كنت عايش سعيد قلم اماني سيد

كنت عايش سعيد مع مراتى وحياتنا هديه وكنت موظف عادى في شركه كبيره وفى مره اقترحت على الشركه مشروع خلى أرباح الشركة ذادت ٣٠٠٪ من بعدها بقيت اترقى فى الشركه بشكل كبير وبقالى مكتب وسكرتيره ومع كل مشروع ناجح اجيبه للشركه مرتبى وسلطتى تزيد اكتر والفلوس بالنسبالى مابقتش مشكله لانى باخد عمولات وكانت الحياه كويسه وكنت راضى بيها لحد ما دخلت فى حياتى فاتن من أول يوم مسكت المكتب بتاعى وانا اتسحرت بيها
بقيت اقارن بينها وبين مراتى وبين أى واحده اشوفها وده خلانى ابعد عن مراتى ومابقتش اشوفها الست الحلوه اللى وقفت معايا ولا بقيت اشوف البيت بقي كل تفكيرى فى فاتن وبس
ولحسن حظى أن فاتن مكنتش مرتبطه وكنت عشان انول رضاها اشترى هدايا غاليه زى البرفانات مكياج لبس كنت دايما بغرقها هدايا
كنت اشوف الحاجه اللى بتعجب مراتى واشتريها لفاتن اقول أكيد ذوق الستات متقارب
لو جبت هديه فى مره والمره اللى بعدها جبت حاجه ارخص كنت الاحظ نظرات عدم الرضا فى عين فاتن
مرت الأيام وأنا غرقان في تفكيري فيها، وكل يوم بيعدي عليا وأنا شايف نظرات عدم الرضا دي لما الهدية متبقاش على هواها، كان بيموتني. كنت حاسس إن في تحدي بيني وبين نفسي، إني لازم أثبت لها إني أقدر أملى عينيها وأبهرها، وإني مش مجرد مدير عادي في الشغل.
قررت أخد الخطوة الكبيرة اللي هتقربني منها أكتر وتخليني أفتح معاها موضوع الارتباط بشكل رسمي. فضلت أسبوع كامل أسأل وأدور على أغلى وأفخم مطعم في البلد، مكان مبيدخلوش غير صفوة المجتمع ورجال الأعمال، مكان يليق بـ “فاتن” وبالبرستيج الجديد اللي أنا بقيت فيه. حجزت ترابيزة مميزة جداً، ورتبت مع إدارة المطعم على كل تفصيلة، من أول الورد لحد الموسيقى الهدية اللي هتشتغل.
يومها رحت الشغل وأنا مش على بعضي، دقات قلبي كانت سابقة خطواتي. وقبل ميعاد خروجنا، دخلت عليها المكتب وبقيت أقول لها بنبرة كلها ثقة: “فاتن، عازمك النهارده على العشا.. في مكان هيعجبك أوي، وممنوع الرفض”.
لمحت في عينيها لمعة غريبة، لمعة انتصار وكأنها كانت مستنية الخطوة دي. وافقت طبعاً، ورتبنا نتقابل هناك.
لما وصلت المطعم، كانت هي وصلت قبلي.. ووقفت مكاني مذهول. كانت خطفت الأنظار وكل اللي في المكان بيبصوا عليها، لابسة فستان شيك جداً، وحاطة من البرفان الغالي اللي أنا لسه جايبهولها. قعدت قصادها على الترابيزة، وأنا حاسس إني ملكت الدنيا، الفلوس والسلطة والمكتب، ودلوقتي الست اللي سحرتني قاعدة قدامي في أفخم مكان ممكن حد يتخيله.
طلبت أغلى أطباق في المنيو، وبدأت أمهد للكلام، كنت عايز أقول لها إن حياتي القديمة مبقتش طايقها، وإنها هي المستقبل اللي أنا عايزه. وبصيت في عينيها وقلت لها: “فاتن.. أنا نظرتي ليكي من أول يوم مكنتش مجرد نظرة مدير لسكرتيرته، أنتِ غيرتي فيا حاجات كتير.. وأنا النهارده عازمك هنا عشان أقولك إني عايزك معايا في حياتي اللي جاية.. عايز نرتبط”.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها مكر وثقة تخطف العقل، سابت الشوكة من إيدها وسندت ضهرها لورا وبصتلي وعينيها بتلمع مع إضاءة المكان الخافتة.
قالتلي بنبرة هادية بس حاسمة: “كلامك جميل يا بشمهندس، ومفيش ست في الدنيا متتمناش تكون مع راجل في مركزك ونجاحك.. بس أنت ناسيت حاجة مهمة أوي”.
سألتها بلهفة: “حاجة إيه؟ قولي اللي أنتِ عايزاه وكل شروطك مجابة .
بصتلي مباشرة وقالت: “مراتك.. وبيتك القديم؟ ناوي تعمل معاهم إيه؟”
أنا اتنفست الصعداء وافتكرت إن الموضوع سهل، وقلت لها وعيني مليانة رجاء: “مراتى هتفضل زي ما هي، في بيتها وليها كل طلباتها ومصاريفها، وأنا هشتريلك شقة جديدة في أرقى كومباوند، وهعيشك ملكة، مش هحرمك من أي حاجة، ومحدش هيضايقك”.
ملامحها اتغيرت فجأة، والنبرة الهادية اتقلبت لحدة وكبرياء، وقالتلي: لا يا بشمهندس.. أنت باين عليك مش فاهم فاتن كويس. أنا مش واحدة هتيجي على ضرة، ولا هقبل أكون ست تانية  والناس تقول عليا زوجه تانيه . أنت شايف مستوايا كويس، وشايف أنا لبسى  إيه وعايشة إزاي.. ماينفعش تعيشني في مستوى أقل من اللي أستاهله، ولا ينفع اسمي يرتبط براجل متجوز .
سكتت ثواني عشان تسيب كلامها يعلّم في دماغي، وبعدين كملت بشرط صدم صفاء اللحظة اللي كنت فيها: “لو عايزني بجد في حياتك.. تطلق مراتك الأول. وتنهي الحكاية دي تماماً.. والأولاد؟ ترميهم ليها، هي أولى بيهم، مش هعيش حياتي أربي أولاد مش أولادي ولا أربط نفسي بمسؤولية تكتفنا. فكر يا بشمهندس.. وشوف هتقدر تدفع تمن وجودي في حياتك ولا لأ .
الكلام نزل عليا زي المية الساقعة، بس سحرها والفلوس والغرور اللي بقيت فيه خلوني مقولش “لأ” في وقتها.. بقيت قاعد باصص لها وعقلي عمال يحسب الحسبة: أبيع العمر كله عشان اللحظة دي؟

من غير ما أفكر ثانية واحدة، ومن غير ما حتى الضمير اللي جوه يصحى ويقولي أنت بتعمل إيه، بصيت في عينيها وقلت لها: “موافق.. موافق على كل شروطك يا فاتن، مفيش حاجة في الدنيا تغلى عليكي، وأنا مستعد أبيع أي حاجة عشان تبقي معايا”.
ابتسامة النصر اللي ظهرت على وشها في اللحظة دي كانت كافية تنسيني اسمي وتعميني تماماً. وفعلاً، مكدبتش خبر، وثاني يوم بدأت الإجراءات وكأني كنت في سباق مع الزمن عشان م تضيعش من إيدي. رحت لمراتي، وبكل جحود وبرود، رميت عليها يمين الطلاق، وقلت لها: “الولاد معاكي، ومصاريفهم هتوصلك كل أول شهر، مش عايز أشوف وشك تاني”. دموعها وصدمتها متهزش فيا شعرة، كنت شايف إنها خلاص مرحلة قديمة وانتهت من حياتي.
وبسرعة الصاروخ، بدأت أجهز لـ “حياتي الجديدة” مع فاتن. نزلت معاها أكبر وأفخم محلات الصاغة، واشترتلها شبكة ألماظ حر، شبكة تليق بالبرستيج والمستوى اللي هي عايزاه، كانت بتنقي الحاجة وهي عينيها بتلمع بالفرحة، وأنا كنت بدفع الكريديت كارد وأنا فخور بنفسي وبفلوسي.
وموقفتش لحد هنا، اشتريتلها شقة في كومباوند من أرقى وأغلى الكومباوندات، شقة واسعة وفيها كل وسائل الرفاهية، وبدأنا نجهزها بقطع أثاث مستوردة على ذوقها هي وبس. كنت حاسس إني في قمة مجدي، عندي الفلوس، السلطة، الشغل الناجح، والست اللي خطفت عقلي وبقت ملكي بعد ما نفذت لها كل اللي اتمناه قلبها.
بقينا عايشين حياة ملوك، مفيش “ويك إند” بيعدي علينا وإحنا في بيتنا؛ كل خميس نوضب الشنط ونسافر حتة شكل، مرة في الساحل في أفخم الأوتيلات، ومرة الجونة، ومرة نطير لبلد برة مصر نغير جو ونرجع على الشغل يوم الأحد.
الفيسبوك والإنستجرام بتوعها مكنش وراهم سيرة غيرنا، صورنا كانت مغرقة السوشيال ميديا، الناس كلها كانت بتتفرج وتحسدنا على العز اللي إحنا فيه. فاتن كانت واجهة تشرّف، لبسها، شياكتها، طريقتها.. مكنتش بتتصور بطقم أو فستان مرتين! كل خروجة بلبس جديد، وكل سفرية بشنط وتشكيلة لبس مكنتش بشوفها غير في مجلات الموضة.
كنت بقف جنبها في الصور وأنا نافش ريشي، فرحان بنظرات الإعجاب والغيرة اللي بشوفها في كومنتات الناس، وبقول لنفسي: “هو ده المستوى اللي أنا أستاهله، وهي دي الست اللي تليق بمركزي الجديد”.
كنت مستمتع بكل لحظة وبدلعها لآخر خط، وبصرف من غير ما أحسب، لأن طالما مشاريع الشركة ناجحة وعمولاتي شغالة، يبقى الفلوس هتفضل تيجي. مكنتش قادر أشوف إن الويك إند اللي بيتكلف أرقام خيالية، واللبس اللي بيترمى بعد لقطة الكاميرا، بدأوا يسحبوا من الرصيد اللي شايله للزمن بسرعة مرعبة..
وفي الناحية التانية، كانت حياتي القديمة بتتمحى تماماً من ذاكرتي، وكأنها مكنتش موجودة.
الشهر ورا الشهر، وبدأت أطنش مصاريف ولادي. في الأول كنت بأخرها، وبعدين بقيت أقول لنفسي: “ما هي قاعدة في شقتي القديمة ومستورة، وتصرف هي بقى وتتصرف، أنا مش بنك متحرك!”، الفلوس اللي كانت بتطلع ليهم، بقيت شايف إن فاتن وخروجاتنا وسفرياتنا أولى بيها. الولاد اللي كانوا حتة مني، بقيت شايفهم مجرد عبء مالي وضغط أنا مش مجبر أستحمله في وسط حياتي الجديدة والبرستيج اللي أنا فيه.
طبعاً طليقتي بدأت تتصل، وتزن، وتبعت رسائل عشان مصاريف الأكل والمدارس واللبس. كانت بتتحايل الأول، وبعدين بدأت تدعي وتصرخ من قلة الحيلة. وأنا؟ مكنتش طايق أسمع صوتها ولا أشوف رسالة واحدة تفكرني بالماضي أو تنكد عليا صفو حياتي مع فاتن.
وفي لحظة برود تامة، مسكت الموبايل، ودخلت على رقمها.. وعملت لها بلوك من كل حتة؛ من المكالمات، والواتساب، وفيسبوك. قفلت الباب ده تماماً ورميتهم ورا ضهري وكأنهم ميتين، ولا فارق معايا هياكلوا منين ولا عايشين إزاي.
التفتّ لفاتن وهي قاعدة جنبي بتفرجني على فستان جديد عايزة تشتريه عشان السفرية الجاية، وبستخسار رهيب في ولادي وكرم غير محدود معاها، طلعت الفيزا وقلت لها: “اطلبي اللي أنتِ عايزاه يا حبيبتي، مفيش حاجة تغلى عليكي”. كنت فاكر إني بكدة اشتريت دماغي وراحتها، ومكنتش أعرف إن اللي بيبيع لحمه ودمه، الدنيا مابتسميش عليه..
وفعلاً، الدنيا مبترحمش اللي بيعميه الغرور ويفتري على لحمه ودمه.
مرت الأيام والشهور، وأنا عايش في غيبوبة السفر والفسح والمنظرة، لحد ما جيه اليوم اللي صحاني على كابوس مكنتش أتخيله. في الشغل، بدأت الأمور تتغير؛ السوق مابقاش زي الأول، والمنافسين بقوا أقوى. جيت في مرة قدمت فكرة مشروع جديد كنت فاكر إنه هيقصر الدنيا وهيجيب أرباح 500% المرة دي، وكنت عمال أحسب عمولتي كام وهسفر فاتن بيها فين.
لكن الصدمة كانت إن المشروع فشل، وفشل فشل ذريع وخسّر الشركة ملايين! رئيس مجلس الإدارة طلبني في مكتبه، ونبرة صوته كانت مختلفة تماماً عن نبرة التشجيع والمدح بتاعة زمان. بصلي ببرود وقالي: “يا بشمهندس، إحنا ياما شيلنا من وراك مكاسب، بس السوق مبيجاملش، والخسارة دي هزت مركز الشركة”.
من يومها، البساط بدأ يتسحب من تحت رجلي. العمولات اللي كانت بتنزلي كل شهر وقفت تماماً، وبقيت عايش على المرتب الأساسي بس.. المرتب اللي ميكفيش خروجة واحدة من خروجات فاتن في الويك إند، ولا يجيب فستان من الفساتين الماركة اللي بتتصور بيها.
بدأت أضيق المصاريف، وكنت بحاول أداري عليها وأبين إن الموضوع كبوة وهتعدي. وفي أول ويك إند بعد الأزمة، دخلت عليها الأوضة وقلت لها بنبرة بحاول أظبطها: “فاتن، إيه رأيك نقضي الويك إند ده في البيت؟ نطلب دليفري ونقعد مع بعض في هدوء، أنا تعبان من الشغل ومحتاج أرتاح”.
ملامح وشها اتلوت في ثانية، وبصتلي بنظرة عدم الرضا اللي كنت دايماً بخاف منها، وقالتلي بتريقة: “نقعد في البيت؟ بشمهندس.. أنت وعاملي فيها رجل أعمال والفيسبوك كله بيتكلم عن سفرياتنا، عايزني أقعد في البيت والناس تقول عليا إيه؟ وبعدين أنا مجهزة الشنط ومكلمة صحابي وقايلالهم إننا مسافرين الساحل!”.
حاولت أفهمها بالراحة: “يا فاتن، الشغل مريح شوية اليومين دول، والسيولة مش قد كده، مش هيموتنا يعني لو ريحنا أسبوعين”.
هنا بقى وشها التاني ظهر بالكامل، النبرة الرقيقة والسحر والضحكة اللي خطفتني اتمحوا، وقالتلي بحدة وعينين حاميين: “لا يموتني يا بشمهندس! أنا متجوزتكش عشان تقعدني في البيت وتقولي السيولة مريحة. أنا فاتن، ومستوايا ماينزلش الأرض عشان خاطر أزماتك.. اتصرف!”.
نزلت من البيت وعقلي هيطير، الإحباط والضغط مخلونيش أفكر.. رحت سحبت من الفيزا كارد كاش، ودخلت في ديون وقروض عشان بس أرضي غرورها وأحافظ على صورتنا قدام الناس على السوشيال ميديا، عشان مشوفش نظرة الاحتقار في عينيها. وبقيت كل شهر أستلف عشان أدفع قسط شقة الكومباوند ومصاريف لبسها وخروجاتها، والرصيد اللي في البنك اتصفر وبقى بالسالب.
لحد ما جيت في يوم، ودخلت المكتب، لقيت قرار رسمي على مكتبي.. الشركة قررت تستغني عني بسبب تراجع أدائي في الفترة الأخيرة ومشاكلي المالية اللي بدأت تسمع في الشغل. الدنيا اسودت في عيني، المكتب والسلطة والبرستيج.. كله ضاع في لحظة.
رجعت البيت وأنا رجلي مش شايلاني، دخلت الشقة لقيت فاتن قاعدة بتتفرج على مجلة موضة وبتشرب قهوتها بروقان. قعدت على الكنبة وحطيت راسي بين إيديا وقلت لها بصوت مخنوق: “فاتن.. أنا اترفدت من الشركة.. كل حاجة راحت.. ومبقاش معايا مليم، والشقة دي مهددين إننا نطرد منها لو مدفعناش باقي الأقساط”.
كنت فاكر، ولو لنسبة واحد في المليون، إنها هتقوم تطبطب عليا، أو تقولي أنا جنبك وهنعدي الأزمة سوا زى ما مراتي الأولى كانت بتعمل زمان لما كنا بنمشي على فيض الكريم.. لكن فاتن سابت المجلة من إيدها، وبصتلي ببرود يقص العمر، وقفت وبكل قسوة قالتلي: “أنت بتقول إيه؟ اترفدت؟ يعني إيه مبقاش معاك فلوس؟”.
قلت لها وعيني فيها رجاء: “أزمة وهتعدي يا فاتن، هدور على شغل جديد، بس اقفي جنبي الفترة دي.. ابيع حتة من شبكتك الألماظ نسدد بيها الديون اللي عليا لحد ما أقف على رجلي”.
ضحكت ضحكة عالية كلها سخرية ومكر، وقالتلي: “أبيع شبكتي؟ أنت أكيد اتجننت! أنا مش واحدة من الستات بتاعة زمان اللي تقعد جنب جوزها في الفقر وتقول يامرحى بالكسرة.. أنا اتجوزت المدير الناجح صاحب السلطة والفلوس، اللي يعيشني ملكة. طالما مبقتش المدير ده، ومبقتش قادر تدفع تمن وجودي في حياتك، يبقى الحكاية دي انتهت”.
وقبل ما استوعب الصدمة، كملت وهي بتمشي ناحية الأوضة تلم هدومها: “ورقتى تتوصل لي على بيت أهلي يا بشمهندس، وشقة الكومباوند دي مش هسيبهالك، دي مكتوبة باسمي زي ما أنا شرطت عليك قبل الجواز.. اشبع بقى بالفقر بتاعك”.
خرجت ورزعت الباب وراها، وسابتني قاعد في الصالة لوحدي.. مذهول، مكسور، ومطحون بين ديون مبترحمش ومستقبل ضاع بالكامل.
بصيت حواليا في الشقة الفاضية، وفجأة، شريط حياتي كله عدى قدام عيني.. افتكرت مراتي الأولى، الست الأصيلة اللي كانت بتفرح بأقل حاجة، اللي كانت بتستحمل معايا الأيام الصعبة بابتسامة ورضا ومن غير ما تطلب فستان ولا سفرية. وافتكرت ولادي.. ولادي اللي رميتهم وحرمتهم من اللقمة والكسوة عشان أغرق واحدة تانية بالهدايا، ولادي اللي عملت لأمهم بلوك عشان مش عايز وجع دماغ.
نزلت دموعي لأول مرة من سنين، دموع قهر وندم بيحرق الصدر.. طلعت الموبايل وإيديا بترعش، ودخلت على قايمة البلوك، وشلت الحظر عن رقم طليقتي.. كنت بتموت من الخزي والكسوف من نفسي، بس مكنش قدامي غيرها. كتبت لها رسالة وصوتي طالع بالعافية مع كل حرف: “أنا أسف.. أنا ضعت.. والدنيا دارت عليا وخدت حقي منى تالت ومتلت”.
فضلت باصص للشاشة ومستني، دقيقة.. اتنين.. عشرة: ومافيش رد
اخدنى الفضول اروح شقتنا القديمه واشوف من بعيد ولادى ومراتى حالتهم ايه دلوقت

 
نزلت من الشقة وأنا مش شايف قدامي، ركبت عربيتي اللي بقت كل ما أملك بعد ما شقة الكومباوند ما ضاعت، ودورتها وأنا إيديا بترعش على الدريكسيون. طول الطريق من الكومباوند لحد منطقتنا الشعبية القديمة، وعقلي عمال يودي ويجيب. كنت بسأل نفسي: “يا ترى عاملين إيه من بعدي؟ أكيد حالهم يصعب على الكافر.. أكيد البيت مبهدل والكسرة باينة على وشوشهم.. ما هو أنا برضه سيبتهم فجأة وقطعت عنهم المية والنور”.
كنت رايح وفي وفيا غريزة أنانية حقيرة، فضول عايز يشوفهم تعبانين عشان ربما أحس إننا كلنا في الهم سوا، أو يمكن أدخل عليهم دور المنقذ اللي راجع ندمان فيحنوا عليا.
وصلت الشارع القديم.. ركنت العربية بعيد شوية، ونزلت. حطيت كاب على راسي ونزلت راسي في الأرض وأنا بقرب من البيت. الشارع هو هو، الدكاكين، صوت البياعين، الجيران اللي عارفينني كويس.. كنت مرعوب حد يلمحني ويشوف الكسرة اللي في عيني بعد ما كنت بتنطط عليهم بمركزي وعربيتي الجديدة.
وقفت في زاوية دارية وبصيت لفوق.. لشباك شقتنا في الدور الثالث.
توقعت أشوف الشباك مقفول، أو عليه تراب، والهم مغيم على البيت. بس الصدمة الأولى اللي خبطت في صدري، إن الشباك كان مفتوح على آخره، والستاير نظيفة ومبهجة وبتتحرك مع الهوا، وصوت ضحك ولادي الصغيرين طالع لحد الشارع!
وقفت مكاني مذهول.. الصوت ده مش صوت عيال جعانة أو مكسورة.
فضلت واقف مستني وعيني على مدخل العمارة، وساعة كاملة عدت وكأنها سنة، لحد ما لقيت باب العمارة بيفتح.. وخرجت هي.. مراتي!
نفسي اتكتم، وضربات قلبي بقت مسموعة لوداني. وقفت أبص عليها وأنا مش مصدق عينيا.. دي مش الست المهملة اللي سيبتها غرقانة في دموعها وبكاها. كانت واقفة بكامل شياكتها وبساطتها، لابسة طقم فورمال شيك جداً ووقور، وشها منور، مفيش فيه علامة واحدة من علامات الكسرة أو الهم اللي كنت متخيل إنهم هيبقوا فيها.
ولادي خرجوا وراها، لبسهم نظيف وشكلهم يفرح، شايلين شنط مدارسهم وبيضحكوا. لمحت الصغير وهو بيمسك إيدها ويقولها بنبرة كلها فخر: “ماما، متتأخريش عليا في النادي النهارده عشان الكابتن قال هيسلمني الحزام الجديد”، ابتسمت بحنان ولفت وشها وطبطبت عليه وقالتله: “حاضر يا حبيب ماما، هخلص الشغل علطول وأجيلك”.
في نفس اللحظة، وقفت قدام باب العمارة عربية تابعة لشركة مشهورة، نزل منها السواق وفتح لها الباب باحترام وقال: “صباح الخير يا أستاذة، البشمهندس مستني حضرتك في مقر الشركة عشان نمضي عقود المشروع الجديد”.
ركبت العربية بكل ثقة، وأولادي ركبوا باص المدرسة اللي وصل وراها علطول.
أنا كنت واقف ورا الشجرة زى الصنم، الدم نشف في عروقي والدنيا لفت بيا. مراتي المنكسرة، الست اللي قفلت في وشها كل الأبواب وعملت لها بلوك عشان مسمعش صوتها وهي بتتحايل على مصاريف الأكل.. نزلت اشتغلت! ووشها نور، وحالتهم بقت أحسن بمليون مرة من غيري.
الدنيا كلها اسودت في عيني وعرفت الحقيقة المرة: هما مكنوش بيموتوا من غيري، هما كانوا بيموتوا “معايا”. ربنا مسبهومش لما أنا رميتهم، بالعكس، ده فتح لهم أبواب الرزق وعوضهم عن كل لحظة جحود شافوها مني، وبقت عيشتهم مرتاحة ومستورة من عرق جبينها وبفضل ربنا.
عرفت في اللحظة دي إني بقيت صفر على الشمال في حياتهم، ماليش أي مكان، ولا حتى نظرة عتاب هشوفها في عينيهم. وقفت أبص على أثر العربية وهي بتختفي من الشارع، وأنا حاسس إني أغبى وأصغر إنسان على وجه الأرض.. بعت الدهب الأصلي اللي كان في إيدي وساندني، عشان أجري ورا قشرة فالسو رمتني في الشارع أول ما فلست.

مشيت ورا العربية وأنا حاسس إن في مغناطيس بيسحبني، عقلي مكنش مستوعب ومكنش عندي غير فكرة واحدة مسيطرة عليا: “إزاي؟ إزاي الست اللي كانت كل طموحها تدير البيت وتكفي طلبات الولاد، توصل للمستوى ده وفي الوقت القصير ده؟” كنت سايق وراهم وأنا حاسس بـإهانة لذكورتي وغروري اللي اتمسح بيهم الأرض، وفي نفس الوقت فضول قاتل عايز يفهم.
العربية فضلت ماشية لحد ما دخلت منطقة راقية، ووقفت قدام مبنى إداري ضخم، واجهة زجاجية بتلمع مكتوب عليها اسم شركة استشارات وتطوير عقاري كبيرة. شفتها وهي بتنزل من العربية بثقتها وبخطوات ثابتة، ودخلت من الباب الزجاجي والأمن بيحييها بـاحترام.
ركنت عربيتي ، وقعدت في مكاني. الساعات كانت بتعدي عليا وأنا باصص على باب الشركة زى المجنون، عقلي عمال يرجع بالزمن.. افتكرت إنها خريجة تجارة، وافتكرت إنها زمان، أول ما اتجوزنا، كانت بتقولي نفسي أعمل دبلومة وأشتغل، وأنا كنت برد ببرود وسخرية: “تشتغلي إيه وتعملي إيه؟ خليكي في بيتك وولادك، هو أنا مأثر معاكي في حاجة؟”. كنت دايماً بهد طموحها وبحسسها إنها متقدرش تعيش من غيري ومن غير قرشي.. ودلوقتي، الدنيا بتلف وتوريني إنها مكنتش محتاجة غير إنها تخلص من وجودي المحبط عشان تنور وتنجح.
النهار بدأ يلملم نفسه، والشمس بدأت تغيب، وموظفين الشركة بدأوا يخرجوا مجموعات. قلبي بدأ يدق بعنف، وجوايا صراع مرعب: “يا ترى هتعمل إيه لما تشوفني؟ يا ترى هتقبل تتكلم معايا أصلاً وتسمعني؟ ولا هتبص لي بـاحتقار وتمشي؟” الإحساس بالخزي كان بيكتفني، بس الرغبة في إني ألاقي أي قشة أتعلق بيها، أو جايز كلمة تصبرني على خيبتي، خلتني أفتح باب العربية وأنزل.
وقفت جنب عمود نور قريب من البوابة، عيني منزلتش من على الباب. وفجأة.. خرجت.
كانت ماشية وبتتكلم مع واحد من زمايلها في الشغل، ماسكة ملفات في إيدها وبتضحك بثقة، الضحكة اللي بقالي سنين ملمحتهاش على وشها. زميلها حياها ومشي، وهي كملت خطواتها لوحدها ناحية الرصيف مستنية نفس العربية اللي جابتها الصبح.
دي كانت فرقتي.. رجلي كانت شايلة جبال وأنا بتحرك ناحيتها. قربت من ضهرها، وصوتي طلع مبحوح، ضعيف، وخايف.. صوت راجل مكسور مبقاش فيه حيل: “رضوى..
شفت كتفها اتهز هزة خفيفة، ووقفت مكانها لثواني. لفت وشها بالراحة، وأول ما عينيها جت في عيني، ملمحتش فيهم الصدمة اللي كنت مستنيها، ولا لمحت الغضب ولا الانتقام.. لمت فيهم حاجة وجعتني أكتر بمليون مرة من الضرب.. لمحت “برود تام”، نظرة هادية لراجل غريب ملوش أي قيمة في حياتها.
بصتلي من فوق لتحت، شافت منظري، لبسي المبهدل، وشي الدبلان، وعيني المكسورة. نزلت الملفات اللي في إيدها بالراحة وقالت بنبرة هادية ومستقرة: “بشمهندس.. خير؟ في حاجة؟”.
الكلمة نزلت عليا زى السك/ينة، مبقتش جوزها، مبقتش أبو عيالها، بقيت مجرد “بشمهندس” غريب واقف في طريقها. بلعت ريقي بالعافية وقلت والتأتأة واكلة لساني: “أنا.. أنا كنت جاي.. جاي أشوفك أنتِ والولاد..
وقفت مكانها، ربعت إيديها وبصتلي بنظرة كلها ثبات، كأنها بتديني الدقيقة الأخيرة فعلاً قبل ما تقفل الباب ده للأبد.
بلعت ريقي وبصيت لوشها المنور، للثقة اللي طالعة من كل حتة فيها، وسألتها والوجع عمال يأكل في قلبي: “إزاي يا رضوى؟ إزاي بقيتي كده وفي الوقت القصير ده؟ أنا سيبتك ست بيت كل همها تربية العيال، إزاي قدرتي تقفي على رجليكي وتوصلي للمكانة دي ومن غير ما تحتاجي لمليم واحد مني؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، بس مكنتش ابتسامة وجع، كانت ابتسامة نصر وقوة، وقالتلي بنبرة هادية وكل حرف فيها بيجلدني: “لما أنت بعدا وظلمتنى .. ربنا مرضاش بالظلم ده. ربنا كبير ومبيسبش حد لجأله يا بشمهندس. أخويا اللي كان مسافر، أول ما عرف باللي عملته وبالمصيبة اللي رمتنا فيها، كلم ناس صحابه هنا وشافوا لي الشغلانة دي. نزلت واشتغلت، ومكنتش بشوف قدامي غير ولادي.. كنت بتحدى نفسي كل يوم إني أنجح وأكبر، مش عشانك ولا عشان أثبت لك حاجة، لأ.. عشان خاطر ولادي، عشان أقدر أوفر لهم حياة كريمة ميكونوش فيها محتاجين لقمة من حد، ولا يستنوا عطف من راجل رماهم عشان يجري ورا شهواته ومظاهره الكدابة.”
أخدت نفس طويل وكملت وهي رافعة راسها للسما: “والحمد لله.. ربنا عوضني عوض كبير أوي، وعايشة مرتاحة ومستورة بعيد عنك وعن قرفك، وولادك كمان بقوا مبسوطين، حياتهم بقت أحسن، دراستهم وناديهم وكل حاجة في حياتهم اتغيرت للأفضل.. والأهم من كل ده، إنهم مش عايزين يشوفوك تاني أبدًا، فيا ريت تبعد عنهم وتنسى إن كان ليك عيال هنا.”
نزلت دموعي وبقيت بتهته: “الولاد؟ الولاد ينسوني يا رضوى؟ دول لحمى ودمى.، أكيد هما مش فاهمين، أكيد أنتِ…”
قاطعتني بحدة هزت الشارع كله، وعينيها لمعت بوجع قديم كانت مخبياه ورا ثباتها، وقالتلي: “أوعى تكون فاكر إنهم في وسط جوعهم وتعبهم مكانوش بيشوفوا صورك! كانوا بيفتحوا الفيسبوك ويشوفوا صور الفسح والسفريات واللبس الغالي اللي بتشتريه للست الجديدة، وكانوا بيسألوني بدموعهم: هو بابا بعد عننا ليه يا ماما؟ إحنا غلطنا في إيه عشان يرمينا الرمية دي ويستخسر فينا اللقمة والدوا؟”
سكتت ثواني وهي شايفاني بنهار وببكي زى العيل الصغير قدامها، وكملت ببرود رجع لملامحها تاني: “أنا كنت بتموت كل يوم وأنا شايفة الأسئلة دي في عينيهم، بس ربنا برد قلبي وقلبهم.. هما دلوقتي كبروا وفهموا، ومبقاش اسمك بيعدي في البيت غير كأنه كابوس وانتهى. لف ضهرك وامشي يا بشمهندس.. وفر دموعك دي لنفسك وللديون اللي وراك، لأن هنا مبقاش ليك غير الندم.”
لفت ضهرها ودخلت مدخل العمارة بخطوات سريعة وثابتة، والباب اتقفل وراها.. اتقفل بالضبة والمفتاح على حياتي كلها. وقفت لوحدي في الضلمة، سامع صدى كلماتها وهو بيتردد في ودني ويقطع في فروة راسي: “إحنا غلطنا في إيه عشان ترمينا كده؟”
ركبت عربيتي وأنا حاسس إني ج..ثة ماشية على الأرض، وعرفت إن عقاب ربنا ونعم العوض ليهم، كان هو الخراب الكامل ليا.
رجعت بيت أهلي وأنا شايل خيبتي فوق ضهري، الشاب اللي خرج من البيت ده في يوم من الأيام وهو مدير ملء السمع والبصر والفلوس في إيديه مش عارف يوديها فين، رجعله مكسور، مطرود، وممعاهوش مليم. البنك مكملش شهر وكان حجز على شقة الكومباوند وكل الأثاث المستورد اللي نقيته فاتن على ذوقها اتمهر بالبند الرسمي؛ مبقاش ليا فيها شبر واحد.
ومع تراكم الديون والمصاريف اللي مابترحمش، كان لازم أتصرف.. مكنش قدامي غير عربيتي المكركبة دي. نزلت شغلت عليها أبليكيشن “أوبر”، وبقيت ألف بيها الشوارع من صباحية ربنا لحد نص الليل. أنا اللي كنت بقعد ورا مكتب وسكرتيرة بتنظم مواعيدي، بقيت قاعد ورا الدريكسيون بستني زبون يركب معايا عشان ألم منه كام قرش أسدد بيهم ديوني وأجيب لقمة أكلها.
وفي يوم من الأيام، وأنا رامت راسي على الدريكسيون من التعب في عز الظهر، الشيطان لعب في دماغي تاني.. وافتكرت فاتن. قلت لنفسي يمكن يكون قلبها حن، أو يمكن تفتكر الأيام والعز اللي عاشته على قفايا، وتقدر بـعلاقاتها ومعارفها في السوق تشوف لي لو حتى شغلانة صغيرة في أي شركة ثانية أقف بيها على رجلي.
طلعت الموبايل وطلبت رقمها.. قلبي كان بيدق وكنت خايف متفصليش، بس لحسن الحظ.. فتحت الخط.
أول ما سمعت صوتها، طلع صوتي ملهوف: “فاتن.. أنا…”
مكملتش الكلمة، ولقيت سيل من الإهانات والشتائم نازل فوق دماغي زى المطرقة، نبرة السحر والدلع اتمحت تماماً وحل مكانها غل وقسوة مسمعتهاش من بشر قبل كده. زعقت في الموبايل بـأعلى صوتها وقالتلي: “أنت لسه ليك عين تتصل يا شحات؟ عايز مني إيه تاني بعد ما خربت بيتك وضيعت نفسك؟ جاي تتلصق فيا عشان أشوف لك شغل؟ أنا فاتن يا بابا، مش مكتب استخدام عاطلين! غورتك دي كانت أسود يوم في حياتي، ومبقتش طايقة أسمع اسمك.. اقفل ومترنش هنا تاني يا فاشل!”.
وقبل ما أطق بكلمة، قفلت السكة في وشي. بس وسط البهدلة دي، وفي وسط كلامها اللي كان طالع زى المدفع، قالت جملة لفتت انتباهي.. قالت إنها سابت الشغل في شركتنا القديمة هي كمان!
عقلي مكنش مجمع، إزاي فاتن تسيب مكانها اللي كانت بتموت فيه؟ لكن الإجابة مجاتش متأخرة. بعد كام يوم، قابلت زميل قديم ليا من الشركة بالصدفة وركب معايا بال زبون، ولما عرف باللي حصلي، اتنهد وقال لي الحقيقة اللي خلتني أضحك من قلبي بـأعلى صوتي وسط دموعي وقهرتي.
قالي: “فاتن متسابتش الشغل بمزاجها يا بشمهندس.. فاتن اِتطردت بفضيحة! أول ما المدير الجديد مسك مكانك، افتكرت إنها هتلعب معاه نفس اللعبة اللي لعبتها معاك. بدأت تتمايل، وتلبس، وتدخل عليه المكتب بحجج كدابة، وفاكرة إن كل الرجالة زيك بتسيل لعابهم قدام المظاهر والستات. بس المدير الجديد ده طلع راجل بجد، وأجدع منك بمليون مرة.. أول ما لمح ألاعيبها ولفها ودورانها، وقفها عند حدها، وطلب لها التحقيق، وطردها برة الشركة كلها عشان يطهر المكان من قرفها”.
قفلت الأبليكيشن وركنت العربية على جنب وأنا حاسس إن في سكاكين بتقطع في صدري. الست اللي بعت العمر والزوجة الأصيلة والولاد عشانها، طلعت بتلف على المكاتب عشان تلاقي مغفل جديد يشتري لها فساتين ويسفرها الساحل، والمدير الجديد اللي ميكملش شهر في مكاني، عرف حقيقتها وطردها في ثواني.. وأنا اللي عشت معاها شهور، كنت عمى، غبي، سلمتها رقبتي وحياتي لحد ما دمرتني.
الحق ظهر، والكل أخد نصيبه تالت ومتلت؛ رضوى ربنا أكرمها ورفعها في السما لـأصالتها، وفاتن ربنا ذلها وانطردت لـجشعها.. وأنا؟ أنا اللي فضلت في الوع المظلم، بين دريكسيون عربيتي وندم بياكل في جثتي كل ما بفتكر إني بإيديا الاتنين، هديت الجنة اللي كانت معايا عشان أشتري جهنم.
بقيت قاعد في العربية، باصص للمراية اللي قدامي ومش عارف الشخص اللي باصص لي ده مين. الراجل اللي في المراية ده وشه دبلان، وعينيه مطفية، وتحتيهم سواد السهر والهم.. ده مش البشمهندس الناجح، ده واحد الدنيا فركته ورمته على الرصيف بعد ما افتكر نفسه ملكش حد قده.
فتحت الأبليكيشن تاني وجالي مشوار. طول ما الزبون راكب معايا ورا وأنا عيني عليه في المراية، بفتكر أيام ما كنت بركب ورا والسواق يفتح لي الباب. سبحان مغير الأحوال، من ملك على عرشه لراجل شغال باليومية عشان يجمع حق بنزين عربية وقسط جمعية.
المشاوير كانت بتاخدني من منطقة لمنطقة، وكل خروجة أو لمة عيلة بشوفها في الشارع بتفكرني باللي ضيعته. لما كان يركب معايا راجل ومعاه مراته وولاده، وصوت ضحكهم مالي العربية، كنت بحس بخنجر بيتغرس في قلبي. بفتكر “رضوى” والولاد.. بفتكر لما كنا بننزل يوم الجمعة نشتري طلبات الأسبوع، وكنا بنفرح بأبسط الحاجات. كنت غرقان في نعم مش حاسس بقيمتها، وعيني زاغت على قشرة كدابة ملهاش أي أصل.
الليل دخل، والشوارع بدأت تفضى، وقررت إن ده يكون آخر مشوار ليا قبل ما أرجع بيت أهلي. المشوار كان رايح منطقتنا القديمة.. الشارع اللي فيه رضوى وولادي.
قلبي بدأ يدق بعنف وأنا بقرب من الشارع. ركنت على جنب بعد ما نزلت الزبون، ومقدرتش أقاوم الفضول إني أبص للمرة الأخيرة. بصيت على شباك شقتنا.. النور كان قايد، وصوت التلفزيون طالع هادي. تخيلتهم جوة، قاعدين متعشيين، والولاد بيعملوا الواجب ورضوى بتساعدهم، عايشين حياتهم في سلام كامل.. سلام أنا كنت العنصر الوحيد اللي بيعكره.
عرفت وتأكدت إن ربنا لما بيقفل باب في وش ظالم، بيفتح أبواب للمظلومين. رضوى مكنتش محتاجة لفلوسي، كانت محتاجة لراجل يقدرها، ولما أنا منعت عنها القرش، ربنا أغناها من وسعه وسخر لها اللي يقف جنبها. وفاتن اللي افتكرت إن جمالها ومكرها هيفتحوا لها كل المكاتب، خبطت في راجل أجدع مني وعلمها إن مش كل الرجالة بتتباع وتشتري بابتسامة كدابة.
دورت العربية وتحركت وأنا بنزل راسي في الأرض. مشيت في شوارع القاهرة والدموع نازلة على خدي، بس المرة دي مكنتش دموع اعتراض، كانت دموع اعتراف بالذنب. أنا اللي كتبت نهايتي بإيديا، وأنا اللي اخترت الطريق ده.. وبقيت عايش بس عشان أشتغل على عربيتي، وأسدد ديوني، وأدعي ربنا كل يوم إنه يسامحني على جحودي، بعد ما بقيت عايش في الدنيا “مجرد عبرة” لكل راجل بيفتري على لحمه ودمه عشان قشرة فالسو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *