عمري ما وثقت في مراتي.. ولا يوم واحد.

عمري ما وثقت في مراتي.. ولا يوم واحد.

وعشان كده، كنت ببعت كل تحويشة عمري لأمي أول بأول..

لكن في اليوم اللي رجعت فيه لبلدي عشان أسترد فلوسي، جملة واحدة بس دمرت حياتي كلها!

طول عمري كنت شايف نفسي راجل حذر، وبحسبها بالورقة والقلم، خصوصاً لما الموضوع يتعلق بالفلوس.

من صغري، وأنا بسمع نفس التحذير بيتكرر من أمي ومبيخلصش. في بيتنا القديم في طنطا، الفلوس مكنتش مجرد ورق أو أرقام في البنك.. الفلوس كانت الأمان، والضهر، والحاجة الوحيدة اللي أمي كانت مقتنعة إنها تقدر تنقذ الراجل لما الدنيا تلطش معاه وكل حاجة تتهد فوق دماغه.

كانت دايماً تقولي جملة اتطبعت في دماغي ومسحتش من يومها:

> “الراجل اللي يسلم رقابته وفلوسه لمراته، بيصحى في الآخر يلاقي نفسه من غير ست ومن غير فلوس.”

>

وأنا عيل صغير، كنت بحس إنها بتبالغ.. بس لما كبرت وبدأت أفهم الدنيا، كلامها بدأ يدخل دماغي ويبقى ليه منطق. خصوصاً إن أمي مكنتش بتقول كلام مرسل، كان دايماً عندها قصة وحكاية لكل تحذير بتقوله.

كانت تحكيلي عن راجل من معارفنا، شقى عمره كله حطه في إيد مراته، وفي يوم وليلة هربت مع راجل تاني وأخدت الجمل بما حمل. وتحكيلي عن قصة واحد قريبنا كتب شقته باسم مراته، وبعد أول خناقة كبّرت بينهم، لقى نفسه مرمي في الشارع، بيبيت عند أصحابه بعد ما ضاع حقه في البيت اللي عاش فيه طول عمره.

يمكن القصص دي كان فيها جزء حقيقي، ويمكن أمي كانت بتزود عليها شوية بهارات من عندها عشان تخوفني.. بس لما تسمع نفس الكلام ونفس التحذير لأكتر من عشرين سنة، الموضوع مبيبقاش مجرد رأي.. بيبقى حقيقة ومبدأ عايش بيه.

وهكذا كبرت.. مؤمن إن الراجل لازم يحمي قرشه بنفسه، وإن مهما حصل، ميسيبش السيطرة على حياته تطلع من إيده.

لما تميت اتنين وتلاتين سنة، اتجوزت من أسماء.

عرفتها في القاهرة، مكان ما كنا شغالين إحنا الاتنين. أنا كنت مهندس ميكانيكا في شركة مقاولات، وأسماء كانت شغالة محاسبة في شركة شحن وتفريغ صغيرة.

أسماء كانت ست أصيلة.. هادية، وشقيانة، وعينها مليانة مكنتش مادية خالص. مكنتش من نوع الستات اللي بيجروا ورا المنظرة والـ”براندات” ويقعدوا يتباهوا بالحاجة، أو يطلبوا طلبات تكسر الظهر. كانت بترضى بقليلها، تحب تشرب الشاي في الحسين، وتتمشى في شوع وسط البلد القديمة، وتهتم بزرع وبلكونة شقتنا، والدفاتر الصغيرة اللي كانت بتسجل فيها كل كبيرة وصغيرة بخطها المنظم المرتب.

يوم فرحنا، ناس كتير قالوا لي نفس الكلمة:

“ربنا رزقك بست بـ 100 راجل.”

“أمثالها بقوا قليلين أوي الأيام دي.”

“دي عاقلة، ومصونة، وتعرف تدير القرش.”

كنت ببتسم وأنا بسمع الكلام ده، بس من جوايا كان فيه صوت قديم وعنيد، عمال يزن بنفس الكلام اللي أمي زرعته فيا من سنين: *أوعى تأمن لها.. إياك تسلمها كل حاجة.*

في أول جوازنا، دنيتنا كانت هادية ومستقرة. عشنا في شقة صغيرة في عين شمس، مكنتش واو ولا واسعة، بس كانت ملمومة ومقضيانا. مطبخ على قدنا، صالة بسيطة، وشباك بيطل على زحمة وأنوار الشارع بالليل، وبلكونة صغنونة أسماء صممت تملأها زرع وقصاري فخار رغم إنها يا دوب بتشيل فردين بالعافية.

كنا بنطحن في الشغل إحنا الاتنين.. وفي كل شهر، كانت تطلع دفتر صغير كدة، وتقعد تسجل فيه مصاريفنا بالقرش: الإيجار، النور، الميه، الغاز، الأكل، المواصلات، وأي فواتير تانية مستنيانا. كانت منظمة جداً.. لدرجة كانت بتخنقني ساعات بصراحة.

في ليلة من الليالي، وإحنا بنتعشى، قالت لي أسماء بهدوء:

“بقولك إيه يا أحمد.. ما تيجي نفتح حساب توفير مشترك في البنك؟”

رفعت عيني وبصيت لها وقلت: “وليه يعني؟”

قالت ببساطة: “عشان مصلحتنا ومستقبلنا.”

كانت بتتكلم بهدوءها المعتاد، وكأنها بتطلب طلب طبيعي جداً، وكملت: “لو فضلنا نحوش بانتظام، يمكن بعد كام سنة نعرف نشتري شقة تمليك.. مش لازم تكون في مكان واو، بس شقة ملكنا ونرتاح من الإيجار وجع الدماغ.”

الفكرة كانت حلوة.. بل حلوة جداً ومنطقية. بس فيه حتة جوايا اتنفضت فجأة وخافت، فقلت لها ببرود: “نشوف الموضوع ده بعدين.. يسهلها ربنا.”

أسماء مألّحتش في الكلام، دي كانت طبيعتها، مبتحبش تضغط على حد. بس بعد كام أسبوع، فتحت السيرة تاني وقالت لي: “إنت قدرت تحوش كام الفترة اللي فاتت؟”

أخدت بؤ شاي وقبل ما أرد قلت لها: “قرشين على قد الحال.”

ابتسمت وقالت: “طيب ما نضم تحويشتنا على بعض، أنا معايا قرشين شايلاهم، وإنت معاك مبلغ، وساعتها هنبقى عارفين بالظبط فاضل لنا قد إيه عشان نشتري الشقة ونبقى على نور.. التخطيط بيبقى أسهل لما نكون عارفين راسنا من رجلينا في الفلوس.”

كلامها كان عين العقل، ومنطقي لدرجة إنها نرفزتني! لإن أنا كنت عارف حقيقة هي مكنتش تعرفها.. إن معظم تحويشة عمري مكنتش معايا أصلاً ولا في البنك هنا.

قلت لها بزهق: “قلنا بعدين يا أسماء، مش وقته.”

هزت راسها بسكوت، ومفتحتش بؤها بقية الليلة.

لكن من اليوم ده، فيه حاجة بدأت تتغير ما بيننا. مش بسبب اللي هي قالته، بس بسبب اللي أنا كنت مخبيه عنها.

كان فيه سر واحد هي متعرفوش.. أنا كل شهر أول ما المرتب ينزل في حسابي، كنت بقص منه حتة محترمة، وأقوم بعتها عل طول لأمي في طنطا.

في الأول كانت مبالغ صغيرة، وبعدين بدأت تكبر مع الوقت.. لحد ما الموضوع بقى عادة وثابت من ثوابت حياتي. طقس ميفوتش شهر من غير ما أعمله.. أقبض، أدفع الفواتير الأساسية، وأبعت الباقي لأمي.

وفي كل مرة، كانت تبعتلي رسالة قصيرة على الموبايل تقول فيها: “اطمن يا قلب أمك.. فلوسك في حرز وأمان.”

ساعتها بس كنت بحس براحة غريبة، وأحط راسي على المخدة وأنام مالي عيني.

مرت السنين.. والمبالغ بدأت تكبر وتزيد. اللي بدأ كتحويشة على قد الحال، بقى مبلغ ضخم عمري ما تخيلت في يوم إني همسكه في إيدي. بعد أكتر من عشر سنين طحن وشغل متواصل، مدخراتي وصلت لحوالي 300 ألف دولار (كنت بحولهم أول بأول لعملة صعبة وشايلهم مع أمي).

مبلغ يشتري أحسن شقة، أو يفتح مشروع كبير، أو يخليني أبدأ من جديد لو الدنيا اتهدت في أي وقت وخسرت كل حاجة.

وعشان كده بالذات.. مكنتش عايز مخلوق يعرف طريق الفلوس دي.. ولا حتى أسماء.

أسماء مكنتش تعرف حجم الفلوس اللي أنا مخبيها، كل اللي كانت تعرفه إني راجل “ناشف” وحريص زيادة عن اللزوم. بس مع مرور الأيام، بدأت تحس بحاجة أنا كنت برفض أعترف بيها.. المسافة.. الشك.. السد الخفي اللي كان بيعلى بيننا يوم ورا يوم.

حكايات_رومانى_مكرم

وفي ليلة، بعد خناقة تافهة أوي بيننا، أسماء بصت لي وقالت لي جملة.. لسه فاكرها لحد النهاردة بكل تفاصيلها.. بنبرة صوتها، بنظرة عينها.. جملة واحدة بس.

في اللحظة دي أنا مديتش لكلامها أي اهتمام ولا ركزت فيه.. بس بعد فترة مش كبيرة، لما حياتي اتقلبت شقلباظ، عرفت إنها كانت شايفه اللي أنا عميت عنه طول السنين دي كلها.

ولما عرفت الحقيقة في الآخر.. اتمنيت لو كنت سمعت كلامها قبل فوات الأوان. وو سيبلى لايك وكومنت بالصلاه على النبي وهرد عليك بباقى القصه كامله للنهايه حكايات رومانى مكرمجوزي كان دايماً يضربني ولما يغمى عليا يوديني المستشفى.

كل مرة يضربني من غير رحمة ويقولي: “أكسرك وأكشفلك”، لغاية ما في مرة حصلت الصدمة الغير متوقعة.

 

اعتقد جوزي إنه يقدر يوديني المستشفى كالعادة ويخرج منها بسلام، وفضل يكذب زي ما بيعمل دايماً. قال للدكتورة: “اتزحلقت في الحمام” وهو بيضغط على إيدي جامد كإنه بيحذرني. بس أول ما الدكتورة شافت الكدمات اللي مغطية رقبتي ودراعي وضهري، وطت صوتها وبصت للممرضة وقالت بحسم: “اطلبي الشرطة حالاً…”

— اطلبي النجدة فوراً — الدكتورة قالتها وهي مش قادرة تشيل عينها من على الكدمات اللي كنت بحاول أداريها تحت لبس المستشفى.

جوزي نفسه اتكتم للحظة.

**طارق العادلي** طول عمره بيعرف إزاي يسيطر على أي مكان يدخله. في عزايم الشغل، في حفلات البيزنس الكبيرة، وفي صوره مع كبار المسؤولين في التجمع والزمالك؛ كان دايماً يبتسم بثقة كأن العالم كله مديون له بالاحترام. في الليلة دي، في طوارئ المستشفى، كان لسه لابس قميصه الأبيض الغالي، بس أكمامه كانت متكرمشة وعينيه مبرقة من التوتر.

— اتزحلقت في الحمام — قالها بسرعة ولحق الكلام — لقيتها واقعة في البانيو. مراتي ساهية ومبتشيلش عينها من الموبايل يا دكتورة. قلتلها ألف مرة تاخد بالها وهي طالعة ونازلة.

مسك إيدي وضغط عليها بكل قوته. لأي حد واقف بعيد، المنظر هيبان حنية وخوف عليا. بس بالنسبة لي، دي كانت قسيمة أمر: **”قولي إنك وقعتي.”**

الدكتورة ماجدة رفعت، ست وقورة شعرها رمادي وصوتها هادي، مردتش عليه. رفعت الملاية براحة وشافت علامات قديمة على ضلوعي، وعلامات تانية جديدة زرقا على دراعي، وأثر خنقة ضلمت رقبتي. نظرتها مكنتش قاسية، بس ملامح وشها اتغيرت تماماً وبقت صارمة.

طارق لقط النظرة دي وفهمها.

— يا دكتورة، إحنا عيلتنا تعرف رئيس مجلس إدارة المستشفى هنا — قالها وهو بيوطي صوته بنبرة تهديد مبطنة — مش عاوزين شوشرة وفضايح على حادثة بيت عادية.

**حادثة!**

هو ده الاسم اللي بيطلقه على كل علقة بموت فيها.

بقالي أربع سنين مع طارق، حول فيهم بيتنا اللي في “كومباوند بالرحاب” لبيت قطيفة من بره، وسجن انفرادي من جوه. قدام الناس يقول “ريهام حبيبتي”، يفتح لي باب العربية، ويعدل لي شعري قدام شركائه في الشغل. وجوه البيت، يقفل الأبواب بالمفتاح، ويشيل موبايلي، ويقعد يفكرني إن محدش هيصدق كلام ست “مجنونة وبتتعالج نفسياً” ضد راجل في مركزه واسمه.

وأمه، الحجة نجوى، كانت هي اللي بتساعده يداري الكذبة.

— البنت المتربية متطلعش سر بيتها بره — قالتها لي مرة وهي بتدهن لي كونسيلر (خافي عيوب) على عيني الزرقا قبل ما ننزل حفلة لجمعية خيرية — طارق شايل شيلة تقيلة وضغوط شغله صعبة، إنتي بس اتعلمي متستفزيهوش.

عشان كده اتعلمت أبتسم وشفايفي مجروحة. وأقول إني تعبانة ومش قادرة أمشي لما جسمي كله يبقى مكسر. وأقعد جنبه في عزايم العيلة وأنا حاسة بصباعه بيغرز في ركبتي من تحت التربيزة عشان أسكت.

بس طارق عمره ما فهم أنا كنت مين قبل ما أتجوزه.

أنا كنت **مفتشة حسابات شرعية في الكسب غير المشروع والنيابة العامة**. كنت بقدر أقرأ الأرقام والميزانيات زي ما الناس بتقرأ ورقة الاعترافات. كنت عارفة بالمليم الحيتان الكبار اللي فاكرين نفسهم فوق القانون بيبقوا مخبيين فلوسهم فين. وعارفة إزاي الجمعيات الخيرية بتستخدم ساعات لغسيل الذنوب… وغسيل الملايين.

لما طارق أجبرني أستقيل وأقعد في البيت، افتكر إنه مسح الحتة دي من دماغي.

بس غباءه عماه.

بقالي عشر شهور بجمع في الدليل. صور متوثقة بالتاريخ والساعة. تسجيلات صوتية مخفية في كارت ميموري صغير شايلاه في السلسلة اللي في رقبتي ومبتتخلعش من عليا. تحويلات مشبوهة ومستندات تزوير من “مؤسسة العادلي للمقاولات” لشركات وهمية بره وجوه مصر. رسايل من أمه بتقولي فيها: *”داري دراعك كويس قبل ما ننزل نفطر مع المحافظ”*.. وفويسات من طارق نفسه وهو بيهمس بقرف: *”أنا أفرتكك ومحدش هيحاسبني، والناس برضه هتصقف لي”.*

في الليلة دي، بعد ما غبت عن الوعي من الضرب، جابني المستشفى لأنه افتكر إني مت في إيده أو خلاص بنطق. مش حنية ولا خوف عليا… خوف على نفسه وعلى اسمه.

أنوار الطوارئ البيضا كانت بتزغلل عيني. الممرضات بيجروا في كل حتة. طارق قرب من ودني وهمس:

— ريهام، وحياة ابننا، قولي إنك اتزحلقتي.

كنت حاسة بطعم الدم في بوقي. والنفس كان بيطلع بطلوع الروح. بس تحت كل الوجع ده، كان فيه إحساس جديد، إحساس نضيف، مسمحتش لنفسي أحسه من سنين.

**الجرأة.**

لفيت راسي براحة وبصيت للدكتورة.

طارق ضغط على صوابعي أكتر كأنه بيكسرها.

— أنا متزحلقتش — همست بصوت مسموع.

الدكتورة ماجدة متحركتش من مكانها. هزت راسها بس، كأنها كانت مستنية الجملة دي تطلع مني.

— أستاذ طارق، سيب إيد المدام اتفضل.

بره الأوضة، كان صوت خطوات سريعة، وأجهزة لاسلكي، وأصوات أفراد أمن المستشفى بيقربوا.

ساعتها، طارق قلع قناع الوش الطيب، وبصلي بغل ومن بين سنانه قال:

#الكاتب_رومانى_مكرم

— ريهام… إنتي مش عارفة إنتي عملتي في نفسك إيه حالاً.

غمضت عيني، وأخدت أطول نفس قدرت عليه، وقلت في بالي: *”لأ، أنا عارفة كويس أوي يا طارق”*.

اللي طارق والعيلة كلها مكنوش يتخيلوه، إن مش طارق بس اللي هيقع الليلة دي…

إمبراطورية “العادلي” كلها، من أولها لآخرها، كانت بتنهار معايا في نفس اللحظة.

يا ترى الليلة دي هتعدي على خير، ولا دي بداية نهاية عيلة العادلي؟”

حكايات روماني مكرم

اللي حابب يكمل باقي القصه ضروري يسيب لايك وكومنت بلصلي على النبيكانت الجملة بسيطة… بس اتقالت بطريقة خلتها تقطع جوايا زي السك*ينة.

 

أسماء بصّتلي وقت الخناقة، عينيها كانت هادية بشكل غريب، وقالت:

 

“إنت مش خايف على الفلوس… إنت خايف تعيش معايا وإنت مطمّن.”

 

سكت.

 

مش لأني ما لقيتش رد… لكن لأني لأول مرة حسّيت إن الجملة دي مش هجوم، كانت كشف.

 

ضحكت ساعتها بسخرية وقلت لها:

“وإنتِ فاهمة إيه بقى؟”

 

ردت بهدوء أكتر:

“فاهمة إنك مش سايبلي فرصة أكون شريكة… إنت عايزني مجرد حد موجود في حياتك، مش جزء منها.”

 

وسابتني وقامت دخلت أوضة النوم.

 

الليلة دي ما نمتش.

 

مش بسبب الخناقة… لكن بسبب جملة واحدة فضلت تتكرر في دماغي: “مش سايبلي فرصة أكون شريكة.”

 

لكن برغم كده، العند اللي جوايا كان أقوى.

كنت مقتنع إن الحذر ده هو الصح… وإن أي مشاركة في الفلوس خطر.

 

الأيام عدت، والمسافة بينا بدأت تكبر بهدوء.

مفيش خناقات كبيرة، لكن في صمت طويل.

وهو الصمت اللي بيكسر أي بيت من غير ما يخبط باب.

 

لحد ما جه اليوم اللي كل حاجة اتقلبت فيه.

 

كنت واخد إجازة، وقررت أسافر طنطا فجأة… من غير ما أقول لأسماء.

كنت عايز أرجع “تحويشة العمر” زي ما بقول لنفسي… وأطمن إن كل حاجة زي ما هي.

 

وصلت بيت أمي.

 

دخلت بابتسامة وقلبي لأول مرة يبقى خفيف.

 

بس أول ما سألت السؤال الطبيعي: “فين الفلوس يا أمي؟”

 

سكتت.

 

سكوت أطول من الطبيعي.

 

بصتلي… وبعدين قالت الجملة اللي كسرت ضهري:

 

“فلوس إيه يا ابني؟ أنا ماخدتش منك حاجة… ولا عمري شوفت تحويلاتك.”

 

الدنيا سكتت.

 

حسّيت إني مش سامع كويس.

 

قلت لها بعصبية:

“إزاي يعني؟ كل شهر كنت ببعت!”

 

ردت بهدوء أخافني أكتر:

“ولا مرة وصلني حاجة منك يا أحمد.”

 

في اللحظة دي، كل حاجة وقفت.

 

الموبايل وقع من إيدي.

 

وصوت أسماء… وجملتها القديمة… رجعوا يضربوا في دماغي مرة واحدة:

 

“إنت مش خايف على الفلوس… إنت خايف تعيش مطمّن.”

 

وهنا… فهمت لأول مرة إن المشكلة عمرها ما كانت في الثقة في مراتي…

 

المشكلة كانت في إني كنت بثق في الشخص الغلط طول الوقت.

 

وساعتها بس… سمعت باب الشقة بيتفتح ورايا في بيت أمي.

 

وصوت واحد قال بهدوء:

 

“حمد الله على السلامة… كنت فاكر إنك هتكتشف الحقيقة بدري كده.”

 

لفّيت ببطء…

 

وكانت أسماء واقفة على الباب.وقفت مكاني مش قادر أستوعب.

 

أسماء؟

 

هنا؟

 

في بيت أمي؟

 

قلت بصوت متقطع:

“إنتِ… إنتِ جيتي هنا إزاي؟”

 

دخلت خطوة واحدة جوه، وبصّت لأمي الأول… نظرة طويلة كأنها بتأكد حاجة كانت عارفاها من زمان، وبعدين رجعتلي.

 

وقالت بهدوء مخيف:

 

“أنا جيت عشان أقولك الحقيقة… قبل ما تفضل عايش طول عمرك في وهم.”

 

أمي اتوترت.

 

أول مرة أشوفها مش ثابتة.

 

قلت بسرعة:

“حقيقة إيه؟! إنتوا بتقولوا إيه؟!”

 

أسماء مدت إيديها بالموبايل وقالت:

“افتح تحويلاتك… وافتح الرسائل.”

 

فتحت بإيد بيرتعش.

 

اللي شفته خلاني أقعد على الكرسي فورًا.

 

مفيش تحويلات باسم أمي.

 

ولا مرة.

 

لكن كان فيه تحويلات ثابتة كل شهر… لحساب تاني باسم:

 

“سامي الهواري”

 

رفعت عيني:

“مين ده؟”

 

أمي بصّت في الأرض.

 

وأسماء قالت:

“ده ابن خالتك… اللي كان دايمًا بيزور طنطا… واللي كنت بتقوله عليه ثقة.”

 

حسيت الأرض بتسحبني.

 

“إنتِ بتقولي إيه؟!”

 

أسماء كملت:

“أنا مكنتش عارفة حاجة في الأول… لحد ما بدأت ألاحظ إنك كل مرة تقول رايح تزور أمك، الفلوس بتروح لحساب مش باسمها.”

 

سكتت لحظة، وبعدين قالت الجملة اللي كسرت آخر جزء في دماغي:

 

“وأمك… كانت عارفة.”

 

لفّيت ناحية أمي بسرعة:

“ده حقيقي؟”

 

دمعة نزلت من عينها.

 

وقالت بصوت واطي:

“أنا… كنت بخاف عليك يا ابني.”

 

“تخافي عليا من إيه؟!”

 

ردت وهي بتعيط:

“سامي كان بيضغط عليّا… وكان بيهددني إنه لو ماخدش الفلوس هيعمل مشاكل ليك في شغلك… وأنا كنت لوحدي… ومكنتش عارفة أتصرف.”

 

سكت.

 

المشهد كله بقى تقيل.

 

أسماء قعدت قدامي وقالت بهدوء:

 

“أنا حاولت أكلمك… حاولت أقربك… لكن أنت كنت كل مرة تبعد أكتر. كنت فاكر إني عايزة فلوسك… وأنا كنت عايزة أشاركك حياتك قبل ما تضيع منك.”

 

بصيت لها.

 

أول مرة أشوفها مش زوجة بتجادلني…

 

دي كانت حد بيحاول ينقذني.

 

سألتها بصوت مكسور:

“ليه جيتي دلوقتي؟”

 

ردت:

“لأن سامي بدأ يطلب مبلغ أكبر… وهدد إنه يكشف كل حاجة ليك… وأنا ماينفعش أسيبك تكمل في الظلام ده أكتر من كده.”

 

سكتت لحظة…

 

وبعدين قالت:

 

“بس القرار دلوقتي عندك… هتفضل تشك فيا زي الأول… ولا هتسمع لأول مرة من غير خوف؟”

 

وقتها…

 

أول مرة في حياتي…

 

ماكانش عندي رد جاهز.قعدت في الكرسي كأني اتسحبت من الدنيا كلها.

 

كل حاجة كنت فاكرها “حقيقة” اتكسرت مرة واحدة.

 

بصيت لأمي… وبصيت لأسماء… وبقيت مش عارف أصدق مين ولا أصدق إيه.

 

قلت بصوت مبحوح:

“يعني… كل السنين دي… أنا كنت ببعت فلوسي لحد تاني؟”

 

أمي نزلت عينيها أكتر وسكتت.

 

وأسماء ردت بهدوء:

“مش بس كده… ده كمان الشخص ده كان بيستغلكم إنتوا الاتنين.”

 

قفزت واقف:

“إنتِ عرفتي الكلام ده إزاي؟!”

 

قالت وهي طالعة ظرف من شنطتها:

“لما شكيت إن في حاجة غلط، بدأت أراجع كل تحويلاتك… وروحت البنك بنفسي… وطلبت كشف حساب رسمي بعد ما أثبت إن في اشتباه احتيال.”

 

فتحت الظرف.

 

ورقة رسمية.

 

أرقام.

 

توقيعات.

 

وأسماء حسابات.

 

وكل حاجة بتقول نفس الحقيقة القاسية.

 

سامي الهواري كان بيستلم الفلوس، يحول جزء منها، ويستغل الباقي باسم “استثمارات وهمية”.

 

حسّيت إني اتسرقت… مش بس في فلوسي… لكن في عمري كله.

 

همست:

“طب وأمي؟ كانت متورطة؟”

 

أسماء ردت بسرعة:

“لا… أمك كانت متخوفة عليك… بس سامي كان ضاغط عليها وبيخليها ساكتة.”

 

لفّيت ناحية أمي تاني.

 

قلت بصوت منكسر:

“ليه ماقولتليش؟ ليه خبيتِ؟”

 

قالت وهي بتعيط:

“كنت خايفة أخسرك… وخايفة يئذيك… سامحني يا ابني.”

 

سكت.

 

ومرة واحدة حسّيت إن الغضب اللي جوايا مش لاقي مكان يطلع فيه.

 

لا على أمي…

 

ولا على أسماء…

 

الغلط كان في كل السنين اللي عشتها وأنا فاكر إني ماسك كل حاجة بإيدي.

 

قعدت تاني.

 

وأسماء بصّتلي وقالت:

“دلوقتي لازم تاخد قرار… سامي مش هيسكت… وهيحاول يستمر يستنزفك.”

 

سألتها:

“إنتِ عايزة إيه مني؟”

 

قالت:

“عايزة نوقفه… ونرجّع حقك… بس أهم من ده… عايزة ترجع تثق… بس مش في الناس… في نفسك الأول.”

 

سكت.

 

وبعدين قلت:

“وأنا؟ بعد كل ده… أبدأ منين؟”

 

أسماء قامت وقفت قدامي وقالت بهدوء:

 

“تبدأ من الحقيقة… أول مرة من غير خوف.”

 

وفي اللحظة دي…

 

الموبايل رن.

 

رقم غريب.

 

اسم على الشاشة:

 

سامي الهواري

 

وأسماء بصّتلي وقالت جملة واحدة:

 

“رد… بس المرة دي… إنت اللي ماسك زمام الكلام.”بصيت على الشاشة… والاسم كأنه بيحرقها في إيدي.

 

سامي الهواري.

 

نفس الاسم اللي قلب حياتي كلها.

 

رفعت عيني لأسماء، وهي قالت بهدوء ثابت:

“رد… وخليك هادي.”

 

أخدت نفس عميق، وضغطت زر الرد.

 

“ألو؟”

 

جاء الصوت من الناحية التانية، واثق، بارد:

“أخيرًا يا أحمد… كنت فاكر إنك هتفضل تعيش في دور الابن البار لحد إمتى؟”

 

سكت.

 

سامي كمل:

“الفلوس اللي عندي باسمك… مش هتروح لك بسهولة. وإوعى تفكر إنك تقدر تثبت حاجة.”

 

قبضت إيدي على الموبايل.

 

وأسماء قربت مني خطوة، كأنها بتفكرني أهدى.

 

قلت بصوت منخفض:

“إنت عايز إيه بالظبط؟”

 

ضحك:

“عايز اللي طول عمرك بتحوشه… وبالمناسبة، لو حاولت تعمل أي حركة قانونية… عندي حاجات ممكن تكسرك قدام شغلك وسمعتك.”

 

هنا الغضب انفجر جوايا:

“إنت بتسرقني وبتهددني كمان؟!”

 

رد ببرود:

“أسميها إدارة أموال… أنت اللي كنت مريح دماغك وبتبعت فلوسك من غير ما تسأل.”

 

سكت لحظة، وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم يجمد في عروقي:

 

“وبعدين… مش كل حاجة أمك كانت بتقولها لك كانت بريئة زي ما فاكر.”

 

الخط وقع مني للحظة.

 

بصيت لأمي.

 

كانت واقفة، وشها اتغير تمامًا.

 

همست:

“ما تسمعهوش… ده بيكذب…”

 

لكن صوت سامي كمل في السماعة:

“اسألها هي بقى… مين اللي وقع على أول تنازل… ومين اللي بدأ القصة من الأول؟”

 

الصمت بقى خانق.

 

أسماء بصّتلي وقالت بسرعة:

“اقفل… ده بيحاول يلعب بيك.”

 

بس إيدي ما اتحركتش.

 

سامي كمل آخر جملة، بهدوء أخطر من أي تهديد:

“شوف يا أحمد… إنت مش ضحية بس… إنت جزء من اللعبة من غير ما تحس.”

 

وفجأة…

 

الخط اتقفل.

 

فضلت ماسك الموبايل، مش قادر أحرك إيدي.

 

بصيت لأمي.

 

“قولي الحقيقة… كاملة المرة دي.”

 

أمي قعدت على الكرسي… ودموعها نزلت أكتر من الأول.

 

وقالت بصوت مكسور:

“سامي… مش ابن خالتك بس.”

 

سكتت لحظة تقيلة…

 

وبعدين قالت الجملة اللي كسرت آخر حاجة جوايا:

 

“ده… أبوك الحقيقي.”سكتّ.

 

مش سكت عادي… ده سكوت كأن صوت الدنيا كلها اتشال من حواليا.

 

“إيه؟”

 

الكلمة خرجت مني غصب، كأنها مش بتاعتي.

 

أمي رفعت عينيها بصعوبة وقالت:

“أنا كنت صغيرة… وأبوك الحقيقي اختفى بعد ما عرفت إني حامل… وسامي دخل حياتنا بعدها بشهور.”

 

بصيت لها مش مستوعب.

 

“يعني إيه دخل حياتكم؟ وإيه علاقة ده بالفلوس؟!”

 

أسماء تدخلت بسرعة:

“خليك تسمع للآخر… واضح إن القصة أكبر من مجرد سرقة فلوس.”

 

أمي كملت وهي بتعيط:

“سامي استغل ضعفي… وقال إنه هيحمينا… وهو اللي كان بيدير الفلوس باسمك من البداية… وأنا كنت بس… بوقع على حاجات من غير ما أفهم.”

 

حسّيت بدوخة.

 

كل حاجة كانت ماشية في دماغي بشكل عكسي.

 

قلت بحدة:

“يعني أنا طول عمري ببعت فلوسي لواحد غريب… وإنتِ كنتي ساكتة؟!”

 

صرخت وهي منهارة:

“كنت بخاف عليك يا أحمد! كان بيهددني بيك!”

 

سكت.

 

نظرتي راحت لأسماء… لأول مرة مش شايفها خصم، ولا شايفها طرف… شايفها الشخص الوحيد اللي كان بيحاول يفهم.

 

قلت بصوت مكسور:

“وإنتِ… عرفتي كل ده إزاي قبل ما يجي؟”

 

أسماء ردت:

“لأن سامي كان بيحاول يكرر نفس اللعبة معاك ومعايا… بس أنا لاحظت التناقضات بدري… فبدأت أربط الخيوط.”

 

وفجأة…

 

باب الشقة اتخبط بقوة.

 

خبطة تخلي القلب يقع.

 

تاني خبطة.

 

وبعدين صوت رجولي من بره:

“افتح يا أحمد… الموضوع خلص.”

 

أمي وقفت فجأة:

“هو جه…”

 

أسماء مسكت إيدي بسرعة وقالت:

“ما تفتحش قبل ما تفهم كل حاجة…”

 

لكن قبل ما أرد…

 

الجرس فضل يرن بشكل هستيري.

 

وصوت سامي من ورا الباب كان أوضح من أي وقت:

 

“إنت خلاص عرفت الحقيقة… افتح بقى… عشان نخلص الحساب القديم.”

 

وأنا واقف في النص…

 

بين باب بيخبط بعنف…

 

وحقيقة بتتهز جوايا لأول مرة من سنين…

 

وبين امرأة واحدة بصتلي وقالت بهدوء:

 

“المرة دي… إنت اللي هتقرر النهاية.”وقفت قدام الباب، وصوت الخبط بيزيد كأنه بيكسر آخر جدار بيني وبين الحقيقة.

 

أسماء شدت إيدي وقالت بهدوء حازم:

“ما تفتحش… خليه يتكلم من ورا الباب الأول.”

 

بس سامي كان سابقنا بخطوة.

 

صوته رجع أعلى:

“أنت فاكر إنك اكتشفت حاجة جديدة؟ ده كله كان متخطط له من سنين يا أحمد!”

 

اتجمدت.

 

وأمي همست بخوف:

“ما تسمعوش… ده بيحاول يشتتك.”

 

لكن سامي كمل:

“الفلوس اللي بتدور عليها… مش بس فلوسك. دي فلوس شغل قديم… وناس كبيرة لو عرفت إنك دخلت فيها، مش هتطلع سليم.”

 

بصيت لأسماء بسرعة.

 

وشها اتغير لأول مرة… مش خوف، لكن تركيز.

 

قالت:

“ده بيحاول يخلط قض/ية الفلوس بحاجة تانية… عشان يرعبك.”

 

سامي كمل بصوت أقسى:

“افتح يا أحمد… بدل ما أخلي اللي جواك كله ينهار عليك مرة واحدة.”

 

اللحظة دي حسّيت إن القرار بقى عليّا فعلاً.

 

مش باب بيت… ده باب حياتي كلها.

 

أخدت نفس عميق، وقلت بهدوء:

“أنا هفتح.”

 

أسماء قالت بسرعة:

“استنى—”

 

لكن إيدي كانت سبقتها.

 

فتحت الباب.

 

وقف قدامي راجل في أواخر الخمسينات، ملامحه قاسية، وعينيه فيها ثقة مزعجة… كأنه داخل ملكه مش بيت غريب.

 

بصلي وقال بابتسامة خفيفة:

“أخيرًا… قابلتني.”

 

سكت لحظة، وبعدين بص ورايا على أمي:

“وحشتيني يا ليلى.”

 

اتجمدت.

 

وأسماء بصّت لي بسرعة وقالت بصوت منخفض:

“ده مش مجرد نصاب… ده عارفكم أكتر مما قلت.”

 

سامي دخل خطوة جوه البيت من غير إذن، وقال:

“دلوقتي بقى نكمل القصة صح… من الأول خالص.”

 

قعد على الكرسي وكأنه صاحب البيت، وبصلي:

 

“أنت فاكر إنك كنت بتحمي فلوسك من الدنيا… الحقيقة إنك كنت بتجمعها لليوم ده.”

 

قلت بحدة:

“يوم إيه؟ إنت عايز إيه مني؟”

 

رفع عينه وقال الجملة اللي قلبت كل حاجة:

 

“عايزك تختار… يا تاخد مكانك الحقيقي في اللي أنا بنيته… يا تبقى زي أبوك… اختفى للأبد.”

 

سكت البيت كله.

 

وأسماء همست:

“أبوك الحقيقي… مش هو اللي قالهولك.”

 

وسامي ابتسم وقال:

“بس أنا اللي ربيته.”

 

وفي اللحظة دي…

 

اتفتح باب جديد في القصة… باب أخطر من كل اللي فات.البيت كله سكت كأنه اتشل.

 

حتى صوت نفسي كان تقيل في وداني.

 

بصيت لسامي وقلت ببطء:

“إنت بتقول إيه؟ ربيتني إزاي؟ وإيه الكلام ده؟”

 

سامي اتكأ على الكرسي وكأنه مرتاح وسط فوضى عملها بإيده:

“أمك قالت لك نص الحقيقة… ونسيت تكمل الباقي.”

 

بصيت لأمي بسرعة.

 

كانت منهارة، وبتبص في الأرض كأنها بتدور على مخرج.

 

قال سامي:

“أبوك الحقيقي دخل في شغل كبير زمان… شغل مايتحكيش عنه بسهولة. ولما الدنيا بدأت تسخن، اختفى… وسبّك أنت وأمك في نص النار.”

 

سكت لحظة، وبعدين كمل:

“وأنا اللي طلعتكم منها.”

 

أسماء قالت بسرعة:

“إنت بتلعب بالكلام… واضح إنك بتخوفه عشان يوافقك.”

 

سامي بص لها بابتسامة باردة:

“أنا ما بخوفش حد… أنا بفتّح عينه.”

 

رجعلي وقال:

“كل الفلوس اللي كنت بتبعتها… كانت بتتحول وتدار في مشاريع كنت أنا ماسكها عشان أحميك من حاجات أكبر منك.”

 

حسّيت إني بين نارين…

كلامه شكله متماسك… بس في نفس الوقت ريحته كذب.

 

قلت:

“ولو كلامك صح… ليه كل ده كان في الخفاء؟ وليه كنت بتسرقني؟”

 

ضحك بهدوء:

“لأنك لو كنت عرفت الحقيقة بدري… كنت هتنهار. وأنا كنت محتاجك تكبر وتبقى قوي الأول.”

 

أسماء قربت مني خطوة وهمست:

“ما تصدقش كل كلمة… هو بيعيد تشكيل القصة عشان يطلع نفسه البطل.”

 

لكن سامي فجأة قام من مكانه، وبصلي مباشرة:

“اختبار بسيط… لو أنا عدوك فعلاً، كنت هسيبك تعرف كل ده؟ ولا كنت خلصت عليك من زمان؟”

 

سكت.

 

والمنطق كان بيشتغل ضدي.

 

لكن قلبي كان بيرفضه.

 

وفي اللحظة دي…

الموبايل اللي في إيده رن.

 

بص له… وابتسم ابتسامة غريبة.

 

وقال:

“شايف؟ الوقت خلص.”

 

بعدين رفع عينه وقال جملة واحدة:

 

“اللي جاي دلوقتي مش قرارك أنت لوحدك… ده قرار ناس كتير كانت مستخبية في الظل طول عمرك.”

 

وفجأة…

 

سمعنا صوت عربيات تقف قدام العمارة تحت.

 

وأسماء بصت من الشباك بسرعة، ورجعتلي وهي بتهمس:

 

“في حد طالع السلم… وكتير.”

 

سامي بصلي بهدوء وقال:

“آخر فرصة… تختار طريقك.”وقفت مكاني، وصوت خطوات السلم بقى أعلى من أي كلام في البيت.

خطوات تقيلة… متعددة… مش شخص واحد.

أسماء همست:

“دول مش جايين صدفة… دول جايين له.”

وأشارت ناحية سامي.

سامي ما اتحركش… بالعكس، كان هادي زيادة عن الطبيعي، كأنه كان مستني اللحظة دي من الأول.

بصلي وقال:

“شايف؟ أنا ما كنتش بشتغل لوحدي.”

الخبط على الباب الرئيسي في العمارة بدأ يتصاعد.

ثم صوت رجالي من تحت:

“افتحوا الباب… مباحث.”

أمي وقعت على الكرسي:

“يا رب ستره…”

وأسماء بصتلي بسرعة:

“دي مش مسألة فلوس بس دلوقتي… دي مسألة شبكة كاملة.”

قلبي اتقبض.

المباحث؟ شبكة؟

سامي ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

“اتأخرتوا… بس على الأقل جت في وقتها.”

التفت له بسرعة:

“إنت كنت عارف إنهم جايين؟”

رد بهدوء:

“طبعًا.”

هنا حسّيت إن كل حاجة بتقع في بعضها زي الدومينو.

أسماء قالت بصوت منخفض:

“هو سلّم نفسه؟”

سامي هز راسه:

“مش سلّمت نفسي… أنا سلّمت اللعبة كلها.”

وفجأة، بصلي مباشرة وقال:

“أنت كنت القطعة اللي ناقصة طول السنين… كنت بحضرّك لليوم ده من غير ما تحس.”

الخطوات على السلم وصلت قدام الباب.

خبط عنيف.

“افتح باسم القانون!”

سامي وقف، عدّل قميصه، وبصلي آخر مرة:

“دلوقتي هتعرف مين كان بيحميك… ومين كان بيستخدمك.”

وأسماء مسكت إيدي جامد وقالت:

“ما تسيبش الكلام يلغبطك… الحقيقة لسه كاملة.”

الضربة الأخيرة على الباب كانت أقوى.

والباب اتفتح فجأة.

دخل رجال بملابس رسمية، ومعاهم أوامر.

واحد فيهم قال:

“سامي الهواري… أنت متهم في قضايا احتيال وغسيل أموال.”

لكن سامي رفع إيده بهدوء وقال:

“تمام… أنا كنت مستنيكم.”

وبصلي وقال آخر جملة بصوت واطي، بس وصلني واضح:

“وأنت… لسه دورك ما خلصش.”

وفي اللحظة دي…

قبل ما ياخدوه… سلّمني ظرف صغير.

أسماء صرخت:

“ما تاخدش حاجة منه!”

لكن الظرف كان في إيدي خلاص.

والظباط خرجوا بيه تحت الحراسة.

فضلنا إحنا تلاتة في البيت… صمت تقيل… ونهاية مفتوحة لسر لسه ما اتقفلش.

وأنا ماسك الظرف… وقلبي بيقول إن اللي جواه… هو الحقيقة اللي هتغير كل حاجة تاني مرة.وقفت وأنا ماسك الظرف كأنه حجر سخن.

 

أسماء بصّت له وقالت بسرعة:

“ما تفتحهش دلوقتي… لازم نكون هاديين ونفهم اللي بيحصل.”

 

بس إيدي كانت بتتحرك لوحدها.

 

فتحت الظرف.

 

جوهه كان فيه ورقتين… وصورة قديمة.

 

أول ما بصيت للصورة، قلبي وقع.

 

أنا صغير… يمكن 6 أو 7 سنين… واقف بين سامي… وأمي.

 

بس اللي صعقني مش الصورة لوحدها…

 

كان مكتوب تحتها بخط إيد أمي:

 

“ابني مع سامي… قبل ما كل حاجة تبدأ.”

 

رفعت عيني لأمي بسرعة:

“إيه ده؟!”

 

سكتت.

 

وأسماء قربت تقرأ… ووشها اتغير.

 

سامي كان كاتب في الورقة التانية:

 

> “لو وصلتك الورقة دي، يبقى أنت جاهز تعرف الحقيقة كاملة:

أنا ما دخلتش حياتكم صدفة… أنا كنت موجود قبل ما تتولد.”

 

 

 

اتجمدت.

 

وأمي همست بصوت مكسور:

“يا أحمد… اسمعني بس…”

 

لكن المرة دي ما كنتش قادر أسمع.

 

قلت بعصبية:

“أنا مش فاهم حاجة! إنتوا بتلعبوا بيا من وأنا طفل؟!”

 

أسماء مسكت الورق بسرعة وقالت:

“في حاجة مش راكبة… الصورة دي قديمة أوي… وسامي واضح إنه كان قريب منكم من زمان.”

 

فجأة أمي قامت واقفة، وانهارت:

“أيوه… كان قريب… لأنه كان أخو أبوك الحقيقي.”

 

الصمت ضرب المكان تاني.

 

بصيت لها:

“يعني إيه؟!”

 

قالت وهي بتعيط:

“أبوك الحقيقي… كان ليه أخ اسمه سامي… ولما أبوك اختفى، هو اللي فضل يراقبك من بعيد… ويشوفك بتكبر… ويدخل حياتك تدريجي.”

 

أسماء همست:

“يعني كل اللي حصل… مش صدفة… ده تخطيط سنين.”

 

أنا حسّيت إن دماغي خلاص مش قادرة تستوعب.

 

“طب والفلوس؟”

 

أمي ردت بصوت مهزوز:

“هو اللي كان بيستلمها… عشان يحافظ عليها… مش عشان يسرقك… لكن…”

 

سكتت.

 

قلت بسرعة:

“لكن إيه؟!”

 

قالت:

“لكن مع الوقت… بقى شايف إنك لازم تبقى جزء من عالمه… مش بس ابن أخوه… شريك في كل حاجة.”

 

أسماء بصّتلي وقالت بجدية:

“يعني كان بيبنيك على طريقه هو… مش طريقك أنت.”

 

في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع مش فلوس بس…

 

ده حياة كاملة كانت بتتشكل من ورايا.

 

بس قبل ما أتكلم…

 

الموبايل بتاعي رن.

 

رقم مجهول.

 

وأول ما فتحت الخط… كان صوت سامي تاني.

 

بس المرة دي كان مختلف… أهدى… وأعمق:

 

“دلوقتي فهمت جزء… بس لسه الجزء اللي يخليك تختار نفسك أو تكمل طريقي.”

 

سكت لحظة، وبعدين قال الجملة الأخيرة:

 

“اسأل أمك سؤال واحد بس…

ليه أبوك الحقيقي اختفى فعلاً؟”

 

والخط اتقفل.

 

بصيت لأمي…

وأسماء بصّتلي…

والصورة في إيدي كانت بترتعش…

 

وسؤال واحد بدأ يولد جوايا لأول مرة:

 

مين اللي كمل الحقيقة… ومين اللي كان بيخبي الجزء الأخطر منها؟البيت اتقفل علينا كأنه بقى صندوق أصواته مكتومة.

 

بصيت لأمي، والصورة لسه في إيدي، وقلت بصوت هادي بس فيه تهديد من غير ما أقصد:

 

“قولي الحقيقة كاملة… المرة دي مفيش نص كلام.”

 

أمي قعدت على الكرسي، ودموعها نازلة من غير توقف.

وأسماء واقفة جنب الحيطة، عينها علينا الاتنين، كأنها بتجمع الخيوط اللي بتتفلت مني.

 

قالت أمي بصوت مكسور:

 

“أبوك الحقيقي… ما اختفاش فجأة زي ما قلت لك.”

 

سكتت.

 

السكوت كان أطول من أي اعتراف.

 

قلت بعصبية:

“كمّلي!”

 

أخذت نفس وقالت:

 

“اتحبس.”

 

المرة دي الصدمة كانت أقسى من أي حاجة سمعتها قبل كده.

 

“اتحبس؟ في إيه؟”

 

ردت:

“قض/ية كبيرة… كان شغال في تهريب ملفات وأموال… واسم سامي كان داخل فيها… بس أبوك هو اللي اتحمل كل حاجة.”

 

أسماء قطعت الكلام بسرعة:

“يعني أبوك ضحّى بنفسه؟”

 

أمي هزّت راسها:

“أيوه… وسامي كان المفروض يخرج معاه… لكن أبوك رفض يجرّه معاه في القض/ية.”

 

بصيت لها وأنا مش قادر أحدد إحساسي:

 

“وسامي؟ كان فين وقتها؟”

 

أمي سكتت لحظة… وبعدين قالت الجملة اللي كسرت آخر ثقة في دماغي:

 

“كان شاهد ضده.”

 

الصمت وقع زي حجر.

 

أسماء قالت بهدوء:

“يعني هو اللي دخّله السجن… وبعدها دخل حياتكم كأنه المنقذ؟”

 

أمي ردت:

“أيوه… بس مش بالشر اللي أنت فاكره… هو كان شايف إن ده حماية… إن أبوك لو فضل بره كان هيتق*تل.”

 

بصيت لها بحدة:

“ويخلّي ابنه يعيش في كدبة عشرين سنة؟!”

 

أمي انهارت:

“أنا كنت خايفة عليك… وكنت فاكرة إنه هيحميك… وهو فعلاً كان بيبعتلك فلوسك… بس بطريقة هو شايفها صح!”

 

أسماء قربت مني وقالت بصوت منخفض:

 

“كل واحد فيهم بيحكي جزء… بس محدش بيحكي الصورة كاملة.”

 

قفلت عيني لحظة.

 

كل حاجة بقت متناقضة: مجرم… ضحية… منقذ… خائن…

 

مين فيهم سامي الحقيقي؟

 

مين فيهم أمي كانت بتخاف منه؟

 

ومين فيهم أنا كنت المفروض أكونه؟

 

فجأة، لقيت نفسي واقف.

 

قلت بهدوء غريب:

 

“أنا لازم أشوفه.”

 

أسماء ردت بسرعة:

“هو في الحجز دلوقتي… ومش هتقدر توصل له بسهولة.”

 

بس أنا قلت:

 

“مش في الحجز.”

 

بصيت لها:

 

“أنا متأكد إنه لسه مش خلص كلامه.”

 

وفي نفس اللحظة…

 

الموبايل بتاعي رن تاني.

 

نفس الرقم المجهول.

 

وأول ما فتحت الخط، جاله صوته:

 

“أنا مستنيك برّه.”

 

أسماء صرخت:

“إزاي؟! ده اتحبس!”

 

لكن من الشباك…

 

شفت عربية سوداء واقفة قدام البيت.

 

والباب مفتوح.

 

وكرسي السواق فاضي.

 

وصوت سامي قال بهدوء:

 

“آخر درس… قبل ما تختار مين أنت فعلاً.”وقفت عند الشباك، ومش مصدق اللي شايفه.

 

العربية واقفة… والشارع هادي بشكل يخوف… كأن الدنيا كلها بتقول إن اللي جاي مش طبيعي.

 

أسماء قربت مني وقالت:

“ده لعب… ده مستحيل يكون خرج كده!”

 

وأمي بصّت من بعيد وهمست:

“قلت لك… هو مش زي الناس.”

 

نزلت السلم بسرعة قبل ما حد يلحق يوقفني.

 

أسماء ورايا بتنده:

“أحمد! ما تنزلش لوحدك!”

 

بس كنت خلاص قررت.

 

كل حاجة وصلت لحد هنا… لازم تتقفل بإيدي أنا.

 

خرجت من باب العمارة.

 

العربية السودا كانت قدامي مباشرة.

 

الزجاج اللي ورا اتحرك ببطء.

 

وسامي كان جوا.

 

بس المرة دي شكله مختلف… مفيهوش تهديد… مفيهوش سيطرة… فيه حاجة أقرب للتعب.

 

قال:

“اركب.”

 

وقفت مكاني:

“إنت هربت إزاي؟”

 

رد بهدوء:

“أنا ما هربتش… أنا اللي خرجت.”

 

سكت لحظة وبعدين قال:

“ولو حابب تفهم الحقيقة الأخيرة… مفيش غير هنا.”

 

بصيت حواليّا… الشارع فاضي بشكل مريب.

 

ركبت.

 

العربية اتحركت فورًا.

 

ما كانش فيه سواق.

 

كنت أنا وهو بس.

 

سامي قال وهو سايق بهدوء:

“فاكر لما سألتني ليه خليتك تجمع فلوس كل السنين دي؟”

 

قلت:

“قول.”

 

رد:

“عشان كنت بجهّزك للحظة دي.”

 

بصيت له:

“لحظة إيه؟”

 

سامي لفّ ناحيتي وقال:

 

“الفلوس اللي جمعتها… مش فلوسك بس.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين كمل:

 

“دي فلوس ق*ضية أبوك… اللي اتسابت من غير ما تتحل… واللي لو اتفتحت رسمي… هتسحب ناس كتير معانا تحت.”

 

قلبي دق بسرعة.

 

قلت:

“يعني إيه؟”

 

قال:

“يعني إنت الوريث الوحيد للملف… والفلوس… والحقيقة.”

 

العربية وقفت فجأة قدام مبنى قديم.

 

سامي نزل وقال:

“انزل… وقرر.”

 

نزلت.

 

قدام باب حديد كبير عليه قفل قديم.

 

وسامي قال:

“جوه هنا… كل حاجة.”

 

بصيت له:

“وإنت عايز إيه مني دلوقتي؟”

 

ابتسم لأول مرة ابتسامة مختلفة تمامًا:

 

“عايزك تختار…

تقفل القصة وتعيش حياتك…

ولا تفتح الباب وتبقى أنت اللي تبدأ القصة من جديد.”

 

وسكت.

 

والهواء كان تقيل بشكل غير طبيعي.

 

وقفت قدام الباب…

وإيدي على القفل…

 

وخلفي سامي واقف مستني قرار ممكن يغير كل حاجة للأبد.وقفت قدام الباب الحديد، وإيدي على القفل، وقلبي بيخبط كأنه عايز يطلع من صدري.

 

سامي واقف ورايا ساكت… للمرة الأولى ما بيضغطش عليا، ما بيهددش… بس بيستنى.

 

قلت من غير ما أبص له:

“لو فتحت… هلاقي إيه بالظبط؟”

 

رد بهدوء:

“الحقيقة… من غير فلترة.”

 

سكت لحظة، وبعدين كمل:

“وأبوك… لو لسه عندك أي سؤال عنه.”

 

الاسم ده كان بيشدني زي مغناطيس.

 

أبويا.

 

كل الروايات اللي سمعتها كانت بتتغير كل مرة… سجن، خيانة، حماية، تهديد.

 

لكن الحقيقة؟ لسه ما شفتهاش بعيني.

 

شدّيت نفس طويل… ولفيت القفل.

 

صوت الحديد وهو بيفتح كان تقيل… كأنه بيفتح مش باب، لكن سنين كاملة مقفولة جوايا.

 

دفعت الباب.

 

دخلنا.

 

المكان كان مخزن قديم… إضاءة صفراء ضعيفة… وأوراق متكومة… وملفات عليها تراب سنين.

 

وفي النص… صندوق حديد كبير مفتوح نص فتحة.

 

سامي قال:

“قرب.”

 

قربت خطوة… وبعدين خطوة تانية.

 

جوا الصندوق كان فيه:

 

ملفات… صور… تسجيلات… وأظرف متقسمة بأسماء ناس كتير.

 

لكن في ملف واحد كان مختلف… مكتوب عليه بخط واضح:

 

“ملف أحمد – الحقيقة الكاملة”

 

مسكته بإيدي.

 

سامي قال بصوت منخفض:

“ده مش ملف عادي… ده اللي أبوك كان بيحاول يحميك منه لحد آخر لحظة.”

 

فتحت أول صفحة.

 

صورة.

 

وأنا فيها… أكبر من اللي في الصورة القديمة… شاب تقريبًا.

 

بس اللي صعقني مش الصورة…

 

كان مكتوب تحتها:

 

“تجربة إعادة دمج – المرحلة الأولى”

 

رفعت عيني بسرعة:

“إيه الكلام ده؟!”

 

سامي ما ردش فورًا.

 

قرب مني وقال بهدوء مخيف:

 

“أبوك ما كانش مجرد متورط في قض*ية… كان جزء من مشروع أكبر بكتير… مشروع إعادة بناء هويات… وناس كتير كانت بتتراقب من وهم إنهم عايشين حياة طبيعية.”

 

حسّيت الأرض بتلف بيا.

 

قلت:

“إنت بتقول إيه؟ أنا مش فاهم!”

 

سامي رد:

“أنت مش زي ما فاكر نفسك يا أحمد… ولا اسمك الحقيقي كده أصلاً.”

 

سكت.

 

وبعدين قال الجملة اللي كسرت آخر جدار في دماغي:

 

“إنت كنت الهدف… من البداية.”

 

وفي اللحظة دي…

 

نور المخزن كله انقطع فجأة.

 

والباب اللي ورايا اتقفل لوحده بصوت ضخم.

 

وسامي قال في الظلام:

 

“دلوقتي… لو عايز الحقيقة كاملة… مفيش رجوع.”الظلام كان تقيل بشكل يخنق النفس، كأن المكان نفسه بيقفل علينا مش بس الباب.

 

وقفت مكاني، وإيدي لسه ماسكة الملف.

 

سمعت صوت خطوات سامي تقرب مني ببطء.

 

قال بهدوء:

“خد نفس… ما تحاولش تقاوم اللي جاي في دماغك دلوقتي.”

 

قلت بعصبية وأنا بحاول أميّز مكانه في الضلمة:

“إنتوا مجانين… إيه مشروع؟ وإيه إعادة هويات؟ أنا حياتي كانت عادية!”

 

ضحك ضحكة قصيرة:

“عادية؟ لو كانت عادية… ماكنتش هتجمع كل السنين دي الفلوس دي من غير ما تسأل سؤال واحد ليه.”

 

سكت.

 

لأني… فعلاً ما سألتش.

 

كان كل همي الحذر… مش الفهم.

 

فجأة نور ضعيف اشتغل في ركن المخزن.

 

شافني سامي.

 

كان واقف جنب لوحة كبيرة متعلقة على الحيطة… عليها صور وأسماء وخطوط متوصلة ببعض زي خريطة معقدة.

 

وبينها صورتي أنا.

 

بس مش صورة واحدة… صور كتير في مراحل مختلفة من حياتي.

 

طفل… مراهق… شاب.

 

كلها متراقبة.

 

حسّيت بغصة في صدري.

 

قلت بصوت واطي:

“مين اللي صور ده كله؟”

 

سامي قال:

“مش شخص واحد… منظومة.”

 

قرب مني وقال:

“أبوك كان عالم شغال على فكرة خطيرة… إعادة تشكيل الشخصية بعد الصدمات… وتهريب الناس من ماضيهم بهويات جديدة.”

 

سكت لحظة، وبعدين كمل:

“ولما رفض يكمل المشروع… حاولوا يمسحوه من الصورة.”

 

بصيت له:

“ويمسحوني أنا ليه؟!”

 

رد بهدوء مخيف:

“عشان كنت الدليل الوحيد إنه نجح… أو فشل.”

 

وقتها رجلي ضعفت.

 

سندت على الحيطة.

 

“يعني إيه؟ أنا مش فاهم حاجة!”

 

سامي قرب أكتر وقال بصوت منخفض:

 

“إنت مش متربي في عيلة عادية يا أحمد…

إنت كنت جزء من تجربة… واتساب عليك أنك تعيش حياة طبيعية لحد ما اللحظة دي تيجي.”

 

سكت.

 

وبعدين كمل:

 

“واللحظة دي… هي لما تبدأ تسأل.”

 

المخزن كله اهتز بصوت خفيف… كأن في حاجة بتتحرك فوقنا.

 

وسامي رفع عينه وقال:

 

“واضح إنهم وصلوا.”

 

قلت بسرعة:

“مين؟!”

 

قبل ما يرد…

 

صوت خبط عنيف على الباب الحديدي اللي دخلنا منه.

 

مرة.

 

اتنين.

 

تلاتة.

 

وصوت من بره:

 

“افتحوا… باسم الجهة المختصة.”

 

سامي بصلي وقال بهدوء:

 

“دلوقتي بقى القرار مش بس بينك وبين نفسك…

ده بينك وبين اللي عايزين يقفلوا الموضوع للأبد.”

 

وقبل ما أرد…

 

الملف اللي في إيدي وقع على الأرض… واتفتح على صفحة فيها جملة واحدة:

 

“في حالة تفعيل الوعي الكامل… يتم النقل الفوري للهدف.”

 

وسامي قال بصوت واطي:

 

“أهلاً بيك في آخر مرحلة يا أحمد.”الخبط على الباب الحديدي بقى أعنف، كأنه بيكسر في العضم مش في معدن.

 

“افتحوا! باسم الجهة المختصة!”

 

الصوت كان واضح وقريب… ومش مجرد تهديد، ده تنفيذ فعلاً.

 

بصيت لسامي بسرعة:

“إيه اللي بيحصل؟ مين دول؟”

 

سامي ما ردش فورًا… كان مركز على الباب وكأنه بيحسب الثواني.

 

وبعدين قال بهدوء غريب:

“دي اللحظة اللي كنت بقولك عليها… لما الحقيقة تبدأ تتقفل من برّه.”

 

أسماء كانت أول مرة تسمع صوته من برّه، فصوتها طلع في دماغي رغم إنها مش هنا: ما تفتحش… ما تثقش فيه…

 

بس الحقيقة إن مفيش طريق واضح أصلاً.

 

فجأة… الباب الحديد اتكسر من القفل الداخلي بخبطة واحدة قوية.

 

اتفتح.

 

دخلوا اتنين بملابس رسمية، ومعاهم واحد تالت مدني، عينيه بتلف في المكان بسرعة.

 

أول واحد قال:

“أحمد عبد الرحمن؟”

 

سكت.

 

سامي رفع إيده بهدوء:

“هو معايا.”

 

الضابط بص له:

“وأنت مين؟”

 

سامي رد بثبات:

“الشخص الوحيد اللي حافظ على اللي حصل هنا عشرين سنة… لحد ما هو فاق.”

 

الضابط بص ليّ، وبعدين على الملفات على الأرض، وبعدين قال:

“هنقفل المكان ده فورًا… والهدف هيتنقل للتحقيق.”

 

كلمة “الهدف” خبطت في وداني.

 

أنا مش شخص… أنا “هدف”.

 

تحركوا ناحيتي.

 

سامي فجأة قال بصوت أعلى:

“استنى.”

 

الكل وقف.

 

هو بص لي وقال بهدوء مختلف تمامًا:

“لو خرجت معاهم دلوقتي… القصة هتقفل هناك… وهتفضل فاكر إنك مجرد ضحية خداع مالي.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين كمل:

“لكن لو فضلت هنا دقيقة زيادة… هتفتكر كل حاجة.”

 

الضابط شدّني من دراعي:

“يلا.”

 

وفي اللحظة دي…

 

سامي قرب مني بسرعة وهمس في ودني جملة واحدة:

 

“افتكر لما كنت بتخاف من الثقة… مين أول مرة خلاك تشك في نفسك؟”

 

الجملة ضربت دماغي زي كهربا.

 

فجأة… مشهد قديم رجع… مش واضح… بس إحساس قوي: طفل، مكان أبيض، صوت أجهزة…

 

شدّيت إيدي من الضابط غصب عني.

 

الكل اتجمد.

 

بصيت لسامي.

 

قلت بصوت مكسور:

“إنت عايز مني إيه بالظبط؟!”

 

سامي قال بهدوء أخير:

“عايزك تختار مش هروبك… عايزك تختار هويتك.”

 

وفي نفس اللحظة…

 

النور رجع في المخزن فجأة.

 

لكن الملفات على الأرض كانت اتبدلت.

 

وبقى على أول صفحة مكتوب:

 

“المرحلة النهائية: استعادة الذاكرة الأصلية”

 

والضابط قال بحدة:

“كفاية كلام… هننقله فورًا!”

 

سامي بصلي آخر مرة وقال:

 

“دلوقتي… القرار بقى جواك أنت بس.”

 

ومد إيده ناحية زرار صغير على الحيطة وقال:

 

“إما تسيبهم ياخدوك… أو تضغط الزر وتعرف كل حاجة… حتى لو الحقيقة هتكسر اللي باقي منك.”

 

وإيده معلّقة بين زرارين…

والوقت بيعدّي…

ومفيش رجوع.الوقت ما كانش بيعدّي… كان بيضغط على صدري.

إيدي الضابط على دراعي، وسامي واقف قدامي، والزرار الأحمر على الحيطة كأنه بينادي عليّا.

“يلا يا أحمد!” الضابط شدّني أكتر.

“هنقفل المكان فورًا!”

لكن صوت سامي كان أهدى من أي صراخ:

“لو خرجت دلوقتي… هترجع لنقطة البداية… هتنسى كل اللي شفته هنا… وهتعيش فاكر إنك كنت ضحية فلوس وخداع وخلاص.”

سكت لحظة، وبعدين كمل:

“لكن لو ضغطت… هتشوف الحقيقة كاملة… حتى لو مش هتعرف ترجع بعدها زي الأول.”

نظرتي راحت للزرار.

وبعدين رجعت لأسماء… رغم إنها مش موجودة، بس صوتها كان في دماغي:

ما تضيعش نفسك في لعبة غيرك…

وبعدين بصيت لأمي… المكسورة… الواقفة في زاوية الحقيقة والخوف.

قلت بصوت واطي:

“ولو الحقيقة كسرتني؟”

سامي رد فورًا:

“يبقى على الأقل هتبقى عارف مين إنت.”

الضابط صرخ:

“كفاية كلام! آخر تحذير!”

وفي اللحظة دي… كل حاجة جوايا اتجمعت في نقطة واحدة.

الخوف… الشك… السنين… الكذب… الأسئلة اللي ما اتجاوبتش.

مددت إيدي.

مش ناحية الضابط.

ولا ناحية سامي.

ناحية الزرار.

وسكت ثانية واحدة…

وبعدين ضغطت.

…

اللحظة اللي بعدها، المكان كله اتغير.

النور ضرب المخزن بقوة لدرجة إني غمضت عيني.

صوت أجهزة اشتغل فجأة… إنذارات… خطوات جري من كل ناحية.

سمعت سامي بيقول بهدوء غريب:

“بدأت.”

فتحت عيني.

المخزن مش مخزن.

ده كان غرفة بيضاء ضخمة… مليانة شاشات… وأطباء واقفين… وأشخاص بلبس رسمي بيتحركوا بسرعة.

والضابط؟

اختفى.

وأمي؟

مش موجودة.

وسامي واقف جنبي… بس مش واقف كعدو ولا صديق…

واقف كـ “مشرف”.

بصيت حواليّ بصدمة:

“إيه ده؟ فين أنا؟!”

سامي قال بهدوء شديد:

“إنت في المكان اللي بدأت فيه… ومش كل حاجة كانت في حياتك كانت حياة عادية يا أحمد.”

بصيت للشاشات.

وشفت نفسي… عشرات المرات… في تسجيلات مختلفة.

لكن أخطر حاجة…

إن في شاشة كبيرة قدامي كانت بتعرض جملة واحدة بتتكرر:

“تم إيقاظ النموذج بنجاح.”

التفت لسامي ببطء:

“نموذج…؟”

سامي هز راسه:

“إنت مش قصة اتسرقت… إنت مشروع بيتفهم.”

وقبل ما أتكلم…

قال الجملة الأخيرة بصوت هادي جدًا:

“والحقيقة دلوقتي… مش إنك ضحية… الحقيقة إنك لازم تختار: تكمل وعيك… ولا توقفه هنا للأبد.”هنا… لأول مرة… الإحساس ما بقاش صدمة.

 

بقى رفض.

 

رفض إن حياتي تتحول لكلمة على شاشة.

 

رفعت عيني لسامي وقلت بصوت ثابت رغم الرجفة اللي جوايا:

“كفاية لعب… أنا مش مشروع.”

 

سامي ما ردش بسرعة.

 

كان باصصلي كأنه بيقيس رد فعلي مش بيسمع كلامي بس.

 

قال بهدوء:

“كل واحد هنا قال نفس الجملة في البداية.”

 

بصيت حواليّ.

 

الناس اللي لابسة أبيض، الشاشات، الأجهزة… كل ده كان بيحاول يثبت حاجة واحدة: إني مش في عالم طبيعي.

 

لكن الغريب… إن جزء مني كان لسه بيقاوم الفكرة دي بقوة.

 

قلت:

“لو أنا مشروع… يبقى إنت إيه؟!”

 

سامي قرب خطوة وقال:

“أنا اللي حافظت إن المشروع ما يموتش قبل ما يكتمل.”

 

سكت لحظة، وبعدين كمل:

“وأبوك… كان هو أول واحد حاول يكسّره.”

 

اسم أبويا رجع تاني… بس المرة دي من غير أي قصة واضحة، من غير إطار.

 

قلت:

“فين أبويا بقى؟ في السجن؟ ميت؟ ولا جزء من الهلوسة دي؟”

 

سامي بصلي نظرة طويلة وقال:

“أبوك كان واحد من العلماء… اللي اشتغلوا على مشروع إعادة بناء الوعي.”

 

قلبي اتشد.

 

“وكان عنده ابن… أنت… والاختبار الحقيقي كان عليك من يوم ما اتولدت.”

 

حسّيت الأرض تحتيا بتتلخبط.

 

بس المرة دي… ما وقعتش.

 

سألت:

“والفلوس؟ والتحويلات؟ وأمي؟ وكل السنين دي؟”

 

سامي أشار على الشاشة الكبيرة.

 

ظهرت لقطات ليّ وأنا بشتغل، أتكلم، أعيش… لكن في زوايا مختلفة، كأن في طبقات من المراقبة.

 

وقال:

“الفلوس كانت جزء من التجربة… وسيلة لقياس سلوكك تحت الضغط… الثقة… الخوف… السيطرة.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين كمل الجملة اللي قلبت كل حاجة:

 

“وأمك… كانت جزء من النموذج الأولي.”

 

اتجمدت.

 

في اللحظة دي… صوت خلفي اتكلم.

 

صوت أنثوي.

 

“كفاية يا سامي.”

 

لفيت بسرعة.

 

ووقفت قدامي… امرأة لابسة نفس الزي الأبيض، لكن ملامحها أقرب للإنسانية من أي حد في المكان.

 

بصّت لي وقالت بهدوء:

 

“هو بيقولك نصف الحقيقة… بس بيسيب النصف اللي يسيطر عليك.”

 

سامي قال بحدة لأول مرة:

“ما تتدخليش.”

 

هي تجاهلته وبصّت لي:

 

“إنت مش مشروع كامل… وإنت مش مجرد ضحية… إنت وعي اتبنى وسط كذب… وبدأ يفوق.”

 

سكتت لحظة.

 

وبعدين قالت الجملة الأهم:

 

“والزرار اللي ضغطته… ما كانش لتشغيل التجربة… كان لفصلها.”

 

كل حاجة سكتت.

 

الشاشات بدأت تلمع بشكل غير طبيعي.

 

وسامي بصلي لأول مرة بارتباك حقيقي.

 

وقالت المرأة:

“دلوقتي… لو كملت معاهم، هتفضل جوه النظام ده للأبد… ولو خرجت… هتضطر تعيش بحقيقة مفيش حد فيهم متفق عليها.”

 

مدّت إيديها ليّ وقالت:

 

“بس القرار الأخير… مش عندهم.”

 

سامي قال بسرعة:

“ما تثقش فيها!”

 

والغرفة كلها بدأت تهتز بصوت إنذار عالي.

 

أنا واقف في النص.

 

بين تفسيرين للحقيقة…

بين عالم بيقول إني مشروع… وعالم بيقول إني كسرته.

 

وبين إيدين ممدودين…

 

واختيار واحد… ممكن يمسح كل اللي أعرفه للأبد.الصوت في الغرفة بقى أعلى، الإنذارات بتصرخ، والشاشات بتلمع كأنها هتنفجر.

 

بس الغريب… إني لأول مرة ما كنتش مرعوب.

 

كنت مركز.

 

بصيت للمرأة اللي مدت إيدها، وبعدين لسامي، وبعدين للشاشات اللي بتعرض حياتي كأنها ملف مفتوح.

 

قلت بهدوء:

“أنا مش هختار بين كلامكم… أنا هختار الحقيقة بنفسي.”

 

سامي شدّ نفسه وقال:

“مفيش حاجة اسمها كده هنا.”

 

المرأة قالت بسرعة:

“فيه… بس لازم تبطل تسمع لهم.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين سألته سؤال مباشر لسامي:

“لو أنا مشروع… ليه لسه واعي بكل ده؟ ليه مش مجرد برنامج وخلاص؟”

 

سامي ما ردش فورًا.

 

وده كان أول ارتباك حقيقي منه.

 

لفّ عينه على الشاشات، وبعدين رجع ليّ وقال:

“لأنك وصلت لمرحلة الوعي اللي المفروض ما توصلهاش.”

 

المرأة قالت بهدوء:

“هو بيأكد لك اللي يخليك تخاف… وأنا هقولك اللي يخليك تفهم.”

 

سألتها:

“طيب فهميني… أنا إيه؟”

 

هي قربت خطوة وقالت:

 

“إنت إنسان حقيقي… لكن اتزرع في بيئة متحكم فيها… حياتك كانت مراقبة وموجهة في لحظات معينة… بس مش كل حاجة كانت مصنوعة.”

 

سامي قاطعها بعصبية:

“كلام فارغ… هو نسخة تجريبية كاملة!”

 

المرأة ردت:

“لو كان كده فعلاً، ماكنش دلوقتي بيشك فينا إحنا الاتنين.”

 

سكت المكان لحظة.

 

كأن النظام نفسه وقف يتفرج.

 

أنا بصيت على إيدي… على جسمي… على الذكريات اللي في دماغي.

 

كل حاجة حقيقية… وإحساسها حقيقي… والألم الحقيقي.

 

قلت:

“أنا تعبت من التحكم.”

 

وفجأة… مشيت ناحية لوحة التحكم اللي جنب الشاشات.

 

سامي صرخ:

“اقف!”

 

لكن أنا كنت خلاص وصلت.

 

حطيت إيدي على الشاشة الرئيسية.

 

وظهر قدامي اختيارين:

 

[إعادة تشغيل الوعي]

[الخروج من النظام]

 

بصيت ورايا.

 

سامي واقف متوتر لأول مرة.

 

والمرأة واقفة ثابتة بس عينيها فيها رجاء.

 

سألت بصوت منخفض:

“لو ضغطت خروج… هتختفيوا؟”

 

المرأة ردت:

“هنبقى مجرد احتمال… زي ما أنت كنت طول عمرك.”

 

سامي قال بحدة:

“لو خرجت، هتفقد كل اللي عرفته!”

 

سكت لحظة طويلة.

 

وبعدين قلت:

 

“يمكن… عشان كده هو الاختيار الصح.”

 

و…

 

مددت إيدي ناحية زرار الخروج من النظام.

 

لكن قبل ما ألمسه بثانية…

 

سامي قال جملة واحدة خلت إيدي توقف في الهوا:

 

“ولو قلت لك إنك اللي اخترت كل ده بنفسك قبل ما تبدأ؟”

 

وسكت.

 

والغرفة كلها اتجمدت.

 

والزرار… فضل بين إيدي والحقيقة… على بعد لحظة واحدة من النهاية.إيدي كانت معلّقة في الهوا.

 

كلمة سامي الأخيرة ما كانتش مجرد جملة… كانت زي زرار تاني جوه دماغي اتضغط فجأة.

 

“أنا اللي اخترت؟”

 

رجعت خطوة لورا من غير ما أقصد.

 

الشاشات قدامي بدأت تهتز أكتر، كأن النظام نفسه بيتوتر من سكوّتي.

 

المرأة قالت بسرعة:

“ما تسمعهوش… دي آخر محاولة منه إنه يسيطر على قرارك.”

 

بس سامي كان هادي بشكل مخيف:

 

“هو مش بيحاول يسيطر… هو بيحاول يفتكرك.”

 

سكت لحظة، وبعدين كمل:

 

“إنت وافقت قبل ما تبدأ. وافقت تمسح ذاكرتك… وتعيش تجربة كاملة من الصفر.”

 

بصيت له بحدة:

“ليه حد يعمل كده بنفسه؟”

 

سامي رد بهدوء:

“عشان تعرف الحقيقة من غير ما حد يشرحها لك… تعيشها لحد ما توصلها بنفسك.”

 

في اللحظة دي… مشهد صغير رجع في دماغي.

 

مش واضح… لكن إحساسه قوي.

 

أنا واقف قدام جهاز… وناس حواليا… وبقول جملة مش قادر أسمعها كويس… بس إحساسها كان واحد:

 

“مش عايز أفتكر… عايز أفهم.”

 

شدّيت إيدي بسرعة من على زر الخروج.

 

قلت بصوت منخفض:

“لو الكلام ده حقيقي… يبقى أنا اللي بدأت كل ده… يبقى مفيش ضحية أصلاً.”

 

المرأة هزت راسها:

“فيه ضحية… بس مش زي ما فاكر.”

 

سامي اقترب خطوة وقال:

“إنت ضحية اختياراتك… وضحية خوفك… وضحية إنك كل مرة كنت بتدور على أمان بدل الحقيقة.”

 

سكت.

 

وبعدين قال الجملة الأهم:

 

“وأبوك الحقيقي… كان عايزك توصل للنقطة دي بالذات.”

 

بصيت له بسرعة:

“يعني إيه؟ هو كان عارف؟”

 

سامي أشار على الشاشة.

 

ظهرت رسالة قديمة، بصوت مسجل… مشوش، لكن واضح إنها ليّ.

 

صوتي أنا… أو نسخة مني.

 

“لو وصلت لهنا… متكملش هروب… اختار المواجهة.”

 

قلبي دق بسرعة.

 

سامي قال:

“دي آخر رسالة قبل ما تبدأ التجربة.”

 

المرأة همست:

“هو مش عايزك تهرب… ولا عايزك تبقى تابع… عايزك تبقى واعي حتى لو الوعي مكلف.”

 

سكت المكان كله.

 

الزرارين لسه قدامي.

 

لكن فجأة… ما بقاش الاختيار خروج أو بقاء.

 

بقى سؤال واحد بس:

 

هل أنا فعلاً عايز أرجع أعيش من غير ما أعرف الحقيقة كاملة؟

 

ولا… أكمّل مهما كانت النتيجة؟

 

رفعت عيني.

 

وبصيت لأول مرة مش للزرار…

 

لكن لنفسي في انعكاس الشاشة.

 

وقلت:

 

“وروني الحقيقة كاملة… من الأول.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *