما أتحرك…

 

الشاشة اتغيّرت فجأة.

 

الطفل اللي كان بيبتسم… فتح بوقه وقال:

 

“بابا… أنا هنا فعلاً.”

 

سكتت لحظة.

 

وبعدين قال جملة خلت دمي يتجمد:

 

“بس مش لوحدي.”

 

الضابط رجع خطوة: “فيه إيه تاني جوه الطفل؟!”

 

الدكتور بص للضابط: “مش جوه الطفل… في النسخة اللي جواه!”

 

الصندوق بدأ يهتز بعنف.

 

والنور الأحمر في الغرفة اشتغل تاني.

 

الصوت الآلي رجع أقوى: “بدء دمج الوحدات.”

 

أنا صرخت: “دمج إيه؟! ابعدوا عن ابني!”

 

وفي اللحظة دي…

 

باب الغرفة اتفتح فجأة تاني.

 

الراجل رجع يقف عند المدخل.

 

لكن المرة دي… ماكانش لوحده.

 

ورا ظهره…

 

كان فيه سرير حضّانة متحرك.

 

وفوقه…

 

يوسف.

 

بس عينيه مفتوحة… وبيبصلي بهدوء غريب.

 

الدكتور اتجمد: “ده… ده مش نفس الحالة!”

 

الراجل قال بهدوء: “ده النسخة الأساسية… والباقي مجرد نسخ تجريبية.”

 

الضابط رفع س*لاحه: “ابعد عن الطفل!”

 

لكن الراجل ابتسم: “لو أطلقت النار… هتوقف النظام كله… ومش هتعرفوا مين فيهم الحقيقي.”

 

الصمت نزل على المكان.

 

وأنا واقف، ما بين طفلين…

 

واحد في الشاشة… وواحد قدامي.

 

الاتنين بيقولوا نفس الجملة:

 

“أنا يوسف.”

 

الضابط بصلي: “اختار بسرعة يا يحيى… قبل ما الدمج يكتمل.”الابتسامة اللي على وش الطفل في الشاشة ما كانتش مطمّنة… كانت باردة بشكل يخوف، كأنه عارف حاجة أنا مش عارفها.

 

الدكتور همس وهو بيرجع خطوة: “ده مش تسجيل… ده بث مباشر.”

 

الضابط ضرب على السماعة: “افتح الباب فورًا! إنت بتلعب بإيه؟!”

 

صوت الراجل رجع من نفس النظام، هادي جدًا: “أنا مش بلعب… أنا بكمّل التجربة.”

 

أنا كنت ماسك الصندوق بإيدي، وحاسس إنه بيسخن.

 

الصوت اللي جواه رجع تاني… بس المرة دي مش يوسف ولا بكاء.

 

كان نبض.

 

زي جهاز قلب… بيعدّ.

 

الدكتور بصلي بحدة: “ارميه! دلوقتي!”

 

بس قبل ما أتحرك…

 

الشاشة اتغيّرت فجأة.

 

الطفل اللي كان بيبتسم… فتح بوقه وقال:

 

“بابا… أنا هنا فعلاً.”

 

سكتت لحظة.

 

وبعدين قال جملة خلت دمي يتجمد:

 

“بس مش لوحدي.”

 

الضابط رجع خطوة: “فيه إيه تاني جوه الطفل؟!”

 

الدكتور بص للضابط: “مش جوه الطفل… في النسخة اللي جواه!”

 

الصندوق بدأ يهتز بعنف.

 

والنور الأحمر في الغرفة اشتغل تاني.

 

الصوت الآلي رجع أقوى: “بدء دمج الوحدات.”

 

أنا صرخت: “دمج إيه؟! ابعدوا عن ابني!”

 

وفي اللحظة دي…

 

باب الغرفة اتفتح فجأة تاني.

 

الراجل رجع يقف عند المدخل.

 

لكن المرة دي… ماكانش لوحده.

 

ورا ظهره…

 

كان فيه سرير حضّانة متحرك.

 

وفوقه…

 

يوسف.

 

بس عينيه مفتوحة… وبيبصلي بهدوء غريب.

 

الدكتور اتجمد: “ده… ده مش نفس الحالة!”

 

الراجل قال بهدوء: “ده النسخة الأساسية… والباقي مجرد نسخ تجريبية.”

 

الضابط رفع س*لاحه: “ابعد عن الطفل!”

 

لكن الراجل ابتسم: “لو أطلقت النار… هتوقف النظام كله… ومش هتعرفوا مين فيهم الحقيقي.”

 

الصمت نزل على المكان.

 

وأنا واقف، ما بين طفلين…

 

واحد في الشاشة… وواحد قدامي.

 

الاتنين بيقولوا نفس الجملة:

 

“أنا يوسف.”

 

الضابط بصلي: “اختار بسرعة يا يحيى… قبل ما الدمج يكتمل.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *