تليفوني رن الصبح، كان أخويا حسن

تليفوني رن الصبح، كان أخويا حسن. رديت عليه لقيته بيسألني من غير مقدمات: “جوزك فين دلوقتي؟”

رديت عليه بمنتهى الثقة: “في الغردقة.. سافر امبارح عشان يحضر اجتماع شغل مهم.”

سكت ثواني.. صمت كان كفيل يهد حيلي ويوقع سنين جوازنا السبعة في ثانية واحدة.

وبعدين قال جملة خلت الدنيا تلف بيا:

“لأ يا أختي.. جوزك مش في الغردقة، جوزك موجود دلوقتي في الفندق اللي بديره هنا في العين السخنة. ومعاه واحدة ست. والأدهى من كدة، إنه بيدفع حساباته بفيزتك أنتِ!”

​إيدي تلتت ومسكت فنجان الشاي بقوة عشان ميتكسرش.

في الأول قلت أكيد أخويا اتلخبط، ياسر مستحيل يعمل كدة.

بس حسن مش من النوع اللي بيرمي كلام وخلاص، ولا بيحب يفتري على حد.

قال بهدوء: “أنا قدامي دلوقتي ورق الحجز، وشايفه بعيني، حاجزين “سويت” من امبارح.”

​حسيت ببرودة في جسمي كله.

ياسر بقاله فترة تصرفاته مش مريحة.. الموبايل دايماً مقلوب على وشه، بيخرج فجأة بحجج “الشغل”، ولو فتحت بوقي بسؤاله عن الفلوس اللي بتطير، يقلبها نكد وخناق ويقولي “بتراقبيني؟”.

كنت بضحك على نفسي وبقول ضغوط شغل ومسؤوليات.

أما دلوقتي.. فكان حسن بيحط النقط على الحروف، وبيديني التفاصيل كاملة.

ميعاد الوصول، رقم السويت، والست اللي دخلت معاه.

​همست له بصوت مكسور: “حسن.. إوعى تواجهه، ولا تفتح معاه موضوع.”

رد بسرعة: “متقلقيش.. مش هعمل حاجة.”

وبعد لحظة صمت سألني السؤال اللي غير كل حاجة: “ناوية تعملي إيه يا أختي؟”

​ما عرفتش أرد.

بصيت لصورة الفرح المتعلقة في الصالة، الصورة اللي كنا واقفين فيها قدام بيت أبويا والابتسامة كانت مالية وشنا.. لأول مرة، الابتسامة دي بانتلي زيف وكذب، كأني بشوفها لأول مرة.

بلعت ريقي وقلت لحسن:

“ساعدني يا حسن.. عايزة دليل يمسك عليه حاجة، وعايزة أوقف مهزلة الفلوس دي فوراً.”

​حسن ما سألش ولا سؤال.

ياسر كان معاه الفيزا اللي مربوطة بحسابي عشان مصاريف البيت، ومكنش بيحتاج يستأذن.

في دقايق، وقفت البطاقة من الأبلكيشن، وكلمت البنك اعترضت على كل العمليات اللي تمت اليومين اللي فاتوا.

في نفس الوقت، حسن وافق يصور لي تسجيلات الكاميرات، واحتفظ بصورة من استمارة الحجز اللي ياسر مضى عليها بنفسه.

وبعدين قالي اسم الست اللي معاه.. “رنا”.

وما كانتش مجرد واحدة عابرة، ده كان حاجز لها في “السبا” ومظبط لها رحلات وفسح، كأنه عريس في شهر عسل ومش خايف من حد.

​على الضهر، الصدمة الأولى راحت، وبدأ جواتي يتكون جليد. مشاعر باردة ومنظمة.

استأذنت من الشغل وطلعت رحت عند ماما، مقلتلهاش الحقيقة عشان ما تقلقش، قلتلها “خناقة بسيطة ومحتاجة أغير جو معاكم”.

​بالليل اتصلت بحسن تاني.

وبدأت أرسم له الخطة اللي شكلت في دماغي خطوة بخطوة.

حتى أنا كنت مستغربة وأنا بسمع صوتي بيخرج بالثقة دي.

بس كنت واثقة إنها هتجيب نتيجة.

وفي آخر المكالمة قلتله:

“بكرة يا حسن عايزة كل حرف أقوله يتنفذ.. لا زيادة ولا نقصان.”

قاللي من غير تردد: “اعتبريه حصل.”

​قفلت السكة.

بس النوم ما عرفش طريقي الليلة دي.

فضلت صاحية للصبح أبص للسقف وأفتكر كل كذبة صدقتها، وكل إشارة تجاهلتها، وكل مرة دافعت فيها عنه قدام الناس.

ومع أول ضوء للنهار..

كان قراري النهائي أتاخد.

قرار هيخلي ياسر يتصل بيا بعد كام ساعة وهو في حالة رعب وذهول.. مش هيعرف هو بيتهز ليه!

لايك وكومنت لمتابعه باقي القصه المشوقهمع أول ضوء للنهار، كنت حاسة إن جوايا حاجة اتقفلت للأبد… وحاجة تانية اتفتحت، بس ما كانتش رحمة.

قعدت قدام ماما في الصالة، بتسألني بهدوء:

“مالك يا بنتي؟ وشك مش مريحني…”

ابتسمت ابتسامة صغيرة مصطنعة:

“مفيش يا ماما… بس شوية ضغط في الشغل.”

بس إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الموبايل، مستنية أول خطوة في الخطة اللي رسمتها مع حسن.

الساعة 9:00 صباحًا… رسالة وصلت.

“تم تنفيذ المطلوب زي ما طلبتي.”

قفلت الموبايل في هدوء، وقمت دخلت أوضتي.

في نفس اللحظة، كان في مكان تاني خالص… ياسر بدأ يومه بشكل مختلف تمامًا.

في الفندق، كان بيحاول يعيش اللحظة، لا هو عارف إن “اللحظة” دي خلاص اتصورت واتسجلت واتقفلت عليها كل الأبواب.

السكرتيرة عنده بتجري عليه:

“في مشكلة في الفيزا يا فندم… الحساب موقوف.”

ابتسم بسخرية:

“موقوف إيه؟ دي حسابات مراتي.”

بس أول ما حاول يدفع تاني… الكارت اترفض.

مرة… واتنين… وتلاتة.

الابتسامة اللي كانت على وشه بدأت تقع حتة حتة.

وفي نفس الوقت، موبايله رن.

اسمك كان ظاهر على الشاشة.

وقف ثواني، وبعدها رد وهو لسه بيضحك:

“أخيرًا افتكرتي تتصلي؟”

لكن صوتك كان مختلف… هادي زيادة عن اللزوم.

“مش جايّة أعاتبك يا ياسر… أنا بس حبيت أطمن عليك.”

سكت.

“أطمن؟”

“أيوه… وأطمن كمان إن كل حاجة اتقفلت دلوقتي.”

الضحكة اختفت.

“إيه الكلام ده؟!”

رديت بنفس الهدوء:

“اسأل البنك… أو اسأل رنا.”

الاسم وقع عليه زي حجر.

سكت لحظة طويلة، وبعدين صوته على الآخر:

“إنتِ بتعملي إيه؟!”

لكن قبل ما أرد، كنت قفلت المكالمة.

وفي نفس اللحظة… حسن بعتلي رسالة واحدة بس:

“هو عرف.”

قفلت عيني… وأخدت نفس طويل.

لأول مرة، مكنش جوايا خوف…

كان جوايا انتظار.

انتظار للخطوة اللي جاية منه…

واللي أنا كنت مستعدة لها حرف حرف.

والمفاجأة الحقيقية…

إن اللي جاي، مش كان رد فعل ياسر بس…

كان بداية انهيار حاجة أكبر بكتير مما كان متخيل.

لو عايزة أكمل اللي حصل بعد ما رجع البيت… قولي “كمل”.في نفس اللحظة اللي “هو عرف” وصلت فيها، كنت حاسة إن البيت كله بيحبس أنفاسه معايا.

 

قعدت على طرف السرير، والموبايل في إيدي، وكل ثانية بتمر كانت بتتقاس بثقل غريب… كأن في حاجة جاية بتتقرب مني وأنا مش شايفاها.

 

في الفندق عند ياسر…

 

كان واقف في اللوبي، ملامحه اتغيرت تمامًا.

الاستقبال بيعتذر له، وهو مش سامع أصلًا.

 

“مفيش أي عملية بتعدي على الفيزا يا فندم… الحساب متوقف بناءً على طلب صاحبته.”

 

الكلمة وقفت عنده: “صاحبته”.

 

مش “مراته”… لأ… “صاحبته”.

 

بص حواليه، ورنا كانت واقفة على جنب، متوترة، بتحاول تتفادى نظراته.

 

سألها بصوت واطي بس نار:

“إنتِ قولتي لحد إيه؟”

 

هي ارتبكت:

“ولا حاجة… أنا ماليش دعوة!”

 

لكن في اللحظة دي، الموبايل رن تاني.

 

اسمك.

 

رد بسرعة، لكن المرة دي صوته مكنش فيه سخرية خالص:

“إنتِ عايزة توصلي لإيه؟!”

 

سكتِ ثانيتين، وبعدين قولتي:

“مش عايزة أوصل لحاجة يا ياسر… أنا وصلت خلاص.”

 

“وصلتي لإيه؟!”

 

“للحد اللي مفيهوش رجوع.”

 

في نفس اللحظة، كان في رسالة وصلت له من البنك:

“تم تجميد الحساب بناءً على طلب المالك الأساسي.”

 

إيده اتشدّت على الموبايل.

 

“إنتِ ازاي تعملي كده؟!”

 

ردك كان أهدى من أي مرة:

“زي ما إنت عملت بالظبط… بس من غير ما تقول.”

 

سكت.

 

سكتة طويلة جدًا… لدرجة إن حتى رنا بعدت خطوة لورا.

 

وبعدين قال بصوت مكسور من الغضب:

“إنتِ فاكرة إنك كده كسبتي؟”

 

ابتسمتِ ابتسامة صغيرة وهو مش شايفك:

“أنا مش في حرب عشان أكسب يا ياسر… أنا في نهاية حاجة.”

 

وقفلتي المكالمة.

 

—

 

بعد ساعتين…

 

الباب خبط في البيت.

 

ماما بصتلي:

“مين؟”

 

قمت بهدوء، وعدّلت هدومي، وفتحت.

 

كان هو.

 

واقف قدامي لأول مرة من غير قناع…

شنطة صغيرة في إيده، ووش مشوه بين غضب وصدمة وكسرة.

 

بصلي وقال:

“عايزة إيه؟”

 

سكت لحظة، وبعدين دخلت وقفلت الباب ورايا.

 

وقلت بصوت ثابت:

“عايزة الحقيقة… كاملة. من غير لف ولا دوران.”

 

هو ضحك ضحكة قصيرة مفيهاش أي روح:

“وإنتِ بقى اللي هتحكمي؟”

 

رديت:

“لأ… أنا اللي هفهم.”

 

سكت.

 

وفي اللحظة دي… كان واضح إن اللي جاي مش اعتذار، ولا إنكار.

 

كان مواجهة كاملة…

هتكشف كل حاجة اتبنت على سكوت سنين.

 

وهو لأول مرة، مكنش عارف يبدأ منين.

 

لو عايزة أكمل المواجهة جوه البيت واللي قاله كلمة بكلمة… قولي “كمل”.وقف قدامي في الصالة، وكأن المكان نفسه ضاق عليه.

 

ماما كانت واقفة على بُعد خطوات، مش فاهمة حاجة، لكن شايفة إن في حاجة كبيرة بتتكسر قدامها.

 

ياسر أخد نفس طويل وقال: “إنتِ كبرتي الموضوع… ومش زي ما وصلِك.”

 

ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرح: “يبقى صغّرّه لي… خليني أفهمه زي ما هو.”

 

سكت لحظة، وبعدين قال: “أنا مكنتش في حاجة غلط.”

 

رفعت حاجبي: “في فندق، مع واحدة، وبفيزا مراتي… ودي مش حاجة غلط؟”

 

صوته ارتفع شوية: “دي شغل! وسفر! ومقابلة!”

 

قاطعته بهدوء قاتل: “في سويت؟”

 

سكت.

 

سكتة أطول من اللي قبلها.

 

وهنا فهمت إن الصمت أحيانًا أصدق من أي إجابة.

 

ماما اتدخلت بصوت متوتر: “في إيه يا ولاد؟ فهموني!”

 

بس أنا ما بصيتلهاش. عيني كانت عليه هو بس.

 

قلت: “الحساب اتقفل، الكارت اترفض، والناس اللي هناك شايفين كل حاجة… ولسه بتقول شغل؟”

 

اتنفس بسرعة، والغضب بدأ يطلع: “إنتِ مراقباني؟!”

 

ابتسمت بسخرية هادية: “أنت اللي كنت عايش مفتوح على كل الجهات… أنا بس قفلت الباب.”

 

قرب خطوة مني: “إنتِ دمرتي كل حاجة في ثانية!”

 

رفعت إيدي لأول مرة، ووقفتّه بالكلام قبل الحركة: “لأ… أنا بس وقفت اللي كان بيتاخد مني من غير ما أحس.”

 

سكت.

 

المرة دي سكوته كان مختلف… أهدى، أضعف.

 

قعد على الكنبة كأنه فقد طاقته فجأة، وقال بصوت أقل: “إنتِ مش فاهمة الصورة كاملة.”

 

قربت منه خطوة واحدة: “طيب وريني الصورة كاملة.”

 

رفع عينه ليا، وفيها حاجة بين الندم والارتباك: “مش كل حاجة بتتحكي بسهولة…”

 

هنا حسّيت إن في طبقة تانية أعمق… مش مجرد خيانة ولا كذب بسيط.

 

بس قبل ما يكمل، موبايله رن.

 

اسم “رنا” ظاهر على الشاشة.

 

بصلي بسرعة، كأنه اتفضح تاني.

 

وأنا بصيت للموبايل، وبعدين ليه، وقلت بهدوء: “كمل… أو رد… بس المرة دي اختار صح.”

 

وسكت البيت كله…

حتى الساعة اللي كانت بتدق، كأنها وقفت تستنى هو هيكمل إيه.

 

ولو عايزة أعرفك قال إيه في المكالمة دي ورد فعله بعدها، قولي “كمل”.بص للموبايل ثانيتين كأنهم عمر كامل، وبعدين ضغط زر الرفض.

 

المكالمة اتقفلت من غير ما يرد.

 

ساعتها لأول مرة، حسّيت إن في حاجة اتكسرت جواه هو كمان… مش بس جوايا أنا.

 

قعد على الكنبة، سند ضهره، وبص للسقف وقال بصوت واطي: “أنا غلطت… بس مش بالشكل اللي إنتِ متخيلاه.”

 

سكت لحظة، وبعدين كمل: “رنا دي مش زي ما إنتِ فاكرة… الموضوع بدأ شغل، ومكملش زي ما المفروض يكمل.”

 

ضحكت بسخرية مرة: “يعني خيانة بظروف مخففة؟”

 

هز راسه بسرعة: “مش خيانة بالمعنى اللي في دماغك.”

 

قربت منه أكتر: “يبقى إيه؟”

 

سكت.

 

وهنا كان الصمت أخطر من الاعتراف.

 

ماما قالت بتوتر: “حد يفهمني في إيه؟!”

 

أنا رفعت إيدي لها بهدوء: “خليكي بس شوية يا ماما.”

 

وبصيت له تاني: “كمل.”

 

بلع ريقه وقال: “في مشاكل شغل… ضغط… وفلوس دخلت في مشاريع غلط… وأنا كنت بحاول أظبط الدنيا بطريقتي.”

 

هزيت راسي: “وطريقتك دي كانت إنك تستخدم حسابي من غير ما تقول؟ وتسافر وتخبي؟”

 

رد بسرعة: “كنت هقول بعدين.”

 

ابتسمت: “بعد إيه؟ بعد ما أكتشف بنفسي؟”

 

سكت.

 

المرة دي مفيش دفاع.

 

بس فجأة… رفع عينه وقال الجملة اللي غيرت شكل الكلام كله: “أنا كنت بحاول أحميكي من حاجة أكبر.”

 

وقفت مكاني.

 

“تحميني؟”

 

قربت خطوة، وصوتي نزل درجة: “تحميني من إيه بالظبط؟”

 

سكت تاني… وبص ناحية الباب كأنه بيتأكد إن الكلام مش هيتسمع بره.

 

وبعدين قال: “في ناس مش عايزة المشروع ده يكمل… ولو كنتِ دخلتي فيه من الأول… كنتِ هتتأذي.”

 

قفلت إيدي على طرف الكرسي.

 

“يعني إيه ناس؟ وإيه مشروع؟”

 

وهنا لأول مرة… حسّيت إن القصة بتبدأ تاخد اتجاه تاني خالص.

 

مش بس خيانة زوج…

لكن حاجة أكبر، أخطر، ومستخبية وراها تفاصيل لو اتقالت… ممكن تقلب كل اللي كنت فاهماه.

 

وقبل ما أرد، الباب خبط تاني.

 

بس المرة دي الخبطة كانت مختلفة… أقوى، وأعنف.

 

ياسر اتجمد في مكانه.

 

وبصلي وقال بصوت منخفض: “محدش يفتح الباب ده.”

 

لو عايزة أعرف مين على الباب وإيه اللي هيحصل بعدها، قولي “كمل”.الخبطة اتكررت… أقوى المرة دي، كأن اللي برّه مش مستني رد، هو بيعلن وجوده غصب عن أي حد.

 

ماما بصتلي بخوف: “مين ده؟!”

 

ياسر قام بسرعة، ووشه اتشد لأول مرة بشكل واضح، كأنه مش غضب بس… لأ، ده قلق.

 

قرب مني وقال بصوت واطي: “بلاش تفتحي.”

 

بس قبل ما يكمل جملته، الباب خبط تاني وبصوت أعلى: “افتح يا ياسر… أنا عارف إنك جوه.”

 

سكت البيت كله.

 

أنا بصيت له: “ده مين؟”

 

رد وهو بيحاول يثبت نفسه: “محدش… سوء فهم.”

 

لكن صوته ماكانش مقنع.

 

ماما همست: “يا بنتي افتحي نشوف في إيه…”

 

وقبل ما أقرر، الباب اتفتح فجأة من غير إذن.

 

ودخل راجل في أواخر الأربعينات، ملامحه هادية بس عينيه تقيلة… تقيلة بشكل يخلي أي حد يحس إنه مش جاي صدفة.

 

بص على ياسر وقال: “إحنا قولنا نخلص الكلام بهدوء… مش نوصّلها للبيت.”

 

ياسر رد بسرعة: “أنا قولتلك الموضوع تحت السيطرة.”

 

الرجل ابتسم بسخرية خفيفة: “واضح.”

 

أنا وقفت مكاني: “هو إيه اللي واضح؟ ومين حضرتك؟”

 

بصلي مباشرة لأول مرة، وقال بهدوء: “أنا اللي كنت بشوف شغلكم من بعيد… وللأسف الشغل ده دخل في حاجات أكبر منكم بكتير.”

 

قلبي بدأ يدق أسرع.

 

ياسر اتقدم خطوة: “مفيش داعي للكلام ده هنا.”

 

لكن الرجل رفع إيده: “لأ فيه داعي… لأن اللي حصل في الفندق مش مجرد خناقة زوجية.”

 

سكت ثانية، وبعدين قال الجملة اللي خلت الجو يتجمد: “فيه فلوس اتسحبت… وناس اتضرّت… وإنت يا ياسر كنت مجرد جزء صغير في لعبة أكبر.”

 

بصيت لياسر.

 

وشه اتغير تمامًا.

 

لأول مرة أشوفه مش بس متوتر…

أشوفه خايف.

 

ماما مسكت في طرف طرحتها: “يا ساتر يا رب… إنتوا بتتكلموا عن إيه؟”

 

الرجل بص لي وقال: “حضرتك مالكيش ذنب في اللي جاي… بس لازم تعرفي إن الموضوع مش خيانة بس.”

 

رجعت خطوة لورا وأنا بحاول أفهم: “يبقى إيه؟”

 

رد بهدوء قاتل: “ق*ضية.”

 

وهنا… ياسر صرخ لأول مرة: “كفاية!”

 

لكن الصوت ما كانش ليه أي تأثير… لأن الباب كان اتقفل خلاص على حاجة أكبر من السيطرة.

 

والراجل وهو بيبصلي قال آخر جملة: “واللي جاي… هيخلي قرارات امبارح تفرق بين حياة طبيعية… وحياة تانية خالص.”

 

وسابنا واقفين في صمت ثقيل…

كل واحد فينا بيحاول يفهم هو دخل إيه بالظبط في الليلة دي.

 

لو عايزة أكمل وأقول إيه “الق*ضية” دي وليه اسمها ظهر فجأة، قولي “كمل”.قبل ما حد يرد، كان في صوت خطوات سريعة على السلم، وبعدها ظهر شخصين بملابس رسمية.

 

واحد منهم أخرج بطاقة وقال بهدوء شديد: “إحنا من جهة مختصة… وهنحتاج نتكلم مع ياسر في موضوع مهم.”

 

الصمت اللي في الصالة بقى تقيل لدرجة إن حتى النفس كان مسموع.

 

ياسر رجع خطوة لورا وقال: “أنا معملتش حاجة غلط.”

 

الضابط رد بهدوء: “ده اللي هنحققه.”

 

أنا بصيت له، ولسه مش مستوعبة: “يعني إيه؟ الموضوع كبر كده ليه؟”

 

الراجل اللي دخل الأول قبل كده بصلي وقال: “إنتِ كنتي متجوزة شخص متورط بشكل غير مباشر في تحويلات مالية مش واضحة المصدر.”

 

وقعت الجملة عليا زي حجر.

 

ماما صرخت بصوت منخفض: “يا نهار أبيض…”

 

ياسر رد بعصبية: “ده كله سوء فهم! أنا كنت بشتغل في مشروع استثماري!”

 

الضابط قاطعه: “ومين صاحب المشروع؟”

 

سكت.

 

أول مرة أشوفه مش لاقي إجابة.

 

هنا الراجل اللي جه الأول بصلي وقال: “والفيزا اللي اتستخدمت… كانت جزء من تتبع حركة مالية مشبوهة. وإنتِ كمان اسمك ظهر بشكل غير مباشر.”

 

اتجمدت مكاني.

 

“أنا؟!”

 

هز راسه: “عشان الحساب كان باسمك، وإنتِ اللي طالبة تجميد العمليات.”

 

حسّيت إن الأرض بتسحبني.

 

يبقى أنا… من غير ما أقصد… دخلت جوه الموضوع أكتر مما تخيلت.

 

ياسر بصلي فجأة، بعينين فيها لوم وصدمة: “إنتِ اللي وصلتيهم لحد هنا؟”

 

صرخت: “أنا؟! أنا كنت بحمي نفسي!”

 

الضابط رفع إيده: “مفيش داعي للصوت… الموضوع مش خلاف عائلي.”

 

وبعدين قال الجملة اللي قفلت كل الأبواب: “ياسر لازم ييجي معانا للتحقيق.”

 

سكت لحظة… وبعدين اتكمل: “وممكن الموضوع يتوسع أكتر حسب اللي هيظهر في السجلات.”

 

في اللحظة دي، ياسر بصلي نظرة غريبة… مش غضب بس… لأ، كانت مكسورة.

 

كأنه لأول مرة بيفهم إن اللي كان بيستخبى ورا “الشغل” كان أكبر بكتير من أي مبرر قاله قبل كده.

 

قبل ما يخرج، قرب مني خطوة وقال بصوت واطي: “أنا ماكنتش عايز أوقعك في ده…”

 

وبعدين سكت.

 

والكلمة اللي ما كملهاش كانت أخطر من أي اعتراف.

 

خرجوا بيه من الباب.

 

والبيت رجع صامت… بس صمت مختلف تمامًا.

 

صمت ما بعد الحقيقة.

 

ماما قعدت على الكرسي ودموعها في عينيها: “إحنا دخلنا نفسنا في إيه؟”

 

أنا فضلت واقفة، مش قادرة أقعد ولا أتحرك.

 

بس جوايا كان في حاجة واحدة واضحة لأول مرة…

 

إن اللي حصل مش نهاية القصة.

 

ده مجردالراجل سحب نفس هادي كأنه مش مستعجل، وبصّ حواليه في الصالة كأنه بيقيس كل حاجة بعينه.

 

وبعدين قال: “القض*ية مش جديدة… بس اتفتحت تاني لما فلوس معينة اتحركت من حساب غلط في وقت غلط.”

 

بصيت له: “حساب مين؟”

 

سكت لحظة، وبعدين قال: “حساب باسمك.”

 

قلبي وقع.

 

لفيت بسرعة على ياسر: “إيه اللي بيقوله ده؟!”

 

ياسر اتجمد، ووشه فقد أي لون: “مش زي ما بيقول…”

 

الراجل قاطعه: “زي ما بقول بالظبط. تحويلات اتعملت، وفلوس دخلت وخرجت، وكلها مربوطة باسم الزوجة.”

 

ماما صرخت بصوت مكسور: “يا نهار أبيض… إنتوا دخلتوا بنتي في إيه؟!”

 

أنا حسّيت الأرض بتسحبني: “أنا ما عملتش أي حاجة!”

 

الراجل هز راسه بهدوء: “طبعًا. وإحنا عارفين. عشان كده جيت هنا بدل ما الموضوع يكبر رسمي.”

 

بصيت له: “يعني إيه؟”

 

قرب خطوة وقال: “يعني في احتمالين… يا إما إنتِ ضحية… يا إما غطاء من غير ما تقصدي.”

 

بصيت لياسر، وقلت بصوت مكسور: “إنت مستخدمني؟”

 

ياسر اتكلم بسرعة لأول مرة من غير ترتيب: “أنا كنت بحاول أحمي اسمك… كل حاجة كانت باسمك عشان الأمان… مش أكتر!”

 

ضحكت ضحكة مش مصدقة: “أمان؟ ولا تهريب مشاكل؟”

 

الراجل رفع إيده يقاطعنا: “مش وقته خلافات شخصية. اللي حصل أكبر من كده.”

 

وبعدين مدّلي ظرف: “ده فيه كل التفاصيل… وتحذير بسيط: أي حركة غلط دلوقتي ممكن تخلّي الموضوع يتحول رسمي بالكامل.”

 

مسكت الظرف بإيدي اللي بتترعش.

 

سألت: “ولو فتحته؟”

 

بص لي وقال بهدوء: “هتفهمي إن اللي حصل في الفندق… كان بداية كشف، مش نهاية خيانة.”

 

سكت البيت كله تاني.

 

حتى ياسر… ما كانش عنده رد.

 

والراجل وهو ماشي ناحية الباب قال آخر جملة قبل ما يخرج: “اختاري كويس الجاية… لأن المرة دي مش مجرد جواز بيتكسر… دي حياة كاملة ممكن تتغير.”

 

وخرج.

 

الباب اتقفل.

 

وبقينا إحنا التلاتة… في صمت تقيل، وكل واحد فينا ماسك جزء من الحقيقة، ومش عارف يركّبه.

 

بعدّت ساعات طويلة بعد ما خرجوه.

 

البيت كان ساكت بشكل يخنق، حتى صوت التكييف كان باين كأنه بيصرخ.

 

ماما كانت قاعدة في الكنبة، ماسكة المصحف في إيديها، وأنا واقفة قدام الشباك مش شايفة حاجة قدامي.

 

كل دقيقة كنت بسأل نفسي:

“أنا عملت الصح؟ ولا فتحت باب أكبر مني؟”

 

الموبايل رن فجأة.

 

رقم غريب.

 

رديت بسرعة، قلبي سبق صوتي.

 

“ألو؟”

 

جاء صوت الراجل نفسه اللي كان في البيت: “إحنا محتاجينك في القسم.”

 

بلعت ريقي: “أنا كمان؟”

 

رد بهدوء: “كمعلومات بس… مش اتهام. في حاجات لازم تتوضح.”

 

سكت لحظة، وبعدين قال: “وفي حاجة تانية… ياسر طلب يشوفك.”

 

الكلمة وقعت عليا تقيل.

 

“يشوفني؟ دلوقتي؟”

 

“أيوه… قبل ما التحقيق يكمل.”

 

قفلت المكالمة ووقفت مكانى مش قادرة أقرر.

 

ماما قامت بسرعة: “إياكي تروحي لوحدك.”

 

بس جوايا كان في حاجة أقوى من الخوف… فضول ممزوج بوجع.

 

بعد ساعة، كنت في مكان التحقيق.

 

الممر طويل، الإضاءة بيضا باردة، وكل خطوة كنت باخدها كنت حاسة إني داخلة على نسخة تانية من حياتي.

 

لما دخلت الغرفة…

 

لقيته قاعد.

 

لكن مش ياسر اللي أعرفه.

 

وشه مرهق، عينه تحتها هالات، وإيديه متشابكين كأنه لأول مرة مش ماسك زمام حاجة.

 

بمجرد ما شافني، وقف بسرعة: “إنتِ جيتي…”

 

قعدت قدامه من غير ما أتكلم.

 

سكت ثواني، وبعدين قال: “أنا كنت غلطان… بس في حاجات ماكنتش بإيدي.”

 

بصيت له: “إيه اللي كان بإيدك وإيه اللي ماكنش؟”

 

سكت.

 

وبعدين قال الجملة اللي فتحت باب جديد تمامًا: “أنا كنت داخل في دين كبير… وكنت بحاول أخرج منه من غير ما أوقعك معايا.”

 

اتجمدت.

 

“دين؟”

 

هز راسه: “مش بس فلوس… ده كان ابتزاز.”

 

حسّيت إن كل حاجة كانت واضحة بقت فجأة ضباب.

 

“مين اللي بيبتزك؟”

 

قبل ما يرد، الباب اتفتح.

 

ودخل نفس الراجل اللي كان عندنا في البيت.

 

وقال بهدوء: “كده الصورة بدأت تكمل… بس لسه أهم جزء ناقص.”

 

بصيت له: “أهم جزء إيه؟”

 

سكت لحظة، وبعدين قال: “السبب الحقيقي اللي خلاكِ إنتِ بالذات تباني في الموضوع.”

 

في اللحظة دي… حسّيت إن الأرض رجعت تفتح تحت رجلي.

 

لأن واضح إن القصة مش كانت عن ياسر لوحده من الأول…

لكن عني أنا كمان بشكل ما كنتش متخيلاه.

 

لو عايزة أكمل وأكشف “السبب الحقيقي” ده إيه، قولي “كمل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *