بنت زعيم المافيا الصغيرة كانت بتعيط بحرقة جوه
بنت زعيم المافيا الصغيرة كانت بتعيط بحرقة جوه طيارة خاصة على ارتفاع آلاف الأمتار.
بس ده ماكانش عياط طفل عادي.
كان عياط جوع.
عياط ضعف.
العياط اللي أي أم تسمعه وتحس إن قلبها بيتقطع.
كنت قاعدة في آخر الطيارة، ومش قادرة أبطل أبص عليها.
اسمي سلمى.
ومن 3 شهور بس، حياتي كلها اتقلبت.
جوزي مات في حادث.
وابنيّ التوأم راحوا معاه.
ومن ساعتها وأنا عايشة جسد من غير روح.
لكن جسمي كان لسه رافض يصدق.
لسه اللبن موجود.
ولسه كل ما أسمع صوت طفل بيعيط، قلبي يوجعني.
حاولت أتجاهل صوت البنت الصغيرة.
قلت لنفسي:
“دي مش بنتك… مالكيش دعوة.”
لكن فجأة العياط بدأ يضعف.
وبقى أخف.
وأخطر.
الصوت اللي بيخوف أي أم في الدنيا.
رفعت عيني وبصيت قدام.
كان قاعد هناك رجل الكل يعرف اسمه.
فارس الدهبي.
رجل أعمال مشهور.
وصاحب نفوذ محدش يقدر يقف قدامه.
طويل.
هيبته تسبق اسمه.
والناس كلها بتهابه.
لكن في اللحظة دي…
كان عاجز.
تمامًا.
كان شايل بنته الرضيعة، وبيحاول يرضعها بالببرونة.
لكن هي كانت بترفض.
وترجع تعيط تاني.
المضيفة واقفة متوترة.
والحراس قاعدين ساكتين.
وكل اللي في الطيارة بيتفرجوا.
بس محدش قادر يعمل حاجة.
وفجأة لقيت نفسي واقفة.
أحد الحراس وقف قدامي فورًا.
وقال بحدة:
“ارجعي مكانك.”
بلعت ريقي وقلت:
“البنت جعانة.”
بصلي بنظرة حادة.
لكن ساعتها فارس رفع عينه وقال:
“سيبها تتكلم.”
قربت منهم ببطء.
وقلبي بيدق بعنف.
بصلي فارس وقال:
“إنتِ عايزة تقولي إيه؟”
اترددت لحظة.
لكن ماكانش فيه حل تاني.
قلت بصوت مهزوز:
“بنتك محتاجة أم ترضعها.”
الطيارة كلها سكتت.
وفارس فضل باصصلي ثواني طويلة.
بعدها فهم قصدي.
وقال:
“تقدري تساعديها؟”
بصيت للطفلة.
وشفت الضعف في ملامحها.
وقلت:
“أيوه.”
لأول مرة شفت الخوف في عيون الراجل ده.
وقال كلمة واحدة بس:
“أرجوكي.”
بعد دقائق قليلة كنت قاعدة في جزء معزول من الطيارة.
وأول ما البنت بدأت ترضع…
العياط وقف.
تمامًا.
ورجع الهدوء للمكان.
ولما خلصت، ناولت الطفلة لأبوها.
فارس أخدها وبصلها وهي نايمة.
وبعدين رفع عينه عليا.
لكن النظرة دي ما كانتش مريحة.
كانت نظرة خلت جسمي كله يتجمد.
وقال بهدوء:
“إنتِ أنقذتي حياة بنتي النهارده يا سلمى.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لكن اللي قاله بعدها خلاني أحس إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
قال:
“إنتِ ماينفعش ترجعي بيتك تاني.”
اتجمدت مكاني.
وبصيتله بعدم فهم.
“يعني إيه؟”
في اللحظة دي…
الحراس وقفوا مرة واحدة.
وباب الجزء الخلفي من الطيارة اتقفل.
أما فارس…
فكان بيبصلي بنظرة خلتني أفهم إن حياتي كلها على وشك تتغير.
بس السؤال المرعب كان:
ليه راجل زي ده عايزني أبقى قريبة من حياته؟
وإيه السر اللي خلاه يقول إني ماينفعش أرجع بيتي
مين عاوز التكمله ؟ لايك وصلو علي النبي وهرد عليكم 🦋🦋🦋🦋🦋فارس الدهبي ما كانش بيهزر.
الكلمة اللي قالها “ماينفعش ترجعي بيتك” كانت طالعة من فمه كأنها حكم نهائي.
بلعت ريقي وقلبي بيخبط.
“ليه؟… أنا عملت إيه غلط؟”
سكت لحظة، وبص للطفلة اللي كانت نايمة بين إيديه، وكأن وجودها هو اللي مخليه متماسك.
وبعدين قال بصوت منخفض:
“مش إنتِ اللي عملتي حاجة… إنتِ بس… شُفتِ حاجة مش المفروض تتشاف.”
حسيت ببرودة تعدي على ضهري.
“شفت إيه؟ أنا ما شفتش حاجة!”
لكن نظرة الحارس اللي واقف ورايه كانت كفاية تخلي الكلام يقف في حلقي.
فارس قرب خطوة مني وقال بهدوء أخطر من الصراخ:
“البنت دي مش عادية يا سلمى.”
سكت.
“وفي ناس كتير جدًا… مستنية اللحظة اللي تضعف فيها.”
بصيت للطفلة… وبعدين له.
“أنا مالي أنا؟ أنا ساعدتها وخلاص.”
ساعتها ابتسم ابتسامة قصيرة، بس كانت موجعة.
“في عالم زي ده… مفيش حاجة اسمها ساعدتِ وخلاص.”
الطيارة هدت بطريقة غريبة… كأنها بقت فاضية حتى وهي مليانة ناس.
وبعدين قال جملة خلت كل حاجة تقع:
“اللي لمس حياة بنتي… بقى جزء من حياتي غصب عنه.”
اتسمرت مكاني.
“يعني إيه؟”
قبل ما يرد، الباب الجانبي اتفتح فجأة، ودخل راجل لابس بدلة سودة، وشكله متوتر.
همس في ودنه:
“في مشكلة… التسريب اللي كنت خايف منه حصل.”
وشفت لأول مرة ملامح فارس تتغير.
الهدوء اختفى.
وبدل مكانه ظهر خطر حقيقي.
لف ناحيتي بسرعة وقال:
“اقعدي هنا… ومهما حصل… ما تخرجيش.”
“أنا مش فاهمة حاجة!”
لكن كان خلاص اتحرك ناحية الباب، وهو بيقول للحراس:
“حد قرّب منها؟”
رد واحد بصوت منخفض:
“لسه… بس مش هيسكتوا كتير.”
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت خفيف جدًا.
زي رصاصة بعيدة… أو حاجة بتخبط في جسم الطيارة.
الناس بدأت تتلفت.
والطفلة بدأت تتحرك في حضن فارس.
هو بصلي مرة أخيرة…
وبصوت أخفض من قبل قال:
“دلوقتي هتفهمي ليه قولتلك ماينفعش ترجعي بيتك…”
وبعدين الطيارة كلها اهتزت.
ونور الكابينة فصل فجأة.
والظلام ابتلع كل حاجة…
إلا صوت واحد بس…
صوت حد بيقرب من الباب الخلفي.الظلام في الطيارة كان تقيل بشكل يخنق النفس.
صوت خطوات بقى أوضح… واحد ورا التاني… جاي من ناحية الباب الخلفي.
قلبي كان بيضرب في وداني، ومش قادرة أحدد أنا بسمع إيه بجد ولا ده رعب بيتهيألي.
فارس كان واقف في نص الكابينة، ماسك بنته بإيد، والتانية في جيبه… كأنه مستعد لأي حاجة.
همس للحارس:
“اقفلوا الممر… حالًا.”
لكن قبل ما أي حد يتحرك…
“تِك.”
صوت معدني خفيف.
وبعده مباشرة… الباب الخلفي اتفتح شوية.
دخل نور ضعيف من برا، ومعاه هواء عالي بيصفر.
وشك حد ظهر في الفتحة… مش واضح… بس واضح إنه مش طاقم الطيارة.
صرخة واحدة خرجت من أحد الحراس:
“ورا!”
وفجأة… الحركة انفجرت.
مشيت لحظة واحدة وبس، وبعدها المكان كله بقى فوضى.
أنا رجعت لورا وارتطمت في المقعد، وإيدي اتحطت غصب عني على فمي عشان ما أصرخش.
فارس اتحرك بسرعة مرعبة، حط بنته في حضنه وحماها بجسمه.
“متتحركيش!” صرخ فيا.
بس كان متأخر… الخوف كان ماسكني.
والباب الخلفي اتفتح أكتر.
ودخل شخصين.
ملامحهم مش واضحة… لكن واضح إنهم مش جايين يسألوا.
واحد فيهم رفع حاجة في إيده.
مش سلاح ظاهر… لكن كفاية الإحساس بيه يخلي كل حاجة تتجمد.
فارس بص لهم بثبات غريب وقال بصوت عالي:
“إنتوا دخلتوا غلط.”
اللي قدام رد بصوت بارد:
“إحنا ما بنغلطش… إحنا بنخلص.”
ساعتها الطيارة كلها حسّت إن في حاجة أكبر من مجرد تهديد.
ده مش خطف عادي… ده تصفية حساب.
وأنا… كنت واقفة في النص.
مش فاهمة ليه أنا هنا أصلًا.
وفجأة… نظرة فارس اتغيرت.
وبصلي أنا تحديدًا.
كأن قرار اتاخد في ثانية.
وقال بصوت منخفض جدًا، بس وصلني:
“سلمي… تعالي ناحيتي.”
قبل ما أتحرك…
سمعت صوت الطفلة بتعيط تاني.
بس العياط ده المرة دي… كان مختلف.
كأنها حاسة بالخطر اللي داخل الطيارة.
والشخص اللي واقف عند الباب قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
“سلمى معانا برضه… مش كده يا فارس؟”
سكتت الطيارة كلها.
وفارس شدّ على إيده.
وقال بصوت منخفض… مرعب:
“يبقى محدش هيخرج من هنا حي.”
وفي اللحظة دي…
فهمت إن اسمي أنا بالذات… هو سبب كل اللي بيحصل.الهواء في الطيارة اتغير.
مش بس خوف… ده إحساس إن المكان نفسه بقى فخ مقفول.
كلمة “اسمك” اللي اتقالت خلتني أحس إن الأرض اتسحبت من تحتي.
“أنا؟ أنا مالي؟!”
لكن ماحدش رد عليا.
فارس كان باصص للرجالة اللي عند الباب بنظرة تقيلة… كأنه بيقيس كل خطوة جايه منهم.
والحراس اتحركوا ببطء حوالين الممر… بس واضح إنهم أقل عددًا وأضعف موقفًا.
اللي واقف عند الباب ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
“مش وقته تمثيل يا فارس… البنت دي دخلت اللعبة من زمان.”
بصيت لفارس فجأة:
“أي لعبة؟ أنا مش فاهمة حاجة!”
لكن هو ما بصليش حتى… كان مركز معاهم.
وبعدين قال بهدوء مخيف:
“إنتوا جايين تاخدوها وهي هنا؟ على ارتفاع 30 ألف قدم؟”
الرد جه سريع:
“مش مهم المكان… المهم إنها معانا قبل ما توصل.”
قلبي وقع.
الطفلة في حضن فارس بدأت تتحرك تاني وتعيط بخفة… كأنها بتحس بالتوتر اللي في الجو.
وفجأة…
الحارس اللي كان قريب من الباب اندفع ناحيتهم.
لكن قبل ما يوصل…
“تِك.”
إزازة صغيرة اتكسرِت على الأرض.
ودخان خفيف بدأ يملى المكان.
صرخت:
“في إيه ده؟!”
فارس شدني ناحيته بسرعة مرعبة، وحط إيده على دماغ الطفلة يحميها.
“اقعدي… ما تتنفسيش بعمق!”
لكن الدخان كان بيزيد.
وصوت حد من الحراس بدأ يضعف:
“مش شايف… مش شايف حاجة!”
وسط الفوضى دي، سمعت صوت خطوات جاية ناحيتي أنا بالذات.
قريبة جدًا.
وبصوت واطي:
“سلمى… انتي أهم من اللي فاكرة.”
مديت إيدي في الهوا، حاولت أبعد الدخان…
وفجأة إيد شدتني من دراعي.
اتسحبت خطوة لورا.
فارس.
كان ماسكني بقوة وهو بيعدي من وسط الدخان كأنه حافظ الطيارة.
وبصلي لأول مرة بجد، وقال:
“اسمعيني كويس… انتي مش هدفهم عشانك إنتي.”
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي كسرت كل اللي كنت فاهماه:
“إنتي الهدف… عشان اللي جواكي.”
وفي اللحظة دي…
الطفلة صرخت صرخة أعلى من أي مرة قبل كده.
وكأنها هي كمان… بتعرف السر.
وباب الطيارة الخلفي اتقفل فجأة من نفسه.
والدخان وقف.
لكن الهدوء اللي رجع…
كان أخطر من اللي قبله.
وفارس همس وهو بيبصلي:
“دلوقتي بس… بدأنا نفهم الحقيقة.”الهدوء اللي رجع فجأة كان أسوأ من الدخان.
كأن الطيارة نفسها حبست نفسها على نفس واحد.
فارس كان ماسكني من دراعي، بس إيده كانت ثابتة بشكل غريب… مش خوف، ده قرار.
“اقعدي وراي…” قالها وهو بيبص حواليه بسرعة.
“وراء فين؟ مفيش مكان آمن!”
لكن قبل ما أكمل جملتي… صوت جهاز الطيارة الداخلي اشتغل فجأة.
صوت كابتن الطيارة كان متقطع:
“في… اختراق… في نظام التحكم… إحنا مش…”
وبعدين الصمت.
كل حاجة سكتت تاني.
الحراس بقوا يبصوا لبعض… واضح إن اللي بيحصل أكبر منهم.
واحد فيهم قال بصوت منخفض:
“ده مش خطف عادي… ده سيطرة داخلية.”
قلبي اتقبض.
سيطرة داخلية؟ يعني حد من جوه الطيارة؟
بصيت حواليا بسرعة… كل الوجوه شكلها مرعوب، بس عادي.
إلا واحد بس…
راجل من الطاقم كان واقف عند الممر، وبيتنفس بسرعة زيادة عن الطبيعي.
وعينه مش بتبص لأي حد… إلا عليا أنا.
فارس لاحظ.
وفي ثانية واحدة بس، اتحرك ناحيته.
“إنت!” صوته كان زي طلقة.
الراجل ارتبك خطوة لورا.
“أنا؟ أنا مجرد مضيف…”
لكن فارس ما سمعش.
شدّه من ياقته بسرعة خلت الكل يصرخ.
“افتح النظام… دلوقتي.”
الراجل اتجمد.
“مش بإيدي… أنا بس بتنفيذ أوامر—”
قبل ما يكمل، فارس ضغط على حاجة في إيده، وطلع جهاز صغير.
وقال بصوت واطي:
“يبقى الأوامر جاية من حد جوا الدائرة… حد قريب جدًا.”
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت خفيف من ورايا.
زي نفس طفل…
بس الطفلة كانت في حضن فارس.
يبقى الصوت جه من فين؟
ببطء… لفيت ورايا.
لقيت باب صغير في آخر الطيارة… باب خدمة مش واخد بالنا منه.
وكان مفتوح شوية.
والهواء اللي جاي منه… مش طبيعي.
بارد بشكل غريب.
وفجأة…
نور أحمر طلع من جوا.
ونفس الصوت اللي كان بيهمسلي قبل كده رجع تاني… بس أقرب.
“سلمى…”
اتجمدت.
فارس لف بسرعة ناحيتي.
“ما تبصّيش هناك!”
بس كان متأخر.
أنا كنت شفت.
وفي اللحظة دي…
فهمت إن المشكلة مش بس في مين عايزني.
المشكلة إن في حاجة… أو حد…
كان مستنيني أنا ألاحظ الباب ده من البداية.الضوء الأحمر اللي طالع من الباب الصغير كان بيزيد… كأنه بينادي مش مجرد نور.
“سلمى…”
الصوت تاني، أقرب… أوضح… ومش جاي من برا الطيارة.
جاي من جواها.
فارس شدني من كتفي بعنف:
“بقولك ما تبصّيش هناك!”
بس عيني كانت خلاص ثبتت.
والباب الصغير اتفتح أكتر لوحده… كأنه حد بيزقه من الناحية التانية بهدوء.
الهواء اللي طالع منه كان مختلف… تقيل… وفيه ريحة معدن غريبة.
الحراس بدأوا يتحركوا ناحيته، لكن واحد فيهم وقف فجأة وقال:
“استنوا… في حاجة مش طبيعية…”
وفجأة…
الطفلة في حضن فارس بطلت عياط تمامًا.
سكون مرعب.
كأنها هي كمان سامعة نفس النداء.
فارس بص لها بسرعة، وبعدين بصلي أنا… نظرة فهمت منها إنه بدأ يربط الخيوط.
“إنتي… وإنتي بس اللي بتسمعيه صح؟” قالها بصوت منخفض.
“أسمع إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!”
لكن قبل ما أكمل…
الصوت خرج من الباب المفتوح بشكل واضح:
“ماما…”
اتجمدت.
الدنيا كلها وقفت.
فارس نفسه شال إيده لحظة من على بنته.
“إيه اللي سمعتيه؟” قالها وهو بيضغط على كل كلمة.
بلعت ريقي:
“قال… ماما…”
الطفلة فجأة مدّت إيدها ناحيّة الباب… كأنها عايزة تروح له.
وفارس شدّها بسرعة لصدره.
“ده مش طبيعي…” قالها وهو بيبص ناحية الباب.
واحد من الحراس قال بصوت مهزوز:
“يا فارس… ده تسجيل؟ حد بيشغّل صوت؟”
لكن فارس هز راسه:
“لا… ده مش تسجيل.”
وبعدين بصلي تاني.
نظرة مختلفة… أخطر.
“سلمى… إنتي فاكرة ولادك؟”
الكلمة دي ضربتني في صدري.
ولادي…
التوأم.
اللي موتهم خد روحي معاهم.
حسيت برجلي بتضعف.
“ليه بتسألني كده؟”
سكت لحظة.
وبعدين قال جملة خلت كل اللي في الطيارة يتجمد:
“عشان الباب ده… بيشتغل على الذكريات.”
سكت.
والباب الصغير فتح أكتر.
وبعدين… ظهر جوه حاجة مستحيل أكون متوقعتها.
مش ممر طيارة.
ولا أجهزة.
ولا أي منطق.
كان مجرد أوضة بيضا.
وفيها سرير أطفال صغير جدًا…
وعليه بطانية أنا أعرفها.
نفس البطانية اللي كانت في سرير ابني قبل ما يموت.
اتسحب الهواء من صدري.
“لا… ده مستحيل…”
فارس مسك دراعي جامد:
“ما تدخليش هناك… أياً كان اللي انتي شايفاه مش حقيقي.”
بس صوت تاني خرج من جوه:
“تعالي يا ماما…”
وهنا…
رجلي اتحركت لوحدها خطوة ناحية الباب.فارس شدّني بقوة لدرجة إني حسّيت إن دراعي هيتكسر.
“لا يا سلمى! إوعي!”
بس صوت الطفل من جوه الباب كان أقوى من أي منطق.
“تعالي يا ماما…”
رجلي كانت بتتحرك غصب عني.
مش أنا اللي بقرر… كأن حاجة جوايا اتفكت فجأة.
السرير الصغير جوه الغرفة البيضا بدأ يبان أوضح… ومعاه لعبة صغيرة جنب المخدة.
نفس اللعبة اللي ابني كان بيحبها.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
“ده ابني…” همست وأنا مش مصدقة نفسي.
فارس صوته اتغير لأول مرة:
“دي خدعة… بيلعبوا بعقلك!”
بس أنا كنت واقفة على حافة الباب.
بين واقع بيخوف…
وذكرى بتوجع.
الطفلة في حضنه بدأت تصرخ فجأة تاني، صرخة عالية كأنها بتحذرنا.
الحراس اتحركوا ناحية الباب… لكن واحد منهم وقف فجأة، مسك دماغه وصرخ:
“أنا سامع صوت أمي!”
ووقع على الأرض.
الفوضى بدأت ترجع تاني.
فارس بص ناحيته لحظة… وبعدين رجع بصلي، وعيونه فيها حاجة جديدة:
خوف.
“سلمى… لو دخلتي هناك مش هترجعي زي ما انتي.”
وقفت لحظة.
والصوت من جوه الباب بقى أهدى… أحن:
“ماما… أنا مستنيك…”
وفي اللحظة دي…
كل الذكريات ضربتني مرة واحدة.
ضحك ابني.
إيده الصغيرة.
آخر مرة حضنته فيها.
رجلي اتحركت خطوة كمان…
ودخلت.
الهواء اتغير فجأة.
الصوت ورايا اختفى تمامًا.
وباب الطيارة نفسه اتقفل.
بس اللي قدامي ما كانش أوضة بيضا.
كان بيتنا القديم.
نفس الصالة.
نفس الأثاث.
ونفس صوت التلفزيون في الخلفية.
وقفت مش قادرة أتنفس.
“إزاي…؟”
وفجأة…
سمعت صوت ورايا بيقول بهدوء:
“أهلًا في الذاكرة، يا سلمى.”التفت بسرعة.
الصوت كان جاي من ورايا… بس لما بصّيت، مفيش حد.
الصالة كانت زي ما هي… التفاصيل مرعبة من دقتها.
حتى الخدش الصغير في الحيطة… أنا فاكرَاه.
“مين هنا؟!” صوتي طلع مهزوز.
مفيش رد.
بس الباب اللي دخلت منه… اختفى.
مش موجود.
مكانه حيطة عادية.
قلبت في كل الاتجاهات بسرعة، وبدأت أتنفس بصعوبة.
“ده حلم… ده مش حقيقي…”
وفجأة…
التلفزيون اشتغل لوحده.
صوت ضحك طفل.
ابني.
وقعت على ركبتي من الصدمة.
“لأ… لأ بلاش…”
الصوت جاي من الشاشة، لكن الصورة كانت ضبابية في الأول… وبعدها وضحت.
كان قاعد على الأرض في أوضته، بيلعب.
زي ما كان بيعمل كل يوم.
مديت إيدي للشاشة غصب عني.
“حبيبي…”
وفجأة الصورة وقفت.
وتحوّلت.
وشه اختفى… وظهر بدل منه شاشة سودة عليها كتابة واحدة:
“اختيار المرحلة الأولى مكتمل.”
اتجمدت.
“إيه الكلام ده؟!”
وفجأة الصوت رجع تاني، بس المرة دي كان مختلف… بارد، آلي:
“الهدف: قياس استجابة الأم للذاكرة العاطفية القصوى.”
رجلي ما بقيتش شايلاني.
“إنتوا مين؟! أنا مش تجربة!”
وفجأة… الأرض تحت رجليا اتغيرت.
الصالة بدأت تتشقق زي زجاج.
والأصوات كلها اختفت.
إلا صوت واحد بعيد… صوت فارس.
“سلمى! اسمعيني!”
صوته كان جاي من مكان بعيد جدًا… كأنه من عالم تاني.
“إوعي تصدقي اللي شايفاه!”
حاولت أركز.
“فارس؟! إنت فين؟!”
لكن قبل ما يرد…
الصوت الآلي رجع أقوى:
“إعادة ضبط الذاكرة: 70%”
الحيطة قدامي بدأت تفتح زي باب… ووراها ظهر ظل طويل.
حد داخل.
والمرة دي… مش طفل.
صوت خطوات تقيلة.
والصوت قال بهدوء:
“مرحبا بكِ داخل مشروع الدهبي.”
رفعت عيني ببطء…
والدم تجمّد في عروقي.
لأني شوفت…
فارس نفسه.فارس.
لكن مش هو اللي أعرفه.
نفس الشكل… نفس العينين… لكن مفيش أي دفء في ملامحه.
زي نسخة متجمّدة.
واقف قدام الباب اللي اتفتح من التشققات، وبيبصلي كأني حاجة تحت التجربة.
“إنت… إنت مش فارس الحقيقي…” همست.
رد بصوت هادي جدًا:
“أنا النسخة الأقرب منه داخل محاكاة الذاكرة.”
قلبي وقع أكتر.
“محاكاة؟ يعني إيه محاكاة؟!”
خطى خطوة جوا الصالة، وكل خطوة منه كانت بتخلي المكان يهتز.
“إنتِ مش في طيارة يا سلمى… وإنتِ مش في بيتك.”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“إنتِ داخل طبقة من ذكرياتك… معمولة مخصوص عشان نعرف: قد إيه الأم ممكن تفضل متمسكة بالوهم.”
صرخت:
“وهم إيه؟ ابني كان حقيقي! ابني مات!”
النسخة بتاعته ما اتأثرتش.
“ومين قالك إن الموت نهاية؟”
الجملة دي خلت دماغي تِلف.
في اللحظة دي، الحيطان بدأت تتغير تاني.
الصالة اهتزت… الصور على الحيطان بدأت تقع واحدة واحدة، وتتحول لرموز غريبة.
والصوت الآلي رجع:
“زيادة التفاعل العاطفي… رفع مستوى التحفيز.”
فارس المزيف رفع إيده ناحيتي:
“اختيارك لحد دلوقتي كان واضح… إنتِ بتدخلي أكتر جوا الذاكرة بدل ما تخرجي منها.”
“أنا عايزة أخرج!” صرخت.
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“يبقى لازم تختاري.”
الأرض تحت رجلي اتفتحت شق كبير.
وظهر تحته طريقين:
طريق فيه نور دافي… جاي منه صوت ولادي وهم بيضحكوا.
وطريق تاني مظلم… بس فيه صوت فارس الحقيقي بينادي عليا من بعيد:
“سلمى! ما تمشيش ناحية اللي بيغريك!”
وقفت مكاني، جسمي كله بيرتعش.
“اختاري…” قالها النسخة بهدوء.
“يا تكملي في الذاكرة… يا تسيبي كل حاجة، حتى اللي إنتِ فاكرة إنه ابنك.”
دموعي نزلت غصب عني.
“أنا مش هسيب ابني…”
وبدأت أتحرك ناحية النور.
فجأة الصوت الحقيقي لفارس صرخ:
“دي فخ!”
لكن رجلي كانت أسرع من عقلي.
خطوة…
وبعدين…
الأرض اختفت تحتي تمامًا.سقطت.
بس مكنش سقوط عادي…
كان إحساس زي إني بإنزل في فراغ مالوش نهاية.
الأنوار بتجري حواليا بسرعة، والضحك اللي كنت سامعاه قبل لحظات بدأ يتحول لصدى بعيد جدًا… كأنه بيتسحب مني.
وفجأة…
“خبطت” في أرض صلبة.
رفعت عيني بسرعة وأنا بتنهج.
مش بيت.
مش طيارة.
مكان أبيض… واسع… بلا حدود تقريبًا.
وفي النص شاشة ضخمة… بتلمع بنبض خفيف.
والصوت الآلي رجع تاني:
“تم تجاوز المرحلة الأولى.”
وقفت وأنا مش قادرة أفهم:
“إيه المرحلة دي؟! أنا عايزة أخرج!”
الشاشة نورت أكتر.
وظهرت عليها صور…
أنا.
في الطيارة.
أنا واقفة.
أنا بتكلم.
أنا بعيط.
كل حاجة حصلت من أول لحظة.
بس في زاوية من المشهد… حاجة شدتني.
فارس الحقيقي كان واقف بعيد… مربوط في مكان زي الكابينة، وبيحاول يصرخ.
“سلمى! إوعي تصدقيهم!”
اتجمدت.
“ده… ده كان حقيقي؟”
الصوت الآلي رد:
“النسخة المعروضة: الواقع الخارجي.”
رجلي ابتدت ترتعش.
“يبقى اللي أنا فيه ده إيه؟”
لحظة صمت.
وبعدين الشاشة قربت من وشي فجأة، وكتبت:
“إعادة بناء ذاكرة بعد الصدمة: 92%”
وفجأة… ظهر فارس المزيف ورايا تاني.
بس المرة دي… كان أقرب.
وقال بهدوء أخطر من الأول:
“إنتِ فاكرة إنك دخلتي الذاكرة عشان تخرجي منها…”
“بس الحقيقة…”
“إنتِ اللي بنيناها من أجلك.”
التفت بسرعة:
“ليه؟ أنا عملت إيه؟!”
بصلي نظرة ثابتة وقال:
“عشان نعرف حاجة واحدة…”
“هل الأم اللي فقدت كل حاجة… ممكن تختار ترجع لحياتها؟”
وفجأة الأرض بدأت تهتز.
والشاشة كتبت:
“بدء المرحلة النهائية: الاختيار الحقيقي.”
واتفتح قدامي بابين من جديد…
بس المرة دي مختلفين:
باب فيه صوت ابني بيعيط لأول مرة من زمان… حي… حقيقي.
وباب فيه صوت فارس الحقيقي بيقول:
“لو دخلتيه مش هتفتكري أي حاجة تانية أبداً…”
وقفت مكاني.
والمرادي… مفيش وهم سهل.
دي كانت أول مرة أحس إن أي اختيار… هيكلفني نفسي.وقفت بين البابين، وكل حاجة جوايا كانت بتتهز.
صوت ابني… كان واضح بشكل يوجع.
وصوت فارس الحقيقي… كان مرهق، كأنه بيحارب عشان يوصل لي.
“سلمى… لو دخلتي الباب ده، هتخرجي من المكان ده، بس هتخسري الذاكرة اللي بيستخدموها ضدك.”
الصوت التاني… صوت ابني…
“ماما…”
كلمة واحدة بس.
بس كسرتني.
رجلي اتحركت خطوة… وبعدين وقفت.
“أنا مش فاهمة… أنا فين؟ ابني فين؟!”
فارس المزيف ظهر تاني قدامي، بس المرة دي ملامحه بدأت تتشقق… زي شاشة بتبوظ.
“الاختيار بيخلص… لازم تقرري.”
الصوت الآلي بدأ أعلى:
“تذبذب القرار… خطر انهيار النموذج.”
الأرض بدأت تتفتح حواليا.
الشاشة الكبيرة بدأت تعرض ذكرياتي بسرعة مرعبة… لحظات حزني، بكائي، انهياري… كأنهم بيستخدموهم ضدي.
وفجأة…
شفت حاجة ماكنتش مستعدة لها.
فارس الحقيقي كان بيبصلي من الطرف التاني… بس وراه مش طيارة.
كان في غرفة عمليات.
وأجهزة.
وناس بتراقب.
وقال وهو بيصرخ:
“سلمى! إنتي مش بس ناجية… إنتي المفتاح!”
اتجمدت.
“مفتاح إيه؟!”
فارس المزيف بدأ يختفي تدريجيًا وهو بيضحك ضحكة باردة:
“أخيرًا هتفهمي…”
“مش هدفنا نكسرِك…”
“هدفنا نعرف: هل الذاكرة ممكن تُستخدم كطريق للرجوع للحياة… أو للعكس.”
وفجأة البابين بدأوا يقربوا من بعض.
كأن الاختيار بيتسحب مني بالقوة.
صرخت:
“سيبوني أختار!”
الصوت الآلي رد:
“القرار النهائي ليس بيدك بالكامل.”
وفي اللحظة دي…
باب ابني اتفتح أكتر.
وصوته بقى أقرب… دافئ جدًا.
لكن فارس الحقيقي صرخ:
“ده مش ابنك الحقيقي… ده نموذج مُعاد بناءه!”
سكت.
المكان كله اتجمد.
وبعدين… لأول مرة… أنا سكت.
وبصيت للبابين.
وبصيت لنفسي.
وقلت بصوت منخفض جدًا:
“لو ده كله لعبة… يبقى أنا مش هختار اللي عايزيني أختاره.”
وقبل ما أي حد يلحق يتكلم…
رجعت خطوة لورا.
بعيد عن البابين الاتنين.
وفجأة…
كل حاجة سكتت.
والشاشة كتبت:
“قرار غير متوقع… بدء إعادة تقييم النظام.”
والأبواب اختفت.
وسمعت صوت واحد بس… قريب جدًا من ورايا:
“أخيرًا… بدأتي تفوقي يا سلمى.”التفت ببطء.
الصوت كان ورايا مباشرة… مش من الشاشة، ولا من أي باب.
كان نفس صوتي تقريبًا… لكن أهدى، أعمق، كأنه جاي من جوايا أنا.
وقفت قدام نسخة مني.
بس مختلفة.
ملامحها هادية بشكل يخوّف، وعينيها فيها ثبات مش طبيعي.
“مين إنتي؟” همست.
النسخة ابتسمت ابتسامة صغيرة:
“أنا الجزء اللي رفض يصدق الوهم من البداية.”
رجعت خطوة لورا.
“يعني إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة… ابني كان بيكلمني!”
ردت بهدوء:
“كانوا بيستخدموا أكتر نقطة ضعف عندك… الذنب.”
الصوت حوالينا بدأ يتغير، كأن المكان نفسه بيصحي.
الشاشة الكبيرة رجعت تشتغل لحظة، بس المرة دي مش صور… بيانات.
ومعادلات.
وكلمة واحدة:
“سلمى – الحالة: صدمة فقد حاد + مقاومة إدراكية غير مستقرة.”
بصيت لها:
“أنا مش مجنونة…”
“ولا حد قال كده.” ردت بسرعة.
وسكتت لحظة.
وبعدين قالت الجملة اللي قلبت كل اللي قبلها:
“إنتي مش في تجربة عن الذاكرة بس… إنتي كنتي محاولة لإعادة تشغيل وعي مكسور.”
في اللحظة دي…
فارس الحقيقي ظهر على الشاشة مرة تانية، بس شكله كان أضعف، كأنه بيتقطع.
“سلمى… اسمعيني كويس… إنتي لازم ترجعي…”
بس الصوت بدأ يضعف.
والنسخة اللي قدامي قالت:
“لو رجعتي دلوقتي… هترجعي لحالتك الأولى… نفس الألم… نفس الفقد… من غير أي حماية.”
اتجمدت.
“طب إيه اللي مطلوب مني؟”
سكتت النسخة… وبصتلي بعمق.
“تختاري حاجة أصعب من الرجوع.”
“تكملي واعية.”
“وتفككي النظام من جوه.”
سكت.
كل حاجة جوايا قالت: ده جنون.
لكن في نفس الوقت… لأول مرة، مفيش صوت بيضحك بيخدعني.
مفيش طفل بيناديني.
مفيش أبواب بتغري.
بس الحقيقة.
فارس الحقيقي ظهر مرة أخيرة، بصوت مكسور:
“سلمى… القرار في إيدك دلوقتي… ومش هقدر أساعدك أكتر من كده.”
والنسخة مني مدت إيدها:
“لو مسكتي إيدي… هنفوق النظام ونخرجك كوعي حر.”
وقفت.
وبصيت لإيديها.
وبصيت للفراغ حواليا.
وقلت بهدوء لأول مرة:
“طيب… إيه اللي هيحصل لي بعدها؟”
ردت:
“مش هنقدر نمسح الألم.”
“بس هنخليه ملكك… مش سلاح ضدك.”
وفي اللحظة دي…
مديت إيدي.أول ما إيدي لمست إيد النسخة مني…
المكان كله اتكسر.
مش اهتزاز… ده كان انهيار كامل للواقع اللي حواليا.
الشاشة اتشظت كأنها زجاج، والصوت الآلي بدأ يصرخ لأول مرة:
“خطأ… خطأ… تداخل وعي غير مسموح…”
والضوء الأبيض اللي كان مالي المكان بدأ يغمق تدريجيًا.
“إنتي عملتي إيه؟!” صوت بعيد لفارس الحقيقي كان بيختفي.
لكن النسخة مني كانت ثابتة، ماسكة إيدي بقوة:
“ما تخافيش… ده خروج من الطبقة التانية.”
الأرض بدأت تتفتح تاني، بس المرة دي مفيش سقوط عشوائي… كان إحساس إن في حاجة بتسحبني لأعلى.
زي صحوة عنيفة.
وفجأة…
سكون.
افتحت عيني ببطء.
لقيت نفسي في نفس الطيارة.
بس مختلفة.
الإضاءة طبيعية.
الحراس في أماكنهم… بس نايمين أو فاقدين الوعي.
والباب الخلفي مقفول تمامًا.
وفارس الحقيقي كان قدامي…
واقف، مرهق، ووشه عليه آثار صراع مرعب.
وفي حضنه بنته… نايمة بهدوء لأول مرة.
بصلي وقال بصوت منخفض:
“رجعتي…”
بلعت ريقي:
“أنا كنت فين؟”
سكت لحظة.
وبعدين قال الحقيقة اللي كانت أبسط وأقسى من كل اللي فات:
“كانوا بيجربوا عليكِ نظام اسمه إعادة بناء الوعي بعد الفقد.”
“اللي حصل… كان محاولة يخلّوا عقلك يختار يعيش تاني أو ينهار.”
اتسمرت.
“وإنت… كنت عارف؟”
هز راسه:
“كنت جزء من العملية… لحد ما فهمت إنك مش مجرد حالة.”
سكت.
وبعدين قال:
“إنتي كنتي الوحيدة اللي قدرتي تكسري النموذج من جوه.”
بصيت حواليّا… الطيارة كانت هادية، لكن مش نفس الإحساس.
كأن في حاجة اتغيرت جوايا فعلاً.
مش رجوع لقبل… ومش حلم.
حاجة وسط الاتنين.
فارس قرب مني خطوة:
“دلوقتي عندك اختيار حقيقي… مش محاكاة.”
“تكملي معانا… أو نمسح كل اللي حصل ونرجعك لحياتك العادية من غير أي أثر.”
سكت.
وبصيت للطفلة في حضنه.
وبعدين لنفسي.
وبصوت هادي قلت:
“مفيش رجوع من غير أثر.”
فارس هز راسه بهدوء… كأنه كان متوقع الإجابة.
والطيارة بدأت تهبط فعليًا لأول مرة من بداية القصة.
بس وأنا بصيت من الشباك…
حسّيت إن اللي جوايا ما هبطش لسه.
كان لسه في طريق تاني… أنا اللي هحدده.الطيارة بدأت تهبط فعلًا، لكن الإحساس اللي جوايا كان عكس الهبوط تمامًا… كأن في حاجة بتطلع من أعماقي مش بتستقر.
فارس كان ساكت، بس عينه عليّا طول الوقت.
والطفلة في حضنه فتحت عينيها فجأة… وبصت ناحيتي أنا تحديدًا.
مش بصّة طفل عادي.
بصّة كأنها بتتأكد من حاجة.
همست بصوت منخفض:
“إنتِ رجعتي…”
اتجمدت.
“هي قالت إيه؟” سألت فارس بسرعة.
لكن هو ما ردش.
بص للبنت وبعدين ليّ، وقال بهدوء:
“هي مش زي ما فاكرة.”
الطيارة هبطت.
العجلات لمست الأرض، لكن مع أول خبطة خفيفة…
نور الطيارة كله فصل لحظة واحدة.
وبعدين رجع.
بس الوضع اتغير.
الحراس اللي كانوا نايمين… اختفوا.
الممر فاضي.
والباب الخلفي مفتوح شوية… كأنه اتفتح من غير ما حد يقرب منه.
“إيه اللي بيحصل؟” قلت وأنا بصيت حواليّا.
فارس شد بنته لحضنه أكتر:
“لسه في طبقة واحدة ما اتقفلتش.”
سكت.
“إنتِ خرجتي من المحاكاة… بس المحاكاة لسه مش مقتنعة إنك خرجتي.”
قلبي وقع.
“يعني إيه؟”
قبل ما يجاوب، الصوت رجع تاني…
مش آلي.
مش فارس.
ولا النسخة مني.
الصوت كان قريب جدًا… من ورا الباب المفتوح:
“سلمى…”
بصيت ناحيته ببطء.
وفارس قال بصوت منخفض لأول مرة فيه توتر حقيقي:
“ما تبصّيش هناك… دي مش مرحلة اختبار دي… مرحلة مطاردة.”
الباب اتفتح أكتر.
والإضاءة بدأت تِسحب نفسها جوه الظلام اللي برا.
وصوت الخطوات رجع.
نفس الخطوات اللي بدأت كل حاجة.
بس المرة دي…
فارس بصلي وقال:
“لو دخلوا هنا تاني… مش هيكون فيه خروج.”
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي خلت كل حاجة تقف:
“لأنك دلوقتي مش مجرد هدف… إنتي مفتاح النظام كله.”
والباب اتفتح مرة واحدة بالكامل.الباب اتفتح على آخره…
لكن مفيش حد ظهر.
بس الظلام نفسه كان بيتحرك.
كأنه بيزحف جوه الطيارة ببطء.
فارس اتحرك خطوة لقدّام وحط بنته وراه:
“اقفي ورايا.”
بس عيني ماقدرتش تبعد عن الباب.
لأن الصوت رجع تاني… أقرب من أي مرة:
“سلمى… رجّعيني.”
قلبي اتقبض.
“أنا؟ أنا اللي رجّعك؟ أنا مش فاهمة حاجة!”
الظلام فجأة توقف عند أول الممر.
وبعدين اتشكل.
مش شخص كامل… لأ.
كان شكل غير مكتمل… زي ظل بيحاول ياخد هيئة إنسان.
وفارس همس:
“بدأوا يظهروا فعليًا…”
بصيت له:
“مين دول؟!”
رد بصوت منخفض:
“الوعي المكسور اللي النظام فشل يتحكم فيه.”
سكت لحظة.
“ولو وصلوا ليكي بالكامل… هيتثبتوا في دماغك للأبد.”
الظل اتحرك خطوة.
والطيارة كلها نورت نور أحمر مفاجئ.
صوت إنذار اشتغل.
لكن الغريب…
إن مفيش كابتن، مفيش طاقم… النظام نفسه هو اللي بيصرخ.
“اختراق نهائي للنواة.”
فارس شدني من دراعي:
“إسمعي كويس… لازم نطلع من هنا دلوقتي.”
“نطلع فين؟ الطيارة لسه ما وقفتش!”
بس قبل ما أكمل…
الظل قال بصوت واضح لأول مرة:
“إنتِ السبب في وجودنا.”
اتجمدت.
“إيه؟!”
الظل قرب خطوة.
والشكل بدأ يبقى أوضح… وملامح مش غريبة عليّا ظهرت فيه.
مش شخص واحد.
لكن أجزاء من وجوه… ذكريات… صدمات.
حاجات أنا عشتها.
فارس بصلي بصدمة:
“النظام بيستخدمك كمرآة… أي حاجة جواكي بتتسحب لبرّه.”
بلعت ريقي.
“يعني إيه؟”
فارس قال الحقيقة اللي كانت أخطر من أي تفسير:
“يعني خوفك… مش جواكي دلوقتي.”
“خارج بيتحرك ضدك.”
وفجأة…
الظل مد إيده ناحيتي.
وفارس صرخ:
“ما تلمسيهوش!”
لكن كان متأخر.
إيد الظل لمست الهوا قدامي…
وفي اللحظة دي…
حسّيت إن حاجة من جوايا بتتسحب برّه.لحظة اللمس ما كانتش وجع… كانت فراغ.
كأن حاجة اتشالت من جوايا فجأة، من غير ما أعرف هي إيه.
اتسندت لورا وأنا بتنهج:
“إيه اللي حصل؟!”
فارس شدني بسرعة ووقف قدامي:
“لسه بيشفطوا الاستجابات العاطفية… بيبنوا شكلهم منك.”
الظل قدامي بدأ يتغير… بقى أوضح، وأقرب للشكل البشري.
بس المفاجأة…
ملامحه بدأت تشبهني.
قلبي وقع.
“ده أنا؟…”
الظل رد بصوتي أنا… نفس النبرة تقريبًا، لكن باردة:
“أنا إنتي… من غير ألم.”
فارس ضغط على أسنانه:
“ده أخطر جزء في النظام… نسخة من الوعي بتتغذى على مشاعرك السلبية.”
الظل قرب خطوة تانية:
“إنتِ تعبانة… أنا أقدر أريحك.”
وفي اللحظة دي…
حسّيت بإغراء غريب.
هدوء.
لا وجع فقد.
لا صراخ ذكريات.
ولا صور مؤلمة.
مجرد سكون.
فارس مسك إيدي بقوة:
“سلمى… ما تسمعيش له. ده بيكذب عشان ياخد مكانك.”
لكن الظل ابتسم:
“هو مش كذب… هو راحة.”
وابتدى يمد إيده تاني.
والمرة دي مش للطيارة…
لقلبي أنا مباشرة.
حسّيت بدوخة.
فارس صرخ:
“اختاري دلوقتي!”
“لو سيبتيه ياخدك… هتمسحي نفسك بالكامل!”
وقفت.
بين حاجة بتشدني للسكينة…
وحاجة بتشدني للألم اللي هو أنا.
بصيت للظل.
وبعدين لفارس.
وبعدين جوايا.
وقلت بصوت مبحوح:
“لو أنا من غير الألم… يبقى أنا مش أنا.”
وفجأة…
شدّيت إيدي لورا.
الظل اتجمد.
والصوت اتغير فجأة من هدوء لحدة:
“رفض… إعادة دمج قسري.”
الطيارة كلها اهتزت.
والنور الأحمر اشتعل أقوى.
وفارس مسك بنته وقال:
“أحسن قرار خدتيه… بس ده معناه إنهم هيزيدوا ضغطهم علينا.”
الظل بدأ يتكسر… لكن بدل ما يختفي، اتكاثر.
اتنين… تلاتة… كتير.
كل واحد فيهم بيقرب.
وفارس بصلي وقال بسرعة:
“في مخرج واحد بس دلوقتي…”
“إيه؟!”
بص ناحية كابينة القيادة:
“نمسك النواة قبل ما هم يمسكونا.”
وفجأة جري.
“يلا يا سلمى!”
والأصوات وراينا بدأت تتضاعف:
“إنتِ لنا…”
“إنتِ بداية كل شيء…”
“ما تقدريش تهربي…”
وإحنا بنجري في الممر…
فهمت حاجة مرعبة:
أنا مش بتهرب من حاجة برايا.
أنا بتهرب من حاجة جوايا بتتعلم تمشي لوحدها.فارس كان سابقني بخطوة، ماسك بنته بإيد، وإيده التانية بتفتح أبواب الممر بسرعة كأنه حافظ الطيارة كلها.
“اسرعي يا سلمى!”
بس اللي ورايا ما كانش بيجري…
كان بيتكاثر.
النسخ اللي شبهّي كانت بتملي الممر، كل واحدة فيهم بملامح مختلفة شوية… لكن كلها بتبصلي نفس البصّة.
“إنتِ هتتعبّي… سيبينا نكمّلك.”
شدّيت نفسي بالعافية:
“ابعدوا عني!”
وفجأة… واحده منهم لمست الحيطة.
والحيطة نفسها بدأت تتحول لمرآة.
وفيها شفت نفسي.
بس مش أنا اللي واقفة.
أنا اللي جوه المرآة… واقفة ساكتة ومش بتجري.
بصتلي وقالت بهدوء:
“إنتي طول عمرك بتهربي… بس إحنا الحقيقة.”
فارس زقّني:
“ما تبصّيش! ده بيشدك!”
بس متأخر.
إحساسي بالجري بدأ يبطّأ.
كأن الأرض بقت تقيلة.
والنسخ بدأت تقرب أكتر.
وفجأة… صوت الطفلة علي.
صرخة واحدة بس.
قطعت كل حاجة.
النسخ وقفت لحظة.
وفارس اتجمد:
“دي مش صرخة عادية…”
الطفلة بصّت ناحيتي.
وهنا حصل حاجة غريبة…
قالت بصوت واضح جدًا:
“ماما… ما تسيبينيش.”
اتسمرت.
فارس بصلي بحدة:
“دي مش بنتك!”
بس قلبي كان بيقول غير كده.
النسخ ابتدت تتحرك تاني، لكن أبطأ… كأنها بتتردد.
وفارس قال بسرعة:
“لو فضلتِ واقفة هنا هتتسحبي!”
مد إيده ناحيتي:
“النواة قريبة… لو وصلنا لها نقدر نوقفهم.”
لكن ورايا…
نسخة مني وقفت قدام الباب وقالت:
“لو دخلتي… هتفقديهم كلهم.”
سكت.
كلهم… اللي بحس بيهم دلوقتي؟ ولا اللي فقدتهم؟
لحظة واحدة… كل حاجة اتلخبطت.
وفارس صرخ:
“سلمى اختاري دلوقتي! الباب قدامك!”
وبصيت قدامي…
بابين اتفتحوا فجأة:
واحد فيه نور أبيض قوي… صوت جهاز منتظم… إحساس بالأمان.
والتاني… ظلام هادي.
وفيه صوت ابني الحقيقي بيناديني بهدوء:
“ماما…”
وقفت مكاني.
لأول مرة… ماكنتش عارفة إيه الحقيقة اللي أقدر أعيش بيها بعدها.
لكن الوقت كان بيخلص.
والنسخ بدأت تجرّي تاني.
وفارس صرخ للمرة الأخيرة:
“مش هينفع تختاري الاتنين!”
وقبل ما أتحرك…
حسّيت بإيدي بتتشد لوحدها ناحية الباب التالت اللي ماكنش موجود قبل كده.