ابني اتصل بيا وقال لي ما تجيش بيتي تاني عشان
ابني اتصل بيا وقال لي ما تجيش بيتي تاني عشان مراتي بتاخد راحتها في شقتها وانتي بتخنقيها.. رديت عليه بكل برود وقلت له: “خلاص يا حبيبي، مش هتشوف وشي هناك تاني”. أول ما قفلت السكة، دخلت على تطبيق البنك ولغيت التحويل التلقائي لقسط الشقة اللي بقالي 3 سنين بدفعه من لحمي الحي ومن وراه.. 7500 جنيه كل شهر!
صوت رنة التليفون قطعت هدوء شقتي القديمة في حي المنيل.
الشاشة كان مكتوب عليها “حبيبي حازم”.
حطيت إبرة الكروشيه وبكرة الصوف اللي كنت بغزلها على الترابيزة، ومديت إيدي أرد.
قبل ما أنطق بكلمة، سمعت صوت ابني حازم طالع متسربع ومستعجل، ومن وراه سامعة صوت شوك وسكاكين خفيفة.. واضح إنه قاعد في مطعم
”بقولك إيه يا أمي.. بلاش يوم الجمعة الجاية تيجي وتجيبي معاكي الفراخ البلدي والبط اللي بتدبحيهم دول.”
”نهى بتقول إن أعصابها تعبانة الفترة دي، ومش طايقة ريحة زفر ولا تقلية في الشقة الجديدة.”
”وبعدين بصراحة كدة.. خروجك ودخولك الكتير بيحسسها إنها مش واخدة راحتها، البنت حتى مش عارفة تقعد بقميص نوم في بيتها!”
حازم قال الكلمتين ورا بعض ونبرة صوته فيها أمر، كأن ده حقه الطبيعي عليا.
لو كان ده زمان، كنت هأوطي صوتي وأعتذر له وأقول له: “يا بني أنا بس كنت عايزة أغذيكم، ده أنا بحط الحاجه على الباب وأمشي عل طول والله مش هقعد”.
بس النهاردة.. عيني جت على شراب صغنن بتاع أطفال كنت لسه بغزل في نصه على ترابيزة الصالون.
صوابعي اتجمدت في مكانها.
”ماشي يا حازم.”
صوتي كان هادي بشكل يخوف.. مفيش فيه أي عاطفة.
”مش هعتب عندكم تاني يا بني، ولا هضايقكم.”
الناحية التانية من الخط سكتت لحظة.. غالباً حازم ما كنش متوقع إن الأمور هتمشي بالسهولة دي ومن غير نكد.
رد ببرود: “تمام يا أمي، مع السلامة”، وقفل السكة.. حتى كلمة شكراً ما قالهاش.
صوت قفلة السكة فضلت مسمعة في صالوني الواسع الفاضي.
قلعت نظارة القراءة، وفركت عيني الناشفة بتعب.
ما عيطتش.. ولا حتى تنهدت.
لما الوجع والخزلان بيزيدوا عن حدهم، البني آدم ما بيفضلش فيه حيل يصرخ.. بيبقى جواه هدوء زي هدوء المقابر.
قمت وقفت ودخلت أوضتي.
فتحت الدرج التحتاني في الدولاب.
جوه علبة حديد صغيرة بقفل، طلعت ملف ورق كرافت قديم ومصفر من السنين.
على الغلاف كان مكتوب بخط يد جوزي المرحوم: “الحاج عبد الحميد”.
الخط كان لسه قوي وواضح زي زمان.
مشيت صوابعي الخشنة على الورق وقلت بصوت واطي قوي:
”يا عبد الحميد.. اختبار التربية والأصل اللي بقالنا عشر سنين بنمتحنه فيه.. سقط فيه يا بو حازم.”
مش عارفة اللي حسيته ساعتها كان حسرة ولا راحة.
قفلت الدرج ورجعت الصالة.
من ورا الباب طلعت كيس زبالة أسود كبير.
ومشيت ناحية ركنة في الصالة كنت محوشة فيها حاجات للبيبي الجديد اللي مستنيينه.
علبة مكعبات “ليجو” مستوردة كنت موصية عليها جارتي اللي ابنها مسافر.. دبدوب كبير فضلت واقفة في الطابور ساعتين في وسط البلد عشان تشتريه في التخفيضات.. والشراب الأصفر الصغير اللي لسه ما كملش.
”شـشـشـش”
كل ده رميته جوه كيس الزبالة دفعة واحدة.. من غير تردد ثانية واحدة.
صوت المكعبات البلاستيك وهي بتخبط في بعضها كان بيقرقش في ودني.
وأنا بمسك الكيس وأربطه جامد، كنت بربط معاه وأدفن شخصية “الأم المصرية القديمة” اللي جوايا، اللي عايشة بس عشان تضحي وتيجي على نفسها وتفرح بدموعها.
صلة الدم عمرها ما كانت فيزا كارد بتسحب منها من غير ما تدفع.. والدلع الماسخ ده دين، وصاحبه لازم يسدده عاجلاً أم آجلاً.
رجعت قعدت على الكنبـة.
فتحت تليفوني ودخلت على تطبيق البنك الأهلي.
في خانة “المدفوعات الدورية” كان فيه أمر دفع ثابت مكتوب فيه:
”قسط شقة التمويل العقاري – شقة 12، برج الياسمين، حدائق الأهرام.”
يوم 15 من كل شهر.
7500 جنيه.
بقالي 3 سنين ما وقفتوش ولا شهر.. أنا اللي كنت بدفعه من وراه ومن وراء مراته عشان أسندهم.
وعشان المبلغ ده ومصاريف تانية كتير كنت ببعتها لهم، كنت وأنا ست على المعاش بنزل سوق السيدة زينب أفاصل في جنيه واتنين مع بياع الخضار عشان أوفر.
صبعي وقف فوق الزرار الأحمر: “إلغاء الأمر المستديم”.
لحظة واحدة.. ودست عليه.
الشاشة طلعت رسالة تحذير: “هل أنت متأكد من إلغاء الدفع التلقائي؟ قد يؤدي ذلك إلى تأخر سداد القسط وتطبيق غرامات.”
دوست: “تأكيد”.
بصمة صباعي اتفعلت.. والشاشة ضلمت.
وكل حاجة حواليا ضلمت وهديت.
قمت دخلت المطبخ.. طفيت بوتاجاز الغاز.. وشلت حلة الشوربة بالعكاوي اللي كنت مدمساها ومجهزاها عشان أروح بيها ليهم.. ودلقتها كلها في الحوض.. حتت اللحمة والشوربة.. مخلتش منها فتفوتة
في نفس اللحظة دي..
في مطعم فرنسي غالي في التجمع الخامس.
حازم كان بيرن كاس العصير مع مراته نهى.
كانت لابسة فستان ستان لسه شرياه، وضحكتها مالية وشها:
”تسلم لي يا حبيبي.. طول عمرك بتفهمني.”
”أصل طنط بصراحة ما بتعرفش حدودها.. كل شوية ناطة لنا الشقة، وريحتها دايماً بتبقى خبيز وفراخ بلدي وطبيخ من بتاع زمان ده.. أنا كنت خلاص هطق!”
حازم خد بق من كاسه وقال بثقة:
”عيب عليكي.. أنا ظبطت معاها الكلام خلاص، مش هتشوفي وشها هنا تاني.”
فرقع صوابعه للويتر عشان الحساب.
”الشيك يا فندم.. الحساب 3280 جنيه.”
”الدفع كاش ولا فيزا يا فندم؟”
”فيزا.”
حازم طلع الكارت البلاتيني الأسود من محفظته.
الكارت ده مربوط بحساب المرتب بتاعه.. طول عمره بيصرف ومبيفكرش.. ما هو ضامن إن قسط الشقة الكبير أمه بتدفعه من غير ما حد يحس، ومرتبه عايش بيه بالطول والعرض.
الويتر خد الكارت ومشاه على مكنة الـ POS.
المكنة طلعت صوت صرخة حادة: “العملية مرفوضة”.
حازم كشر: “جرب تاني يا كابتن.”
الويتر جرب تاني.. اللمبة الحمرا نورت برضه.
في نفس اللحظة.. تليفون حازم بدأ يزمر ورا بعضه برسايل البنك:
”عزيزي العميل، نود إحاطتكم بنقص رصيد حسابكم الجاري لسداد قسط التمويل العقاري البالغ 7500 جنيه.”
”تنبيه: نظراً لوجود خطر تعثر ائتماني، تم إيقاف وتجميد بطاقتكم الائتمانية مؤقتاً.”
وش حازم خطف ولونه بقى زي الليمونة بس مكانش يعرف ان اللي جاي اسوء الف مره …..
#زهرة_الربيع
صلي على حبيب الله
القصه مذهله للمتابعه سيب لايك وكمنت بتم وهيوصلك اشعار👇👇👇👇 كملحازم فضل ماسك الكارت في إيده كأنه أول مرة يشوف حاجة من نوعه.
الويتر واقف مستني، والناس حواليه بتبص له بنظرة غريبة بعد ما جهاز الدفع رفض مرتين.
“في إيه يا فندم؟” قال الويتر بنفاذ صبر.
حازم ابتسم ابتسامة متوترة:
“مفيش.. مشكلة بسيطة في الشبكة.”
بس الموبايل اللي في جيبه ما كانش ساكت.
رسائل البنك ورا بعض، زي الطلق:
“تم إيقاف البطاقة مؤقتًا.” “تعذر سداد القسط العقاري.” “رصيد غير كافٍ لتغطية الالتزامات الشهرية.”
حازم حس لأول مرة إن في حاجة مش راكبة.
نهى بصت له وقالت وهي بتحاول تخفف الموقف:
“يمكن مشكلة بسيطة في البنك.. حول لحد تاني.”
هز راسه بسرعة وهو بيقوم:
“هكلمهم دلوقتي.”
بس أول ما خرج من المطعم، أول حاجة عملها إنه اتصل عليا.
مرة… اتنين… تلاتة…
مفيش رد.
كان أول مرة في حياته يحس إن الخط بينه وبين أمه… مقفول فعلاً مش مجازاً.
—
في نفس الوقت…
أنا كنت قاعدة في نفس الكنبة.
بس الدنيا حواليّ كانت أهدى من أي يوم فات.
الموبايل على الترابيزة بيهز كل شوية برنينه، وأنا شايفاه… ومش بمد إيدي.
كل رنة كانت كأنها بتقول: “رجّعي اللي فات”
وأنا بقيت لأول مرة مش عايزة أرجّع حاجة.
—
رجع حازم البيت بعد ساعة.
وشه مش نفس الوش اللي طلع بيه.
فتح الباب بعصبية:
“يا ماما! إيه اللي إنتِ عملتيه؟ البنك قفل كل حاجة!”
أنا بصيت له بهدوء، من غير ما أقوم.
“عملت إيه يا حازم؟”
قرب مني خطوة:
“قفلتي القسط! وقفتي الفلوس! بطاقتي اترفعت من الخدمة!”
سكت لحظة… وبعدين كملت بهدوء أخطر من أي عصبية:
“وأنت عايزني أعمل إيه؟”
اتلخبط.
“يعني إيه؟! أنا مش فاهم!”
قفلت الكتاب اللي في إيدي، ورفعت عيني عليه:
“فاكر لما قلتلي مش تيجي البيت تاني؟”
سكت.
“فاكر لما اتكلمت كأني ضيفة تقيلة على بيت ابني؟”
حاول يرد، بس الكلمة ما طلعتش.
أنا كملت:
“أنا ماخدتش حاجة منك يا حازم… أنا كنت بس بسندكم وإنتوا مش حاسين.”
قرب خطوة تانية، صوته هدي شوية:
“بس يا ماما ده كان مساعدتك لينا!”
ابتسمت بسخرية خفيفة:
“المساعدة ما تبقاش استغلال متبادل يا ابني.”
—
سكت البيت كله.
الساعة كانت بتعدي، وكل ثانية كانت تقيلة.
حازم قعد على الكرسي قصادي لأول مرة مش واقف.
“طيب نحلها إزاي؟” قالها بصوت مكسور.
أنا بصيت له… نفس النظرة اللي ما بين أم زعلانة وابن اكتشف متأخر.
“تتعلم إن البيت اللي بتقف عليه… مش دايمًا بيتك لوحدك.”
—
في اللحظة دي…
الموبايل رن تاني.
بس المرة دي مش البنك.
كانت رسالة من الشقة الجديدة.
من نهى.
“حازم… في مشكلة في القسط؟ أنا مش فاهمة حاجة بتحصل هنا.”
حازم قفل عينه للحظة طويلة.
ولأول مرة…
مش عارف يرد يقول إيه.
—
والهدوء اللي في الصالة… ما كانش هدوء راحة.
كان هدوء قبل ما كل حاجة تتغير للأبد.حازم فضل ساكت قدام رسالة نهى… إيده اللي ماسكة الموبايل بدأت ترتعش شوية.
بص ليّ تاني، بس المرة دي مفيش عصبية… كان في حاجة شبه الخوف.
“يعني إيه الكلام ده يا ماما؟” قالها بصوت أوطى. “إنتِ كده بتقفلي حياتي كلها؟”
أنا وقفت لأول مرة من على الكنب.
مشيت ناحية الشباك، وبصيت على الشارع كأني بلمّ أفكاري.
“حياتك مش بتتقفل يا حازم… هي بس كانت ماشية على حساب حد تاني من غير ما تحس.”
سكت.
صوت عربيات بعيد، والدنيا بره عادية جدًا… كأن مفيش حاجة بتتغير جوه البيت ده غيرنا.
رجعت بصيت له:
“أنا كنت فاكرة إني بعمل الصح… أم بتسند ابنها لحد ما يقف على رجليه.”
ابتلع ريقه:
“وهو أنا مش واقف على رجلي؟”
ضحكت ضحكة صغيرة، مرة:
“واقف؟ ولا مستند على اللي وراك من غير ما تبص؟”
الكلمة دي وقعت عليه تقيلة.
قعد تاني، وإيده على راسه.
“طيب… نعمل إيه دلوقتي؟ القسط لازم يتدفع، والشقة عليها التزامات… ونهى مش فاهمة حاجة وبتتخانق معايا.”
قربت منه شوية، بس من غير ما ألمسه.
“اتعلمت حاجة النهارده يا حازم.”
رفع عينه ليّ.
“إن اللي بيتشال عنك طول الوقت… بيبان لك إنه حق، مش فضل.”
سكت.
وبعدين كملت:
“من النهارده… مفيش حاجة هتتدفع من غير ما تكون فاهم إنت بتدفع إيه وليه.”
—
في نفس الليلة…
التليفون رن تاني.
نهى.
حازم رد بسرعة:
“ألو؟”
صوتها كان متوتر:
“في البنك قالوا الحساب متوقف جزئيًا… إحنا كده في مشكلة كبيرة!”
حازم قفل عينه، وبص ليّ.
كأنه لأول مرة بيسأل بصمت: “أقولها إيه؟”
أنا ما دخلتش في المكالمة.
بس قلت له بهدوء:
“قول الحقيقة.”
سكت لحظة.
وبعدينحازم بص في الموبايل كأنه لأول مرة بيشوف اسمه مكتوب عليه.
نهى بتسأل… وهو ساكت.
رفع عينه ناحيتي وقال بصوت مبحوح:
“إنتِ عايزة توصلي لإيه يا ماما؟”
سكت لحظة، وبعدين رديت بهدوء ثابت:
“مش عايزة أوصل لحد.”
قرب مني خطوة، صوته بدأ يعلى شوية:
“طب وإيه اللي حصل ده؟ قفلتي حياتي كلها مرة واحدة!”
هديت نبرة صوتي أكتر:
“وأنت قفلت بابي قبلها.”
الكلمة وقفت في الهوا.
حازم رجع خطوة لورا كأنه اتخبط.
—
الدقايق عدت تقيلة.
الموبايل فضل يرن في إيده من البنك ومن نهى ومن رسائل كتير… وهو واقف مش عارف يفتح ولا يقفل ولا يرد.
وأنا كنت ساكتة… لأول مرة مش مستنية رد.
—
بعد شوية، قعد على طرف الكنبة، ودفن وشه في كفه.
“أنا مش قصدي أزعلك… أنا بس كنت تحت ضغط.”
رديت بهدوء:
“الضغط ما يخلّيش ابن يطرد أمه من بيته.”
سكت.
“ولا يخلّيه يبني حياة وينسى اللي وقف وراه.”
رفع وشه بسرعة:
“بس أنا ما نسيتش!”
ابتسمت ابتسامة صغيرة موجوعة:
“اللي ما ينساش… ما يكلّمش أمه كأنها غريبة.”
—
في اللحظة دي، صوت رسالة جديدة جه من تليفونه.
فتحها تلقائي.
“نهى: لو في مشكلة مالية كبيرة، أنا مش قادرة أكمل كده لوحدي. لازم نعرف إحنا واقفين على إيه.”
بصلي حازم، ووشه اتغير تمامًا.
“إنتِ كنتِ بتدفعي كل حاجة؟”
ما رديتش.
بس السكوت كان كفاية.
—
قام وقف فجأة:
“ليه ما قولتيليش؟!”
رديت بهدوء:
“كنت مستنيك تسأل… مش أفرض نفسي عليك.”
الصمت رجع تاني، بس المرة دي كان مختلف.
مش صمت غضب… صمت فهم متأخر.
—
حازم خد نفس طويل، وبص في الأرض.
“أنا بوظت كل حاجة…”
مشيت ناحيته خطوة واحدة، بس مش قريبة قوي.
“أنت ما بوظتش كل حاجة… أنت بس اتعودت إن في حد بيصلّح وراك.”
رفع عينه.
“طب نصلحها إزاي؟”
سكت لحظة.
وبعدين قلت:
“بإنك تبدأ تشيل مسؤوليتك بنفسك… وتتعلم إن اللي بيحبك مش خادم ليك.”
—
في نفس اللحظة…
جرس الباب رن.
حازم اتجمد.
أنا بصيت ناحية الباب.
وهو بصلي وقال بصوت منخفض:
“مين ده دلوقتي؟”
مشيت ناحية الباب بهدوء، وفتحت…
كانت نهى واقفة.
وملامحها مش زي أي مرة فاتت… كانت مشوشة وخايفة.
وبصت لحازم وقالت جملة واحدة بس:
“أنا جيت أفهم… إيه اللي بيحصل في حياتنا بالظبط؟”السكوت اللي حصل بعد جملة نهى كان أثقل من أي صدمة قبل كده.
حازم وقف مكانه، كأنه مش قادر يقرر يتحرك ناحيتها ولا يهرب من نفسه.
أنا بصيت لها بهدوء، وفتحت الباب أكتر:
“اتفضلي يا بنتي.”
دخلت بخطوات مترددة، عينيها بتلف في الشقة كأنها بتحاول تفهم الصورة كاملة من أولها.
“أنا مش جاية أعمل مشكلة…” قالت بصوت منخفض. “أنا بس عايزة أفهم… إحنا بننهار ليه فجأة؟”
حازم حاول يتكلم، لكن صوته خرج متكسر:
“مفيش انهيار… في سوء تفاهم.”
نهى ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرح:
“سوء تفاهم؟ البنك قفل حساباتنا… وإنت مش عارف ترد عليا… وبيقولوا إن في قسط مش متسدد!”
سكت لحظة، وبعدين بصت ناحيتي:
“وطبعًا أنا فاهمة إن في طرف تالت في الموضوع.”
الكلمة دي كانت تقيلة، بس ما فيهاش اتهام… فيها حيرة.
—
حازم لف ناحيتي بسرعة:
“قولي الحقيقة يا ماما… عشان نخلص.”
أنا خدت نفس عميق.
“الحقيقة يا حازم… إن كل اللي حصل ده كان واقف على عمود واحد.”
بص ليّ.
“وأول ما العمود وقف… البيت هزّ.”
—
نهى قعدت على طرف الكرسي، ماسكة إيدها:
“يعني إيه؟”
قربت خطوة، وقلت بهدوء:
“يعني إن في فلوس كانت بتتدفع من وراكم… من غير ما تحسوا.”
عيون نهى وسعت:
“حضرتك كنتِ… بتدفعي؟”
ما رديتش مباشرة.
حازم هو اللي رد بصوت واطي:
“قسط الشقة… أمي كانت بتدفعه.”
نهى بصت له كأنها مش مصدقة:
“إنت كنت عارف؟”
حازم هز راسه بسرعة:
“كنت فاكرها مساعدات بسيطة… مش كده!”
—
سكتوا الاتنين.
اللحظة دي كانت أول مرة الحقيقة تقف بينهم من غير ما حد يهرب منها.
—
نهى وقفت فجأة:
“يعني إحنا كنا عايشين في بيت… على حسابها؟”
حازم حاول يقرب منها:
“مش كده… أنا كنت بحلها مع الوقت…”
قاطعته:
“وهي كانت بتحلها عنك من غير ما تقولك!”
الصوت ارتفع لأول مرة.
—
أنا رفعت إيدي بهدوء:
“كفاية.”
الاتنين سكتوا.
“الموضوع مش مين غلطان… الموضوع إن كل واحد فيكم كان عايش في اتجاه مختلف.”
—
حازم قعد تاني، ووشه وقع في إيده.
نهى وقفت تبص له، بس نظرتها اتغيرت… من صدمة لغضب، ومن غضب لحاجة أقرب للحيرة.
“طب ودلوقتي؟” قالت بصوت أحازم بصّ في الشاشة، ووشه اتشد أكتر.
“البنك…” قالها وهو بيبلع ريقه.
نهى قربت خطوة، بصوت منخفض بس متوتر:
“رد… وشوف في إيه.”
أنا فضلت واقفة مكاني، عيني عليهم الاتنين.
ضغط زر الرد.
“ألو؟”
صوت موظف البنك كان رسمي، بارد بشكل مزعج:
“حضرتك بخصوص القسط العقاري الخاص بشقة برج الياسمين… في تأخير كامل في السداد، وتم إدخال الملف في مرحلة إجراء قانوني مبدئي.”
الكلمة وقعت زي حجر في الصالة.
“إجراء قانوني؟!” حازم صوته علي فجأة.
الموظف كمل بهدوء:
“في حال عدم السداد خلال مهلة قصيرة، سيتم اتخاذ إجراءات قد تشمل إعادة تقييم الضمان العقاري.”
حازم شدّ إيده على الموبايل:
“بس ده مش ممكن يحصل فجأة كده!”
أنا فهمت الجملة قبل ما تتقال.
الملف اتفتح على حقيقته.
مش بس قسط… دي التزامات كاملة كانت متراكمة من سنين، وهو ما كانش شايف غير الجزء اللي مريح له.
نهى بصت له:
“يعني إيه إجراءات قانونية؟ إحنا ممكن نخسر البيت؟”
حازم ما ردش.
كان ساكت لأول مرة بشكل مختلف… مش سكوت عناد… سكوت شخص بيكتشف إن الأرض بتتهز من تحته.
قفل المكالمة ببطء، وبصلي:
“إنتِ كنتِ عارفة كده؟”
رديت بهدوء:
“كنت عارفة إن في نظام كامل ما ينفعش يمشي على جزء واحد بس منه من غير ما يقع.”
نهى حطت إيدها على راسها:
“أنا مش فاهمة… إحنا دخلنا في إيه؟”
حازم قام فجأة، مشي في الصالة رايح جاي:
“أنا كنت فاكر إن الموضوع بسيط… شقة وقسط وخلاص!”
قفّ قدامنا مرة واحدة:
“ليه محدش قالي الحقيقة من الأول؟!”
أنا بصيت له بهدوء موجع:
“وأنت كنت هتسمع؟”
سكت.
الجملة دي كانت أقسى من أي حاجة حصلت النهارده.
في اللحظة دي، صوت خبط على الباب.
خبطات قوية.
مرة… اتنين… تلاتة.
حازم لف بسرعة:
“مين ده تاني؟”
أنا مشيت ناحية الباب بهدوء، وفتحت.
كان رجل لابس بدلة رسمية، ومعاه ملف سميك في إيده.
بص للداخل وقال جملة واحدة:
“حضرتكم… لازم نتكلم بخصوص العقار قبل ما الموضوع يكبر أكتر.”حازم بصّ في الشاشة، ووشه اتشد أكتر.
“البنك…” قالها وهو بيبلع ريقه.
نهى قربت خطوة، بصوت منخفض بس متوتر:
“رد… وشوف في إيه.”
أنا فضلت واقفة مكاني، عيني عليهم الاتنين.
ضغط زر الرد.
“ألو؟”
صوت موظف البنك كان رسمي، بارد بشكل مزعج:
“حضرتك بخصوص القسط العقاري الخاص بشقة برج الياسمين… في تأخير كامل في السداد، وتم إدخال الملف في مرحلة إجراء قانوني مبدئي.”
الكلمة وقعت زي حجر في الصالة.
“إجراء قانوني؟!” حازم صوته علي فجأة.
الموظف كمل بهدوء:
“في حال عدم السداد خلال مهلة قصيرة، سيتم اتخاذ إجراءات قد تشمل إعادة تقييم الضمان العقاري.”
حازم شدّ إيده على الموبايل:
“بس ده مش ممكن يحصل فجأة كده!”
—
أنا فهمت الجملة قبل ما تتقال.
الملف اتفتح على حقيقته.
مش بس قسط… دي التزامات كاملة كانت متراكمة من سنين، وهو ما كانش شايف غير الجزء اللي مريح له.
—
نهى بصت له:
“يعني إيه إجراءات قانونية؟ إحنا ممكن نخسر البيت؟”
حازم ما ردش.
كان ساكت لأول مرة بشكل مختلف… مش سكوت عناد… سكوت شخص بيكتشف إن الأرض بتتهز من تحته.
—
قفل المكالمة ببطء، وبصلي:
“إنتِ كنتِ عارفة كده؟”
رديت بهدوء:
“كنت عارفة إن في نظام كامل ما ينفعش يمشي على جزء واحد بس منه من غير ما يقع.”
—
نهى حطت إيدها على راسها:
“أنا مش فاهمة… إحنا دخلنا في إيه؟”
حازم قام فجأة، مشي في الصالة رايح جاي:
“أنا كنت فاكر إن الموضوع بسيط… شقة وقسط وخلاص!”
قفّ قدامنا مرة واحدة:
“ليه محدش قالي الحقيقة من الأول؟!”
—
أنا بصيت له بهدوء موجع:
“وأنت كنت هتسمع؟”
سكت.
الجملة دي كانت أقسى من أي حاجة حصلت النهارده.
—
في اللحظة دي، صوت خبط على الباب.
خبطات قوية.
مرة… اتنين… تلاتة.
حازم لف بسرعة:
“مين ده تاني؟”
أنا مشيت ناحية الباب بهدوء، وفتحت.
كان رجل لابس بدلة رسمية، ومعاه ملف سميك في إيده.
بص للداخل وقال جملة واحدة:
“حضرتكم… لازم نتكلم بخصوص العقار قبل ما الموضوع يكبر أكتر.”حازم تحرّك خطوة لقدّام بسرعة:
“إنت مين؟ وإيه موضوع العقار؟”
الرجل فتح الملف بهدوء، كأنه متعود على الوجوه المتوترة:
“أنا ممثل قانوني من الجهة الممولة. في تأخير مستمر في السداد، وتم فتح ملف متابعة رسمية.”
نهى همست وهي واقفة جنب حازم:
“يعني إيه متابعة رسمية؟”
الرجل رفع عينه:
“يعني إن الشقة ما بقتش مجرد التزام متأخر… الموضوع دخل مرحلة إنذار نهائي.”
الكلمة وقعت في الصالة كأنها صفعة.
—
حازم لفّ ناحيتي بسرعة:
“إنتِ كنتِ بتدفعي القسط لوحدك… طيب ليه ما وقفتيش بدري؟!”
رديت بهدوء ثابت:
“لأن كنت فاكرة إنك هتفهم قبل ما نوصل لكده.”
سكت لحظة، وبعدين كملت:
“بس إنت ما كنتش شايف غير الراحة… وأنا كنت بشيل اللي وراها.”
—
الرجل قاطعنا:
“حضرتكم لازم تحددوا حل خلال أيام قليلة: إما تسوية مالية كاملة أو إعادة هيكلة عاجلة… غير كده الإجراءات هتستمر.”
حازم حس برجله مش ثابتة، وقعد على أقرب كرسي:
“أيام قليلة؟ إحنا مش جاهزين لده!”
نهى بصت له بصدمة:
“مش جاهزين؟ إحنا أصلاً عايشين في بيت إحنا مش فاهمين نظامه!”
—
سكت لحظة طويلة.
وبعدين حازم رفع عينه ليّ، وصوته اتكسر لأول مرة:
“أنا غلطت… بس مش عايز أخسر البيت ده.”
أنا قربت خطوة واحدة بس.
“البيت ما بيتخسرش فجأة يا حازم… البيت بيتبني غلط من الأول.”
—
الرجل قفل الملف بهدوء:
“أنا هسيب لكم مهلة أسبوع. بعده هنكون مضطرين نمشي في الإجراءات.”
وخرج.
—
فضلوا الاتنين واقفين في نفس المكان، كأن الهواء اتسحب من الشقة.
نهى بصت لحازم:
“إحنا هنعيش إزاي من غير ما نفهم اللي بيحصل؟”
حازم ما ردش.
كان باصص للأرض.
—
أنا قعدت على الكرسي تاني، وقلت بهدوء أخير:
“دلوقتي مفيش غير اختيار واحد…”
رفعوا عينيهم ناحيتي.
“إما تبنوا حياتكم من الصفر… أو تسيبوها تقع على الكل.”
—
حازم شدّ نفسه وقال بصوت مكسور:
“وإنتِ؟ هتسيبينا؟”
سكت لحظة طويلة.
وبعدين قلت:
“أنا ما سيبتش حد… أنا بس بطلت أشيل عن حد عمره ما شال نفسه.”
والصمت رجع يملأ الصالة من جديد… بس المرة دي كان صمت بداية قرار، مش نهاية قصة.حازم فضل واقف مكانه كأنه مش قادر يقرر يقعد ولا يفضل واقف.
نهى كانت أول واحدة كسرت الصمت:
“طيب… نعمل إيه دلوقتي؟ أسبوع واحد مش كفاية نفهم فيه كل ده!”
بص لها حازم، وبعدين بص ليّ تاني:
“أنا محتاج أفهم كل حاجة… بالأرقام… بالمستندات… كل حاجة.”
هزّيت راسي بهدوء:
“أخيرًا طلبت الصح.”
—
قمت وفتحت الدولاب القديم، وطلعت ملف الكرافت المصفر اللي كنت حافظاه سنين.
حطيتُه على الترابيزة.
“ده كل حاجة… من أول يوم بدأ فيه القسط يتدفع.”
حازم فتح الملف بإيده لأول مرة ببطء.
نهى قعدت جنبه، بتبص على الورق كأنها بتشوف حياة كاملة مش مجرد أرقام.
—
الدقايق عدت، وكل ورقة كانت بتكسر فكرة عندهم.
مبالغ… تحويلات… فروق… التزامات… حاجات كانوا فاكرينها “بتتظبط لوحدها”.
حازم رفع عينه فجأة:
“يعني أنا كنت عايش على نظام مش فاهمه؟”
ما رديتش.
لأن الإجابة كانت واضحة من الورق نفسه.
—
نهى قالت بهدوء:
“أنا مش زعلانة من الفلوس… أنا زعلانة إن مفيش حد كان بيقول الحقيقة.”
سكتت لحظة وبصت لحازم:
“حتى إنت.”
حازم نزل عينه في الأرض تاني.
—
أنا خدت نفس عميق.
“اللي حصل مش بس فلوس يا ولاد… ده اعتماد كامل على حد واحد في كل حاجة.”
بصوا ليّ الاتنين.
“وأنا… كنت فاكرة إن ده حب.”
—
سكون طويل.
بعده حازم قال بصوت منخفض:
“طب نقدر نصلح؟”
دي المرة الأولى اللي السؤال يتقال بجد.
مش طلب إنقاذ… لكن رغبة في فهم.
—
أنا بصيت له:
“نصلح… بس مش بالطريقة القديمة.”
رفع عينه بسرعة.
“من النهارده… كل حاجة تبقى واضحة. مفيش دفعات ورا ضهر حد. مفيش قرارات من طرف واحد.”
نهى هزت راسها بسرعة:
“وأنا موافقة.”
حازم سكت لحظة، وبعدين قال:
“وأنا كمان… موافق.”
—
اللحظة دي كانت مختلفة.
مش نهاية أزمة… لكن بداية مسؤولية حقيقية لأول مرة.
—
في اليوم اللي بعده…
حازم خرج بدري جدًا.
رجع ومعاه ورق… ووش مرهق… بس عينين مختلفتين.
حط الأوراق على الترابيزة وقال:
“أنا بدأت أراجع شغلي… وبدأت أحسب كل حاجة من الأول.”
نهى بصت له باستغراب:
“بتعمل إيه؟”
رد بهدوء:
“بحاول أبقى أنا اللي ماسك حياتي… مش حد تاني.”
—
أنا بصيت لهم من بعيد.
ومرة واحدة بس… حسّيت إن اللي اتكسر مش النهاية.
بل أول مرة… بيت بيتبني صح.الأيام اللي بعدها ما كانتش سهلة على أي حد فيهم.
البيت اللي كان مليان صراخ مفاجئ، بقى مليان حسابات… ودفاتر… ومكالمات طويلة مع البنك.
حازم كان بيخرج بدري ويرجع متأخر، وشه مرهق، بس فيه حاجة جديدة فيه… تركيز ما كانش موجود قبل كده.
نهى بدأت هي كمان تمسك زمام نفسها، تبص على المصاريف، وتسأل عن كل رقم، من غير ما تستنى تفسير جاهز.
وأنا… بقيت متفرجة أكتر ما أنا مشاركة.
—
في يوم، قعدوا الاتنين قدامي على الترابيزة.
حازم فتح اللابتوب وقال:
“أنا قدرت أعمل إعادة جدولة جزئية للقسط… وممكن نلحق الوضع قبل ما نوصل لإجراء أقسى.”
نهى بصت له باستغراب:
“إزاي قدرت؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة:
“لما بطلت أهرب من الحقيقة… لقيت إن في حلول.”
—
سكت لحظة، وبعدين بصلي:
“بس في حاجة تانية…”
رفعت عيني له.
“أنا عايز أرجّع لك اللي أخدته منك… مش بس فلوس… إحساسك إنك لوحدك شايلة كل حاجة.”
—
الكلمة دي وقفتني.
مش لأنها جديدة… لكن لأنها طالعة من ابن لأول مرة بيشوف الصورة كاملة.
—
نهى قالت بهدوء:
“وأنا كمان… عايزة أعتذر.”
بصتلها.
“أنا كنت فاكرة إن الراحة معناها إن مفيش حد يدخل حياتنا… بس اكتشفت إننا كنا بندفع تمن ده من غير ما نحس.”
—
الصمت وقع لحظة.
بس كان صمت مختلف… مش صمت وجع، ولا صمت انهيار… صمت فهم.
—
بعد أسبوعين…
وصلت رسالة من البنك.
“تمت تسوية الوضع المالي بنجاح وإعادة هيكلة الالتزامات.”
حازم قرأها بصوت عالي، وبعدين قفل الموبايل وهو بياخد نفس طويل:
“كده إحنا عدينا أول مرحلة.”
نهى ابتسمت:
“بس لسه الطريق طويل.”
هو هز راسه:
“وأنا جاهز أكمله صح المرة دي.”
—
أنا كنت قاعدة في الركن، ماسكة الكروشيه اللي سيبته زمان.
بس المرة دي، ما كنتش بغزل حاجة لأحد…
كنت بغزل لنفسي.
حازم قرب مني بهدوء:
“ماما… ممكن نبدأ من جديد؟”
بصيت له لحظة طويلة.
وبعدين قلت بهدوء:
“إحنا ما بنبدأش من جديد يا حازم… إحنا بنتعلم نكمل صح.”
—
ابتسم.
ومرة واحدة… البيت اللي كان على وشك يقع…
ابتدى يقف على رجليه تاني.الأيام اللي بعد التسوية ما كانتش هادية زي ما كانوا متخيلين.
الهدوء اللي جه في الأول كان شكله مطمّن… لكن الحقيقة إنه كان “بداية شغل” مش راحة.
حازم بدأ يواجه أول صدمة حقيقية: المرتب مش زي ما كان فاكر إنه يكفي حياة كاملة بدون حساب.
نهى بدأت تحس لأول مرة إن “البيت” محتاج تنظيم مش ذوق.
وأنا… بقيت متابعة من بعيد، بس مش شايلة.
—
في يوم جمعة الصبح، كانوا قاعدين على الترابيزة قدامي.
حازم ماسك ورقة فيها أرقام:
“لو هنمشي على الجدولة الجديدة… لازم نقلل مصاريفنا حوالي 40%.”
نهى رفعت حاجبها:
“40%؟ يعني هنعيش إزاي؟”
رد بهدوء:
“هنعيش على قدنا… مش على قد ما كنا فاكرين إن في حد تاني بيسد.”
—
سكتوا الاتنين لحظة.
الكلمة كانت بسيطة… بس معناها كبير.
—
نهى بصت له وقالت:
“أنا أول مرة أحس إننا فريق فعلاً… مش أنا وإنت ضد الدنيا… ولا ضد الحقيقة.”
حازم ابتسم ابتسامة خفيفة:
“ولا ضد أمي كمان.”
بصلي بسرعة، كأنه خايف أزعل.
أنا رديت بهدوء:
“أنا عمري ما كنت ضدكم… أنا كنت ضد إنكم تفضلوا معتمدين على حد مش هيفضل طول العمر شايل.”
—
حازم قام وقرب مني:
“ماما… أنا عايز أرجّعلك جزء من اللي راح.”
هزيت راسي:
“مش عايزة يرجع… عايزة أشوفك ما بتكررش اللي حصل.”
سكت.
وبعدين قال:
“اتعلمت.”
—
مر شهر…
الأوضاع بدأت تهدى تدريجيًا.
مفيش مفاجآت بنكية… مفيش مكالمات توتر… بس في نظام جديد بيتبني كل يوم.
نهى بدأت تشتغل على مشروع صغير من البيت، وحازم بقى بيحط كل جنيه في مكانه لأول مرة.
—
وفي مرة، وهو خارج، وقف عند الباب وقال:
“غريب… أنا كنت فاكر إن المسؤولية تقيل.”
بصيت له.
“طلعت أخف من الهروب منها.”
—
ابتسمت لأول مرة من قلب هادي.
“المسؤولية مش تقيلة يا حازم… التقيل هو إنك تفضل فاكر إن في حد غيرك هيشيلها.”
—
قفل الباب وراه وهو خارج.
بس المرة دي… ما كانش خارج يهرب.
كان خارج يبني.
—
وفي البيت…
فضلت قاعدة في مكاني، بصّة على الشباك.
الهدوء الحقيقي ما بقاش هدوء صدمة…
بقى هدوء ناس اتعلمت تعيش من غير ما تكسر نفسها عشان حد.مرّت شهور تانية، والبيت اللي كان على حافة الانهيار بدأ ياخد نفس جديد… بس نفس مختلف.
مش نفس “الاعتماد”، ولا “التضحية الصامتة”… نفس فيه تنظيم، وحدود، وكلام واضح من غير لف.
—
في يوم من الأيام، نهى دخلت عليّا لوحدها.
كانت شايلة صينية شاي، وحطتها قدامي بهدوء.
“ممكن أقعد مع حضرتك شوية؟”
هزّيت راسي.
قعدت، وسكتت لحظة قبل ما تتكلم:
“أنا عايزة أقولك حاجة مهمة… من غير ما حازم يكون موجود.”
بصيت لها بهدوء.
“أنا في الأول كنت شايفة إنك دخيلة على حياتنا… أو بتضيّقي علينا.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
“بس الحقيقة؟ أنا كنت خايفة.”
—
سكتت.
“كنت خايفة أكون متجوزة حد مش قادر يشيل مسؤولية… أو حياتنا تقع في أي لحظة.”
بصتلها بهدوء:
“وإيه اللي اتغير؟”
ردت:
“إنتِ ما كملتيش تشيلي… وإنتِ وقفتي فجأة… وخلّيتيه يشيل.”
—
الكلام كان بسيط… لكنه عميق.
نهى كملت:
“أنا لأول مرة حاسة إني متجوزة راجل… مش ابن لحد.”
—
في نفس الوقت…
حازم كان واقف عند الباب وسمع آخر جملة.
ما دخلش.
بس ابتسم… ابتسامة صغيرة فيها نضج جديد.
—
بعدها بيومين…
حازم جه قعد قدامي وقال:
“ماما… أنا عايز أبيع الشقة.”
الكلمة نزلت تقيلة.
رفعت عيني له:
“ليه؟”
قال بهدوء:
“مش عايز أعيش في مكان كان قائم على ضغط وتعب ومش فاهمه… عايز نبدأ في حاجة على قدنا إحنا.”
—
نهى كانت واقفة وراه، وهزت راسها:
“مش مهم المكان… المهم إحنا بقينا مين.”
—
أنا سكت.
وبعدين قلت:
“البيت مش جدران… البيت ناس فاهمة بعض.”
—
مر وقت قصير…
الشقة اتباعت، والتزاماتها اتقفلت بالكامل.
ما فيش انتصار كبير، ولا احتفال… بس كان في شعور غريب: إن الحمل خف.
—
في آخر يوم قبل ما ينقلوا، حازم وقف عندي وقال:
“أنا فاكر أول مكالمة بيننا… لما قلتلي مش هتيجي تاني.”
بصيت له.
“وأنا فاكرة إني قلتها وأنا موجوعة.”
هز راسه:
“بس أنا فهمت بعدها إنك ما كنتيش بتعاقبيني… كنتِ بتصحيني.”
—
سكت لحظة، وبعدين قال:
“وإنه ما ينفعش أعيش وأنا فاكر إن في حد هيشيل عني طول الوقت.”
—
ابتسمت بهدوء:
“وأنا كمان اتعلمت حاجة.”
بص ليّ.
“إن الحب من غير حدود… بيتحول لتعب.”
—
في اليوم اللي مشيوا فيه، الشقة فضلت فاضية.
بس المرة دي… الفراغ ما كانش مؤلم.
كان مساحة بداية جديدة.
—
وأنا قعدت على الكنبة، ماسكة الكروشيه.
بس المرة دي…
كنت بغزل لحياتي أنا.
مش لحد تاني.بعد ما الشقة فضيت، الأيام الأولى كانت غريبة.
الصمت كان موجود، بس مش تقيل زي الأول… كان شبه بيت اتشال منه حمل كبير فجأة.
مافيش صوت مفاتيح حازم الصبح، ولا خطوات نهى في المطبخ، ولا مكالمات بنك تقطع اليوم.
بس في المقابل… كان في حاجة جديدة: وقت لنفسي أنا.
—
في يوم هادي، التليفون رن.
حازم.
“ألو يا ماما… إنتِ عاملة إيه؟”
صوته كان مختلف… أهدى، أنضج، وفيه تعب جميل بتاع الشغل والحياة.
“كويسة يا حازم.”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“أنا عايز أقولك حاجة… إحنا مستأجرين شقة صغيرة دلوقتي.”
ابتسمت من غير ما حد يشوف:
“على قدكم؟”
“على قدنا بالظبط.”
—
نهى كانت سامعة في الخلف، وقالت بصوت واضح:
“ومرتاحين أكتر من أي وقت فات.”
ضحكت ضحكة خفيفة.
—
حازم كمل:
“بس في حاجة ناقصانا…”
سكت.
“إنتِ.”
—
ما رديتش بسرعة.
بصيت للركن اللي كان دايمًا مليان حاجات زيادة عني… وبقى فاضي.
وبعدين قلت بهدوء:
“أنا مش ناقصة حد يا حازم… أنا بس بقيت مكاني.”
—
سكت.
وبعدين قال:
“ممكن نيجي نزورك؟ من غير ضغط… ومن غير توقعات… بس زيارة.”
—
هزيت راسي كأني قدامه:
“تعالوا… بس كضيوف.”
ضحك:
“اتفقنا.”
—
مرّت أيام…
وفي يوم جمعة، الباب خبط.
فتحت.
حازم ونهى واقفين، ومعاهم كيس بسيط فيه حاجة حلوة.
بس الأهم… إن مفيش توتر في عينيهم.
—
قعدنا في الصالة.
الشاي اتقدم، والضحك كان بسيط، والكلام ما كانش تقيل.
نهى قالت:
“غريبة… البيت ده كان مليان مشاكل… ودلوقتي هادي كده؟”
ابتسمت:
“لأنه بقى له حدود.”
—
حازم بصلي وقال بهدوء:
“أنا اتغيرت يا ماما.”
هزيت راسي:
“وأنا كمان.”
—
سكت لحظة.
وبعدين قلت جملة واحدة:
“وأهم تغيير… إن كل واحد فينا بقى عارف إيه اللي عليه… وإيه اللي مش عليه.”
—
الزيارة خلصت، ومشوا من غير توتر.
بس المرة دي، وأنا بقفل الباب وراهم…
ما حسّيتش بفقد.
حسّيت بسلام.
—
رجعت أقعد على الكرسي.
وبصيت على إيدي اللي لسه ماسكة الكروشيه.
مش بغزل عشان أستنى حد…
ولا عشان أعوض حد…
لكن عشان لأول مرة…
بغزل حياة ماشية على مزاجي أنا.مرّت أيام بعدها بهدوء مختلف.
مش هدوء الوحدة اللي كانت خانقة في الأول… لكن هدوء اختيار.
كل حاجة في حياتي بقت أبسط: المواعيد، الأكل، حتى المكالمات. مفيش ضغط مستمر، ومفيش إحساس إني “لازم ألحق حد”.
—
في مساء يوم عادي، وأنا قاعدة في الصالة، التليفون رن.
رقم حازم.
“ألو يا ماما… فاضية؟”
“فاضية.”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“أنا جاي لوحدي النهارده… محتاج أتكلم معاك في حاجة مهمة.”
صوته كان مختلف… فيه ثقل جديد.
—
بعد ساعة…
كان قاعد قدامي.
بس المرة دي مش ابن محتاج دعم مالي، ولا راجل مضغوط من التزامات.
كان إنسان بيحاول يفهم نفسه.
—
قال بهدوء:
“أنا كنت فاكر إن أكبر مشكلة عندي هي الفلوس… طلعت المشكلة إني ماكنتش فاهم نفسي أصلاً.”
بصيت له من غير ما أقاطع.
“كل اللي حصل في الشهور اللي فاتت خلاني أقف مع نفسي… وأكتشف إني كنت بعتمد على فكرة إن في حد هيحل بدالي.”
سكت.
“وإنتِ أول حد وقّف ده.”
—
أنا هزيت راسي:
“مش وقفته… أنا بس سحبت إيدي.”
—
ابتسم ابتسامة صغيرة فيها اعتراف:
“وأصعب حاجة اتعلمتها إن السند الحقيقي مش اللي يشيلك… لكن اللي يسيبك تتعلم تمشي.”
—
سكتنا شوية.
الصمت ده كان أول مرة يبقى مريح من غير ما يكون ثقيل.
—
نهى كلمتني بعد يومين.
“ممكن أجي أقعد مع حضرتك شوية؟ لوحدي؟”
ولأول مرة ما كانش في قلقي القديم.
“تعالي.”
—
لما جات، كانت مختلفة.
مش نفس البنت اللي كانت بتدافع عن مساحتها… ولا اللي كانت خايفة على بيتها.
كانت واحدة بدأت تفهم التوازن.
قالت:
“أنا عايزة أقولك حاجة… أنا كنت شايفة وجودك تهديد… دلوقتي بقيت شايفاه مرجعية.”
ابتسمت:
“ولا ده ولا ده… أنا بس جدتك على قد حالي.”
ضحكت لأول مرة بصدق.
—
في نفس الأسبوع…
حازم رجع البيت وهو بيضحك لأول مرة من قلبه.
“ماما… اتقبلت في فرصة شغل أحسن.”
رفعت عيني له:
“بمجهودك؟”
“بمجهودي… ومن غير ما أعتمد على أي حاجة ورايا.”
—
في اللحظة دي حسيت بحاجة بسيطة جدًا…
إنه أخيرًا واقف.
مش مستند… ولا متكئ… ولا محتاج حد يشيله.
واقف لوحده.
—
في آخر الليل، قعدت في الشباك زي عادتي.
بس المرة دي ما كنتش بفكر في اللي راح.
كنت بفكر في اللي اتبنى بهدوء.
—
حازم اتصل تاني.
“ممكن نجيلك الجمعة الجاية؟ نهى وحابب نعمل عزومة صغيرة عندك.”
ابتسمت:
“تعالوا… بس من غير توقعات زي زمان.”
ضحك:
“اتعلمنا الدرس.”
—
قفلت التليفون.
وبصيت للبيت.
الهدوء كان ثابت.
لكن المرة دي…
كان هدوء بيت اتبنى صح.مرّت أيام الجمعة اللي بعدها بهدوء مختلف عن أي مرة فاتت.
مش هدوء زي الأول كان فيه وجع مكتوم… ولا هدوء بعد صدمة… لكن هدوء ناس اتصالحوا مع حدودهم.
—
في يوم الزيارة، حازم ونهى جايين من بدري.
بس المرة دي مفيش توتر، ولا حسابات في الكلام، ولا خوف من كلمة تتفهم غلط.
نهى كانت شايلة صينية أكل بسيطة وقالت وهي داخلة:
“المرة دي عملنا حاجة على قدنا… من غير مبالغة.”
ابتسمت:
“وده أحسن نوع أكل.”
—
حازم قعد، وبص حواليه:
“البيت هنا مختلف… هادي أكتر من أول.”
رديت:
“لأن مفيش حد بيحاول يملأه زيادة عن اللازم.”
هز راسه كأنه فاهم المعنى من غير شرح.
—
في وسط القعدة، نهى قالت فجأة:
“أنا اتعلمت حاجة مهمة الفترة اللي فاتت.”
سكتنا.
“اتعلمت إن وجود الأم مش لازم يكون تدخل… ومش لازم يكون غياب… ممكن يكون توازن.”
بصيت لها:
“والتوازن ده بيتبني مش بيتفرض.”
—
حازم ساند ضهره للكنبة وقال بهدوء:
“أنا كنت فاكر إن الحرية يعني إن مفيش حد يقوللي أعمل إيه… بس طلعت الحرية الحقيقية إنك تكون مسؤول عن اللي بتعمله.”
—
سكت لحظة، وبعدين بصلي:
“أنا ممتن إنك وقفتِ في اللحظة اللي كنت هفضل فيها ماشي غلط من غير ما أحس.”
—
الكلمة دي كانت أبسط من أي اعتذار… لكنها أعمق.
—
بعد القعدة، المطبخ كان فاضي، والصوت قليل.
حازم وقف عند الباب وهو ماشي وقال:
“ممكن نسألك سؤال؟”
“اسأل.”
“إنتِ دلوقتي مبسوطة؟”
سكت لحظة طويلة.
وبعدين قلت:
“أنا مش مبسوطة عشانكم اتغيرتوا… أنا مبسوطة عشان بطلت أعيش حياتكم بدل حياتي.”
—
ابتسم.
“وإحنا؟”
“إنتوا بقيتوا عايشين حياتكم… من غير ما تسحبوا حياتي معاها.”
—
مشوا.
والباب اتقفل بهدوء.
—
رجعت أقعد في مكاني.
وبصيت على الشباك.
الشارع زي ما هو… نفس الناس… نفس الضوضاء البعيدة.
بس جوايا أنا كان في حاجة اتظبطت.
مش العالم اللي اتغير…
لكن طريقة حملي للعالم.
—
مسكت الكروشيه تاني.
بس المرة دي ما كنتش بغزل ذكرى، ولا ألم، ولا انتظار.
كنت بغزل حياة بسيطة…
ما فيهاش حد بيكسرني… ولا أنا بكسر نفسي عشان حد.