زعيم أخطر عائلة حكايات ميراا

زعيم أخطر عائلة في الإسكندرية سلّم أربع نساء بطاقات سوداء بلا حد ائتماني ليختار منهن زوجته… لكن خادمته الممتلئة اشترت الشيء الوحيد الذي لا تستطيع إمبراطوريته تعويضه

 

في تمام الساعة 11:47 مساءً من يوم الإثنين، رفع عمر الدمنهوري مس*دسه نحو المصعد الخاص…

 

ثم تجمد في مكانه.

 

خرجت ندى عبدالسلام من المصعد، لكنها لم تعد ترتدي زي الخادمات الأسود الذي جعل الجميع يتجاهل وجودها طوال ثلاث سنوات.

 

كانت ترتدي معطفًا رماديًا طويلًا فوق فستان كحلي بسيط، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها.

 

وخلفها وقف ستة رجال أمن مدججين بالس*لاح.

 

أما أمامها…

 

فكان حسام عزام، الرجل الذي وثق به عمر أكثر من أي شخص آخر، راكعًا على ركبتيه، ويداه مقيدتان، ووجهه شاحبًا.

 

رفعت ندى إحدى البطاقات السوداء الخاصة بعمر بين إصبعيها وقالت بهدوء:

 

— الستات التانيين اشتروا حاجات افتكروا إنها هتعجبك…

 

ثم نظرت مباشرة في عينيه وأكملت:

 

— أما أنا… فاشتريت السبب اللي خلاك لسه عايش لحد دلوقتي.

 

—

 

قبل ذلك بثلاثة أيام…

 

لم يكن أحد داخل بنتهاوس عمر الدمنهوري يصدق أن ندى تستطيع أن تجعل غرفة مليئة بالرجال المسلحين تصمت.

 

بل إن معظمهم لم يكن يعتقد أنها تفكر أصلًا.

 

كل ما كانوا يرونه…

 

امرأة في التاسعة والعشرين من عمرها.

 

جسدها ممتلئ.

 

يداها خشنتان من المنظفات.

 

وتقضي يومها في حمل سلال الغسيل وصب القهوة وتبديل كؤوس العصير بصمت.

 

لكنهم لم يكونوا يعرفون…

 

أنها تحفظ كل رقم تسمعه.

 

وتقرأ الميزانيات أسرع من كثير من المحاسبين.

 

وأنها درست إدارة الأعمال قبل أن تترك الجامعة لتعتني بوالدتها المريضة.

 

ولأنها فقيرة…

 

وهادئة…

 

وممتلئة…

 

كان الرجال الأقوياء يتحدثون أمامها عن أخطر أسرارهم، وكأنها قطعة أثاث.

 

—

 

في مساء الجمعة…

 

كانت ندى تمسح الغبار عن مكتبة غرفة الطعام عندما وصلت ثلاث سيدات يتنافسن على الزواج من عمر.

 

دخلت أولًا ياسمين فؤاد.

 

ابنة عائلة ثرية ذات نفوذ، طويلة القامة، أنيقة، وترتدي بدلة يتجاوز ثمنها مرتب ندى لعدة أشهر.

 

ثم دخلت داليا شريف.

 

محامية شركات بارعة، خبيرة في إخفاء الأموال داخل شركات وحسابات معقدة.

 

أما الثالثة…

 

فكانت ريم السيوفي.

 

إحدى سيدات المجتمع، وعائلتها تملك علاقات واسعة مع رجال السياسة وكبار المسؤولين.

 

الثلاث جميلات.

 

والثلاث خطيرات.

 

والثلاث مقتنعات أن عمر يحتاج إليهن.

 

—

 

وقف عمر عند رأس الطاولة الزجاجية المطلة على البحر.

 

في الثامنة والثلاثين من عمره، كان يسيطر على شركات شحن، ومقاولات، ومخازن، وموانئ، ومئات الرجال الذين ينفذون أوامره دون نقاش.

 

كان يملك المال…

 

والنفوذ…

 

والأعداء.

 

لكن…

 

لم تكن لديه زوجة.

 

ومنذ وفاة والده، بدأ كبار العائلة يضغطون عليه ليتزوج وينجب وريثًا.

 

كان يكره فكرة أن يتحول الزواج إلى صفقة.

 

فقرر أن يحوله بنفسه إلى صفقة.

 

وضع حقيبة جلدية صغيرة فوق الطاولة.

 

وقال:

 

— أنا ما بثقش في الكلام… الناس بتبان حقيقتها لما يبقى معاها سلطة.

 

ابتسمت ياسمين.

 

— وسلطتنا هتبقى قد إيه؟

 

فتح عمر الحقيبة.

 

بداخلها…

 

أربع بطاقات سوداء.

 

وقال:

 

— مفيش حد ائتماني للبطاقات دي… قدامكم 72 ساعة تشتروا أي حاجة… شركات… عقارات… معلومات… نفوذ… أي شيء.

 

ثم أكمل:

 

— ليلة الإثنين… اللي هتضيف أكبر قيمة لعيلتي… هتبقى مراتي.

 

لمعت عينا داليا.

 

وأمسكت ريم البطاقة الثالثة.

 

ثم توقفت فجأة.

 

— لحظة…

 

رفعت رأسها.

 

— هما أربع بطاقات؟

 

نظر عمر إلى البطاقة الأخيرة.

 

كان يحتفظ بها احتياطًا.

 

لكن عينيه تجاوزتا النساء الثلاث…

 

واستقرتا على ندى.

 

كانت تقف بجوار المكتبة، ممسكة بقطعة قماش التنظيف.

 

خفضت رأسها فورًا.

 

ضحكت ياسمين باستهزاء.

 

— مستحيل تكون بتفكر فيها!

 

لم يرد عمر.

 

ربما ضايقته نبرة السخرية.

 

أو ربما تذكر أن ندى اكتشفت قبل أشهر خطأً محاسبيًا بملايين الجنيهات، ووضعت ملاحظة على مكتبه دون أن تخبر أحدًا.

 

نظر إليها وقال:

 

— ندى.

 

توقفت يدها.

 

— أفندم يا بيه؟

 

— تعالي.

 

اقتربت ببطء، وهي تشعر بنظرات الجميع تخترقها.

 

مد عمر البطاقة الرابعة نحوها.

 

— خديها.

 

اتسعت عيناها.

 

— أنا؟

 

— عندك 72 ساعة.

 

انفجرت ياسمين بالضحك.

 

— أكيد هتشتري بيها جاتوهات!

 

أخفت ريم ابتسامتها.

 

أما داليا فقالت بغضب:

 

— عمر… ده إهانة لينا.

 

أجاب بهدوء:

 

— أنا اديتكم نفس الفرصة… لو ذكاؤكم بيعتمد على إن اللي قدامكم لابس ماركات… يبقى مش ذكاء.

 

نظرت ياسمين إلى ندى من رأسها حتى قدميها وقالت بسخرية:

 

— هي هتقوي العيلة بإيه؟… تشتري تلاجة أكبر؟

 

ساد الصمت.

 

احمر وجه ندى.

 

سمعت مثل هذه الكلمات طوال حياتها.

 

في المدرسة.

 

وفي الشارع.

 

وفي مقابلات العمل.

 

كان الجميع يظنون أن امتلاء جسدها يعني الكسل.

 

وصمتها يعني الغباء.

 

لكن هذه المرة…

 

رفعت رأسها.

 

وقالت بثبات:

 

— هنشوف.

 

اختفت ابتسامة ياسمين.

 

ووضع عمر البطاقة في يد ندى.

 

وقال:

 

— معاكِ لحد ليلة الإثنين… ومتضيعيش الفرصة.

 

أغلقت أصابعها على البطاقة السوداء.

 

وقالت بثقة هادئة:

 

— أوعدك… مش هضيعها.

 

—

 

غادرت النساء الثلاث وهن يجرين اتصالات لا تنتهي.

 

أما ندى…

 

فوضعت أدوات التنظيف في المخزن.

 

وارتدت معطفها.

 

وغادرت القصر.

 

ولأول مرة منذ ثلاث سنوات…

 

شعر عمر أن المكان أصبح مختلفًا بعد خروجها.

 

هز رأسه وطرد الفكرة.

 

ثم دخل مكتبه.

 

كل عملية شراء تتم على أي بطاقة ستظهر فورًا على جهازه المشفر.

 

صب لنفسه كوبًا من الويسكي.

 

وجلس ينتظر.

 

بدأت ياسمين أولًا.

 

اشترت شقة فاخرة بملايين الجنيهات.

 

ثم سيارتين مصفحتين.

 

ثم مجوهرات وملابس باهظة.

 

فهم عمر خطتها.

 

كانت تشتري المظاهر.

 

وفي اليوم التالي…

 

بدأت داليا شراء شركات نقل، ومستودعات، وعقود لوجستية، وحصص في شركات تقنية.

 

أنفقت عشرات الملايين.

 

أما ريم…

 

فانتظرت حتى الأحد.

 

وسددت ديون أحد الشخصيات النافذة.

 

ومولت جهات سياسية.

 

واشترت لوحات فنية نادرة لتكسب نفوذًا على أصحابها.

 

بحلول مساء الأحد…

 

كانت النساء الثلاث قد أنفقن أكثر من أربعين مليون جنيه.

 

أما ندى…

 

فلم تنفق جنيهًا واحدًا.

 

فتح عمر حسابها مرتين.

 

ثم ثلاث مرات.

 

لا توجد أي عملية شراء.

 

ولا حتى ثمن تذكرة مواصلات.

 

دخل حسام المكتب وقال:

 

— شكلها هربت.

 

رفع عمر عينيه عن الشاشة.

 

— سابت كل حاجتها في أوضة الخدم.

 

ابتسم حسام باستخفاف.

 

— أكيد مستخبية في شقتها… وخايفة تصرف فلوسك.

 

ضيّق عمر عينيه.

 

ثم سأله بهدوء:

 

— إنت مهتم بيها أوي كده ليه؟

 

يتبع…

 

#حكايات_ميراا

 

سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ

باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️الجزء الثاني

ابتسم حسام ابتسامة صغيرة، لكنها اختفت بسرعة.

— مجرد استغراب يا باشا… واحدة زي دي تعمل إيه ببطاقة سوداء؟

ظل عمر ينظر إليه لثوانٍ أطول من المعتاد.

ثم قال بهدوء:

— يمكن تعمل حاجة محدش فينا متوقعها.

خرج حسام من المكتب، لكن قلبه كان يدق بعنف.

لأول مرة…

شعر أن عمر بدأ يشك فيه.

في تلك اللحظة…

كانت ندى تجلس داخل مقهى شعبي قديم في حي الأنفوشي.

أمامها رجل تجاوز السبعين، يرتدي جلبابًا بسيطًا ونظارة سميكة.

كان اسمه…

الدكتور سامح الكيلاني.

أحد أشهر مراجعي الحسابات الجنائية في مصر.

اعتزل العمل منذ سنوات بعدما تعرض لمحاولة اغتيال.

وهو الرجل الوحيد الذي كشف قض*ية تهريب كبرى قبل خمسة عشر عامًا.

قال لها وهو يقلب بعض الأوراق:

— متأكدة إنك عايزة تدخلي في اللعبة دي؟

أومأت ندى.

— لو ما دخلتش… هيق*تلوا عمر.

رفع الرجل رأسه فجأة.

— عرفتي منين؟

أخرجت من حقيبتها ورقة صغيرة.

كانت مجرد أرقام…

وتواريخ…

وأسماء سفن.

قالت:

— كنت بنضف مكتب حسام كل يوم.

وأشار إلى الورقة.

— كل مرة كان يرمي قصاصة بعد ما يفرم المستندات… كنت بجمعها وأركبها.

اتسعت عينا الدكتور سامح.

— يعني…

ابتسمت لأول مرة.

— حسام كان فاكر إني خدامة… ومحدش بياخد باله من الخدامين.

بعد ساعات طويلة من مراجعة الأوراق…

قال الدكتور سامح بصوت منخفض:

— المصيبة أكبر مما تتخيلي.

سألته ندى:

— قد إيه؟

تنهد.

— فيه تحويلات بمئات الملايين… وشركات وهمية… والأخطر…

توقف لحظة.

— في شحنة هتوصل ميناء الإسكندرية ليلة الإثنين.

اقتربت منه.

— فيها إيه؟

همس:

— متفجرات.

شحب وجهها.

— مستحيل…

قال بحزم:

— والأوراق كلها بتثبت إن عمر هو المسؤول.

هزت رأسها بعنف.

— عمر ممكن يكون مجرم في حاجات كتير… لكنه عمره ما يق*تل مدنيين.

أجاب الرجل:

— عارف.

ثم أغلق الملف.

— عشان كده… حد بيجهزله النهاية.

في صباح الإثنين…

كانت ياسمين تحتفل بشراء آخر قطعة أرض.

وداليا تنهي صفقة استحواذ ضخمة.

وريم تجلس مع مسؤول كبير في لقاء سري.

أما ندى…

فاتجهت إلى إدارة مكافحة غسل الأموال.

لم تستخدم البطاقة لشراء حقيبة…

ولا سيارة…

ولا شركة.

بل استخدمتها لتوكيل أكبر مكتب تحقيقات مالية خاص في البلاد، ودفع أتعاب فريق كامل يعمل خلال ساعات فقط.

طلبت منهم شيئًا واحدًا:

— عايزة الدليل الكامل… قبل الساعة الحادية عشرة مساءً.

في العاشرة والنصف ليلًا…

وصل التقرير.

أكثر من أربعمائة صفحة.

وتسجيلات.

وحسابات.

وصور.

واعترافات.

واسم واحد يتكرر في كل ملف…

حسام عزام.

الرجل الذي كان يدير إمبراطورية عمر من الداخل…

ويبيعها من الخارج.

وفي تمام الساعة 11:47 مساءً…

رفع عمر الدمنهوري م*سدسه نحو المصعد الخاص.

ثم تجمد.

خرجت ندى بثبات.

وخلفها رجال الأمن.

وأمامها…

كان حسام راكعًا.

صرخ عمر:

— إيه اللي بيحصل هنا؟!

ألقت ندى أمامه الملف الضخم.

ثم رفعت البطاقة السوداء.

وقالت:

— التلاتة اشتروا حاجات ممكن تتباع وتتشرى.

فتحت الصفحة الأولى.

— وأنا اشتريت الحقيقة.

تصفح عمر الأوراق بسرعة.

ومع كل صفحة…

كان وجهه يزداد قسوة.

حتى وصل إلى تسجيل صوتي.

ضغط زر التشغيل.

وانطلق صوت حسام بوضوح:

“أول ما شحنة الإثنين تدخل… الشرطة هتمسك عمر… وأنا هبقى الوريث الوحيد.”

ساد صمت ثقيل.

اقترب عمر ببطء من حسام.

وقال بصوت مخيف:

— من إمتى؟

أخفض حسام رأسه.

— من سنتين.

— وليه؟

ابتسم بمرارة.

— لأنك كنت واثق فيا أكتر من اللازم.

رفع عمر الم*سد*س…

لكن ندى أمسكت بذراعه.

نظر إليها باستغراب.

فقالت بهدوء:

— لو قت*لته… هيبقى شهيد في نظر رجاله.

سكتت لحظة.

ثم أكملت:

— لكن لو سلمته للعدالة بكل الأدلة… هينهار كل اللي بناه ضدك.

ظل ينظر إليها طويلًا.

ثم أنزل المس*دس.

ولأول مرة منذ سنوات…

اختار ألا يالجزء الثالث

 

ظل الصمت يملأ القاعة لعدة ثوانٍ.

 

ثم استدار عمر نحو رجال الأمن وقال بلهجة حاسمة:

 

— خدوه… حي.

 

حاول حسام المقاومة وهو يصرخ:

 

— هتصدقها؟! دي مجرد خدامة!

 

لكن أحد الحراس لكمه بقوة، فسقط على ركبتيه من جديد.

 

نظر عمر إليه بعينين باردتين.

 

— لا… أنا مصدق الأدلة.

 

اقترب منه أكثر وهمس:

 

— والغلط الوحيد اللي عملته… إنك افتكرت إني هفضل أعمى طول عمري.

 

اقتادوه خارج القاعة وسط صمت الجميع.

 

 

—

 

بعد دقائق…

 

دخلت ياسمين، وداليا، وريم بعدما استدعاهن عمر.

 

كانت كل واحدة تحمل ملفًا يثبت الصفقات التي أبرمتها.

 

ابتسمت ياسمين بثقة.

 

— أعتقد إن المنافسة انتهت.

 

وضعت داليا عقود الشركات أمامه.

 

— زودت أصول العيلة بأكتر من ميتين مليون جنيه.

 

أما ريم فقالت بفخر:

 

— النهارده بقى عندنا نفوذ في أماكن عمرنا ما وصلنالها.

 

استمع عمر إليهن دون أن ينطق بكلمة.

 

ثم التفت إلى ندى.

 

— وإنتِ؟

 

وضعت الملف الكبير فوق الطاولة.

 

— أنا ما زودتش ثروة العيلة…

 

سكتت لحظة.

 

— أنا أنقذتها من إنها تختفي.

 

فتح عمر شاشة العرض.

 

ظهرت تسجيلات حسام…

 

التحويلات البنكية…

 

أسماء الشركاء…

 

وخطة الاستيلاء على الإمبراطورية كاملة.

 

تغيرت وجوه النساء الثلاث.

 

همست داليا بصدمة:

 

— لو ده حصل… كل الشركات كانت هتتصادر.

 

وقالت ريم:

 

— إحنا كنا هنضيع.

 

أما ياسمين، التي كانت تسخر من ندى طوال الأيام الماضية، فلم تستطع حتى رفع رأسها.

 

 

—

 

أغلق عمر الشاشة.

 

ثم أمسك البطاقات الأربع.

 

نظر إلى الثلاث بطاقات الأولى…

 

وقطعها بالمقص أمام الجميع.

 

ثم رفع البطاقة الرابعة.

 

بطاقة ندى.

 

وقال:

 

— دي الوحيدة اللي استُخدمت صح.

 

ساد الصمت.

 

ثم أعلن أمام كبار العائلة:

 

— من النهارده…

 

ندى عبدالسلام مش هتكون خدامة.

 

اعتبارًا من دلوقتي…

 

هي المستشارة التنفيذية لمجموعة الدمنهوري.

 

ارتفعت همسات الاعتراض في القاعة.

 

وقف أحد الأعمام غاضبًا.

 

— مستحيل! دي بنت فقيرة!

 

نظر إليه عمر ببرود.

 

— الفقر مش عيب…

 

الغباء هو العيب.

 

وأشار إلى ندى.

 

— كل واحد فيكم كان شايفها خدامة…

 

وهي الوحيدة اللي كانت شايفة الحقيقة.

 

 

—

 

في صباح اليوم التالي…

 

انتشر الخبر في كل شركات المجموعة.

 

الخادمة أصبحت صاحبة ثاني أقوى منصب بعد عمر.

 

البعض رفض تصديق الأمر.

 

والبعض استقال.

 

لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما دخلت ندى أول اجتماع لمجلس الإدارة.

 

لم ترتدِ ثيابًا فاخرة.

 

ولا مجوهرات.

 

ولا حتى حقيبة باهظة.

 

دخلت بنفس هدوئها المعتاد.

 

ثم وقفت أمام شاشة العرض وقالت:

 

— أول قرار…

 

إلغاء عشر شركات وهمية كانت بتسرق أرباح المجموعة.

 

ثاني قرار…

 

إعادة هيكلة الرواتب.

 

ثالث قرار…

 

زيادة مرتبات العمال والخدم بنسبة ثلاثين في المئة.

 

ساد الصمت.

 

ثم بدأ التصفيق…

 

هذه المرة…

 

من الموظفين أنفسهم.

 

أما عمر…

 

فاكتفى بالنظر إليها من بعيد.

 

واكتشف أنه لم يعد يراها كما كانت قبل أيام.

 

لم تعد مجرد امرأة ممتلئة تعمل في صمت…

 

بل أصبحت العقل الذي أنقذ إمبراطوريته.

 

لكن ما لم يكن يعرفه…

 

أن حسام، قبل القبض عليه بساعات، كان قد أرسل رسالة مشفرة إلى شخص مجهول كتب فيها:

 

“الخطة الأولى فشلت… ابدأوا الخطة الثانية… واستهدفوا ندى أولًا.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

كان هاتف ندى يهتز بوصول رسالة من رقم مجهول:

 

“لو عايزة تعيشي… ابعدي عن عمر الدمنهوري قبل فوات الأوان.”

 

يتبع…الجزء الرابع

ظلت ندى تحدق في الرسالة لعدة ثوانٍ.

ثم أغلقت شاشة الهاتف بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث.

لكن عمر لاحظ تغير ملامحها.

— في حاجة؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

— مجرد رقم غلط.

لم يقتنع.

لكنه لم يضغط عليها.

في تلك الليلة…

وبينما كانت ندى تغادر مقر المجموعة بعد منتصف الليل، انطفأت أنوار الجراج بالكامل.

ساد الظلام.

ثم…

دوى صوت إطلاق رصاصة.

ارتطم المقذوف بعمود خرساني على بعد سنتيمترات من رأسها.

تجمدت في مكانها.

وفي اللحظة التالية، اندفع أحد الحراس صارخًا:

— احموا الآنسة ندى!

انطلقت ثلاث سيارات سوداء من الظلام، وفرّ المهاجمون قبل أن يتمكن أحد من رؤية وجوههم.

وصل عمر بعد أقل من دقيقة، بعدما سمع إطلاق النار من مكتبه.

وجد ندى تقف ثابتة، لكنها كانت ترتجف.

خلع سترته ووضعها على كتفيها.

وقال لأول مرة بنبرة لم يسمعها أحد منه:

— حد يقدر يأذيك… لازم يعدي عليّ الأول.

رفعت رأسها ونظرت إليه.

— قلتلك… الموضوع ما خلصش.

في صباح اليوم التالي…

بدأ رجال عمر مراجعة كاميرات المراقبة.

لكن المفاجأة كانت صادمة.

كل التسجيلات الخاصة بالجراج حُذفت قبل الحادث بعشر دقائق.

قال قائد الأمن:

— اللي عمل كده يعرف النظام من جوه.

أغلق عمر الملف بعنف.

— يعني لسه في خاين.

في الوقت نفسه…

داخل زنزانته، كان حسام يبتسم.

دخل إليه رجل يرتدي بدلة رسمية، يحمل تصريحًا رسميًا بالزيارة.

جلس أمامه وقال بصوت منخفض:

— فشلت.

ابتسم حسام بثقة.

— كنت عارف إن عمر هينجو.

— إذًا ليه مبتسم؟

أجاب وهو يسند ظهره إلى الحائط:

— لأن عمر لسه فاكر إنه كسب.

اقترب الزائر أكثر.

— الخطة التانية بدأت.

— وهو لسه ما يعرفش مين اللي بيمولها.

في المساء…

كانت ندى تراجع ملفات قديمة داخل مكتب عمر.

لفت انتباهها ملف أصفر مغبر مكتوب عليه:

“حادث ميناء الإسكندرية… قبل 18 سنة.”

فتحته بدافع الفضول.

توقفت أنفاسها.

الصورة الأولى كانت لرجل شاب.

اسمه…

عبدالسلام محمود.

والدها.

شهقت وهي تهمس:

— مستحيل…

دخل عمر في تلك اللحظة.

رآها تمسك بالصورة.

وتغير وجهه فجأة.

قال بصوت خافت:

— إنتِ عرفتي؟

رفعت الصورة أمامه، وعيناها تمتلئان بالدموع.

— إيه علاقة أبويا بعيلتكم؟

ساد صمت ثقيل.

ثم جلس عمر ببطء وقال:

— لأن موت أبوكي…

كان السبب الحقيقي اللي خلاني أوصل للمكان اللي أنا فيه.

شحب وجه ندى.

— يعني… أنتم اللي قت*لتوه؟

أغمض عمر عينيه للحظة.

ثم قال:

— الحقيقة… أعقد بكتير من اللي إنتِ متخيلاه.

وفي اللحظة نفسها…

رن هاتف عمر.

نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه.

المتصل كان يحمل اسمًا لم يظهر منذ ثمانية عشر عامًا…

“فارس الدمنهوري.”

الرجل الذي أعلنت العائلة موته منذ سنوات.

ضغط عمر على زر الرد.

فجاءه صوت هادئ من الطرف الآخر:

— وحشتني يا ابن عمي…

واضح إن الوقت جه عشان أرجع آخد كل حاجة… بما فيها الإمبراطورية… وندى.

يتبع…الجزء الخامس

تجمد عمر وهو يمسك الهاتف.

لم ينطق بكلمة.

أما الصوت في الطرف الآخر فتابع بابتسامة باردة:

— واضح إنك مصدوم… طبيعي، لأنك بنفسك حضرت عزائي من تمنتاشر سنة.

أغلق الخط.

بقي عمر ينظر إلى الشاشة وكأنها ستشرح ما حدث.

سألته ندى بقلق:

— مين فارس؟

أخذ نفسًا طويلًا، ثم قال:

— الراجل اللي المفروض يكون ميت… والوريث الحقيقي لعيلة الدمنهوري.

قبل ثمانية عشر عامًا…

لم تكن إمبراطورية الدمنهوري ملكًا لعمر.

كانت ملكًا لعمه، والد فارس.

لكن في إحدى الليالي، انفجرت يخت العائلة في عرض البحر.

اختفى الأب والابن.

وعُثر على ج*ثث متفحمة قيل إنها تعود لهما.

منذ ذلك اليوم…

انتقلت القيادة إلى والد عمر.

ثم، بعد وفاته، أصبحت الإمبراطورية في يد عمر.

قالت ندى وهي تحاول استيعاب الأمر:

— يعني… لو فارس عايش، يبقى ليه حق في كل حاجة.

أجاب عمر:

— بالضبط… وده اللي مخوفني.

في اليوم التالي…

وصل إلى مقر المجموعة صندوق خشبي فاخر.

لا يحمل اسم المرسل.

فتح الحراس الصندوق بحذر.

وفي الداخل…

وجدوا ساعة يد قديمة.

شهق عمر.

كانت ساعة والده.

الساعة التي دُفنت معه.

وتحتها ورقة واحدة مكتوب عليها:

“الماضي عمره ما بيموت.”

في مساء اليوم نفسه…

طلب عمر من ندى أن ترافقه إلى مخزن قديم في منطقة الميناء.

قال لها:

— فيه حاجة لازم تشوفيها بنفسك.

فتح بابًا حديديًا صدئًا.

ثم أشعل الأنوار.

كانت الغرفة مليئة بصناديق وملفات قديمة.

اقترب من خزانة حديدية وأخرج ملفًا سميكًا.

وضعه أمام ندى.

— ده تحقيق سري… اتقفل من سنين.

بدأت تقلب الصفحات.

ثم توقفت عند صورة مألوفة.

كانت صورة والدها…

لكنه لم يكن عاملًا بسيطًا كما كانت تظن.

كان ضابطًا سريًا يعمل مع جهة رقابية، ومكلفًا باختراق شبكة تهريب ضخمة داخل الميناء.

همست بصدمة:

— أبويا… كان ضابط؟

هز عمر رأسه.

— وكان أقرب واحد كشف الحقيقة.

— إيه الحقيقة؟

تنهد عمر وقال:

— إن اللي كان بيمول عمليات التهريب… مش عيلة الدمنهوري.

اتسعت عيناها.

— أمال مين؟

رد بهدوء:

— فارس.

في اللحظة نفسها…

داخل فيلا مهجورة على أطراف الإسكندرية…

جلس رجل في الأربعينيات أمام شاشة كبيرة.

كان يحمل ندبة طويلة على وجهه.

ابتسم وهو يشاهد كاميرات المراقبة المزروعة سرًا داخل مخزن عمر.

ثم قال لمن حوله:

— أخيرًا… عرفوا نص الحقيقة.

سأله أحد رجاله:

— والنص التاني؟

ابتسم ابتسامة مخيفة.

— إن ندى… هي آخر شخص كان أبوها مخبيله الدليل الحقيقي.

تجمد الرجل الآخر.

— يعني هي معاها الدليل؟

أجاب فارس وهو ينهض:

— لا…

ثم نظر إلى صورة قديمة تجمع طفلة صغيرة بوالدها.

— لكنها من غير ما تعرف… الدليل مستخبي في مكان عمره ما هيتفتش.

وفي اللحظة نفسها…

كانت ندى تتذكر شيئًا قاله لها والدها قبل وفاته وهي في الحادية عشرة من عمرها:

“لو حصل لي حاجة… أوعي تفرطي في السلسلة اللي في رقبتك… دي أغلى من أي كنز.”

وضعت يدها على رقبتها.

وتجمدت…

لأن السلسلة التي لم تخلعها منذ طفولتها…

كانت لا تزال معلقة حول عنقها.

يتبع…الجزء السادس

 

وضعت ندى يدها على السلسلة المعلقة حول رقبتها.

 

كانت سلسلة فضية بسيطة، باهتة من كثرة السنين.

 

لم تفكر يومًا في قيمتها.

 

كانت مجرد ذكرى من والدها.

 

لاحظ عمر ارتباكها.

 

— مالك؟

 

ابتلعت ريقها وقالت بصوت مرتجف:

 

— أبويا… قبل ما يموت، قالي ما أقلعهاش أبدًا.

 

مد عمر يده.

 

— وريني.

 

خلعتها لأول مرة منذ ثمانية عشر عامًا.

 

قلّبها بين أصابعه.

 

ثم توقف فجأة.

 

في الجزء الخلفي من القلادة كان هناك نقش صغير جدًا.

 

A-17

 

ضيّق عينيه.

 

— ده مش رقم عشوائي.

 

 

—

 

في أقل من ساعة…

 

كانت السلسلة على طاولة خبير معادن.

 

فحصها بعدسة مكبرة، ثم ابتسم.

 

— دي مش سلسلة عادية.

 

ضغط بإبرة دقيقة على النقش.

 

صدر صوت “تك.”

 

وانفتح الجزء الداخلي للقلادة.

 

شهقت ندى.

 

كان بداخلها شريحة إلكترونية صغيرة جدًا.

 

أصغر من ظفر الإصبع.

 

قال الخبير:

 

— اللي صنع دي محترف جدًا.

 

أمسك عمر بالشريحة بحذر.

 

— شغلوها.

 

 

—

 

بعد دقائق…

 

ظهرت على الشاشة ملفات مشفرة.

 

احتاج فريق التقنية إلى نصف ساعة لفك أول طبقة من الحماية.

 

ثم ظهرت مئات المستندات.

 

عقود.

 

صور.

 

تحويلات مالية.

 

وتسجيل فيديو واحد.

 

ضغط عمر على تشغيله.

 

ظهر والد ندى.

 

كان يبدو مرهقًا، لكنه كان يبتسم.

 

قال أمام الكاميرا:

 

“لو بتشوفوا التسجيل ده… يبقى أنا غالبًا مت.”

 

بدأت دموع ندى تنزل بصمت.

 

تابع والدها:

 

“ندى… لو إنتِ اللي وصلتي للشريحة، يبقى عرفتي إن كل اللي اتقال عني كذب.”

 

“أنا ما كنتش خاين… وما كنتش مهرب.”

 

“أنا كنت بجمع أدلة ضد أكبر شبكة فساد في البلد.”

 

ثم صمت للحظة.

 

وقال الجملة التي غيّرت كل شيء:

 

“اللي ق*تلني… مش فارس.”

 

نظر عمر إلى الشاشة بذهول.

 

همست ندى:

 

— أمال مين؟

 

أكمل والدها:

 

“اللي ق*تلني… واحد من عيلة الدمنهوري.”

 

ساد الصمت داخل الغرفة.

 

 

—

 

في اللحظة نفسها…

 

رن هاتف عمر.

 

جاءه اتصال من قائد الأمن.

 

صرخ الرجل من الطرف الآخر:

 

— باشا… كارثة!

 

— إيه؟

 

— حد اقتحم المقبرة الرئيسية للعيلة.

 

وقف عمر فجأة.

 

— سرقوا إيه؟

 

جاء الرد الذي جعل الدم يتجمد في عروقه:

 

— قبر والد حضرتك… فاضي.

 

نظر عمر إلى ندى.

 

ونظرت إليه هي الأخرى.

 

إذا كان القبر فارغًا…

 

فمن الذي دُفن قبل ثمانية عشر عامًا؟

 

وفي مكان مجهول…

 

كان فارس يراقب الأخبار على شاشة كبيرة.

 

ثم ابتسم وقال:

 

— دلوقتي… اللعبة بدأت بجد.

 

يتبع…الجزء السابع

 

ساد صمت ثقيل داخل السيارة.

 

كان عمر يقود بأقصى سرعة نحو مقابر العائلة، بينما ظلت ندى تحدق في الطريق دون أن تنطق.

 

لم تستطع استيعاب ما يحدث.

 

والدها لم يكن خائنًا.

 

قاتله ليس فارس.

 

وقبر والد عمر… فارغ.

 

عندما وصلا، كانت الشرطة قد فرضت طوقًا أمنيًا حول المقبرة.

 

اقترب عمر من الضابط المسؤول.

 

— مين أول واحد دخل؟

 

رد الضابط:

 

— الغريب إن مفيش أي آثار كسر… اللي فتح المقبرة كان معاه المفتاح الأصلي.

 

تبادل عمر وندى النظرات.

 

هذا يعني شيئًا واحدًا…

 

الخائن ما زال داخل العائلة.

 

 

—

 

دخل عمر إلى المقبرة بنفسه.

 

اقترب من التابوت المفتوح.

 

كان فارغًا تمامًا.

 

لكن في قاعه…

 

وجد ورقة مطوية بعناية.

 

فتحها ببطء.

 

لم يكن عليها سوى سطر واحد:

 

“ابحث عن الحقيقة تحت أول حجر وُضع في الإمبراطورية.”

 

انعقد حاجباه.

 

همست ندى:

 

— تقصد إيه؟

 

أجاب بصوت خافت:

 

— أول حجر… يعني أول مكان بدأ منه كل شيء.

 

ثم اتسعت عيناه فجأة.

 

— المخزن القديم في ميناء الإسكندرية.

 

 

—

 

بعد أقل من ساعة…

 

وصل الاثنان إلى المخزن الذي أسسه جد عمر قبل أكثر من خمسين عامًا.

 

كان مهجورًا منذ سنوات.

 

وبينما كان الحراس يفتشون المكان…

 

لاحظت ندى حجرًا رخاميًا مختلف اللون عند المدخل.

 

ركعت على الأرض.

 

ولما طرقت عليه بقبضتها، صدر صوت أجوف.

 

قالت:

 

— عمر… الحجر ده تحته فراغ.

 

أمر بإحضار المعدات.

 

وبعد دقائق…

 

رُفع الحجر.

 

لتظهر أسفله علبة معدنية محكمة الإغلاق.

 

فتحها عمر ببطء.

 

وفي الداخل…

 

وجد دفترًا جلديًا قديمًا.

 

كان مكتوبًا على غلافه:

 

“مذكرات فؤاد الدمنهوري.”

 

والد عمر.

 

فتح أول صفحة.

 

وتجمد مكانه.

 

كانت أول جملة تقول:

 

> “إذا قرأ أحد هذا الدفتر… فاعلموا أنني ارتكبت أكبر خطأ في حياتي.”

 

 

 

بدأ يقلب الصفحات بسرعة.

 

حتى وصل إلى الاعتراف الذي قلب كل شيء:

 

> “لم أق*تل والد ندى… لكنني كنت أعرف من ق*تله… وسكت.”

 

 

 

سقط الدفتر من يد عمر.

 

همست ندى والدموع في عينيها:

 

— يعني… كان يعرف الحقيقة طول السنين دي؟

 

أغلق عمر عينيه بألم.

 

— وأخذها معاه للقبر…

 

لكن القبر نفسه…

 

كان فارغًا.

 

وفجأة…

 

انطفأت أنوار المخزن بالكامل.

 

ثم دوى تصفيق بطيء في الظلام.

 

صوت رجل قال بابتسامة ساخرة:

 

— أخيرًا وصلتوا للنص التاني من الحقيقة…

 

اشتعل كشاف قوي في آخر المخزن.

 

وقف رجل طويل القامة ببدلة سوداء، وخلفه عشرات المسلحين.

 

كانت الندبة الطويلة على وجهه واضحة.

 

ابتسم وقال:

 

— اتعرفنا أخيرًا…

 

أنا فارس الدمنهوري.

 

ثم نظر مباشرة إلى ندى وقال:

 

— ووالدك مات… لأنه رفض يسلمني إنتِ.

 

تجمدت ندى.

 

أما عمر…

 

فرفع مس*دسه ببطء، وهو يدرك أن المواجهة التي انتظرها ثمانية عشر عامًا قد بدأت.

 

يتبع…الجزء الثامن

 

رفع عمر مس*دسه مباشرة نحو فارس.

 

لكن فارس لم يتحرك.

 

بل ابتسم بثقة، وكأنه كان يتوقع ذلك.

 

قال بهدوء:

 

— لو كنت ناوي تضرب النار… كنت عملتها أول ما شفتني.

 

رد عمر ببرود:

 

— جربني.

 

ضحك فارس ضحكة قصيرة.

 

ثم أشار بيده.

 

خرج من بين رجاله رجل مسن تجاوز السبعين.

 

كان يسير بصعوبة مستندًا إلى عصاه.

 

ما إن وقع نظر عمر عليه حتى شحب وجهه.

 

همس بصوت مخنوق:

 

— عمي… فؤاد؟!

 

تجمد الجميع.

 

الرجل الذي أعلنت العائلة وفاته منذ ثمانية عشر عامًا…

 

كان يقف حيًا أمامهم.

 

تقدمت ندى خطوة إلى الخلف من شدة الصدمة.

 

أما الرجل العجوز فقال بصوت متعب:

 

— لا تضرب يا عمر… لأن الحقيقة مش زي ما إنت فاكر.

 

 

—

 

صرخ عمر:

 

— إزاي؟!

 

— كنت عايش فين كل السنين دي؟

 

تنهد الرجل وأجاب:

 

— كنت سجين…

 

لكن مش في سجن حكومة.

 

في سجن عمله فارس بنفسه.

 

نظر عمر إلى فارس بغضب.

 

— كنت مخبيه؟

 

ابتسم فارس بلا اكتراث.

 

— كان لازم… لأنه الوحيد اللي يعرف السر كله.

 

 

—

 

أخرج فارس جهازًا صغيرًا من جيبه.

 

ضغط زرًا.

 

فظهرت على شاشة محمولة صورة قديمة.

 

كانت الصورة لندى وهي طفلة في الحادية عشرة، تقف بجوار والدها.

 

قال فارس وهو ينظر إليها:

 

— والدك ما كانش بيحمي ملفات…

 

كان بيحمي شخص.

 

أشار إليها بإصبعه.

 

— إنتِ.

 

ارتبكت ندى.

 

— أنا؟

 

— والدك اكتشف شبكة فساد دولية… ولما عرفوا إنه جمع الأدلة، قرروا يقت*لوه.

 

سكت لحظة.

 

ثم أكمل:

 

— لكنه قبل ما يموت خبّى الدليل… وخبّى معاكي مفتاح الوصول ليه.

 

قال عمر بحدة:

 

— السلسلة.

 

هز فارس رأسه.

 

— لا…

 

السلسلة كانت مجرد أول مفتاح.

 

أما المفتاح الحقيقي…

 

ففي مكان مستحيل حد يشك فيه.

 

 

—

 

تقدمت ندى بخطوة.

 

— لو إنت عارف كل ده… ليه مطاردني؟

 

نظر إليها فارس طويلًا.

 

ثم قال:

 

— لأن اللي بيدوروا على الدليل مش أنا.

 

ساد الصمت.

 

أكمل بصوت منخفض:

 

— أنا من سنين بحاول أوصل لهم قبلك.

 

قطب عمر حاجبيه.

 

— يعني إيه؟

 

أجاب فارس:

 

— فيه منظمة أكبر من أي عيلة… وأكبر من أي إمبراطورية.

 

اللي قت*ل أبوها…

 

واللي حاول يقت*لني…

 

واللي خطف أبوك…

 

كلهم شغالين لحساب نفس الجهة.

 

وقبل أن ينطق أحد…

 

دوى انفجار هائل هز المخزن كله.

 

تطاير الزجاج في كل اتجاه.

 

وسقط السقف الخشبي على جزء من المكان.

 

صرخ أحد الحراس:

 

— قناصة فوق المخازن!

 

انطلقت الرصاصات كالمطر.

 

أمسك عمر بيد ندى وألقاها خلف حائط خرساني قبل أن تخترق رصاصة المكان الذي كانت تقف فيه بثانية واحدة.

 

بين الدخان والغبار…

 

اختفى فارس.

 

ولم يبقَ في مكانه سوى جهاز صغير يومض بضوء أحمر.

 

صرخت ندى:

 

— عمر… الجهاز!

 

نظر إليه…

 

واتسعت عيناه.

 

كان مؤقتًا.

 

00:09… 00:08… 00:07…

 

قنبلة مزروعة في قلب المخزن.

 

يتبع…الجزء التاسع

 

00:06…

 

تجمدت الأنفاس.

 

صرخ أحد الحراس:

 

— قنبلة!

 

لكن عمر اندفع دون تردد نحو الجهاز.

 

أمسكه بيده، ثم نظر بسرعة إلى الأسلاك.

 

أحمر… أزرق… أسود.

 

لم يكن خبير متفجرات.

 

وأي خطأ…

 

سينهي حياة الجميع.

 

قالت ندى فجأة:

 

— استنى!

 

نظر إليها باستغراب.

 

ركعت بجوار القنبلة، وحدقت في اللوحة الإلكترونية.

 

ثم همست:

 

— دي مش قنبلة عسكرية…

 

دي معمولة مخصوص.

 

— عرفتي منين؟

 

أشارت إلى رمز صغير على اللوحة.

 

— الشركة دي كانت بتورد أنظمة أمان للميناء… وأنا شفت الشعار في ملفات أبويا.

 

00:04…

 

أغلقت عينيها للحظة.

 

ثم ضغطت زرًا صغيرًا مخفيًا أسفل الجهاز.

 

توقف العد التنازلي عند:

 

00:02

 

ساد الصمت.

 

ثم انطفأ الضوء الأحمر.

 

تنفس الجميع الصعداء.

 

 

—

 

بعد دقائق…

 

قال قائد الأمن:

 

— المكان بقى آمن يا باشا.

 

لكن عمر لم يكن ينظر إلى القنبلة.

 

كان ينظر إلى ندى.

 

قال بهدوء:

 

— إنتِ أنقذتي حياتنا للمرة التانية.

 

ابتسمت ابتسامة متعبة.

 

— يمكن دي أول مرة حظي يبقى حلو.

 

رد وهو يهز رأسه:

 

— لا…

 

ده مش حظ.

 

ده ذكاء.

 

 

—

 

في أثناء تفتيش المخزن…

 

وجد أحد الحراس حقيبة سوداء سقطت أثناء الانفجار.

 

فتحها.

 

كانت بداخلها ملفات وجهاز حاسوب محمول.

 

شغّل خبير التقنية الجهاز.

 

ظهرت خريطة كبيرة للإسكندرية.

 

وعليها عشرات النقاط الحمراء.

 

سأل عمر:

 

— دي إيه؟

 

رد الخبير وقد تغير وجهه:

 

— دي مش مخازن…

 

دي أماكن رجال المنظمة.

 

ثم فتح ملفًا آخر.

 

ظهرت قائمة بأسماء كثيرة.

 

وزراء سابقون.

 

رجال أعمال.

 

ضباط فاسدون.

 

وأصحاب شركات.

 

لكن اسمًا واحدًا جعل عمر يتجمد.

 

“سليم الدمنهوري.”

 

رفع رأسه ببطء.

 

همس:

 

— مستحيل…

 

كان سليم…

 

عمه الأصغر.

 

الرجل الذي رباه بعد وفاة والده.

 

والذي وقف بجواره في كل خطوة.

 

قالت ندى وهي تنظر إلى الاسم:

 

— يمكن يكون تشابه أسماء.

 

لكن عمر كان يعرف الحقيقة.

 

لا يوجد في العائلة سوى سليم واحد.

 

 

—

 

في تلك اللحظة…

 

داخل قصر الدمنهوري…

 

كان سليم يجلس وحده في مكتبه.

 

دخل عليه أحد رجاله.

 

— يا باشا… فارس فشل.

 

ابتسم سليم بهدوء وهو يصب كوبًا من الشاي.

 

— كنت عارف.

 

— نعمل إيه؟

 

فتح درج مكتبه.

 

وأخرج صورة قديمة.

 

كانت تجمع عمر وهو طفل صغير…

 

واقفًا بجوار سليم.

 

نظر إليها طويلًا.

 

ثم قال:

 

— جه الوقت اللي يعرف فيه الحقيقة…

 

إن أنا…

 

مش عمه.

 

أنا أبوه الحقيقي.

 

وفي الخارج…

 

كان هاتف عمر يرن.

 

وصلته رسالة مجهولة تحتوي على تحليل DNA مرفق.

 

وتحته عبارة واحدة:

 

“ابدأ بسؤال أمك… إذا كانت ما زالت تجرؤ على الكذب.”

 

يتبع…الجزء العاشر

 

ظل عمر يحدق في نتيجة تحليل الـDNA على شاشة هاتفه.

 

لم يستطع استيعاب ما يراه.

 

رفعت ندى الهاتف من يده، وقرأت الرسالة مرة أخرى.

 

ثم قالت بهدوء:

 

— أي حد يقدر يزوّر تقرير زي ده.

 

أغلق عمر الهاتف.

 

— عشان كده… مش هصدق غير لما أسمع الحقيقة من أمي.

 

 

—

 

بعد ساعة…

 

توقفت السيارة أمام القصر القديم الذي تعيش فيه والدة عمر.

 

كانت السيدة ليلى الدمنهوري قد تجاوزت الستين، لكنها ما زالت تحتفظ بهيبتها.

 

ما إن رأت ابنها حتى ابتسمت.

 

لكن ابتسامتها اختفت عندما لاحظت ملامحه.

 

قال مباشرة:

 

— عايز أعرف الحقيقة.

 

نظرت إليه باستغراب.

 

— حقيقة إيه؟

 

ألقى الهاتف أمامها.

 

وقعت عيناها على تقرير الـDNA.

 

ارتعشت يدها.

 

ولأول مرة منذ سنوات…

 

بدأت تبكي.

 

جلس عمر أمامها.

 

— قوليلي… سليم عمي؟

 

أغمضت عينيها.

 

ثم همست:

 

— لا…

 

حبس عمر أنفاسه.

 

— يبقى مين؟

 

قالت بصوت مكسور:

 

— هو أخو أبوك…

 

ورباك كأنه ابنه…

 

لكن التقرير ده مزور.

 

تنفس عمر الصعداء، لكنه لاحظ أنها ما زالت تخفي شيئًا.

 

قال بحزم:

 

— لسه في حاجة.

 

سكتت طويلًا.

 

ثم قالت:

 

— أبوك الحقيقي مات فعلًا…

 

لكن موته ما كانش حادث.

 

كان اغتيال.

 

واللي أمر بق*تله…

 

هو رئيس المنظمة اللي أبو ندى كان بيحقق معاها.

 

شعرت ندى بقشعريرة تسري في جسدها.

 

تشابكت خيوط القصتين أخيرًا.

 

اغتيال والدها…

 

واغتيال والد عمر…

 

كانا جزءًا من المؤامرة نفسها.

 

 

—

 

في تلك اللحظة…

 

دخل أحد الحراس مسرعًا.

 

— باشا… في مشكلة.

 

التفت عمر إليه.

 

— إيه؟

 

— لقينا رسالة قدام بوابة القصر.

 

فتح الظرف.

 

وفي داخله صورة حديثة.

 

التُقطت قبل دقائق فقط.

 

كانت الصورة تُظهر ندى وهي تدخل القصر.

 

وفي أسفلها عبارة مكتوبة بخط أحمر:

 

“عرفنا مكانها… الدور عليها الليلة.”

 

رفع عمر رأسه بسرعة.

 

ثم أصدر أوامره بصوت حاد:

 

— اقفلوا كل المداخل… محدش يدخل أو يخرج.

 

لكن قبل أن ينهي كلامه…

 

انطفأت كهرباء القصر بالكامل.

 

ثم دوى صوت انفجار عند البوابة الرئيسية.

 

وتبعه صوت إطلاق نار كثيف.

 

صرخ قائد الحرس:

 

— اقتحموا القصر!

 

أمسك عمر بيد ندى وقال:

 

— المرة دي… مش هسيبك لوحدك أبدًا.

 

وبينما كانا يتجهان نحو الممر السري أسفل القصر…

 

كان شخص مجهول يراقبهما عبر كاميرا صغيرة مزروعة في الثريا.

 

ابتسم وقال في جهاز الاتصال:

 

— الهدف اتحرك…

 

ابدأوا المرحلة الأخيرة.

 

يتبع…الجزء الحادي عشر

 

دوّى إطلاق النار في أنحاء القصر، وتحطمت النوافذ تحت وابل الرصاص.

 

أمسك عمر بيد ندى بقوة، وقادها نحو لوحة زيتية كبيرة في نهاية الممر.

 

أدار شمعدانًا نحاسيًا مثبتًا بجانبها.

 

صدر صوت احتكاك قديم.

 

وتحرك الحائط ببطء، كاشفًا عن ممر سري لم يُفتح منذ سنوات.

 

قال عمر وهو يغلق الباب خلفهما:

 

— الممر ده بناه جدي وقت الحروب… محدش يعرفه غير أفراد العيلة.

 

لكن ندى توقفت فجأة.

 

— لأ…

 

نظر إليها باستغراب.

 

— إيه؟

 

أشارت إلى الأرض.

 

كانت هناك آثار أقدام حديثة فوق طبقة الغبار.

 

همست:

 

— حد استخدمه قبلنا.

 

شحب وجه عمر.

 

إذا كان أحد يعرف الممر…

 

فهذا يعني أن الاختراق أعمق مما تخيل.

 

 

—

 

سارا بحذر حتى وصلا إلى غرفة حجرية صغيرة.

 

في منتصفها خزانة حديدية ضخمة.

 

أدخل عمر مفتاحًا قديمًا كان يحمله في سلسلة حول عنقه.

 

فتح الباب.

 

لكن الخزانة…

 

كانت فارغة.

 

لم يبقَ فيها سوى ظرف أبيض.

 

فتحته ندى بسرعة.

 

وجدت بداخله ورقة واحدة مكتوب عليها:

 

> “كنت متأكد إنك هتيجي هنا يا عمر… لكنك دايمًا متأخر خطوة.”

 

 

 

وفي أسفل الرسالة…

 

توقيع واحد:

 

سليم.

 

قبض عمر على الورقة حتى كادت تتمزق.

 

— يعني هو اللي سبقنا.

 

 

—

 

في تلك اللحظة…

 

رن هاتف ندى.

 

رقم مجهول.

 

ترددت للحظة، ثم أجابت.

 

جاءها صوت رجل عجوز:

 

— يا ندى… اقفلي السماعة ومتتكلميش.

 

تجمدت.

 

عرفت الصوت فورًا.

 

كان يشبه صوت والدها بشكل لا يُصدق.

 

تابع الرجل:

 

— لو عايزة تعرفي مين ق*تل أبوكي بجد… روحي لمحطة قطار سيدي جابر الساعة ستة الصبح… وتعالي لوحدك.

 

انقطع الاتصال.

 

نظر إليها عمر.

 

— مين كان؟

 

ترددت للحظة…

 

ثم قالت الحقيقة.

 

ساد الصمت.

 

قال عمر بحزم:

 

— مستحيل تروحي لوحدك.

 

لكن ندى هزت رأسها.

 

— لو اللي اتصل عايز يأذيني… كان عملها من زمان.

 

ثم أضافت:

 

— يمكن دي أول مرة نقرب من الحقيقة.

 

 

—

 

وفي مكان آخر…

 

داخل غرفة مظلمة مليئة بالشاشات…

 

كان سليم يراقب تسجيلات الكاميرات.

 

دخل عليه فارس.

 

— سيبتهم يهربوا؟

 

ابتسم سليم.

 

— طبعًا.

 

قطب فارس حاجبيه.

 

— ليه؟

 

اقترب سليم من النافذة.

 

ثم قال بهدوء:

 

— لأنهم رايحين بنفسهم للمكان اللي أنا عايزهم يوصلوله.

 

وفي الشاشة المقابلة…

 

ظهرت صورة محطة سيدي جابر…

 

وبجانبها عدٌّ تنازلي.

 

09:13:42

 

وكأن شيئًا خطيرًا سيحدث مع انتهاء الوقت.

 

يتبع…الجزء الثاني عشر

 

لم يغمض لعمر جفن طوال الليل.

 

كان يجلس في غرفة المراقبة بالقصر، بينما كانت ندى تنظر من النافذة إلى أول خيوط الفجر.

 

عند الخامسة والنصف صباحًا، قالت بهدوء:

 

— أنا رايحة.

 

وقف عمر فورًا.

 

— قلت لك مش هتروحي لوحدك.

 

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

 

— ولو الشخص ده شافك معايا… ممكن يختفي للأبد.

 

ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم أخرج سماعة صغيرة جدًا.

 

— تمام… هتروحي لوحدك قدامه.

 

ناولها السماعة.

 

— لكن أنا هكون سامع كل كلمة.

 

وافقت بعد تردد.

 

 

—

 

في تمام السادسة صباحًا…

 

وصلت ندى إلى محطة سيدي جابر.

 

كانت المحطة مزدحمة كعادتها.

 

طلاب…

 

موظفون…

 

وباعة.

 

وقفت بجوار الساعة الكبيرة في صالة الانتظار.

 

مرت دقيقة…

 

ثم دقيقتان…

 

وفجأة…

 

اقترب منها رجل مسن يبيع الجرائد.

 

ناولها صحيفة وقال بصوت منخفض:

 

— أبوكي قال لي أسلمك دي.

 

ثم اختفى بين الزحام.

 

فتحت ندى الجريدة بسرعة.

 

لم تجد شيئًا.

 

لكن عندما قلبتها…

 

سقط مفتاح نحاسي صغير.

 

منقوش عليه رقم:

 

27

 

 

—

 

في اللحظة نفسها…

 

وصل صوت عمر عبر السماعة:

 

— ندى… اوعي تتحركي.

 

نظرت حولها باستغراب.

 

— ليه؟

 

قال بصوت متوتر:

 

— شايف أربعة رجالة بيلبسوا نفس الجاكيت… داخلين ناحيتك.

 

رفعت رأسها.

 

رأتهم.

 

كانوا يقتربون من كل الاتجاهات.

 

أدركت أنها وقعت في كمين.

 

وقبل أن يمسك بها أحد…

 

اصطدمت بها فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات.

 

اعتذرت بسرعة، ثم همست في أذنها:

 

— اجري ناحية الرصيف التالت… بسرعة.

 

اختفت الطفلة وسط الزحام.

 

ركضت ندى دون تفكير.

 

وبالفعل…

 

وصل الرجال إلى المكان الذي كانت تقف فيه قبل ثوانٍ فقط.

 

 

—

 

عند الرصيف الثالث…

 

كان قطار قديم يستعد للمغادرة.

 

وقف رجل يرتدي قبعة سوداء عند الباب.

 

نظر إلى ندى.

 

ثم قال:

 

— المفتاح.

 

ناولته إياه.

 

ابتسم.

 

وأشار إليها أن تصعد.

 

في اللحظة نفسها…

 

وصل عمر مع رجال الأمن إلى المحطة.

 

لكن القطار بدأ يتحرك.

 

صرخ:

 

— ندى!

 

التفتت إليه من الباب.

 

كانت المسافة تزداد بينهما.

 

وقبل أن يغادر القطار تمامًا…

 

خلع الرجل صاحب القبعة نظارته.

 

تجمدت ندى في مكانها.

 

كان وجهه…

 

وجه والدها.

 

لكن…

 

كيف؟

 

هل هو حي؟

 

أم أن هناك من يشبهه إلى هذا الحد؟

 

ابتسم الرجل وقال بهدوء:

 

— الحقيقة اللي بتدوري عليها… هتغير حياتك كلها.

 

وأغلق باب العربة.

 

بينما وقف عمر على الرصيف، عاجزًا عن اللحاق بالقطار الذي اختفى في الأفق.

 

يتبع…الجزء الثالث عشر

 

ظل عمر يحدق في القطار حتى اختفى تمامًا.

 

صرخ في رجال الأمن:

 

— هاتولي العربية… اقفلوا كل المزلقانات اللي على الخط!

 

لكن قائد الحرس هز رأسه بأسف.

 

— يا باشا… القطار ده مش مسجل على جدول الهيئة.

 

تجمد عمر.

 

— يعني إيه؟

 

— مفيش أي رحلة خرجت في المعاد ده.

 

 

—

 

داخل القطار…

 

كانت ندى تنظر إلى الرجل الذي يشبه والدها.

 

لم تستطع أن تمنع دموعها.

 

همست:

 

— بابا…؟

 

ابتسم الرجل بحزن.

 

— يا ريت.

 

اقترب وجلس أمامها.

 

— أنا اسمي محمود السيوفي…

 

وأخو أبوكي.

 

شهقت ندى.

 

— عمي؟

 

أومأ برأسه.

 

— آخر مرة شفتك كان عندك إحدى عشر سنة.

 

ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.

 

كانت تجمعه بوالدها وهما شابان.

 

لم يعد هناك شك.

 

قالت بصوت مرتجف:

 

— كنت فين كل السنين دي؟

 

تنهد.

 

— مستخبي…

 

لأن اللي قت*ل أخويا كان عايز يق*تل أي شاهد.

 

 

—

 

أخرج محمود ملفًا صغيرًا.

 

وضعه أمام ندى.

 

— أبوكي ساب لي الرسالة دي قبل ما يموت.

 

فتحتها بسرعة.

 

كان خط والدها واضحًا.

 

> “لو ندى وصلت للرسالة… يبقى أنا فشلت أحميها. خليها تعرف الحقيقة… لكن أوعى تقولها اسم القاتل إلا لما تتأكد إنها مستعدة.”

 

 

 

انتهت الرسالة بتوقيع والدها.

 

بدأت ندى تبكي بصمت.

 

 

—

 

في الجهة الأخرى…

 

كان عمر يتابع إشارات هاتف ندى.

 

ثم اختفت فجأة.

 

قال خبير التقنية:

 

— حد عطّل جهاز التتبع.

 

ضرب عمر الطاولة بقبضته.

 

— سليم سبقنا تاني.

 

 

—

 

داخل القطار…

 

قال محمود:

 

— في خزنة داخل البنك الأهلي فرع المنشية.

 

رقمها…

 

27.

 

نظرت ندى إلى المفتاح.

 

فهمت أخيرًا لماذا أعطاها بائع الجرائد ذلك المفتاح.

 

— وإيه اللي فيها؟

 

رد محمود:

 

— الدليل الأخير.

 

ثم تغيرت ملامحه فجأة.

 

نظر من نافذة القطار.

 

وشحب وجهه.

 

همس:

 

— لحقونا…

 

التفتت ندى بسرعة.

 

كانت ثلاث سيارات سوداء تسير بمحاذاة القطار.

 

وفجأة…

 

أخرج أحد الرجال س*لاحًا آليًا.

 

وانطلقت أول دفعة من الرصاص نحو نوافذ العربة.

 

تناثر الزجاج في كل مكان.

 

وألقى محمود بنفسه فوق ندى ليحميها.

 

لكن رصاصة اخترقت كتفه.

 

صرخت:

 

— عمي!

 

نظر إليها وهو يتألم.

 

وقال بصوت ضعيف:

 

— مهما حصل…

 

متسلميش المفتاح لأي حد…

 

حتى عمر.

 

تجمدت ندى.

 

قبل أن تسأله لماذا…

 

دوى انفجار هائل في مقدمة القطار.

 

وانقلبت العربة الأولى عن القضبان.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *