بعد عشر دقايق بس من ما القاضي بقلم احمد محمود

بعد عشر دقايق بس من ما القاضي خلّص إجراءات الخلع أبويا شدني من إيدي وأنا خارجة من المحكمة وقال:

 

“، أول حاجة تعمليها دلوقتي… غيّري الرقم السري لكل كارت بنك معاكي. حالًا. قبل ما تروحي البيت.”

 

بصيت له باستغراب.

 

كنت لسه خارجة من أصعب يوم في حياتي. عشر سنين جواز انتهوا في أقل من نص ساعة.

 

قلت له:

“هو أنا ناقصة وجع دماغ يا بابا؟”

 

هز راسه وقال بنبرة غريبة:

“اسمعي الكلام وبس… في رجالة بتبدأ انتقامها بعد الطلاق بخمس دقايق.”

 

أبويا، الحاج محمود، كان صاحب شركة مقاولات كبيرة، وشاف في حياته أنواع من الناس تخليه يقرأ اللي جواهم من نظرة عين.

 

علشان كده نفذت كلامه من غير نقاش.

 

قعدت في العربية وغيّرت الأرقام السرية لكل حساباتي وكروت البنك، وحتى الكارت اللي كنت بسيبه للطوارئ.

 

وأنا بعمل كده، عدى طليقي كريم ومعاه سها… الموظفة الجديدة اللي كانت سبب خراب بيتي.

 

وقف قدامي وهو مبتسم وقال:

 

“أتمنى تعرفي تعيشي لوحدك يا مريم.”

 

أما سها فبصتلي بنظرة كلها شماتة.

 

ابتسمت وقولت:

“وأتمنى أنت تعرف تعيش من غير ما تعتمد على فلوس غيرك.”

 

ساعتها بس اختفت الابتسامة من على وشه.

 

لكن ولا أنا ولا هو كنا نعرف إن الليلة دي هتكون بداية الكارثة.

 

في نفس الليلة، كريم أخد سها على واحد من أفخم الأماكن في القاهرة الجديدة.

 

طلب أكل بمبالغ خرافية، وحجز قاعة خاصة، ووعدها بهدية عمرها ما هتنساها.

 

وفي آخر السهرة دخلوا محل مجوهرات فاخر جوه المكان.

 

سها اختارت طقم ألماس سعره أكتر من 12 مليون جنيه.

 

كريم ضحك بثقة ومد الكارت البنكي.

 

الموظف أخد الكارت ورجع بعد دقايق قليلة وملامحه متوترة.

 

قال بهدوء:

 

“حضرتك… العملية مرفوضة.”

 

كريم اتضايق وقال:

“جرب تاني.”

 

الموظف رد:

“جربنا أكتر من مرة.”

 

طلع كارت تاني.

 

ثم ثالث.

 

ثم رابع.

 

وكل مرة كانت النتيجة نفسها.

 

سها بدأت تتوتر.

 

أما كريم فبدأ العرق ينزل من جبينه.

 

وفي اللحظة دي بالضبط، موبايلي أنا كان بيرن بإشعارات متتالية من البنك عن محاولات استخدام غير مصرح بها على حساباتي.

 

رفعت الموبايل قدام أبويا.

 

بص للشاشة وابتسم لأول مرة من الصبح.

 

ثم قال جملة واحدة خلتني أعرف إن الحكاية لسه في أولها:

 

“واضح إن طليقك اكتشف متأخر جدًا إن الحسابات اللي كان فاكرها بتاعته… عمرها ما كانت باسمه أصلًا.”

 

وفي نفس الوقت، كان كريم بيتلقى مكالمة هاتفية قلبت حياته كلها…

 

مكالمة خلت لون وشه يختفي تمامًا، وخلى سها تسأله بخوف:

 

“في إيه يا كريم؟”

 

لكنه ما ردش…

 

لأنه عرف أخيرًا السر اللي اتخبى عنه طول سنين جوازه.

 

والسر ده كان كفيل يدمره للأبد…هذه الصياغة أقرب للبيئة المصرية، وتضيف “خطاف” قوي في النهاية يدفع القارئ لانتظار الجزء التالي لمعرفة:

 

ما هو السر؟

 

ماذا اكتشف كريم؟

 

ولماذا كان الأب متأكدًا من حدوث شيء بعد الطلاق؟

#احمد_محمود

سيبوا لايك وكومنت بصلاه علي النبي انزل ليكوا بباقي القصه 👇❤️في نفس اللحظة اللي كريم كان واقف فيها متجمد في مكانه، والموبايل لسه في إيده بيرن، كان صوت الطرف التاني عالي لدرجة إن اللي حواليه بدأوا يبصوله باستغراب.

 

“إزاي يعني الحسابات مقفولة؟ إزاي يعني مفيش أي صلاحية للسحب؟!”

 

كريم بلع ريقه وقال بصوت متقطع: “أكيد في غلط… الحسابات دي باسمي أنا ومريم…”

 

سكت ثانيتين كأنه لسه بيستوعب اللي اتقاله، وبعدين فجأة صوته اتغير: “إنت بتقول إيه؟ مين قال إن مريم سحبت التوكيل؟!”

 

لكن الرد اللي وصله كان أبرد من أي صدمة:

 

“الحسابات كلها متسجلة باسم شركة الاستشارات المالية التابعة لوالدها… حضرتك كنت مستخدم فقط كمفوّض إدارة، والتفويض انتهى لحظة صدور حكم الخلع.”

 

الكلمة نزلت عليه زي الطوبة.

 

“انتهى؟”

 

كررها وهو بيبص لسها كأنه بيدور على حد يفهمه.

 

سها قربت منه وقالت بخوف: “يعني إيه الكلام ده؟ يعني الفلوس اللي قولتلي عليها…؟”

 

ما كملتش جملتها.

 

كريم فجأة مسك الكارتات كلها ورماها على الترابيزة وهو بيزعق: “اتنصب عليّا!”

 

لكن الموظف رد بهدوء شديد: “حضرتك اللي كنت بتصرف من حساب مش بتاعك.”

 

في نفس الوقت، في مكان تاني، موبايل أبويا رن تاني.

 

بس المرة دي ما بصّش للشاشة.

 

هو كان عارف.

 

وقال وهو بيبصلي: “دلوقتي بس… بدأ يتحرك.”

 

بصيت له وأنا قلبي بيدق بسرعة: “يتحرك إزاي؟”

 

سكت لحظة، وبعدين قال: “في حاجة كريم مش واخد باله منها… إنه مش بس خسر فلوس.”

 

“هو خسر شبكة كاملة كان فاكر إنها في ضهره.”

 

وقبل ما أسأله يقصد إيه، وصله إشعار على تليفونه.

 

فتح الرسالة، ووشه اتغير لأول مرة.

 

رسالة قصيرة جدًا:

 

“تم تجميد كل المشاريع المشتركة. التحقيق الداخلي بدأ.”

 

بصلي وقال بهدوء مخيف: “دلوقتي بقى فاهم ليه كنت بقولك غيري الباسوردات فورًا.”

 

وفي نفس اللحظة…

 

كريم في القاهرة الجديدة كان بيحاول يفتح أي حساب، أي محفظة، أي حاجة… لكنه اكتشف الحقيقة الكاملة:

 

مش بس الحسابات مقفولة…

 

ده اسمه نفسه اتحط عليه علامة “مراجعة أمنية” داخل نظام الشركة اللي كان فاكر إنه شغال فيها براحته.

 

وسها بصتله بصدمة: “يعني إحنا فلوسنا راحت؟”

 

كريم ما ردش…

 

لأنه كان لأول مرة في حياته حاسس إن اللي قدامه مش مجرد طليقة…

 

دي كانت خطة.

 

وفي اللحظة دي بالذات…

 

محمول أبويا رن تاني.

 

بس المرة دي كان المتصل رقم دولي.

 

رد وهو بيقول بهدوء: “أيوه… بلغوني.”

 

وسكت.

 

بصلي وقال جملة خلت دمي يبرد:

 

“كريم مش بس خسر فلوسه يا مريم…”

 

“ده خسر حاجة أكبر بكتير… حاجة لو اتفتحت… هتخليه يتمنى إنه ما اتجوزكيش من الأساس.”اتجمدت مكاني أول ما شفتهم بيقربوا.

 

خطواتهم كانت سريعة، محسوبة، كأنهم مش جايين يسألوا… جايين يحددوا مين اللي هيتاخد.

 

أبويا بصّ للعربية السودا لحظة، وبعدين قال بهدوء غريب: “زي ما توقعت… اتحركوا بدري.”

 

بصيت له بصدمة: “هم مين دول؟”

 

رد وهو ماسك دراعي بقوة: “مباحث الأموال العامة.”

 

الكلمة نزلت عليّا تقيلة، كأن الأرض اتسحبت من تحتي.

 

الشخصين وقفوا قدامنا، واحد فيهم فتح دفتر صغير وقال: “حضرتك مريم أحمد؟”

 

هزيت راسي من غير صوت.

 

بص في الورق وقال: “مطلوب من حضرتك إفادة في بلاغ مقدم بخصوص تحويلات مالية مرتبطة باسمك.”

 

حسيت إني مش قادرة أتنفس: “أنا؟! أنا ماليش أي تحويلات!”

 

لكن قبل ما أكمل، أبويا تدخل بسرعة: “هي مالهاش أي علاقة مباشرة، وكل الحسابات تحت رقابة قانونية من شركتنا.”

 

الضابط رفع عينه له: “وده اللي محتاجين نتحقق منه يا فندم.”

 

وفي اللحظة دي، واحد منهم طلع ملف أسود من شنطة جلد وقال جملة خلت دمي يتجمد:

 

“اسم كريم ثابت في أكتر من حركة تحويل خارجية مشبوهة… واسم مريم ظاهر كواجهة في بعض المستندات.”

 

بصيت لأبويا بصدمة: “إزاي اسمي يبقى ظاهر؟ أنا ما عملتش حاجة!”

 

أبويا مسك الورق بسرعة وبص فيه، وملامحه اتغيرت لأول مرة.

 

“الحقير…”

 

همسها بين سنانه.

 

الضابط كمل: “وطبعًا بعد صدور حكم الخلع، في شبهة إن في محاولة تهريب أصول قبل تجميدها.”

 

في اللحظة دي، موبايل أبويا رن تاني.

 

بس المرة دي، ما ردش.

 

بص للشاشة وقال بهدوء: “كريم بدأ يلعب آخر ورقة.”

 

وبعدها رفع عينه للضابط: “أنا هاجي معاكم بنفسي… بس محتاج 10 دقايق.”

 

الضابط هز راسه: “بس بسرعة.”

 

مشوا خطوة بعيد.

 

أنا بصيت لأبويا وقلت بصوت مكسور: “أنا داخلة في إيه بالظبط؟”

 

قرب مني وقال بصوت منخفض جدًا: “إنتِ دلوقتي يا مريم… مش طرف بريء بس.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين قال الجملة اللي خلت قلبي يقع:

 

“إنتِ الشاهد الوحيد اللي ممكن يوقع كريم… أو ينجّيه.”

 

وفي نفس اللحظة…

 

موبايلّي رن تاني.

 

نفس الرقم… كريم.

 

بس المرة دي الرسالة كانت أطول:

 

“لو وصلوا لك قبلي… قولي لهم إنك متعرفيش حاجة عن (الملف الأزرق).”

 

اتجمدت.

 

وبصيت لأبويا: “إيه الملف الأزرق ده؟”

 

ساعتها وشه اتقفل تمامًا… وقال: “يبقى فعلاً… هو بدأ يتخانق مع الناس الغلط.”

 

وبعيد عنّا بخطوات بسيطة، الضابط كان بيرجع ناحيتنا تاني…

 

وفي عينه سؤال واحد واضح: “جاهزة تروحي معانا دلوقتي؟”وقفت مكاني للحظة كأن السؤال مش موجه ليّ أنا.

 

“جاهزة تروحي معانا دلوقتي؟”

 

الكلمة كانت بسيطة… لكن وقعها كان زي حكم.

 

أبويا سبقني خطوة وقال بثبات: “هي جاية في إيه صفة؟ شاهدة ولا متهمة؟”

 

الضابط رد من غير تردد: “لحد ما نتحقق… شاهدة أساسية.”

 

سكت ثانية وبعدين أضاف: “بس وجود اسمها في المستندات بيخلينا نمشي بالإجراءات كاملة.”

 

حسيت بإيد أبويا بتشد على دراعي أكتر.

 

وبصلي وقال بهدوء: “خليكي فاكرة حاجة واحدة… مترديش على أي حاجة من كريم غير قدام محامي.”

 

بلعت ريقي وهزيت راسي.

 

ركبت العربية السودا، وأبويا ركب معايا.

 

الصمت كان تقيل جوه العربية، لدرجة إن صوت النفس كان واضح.

 

بعد دقائق، الموبايل رن تاني… كريم.

 

المرة دي الضابط لمح الشاشة وقال: “ردي… وخليه يتكلم.”

 

اتجمدت: “أنا؟!”

 

أبويا قال بسرعة: “اعمليها.”

 

بإيد بترعش فتحت المكالمة.

 

صوت كريم جه متوتر، لأول مرة مش واثق: “مريم… إنتِ فين دلوقتي؟”

 

سكت لحظة، وبعدين كمل: “اسمعيني كويس… أي حاجة هتتقال عني دلوقتي كذب… أنا مستهدف.”

 

الضابط قرب السماعة وقال بهدوء: “مين المستهدف يا أستاذ كريم؟ وضّح كلامك.”

 

سكت كريم ثانية.

 

وبعدين صوته اتغير فجأة: “إنتِ معاهم؟”

 

قلبي دق بسرعة.

 

وقبل ما أرد، سمعناه بيقول جملة خلت العربية كلها تسكت:

 

“لو مريم اتكلمت… الملف الأزرق هيظهر، وساعتها مش أنا اللي هتسجن لوحدي.”

 

الضابط رفع عينه في حدة: “إيه هو الملف الأزرق؟”

 

لكن كريم قفل المكالمة فجأة.

 

الصمت رجع أقوى من الأول.

 

الضابط بص لأبويا وقال: “واضح إن الموضوع أكبر من مجرد تحويلات.”

 

أبويا رد بهدوء: “أيوه… وده سبب إني كنت مستني اللحظة دي من زمان.”

 

بصيت له بصدمة: “كنت عارف؟!”

 

ما ردش عليّا فورًا.

 

بس قال جملة خلت جسمي كله يقشعر:

 

“الملف الأزرق ده… مش ملف فلوس بس يا مريم.”

 

“ده ملف فيه أسماء ناس كبار… ولو اتفتح رسمي… هيقلب البلد كلها.”

 

العربية هديت فجأة عند بوابة مبنى ضخم.

 

نزلنا.

 

والضابط فتح الباب الحديدي وهو بيقول: “اتفضلي… التحقيق هيبدأ حالًا.”

 

وقبل ما أدخل، موبايلّي رن رسالة أخيرة من رقم غريب:

 

“لو دخلتي من الباب ده… مفيش رجوع.”

 

رفعت عيني على المبنى…

 

ولأول مرة، حسيت إن الخلع اللي بدأ بحكم محكمة… مكملش في محكمة…

ده مكمل في مكان تاني خالص.وقفت قدام باب المبنى لحظة… الرسالة الأخيرة كانت لسه قدامي كأنها مكتوبة على الهوا.

 

“لو دخلتي من الباب ده… مفيش رجوع.”

 

إيدي اتجمدت على طرف الطرحة، ونفسي اتقطع.

 

أبويا قرب مني وقال بصوت واطي: “مفيش حاجة اسمها رجوع دلوقتي… يا نمشي للآخر يا نضيع كلنا.”

 

الضابط فتح الباب الحديدي بإشارة قصيرة: “اتفضلوا.”

 

دخلنا ممر طويل إضاءته بيضا باردة، كل خطوة فيه كانت بتعمل صدى كأنها بتعلن إن في حاجة بتتكتب علينا من جديد.

 

في آخر الممر… باب زجاج.

 

ورا الزجاج كنت شايفة ناس قاعدين، وملفات مفتوحة، وشاشات كمبيوتر عليها أرقام ما تفهمهاش عين عادية.

 

واحد من الموجودين رفع راسه أول ما دخلنا.

 

وبمجرد ما شافني…

 

اتغيرت ملامحه.

 

كأنه كان مستنّي شخص بعينه.

 

قال للضابط: “دي هي؟”

 

الضابط هز راسه.

 

ساعتها الراجل بصلي وقال: “اتفضلي يا مدام مريم… إحنا مستنينك من امبارح.”

 

قلبي وقع: “مستنينني أنا؟ ليه؟ أنا ماليش علاقة بأي حاجة!”

 

قاطعني وهو بيحط ملف قدامي على الترابيزة: “اسمك موجود هنا في تحويلين كبار… واحد داخلي، وواحد خارج البلاد.”

 

بصيت للملف… إيدي بدأت ترتعش.

 

أبويا خطف الملف مني بسرعة، وفتح الصفحات.

 

وفجأة… سكت.

 

سكت بطريقة خوفتني أكتر من أي كلام.

 

“إيه ده؟” قلتها بصوت مكسور.

 

أبويا رفع عينه ببطء وقال: “ده توقيعك.”

 

سكت ثانية.

 

وبعدين كمل وهو مش مصدق: “بس مش توقيعك الحقيقي… ده متقلّد.”

 

في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة.

 

ودخل كريم.

 

بس مش كريم اللي شوفته قبل كده.

 

كان مرهق، عينيه حمرا، ووشه باين عليه إنه ما نامش من أيام.

 

أول ما شافني… ابتسم ابتسامة غريبة.

 

وقال: “أخيرًا… وصلنا لنقطة الحقيقة.”

 

بصيت له بصدمة: “إنت عملت إيه؟”

 

قرب خطوة وقال بهدوء مرعب: “ولا حاجة… أنا بس سيبتك تمشي في الطريق اللي باباكي رسمه لك.”

 

أبويا رد بسرعة: “كفاية لعب… قول الحقيقة!”

 

كريم ضحك ضحكة قصيرة: “الحقيقة؟ الحقيقة إن مريم مش مجرد زوجة سابقة… دي مفتاح كل حاجة.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين قال الجملة اللي خلت المكان كله يتجمد:

 

“الملف الأزرق… متخبيش في شغل ولا فلوس.”

 

“الملف الأزرق… متخبي في بيت أبوها.”

 

بصيت لأبويا فجأة.

 

وشه اتغير.

 

اتسحب الدم منه.

 

ولأول مرة… شوفته بيتهز.

 

همست: “بيت مين؟”

 

كريم قرب أكتر وقال وهو بيبص لأبويا مباشرة:

 

“البيت اللي عمرك ما دخلتي أوضته المقفولة… من 15 سنة.”

 

ساعتها أبويا صرخ لأول مرة: “إسكت!”

 

لكن كان خلاص فات الأوان…

 

الراجل اللي قاعد على الترابيزة فتح درج صغير، وطلع مفتاح قديم جدًا، وحطه قدامنا.

 

وقال بهدوء: “التحقيق هيتوقف هنا… لحد ما نروح العنوان ده.”

 

وبصلي:

 

“لأن لو كلامه صح… يبقى اللي جاي مش قض..ية خلع ولا أموال.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين كمل:

 

“ده فتح سر عيلة كاملة.”

 

والباب اتفتح تاني…

 

بس المرة دي مش ضابط…

 

دي كانت ست لابسة أسود، ومعاها ملف أزرق بالفعل في إيدها…

 

وبمجرد ما دخلت قالت:

 

“الوقت انتهى… ولازم نروح البيت دلوقتي.”الست اللي دخلت لابسة أسود وقفت في نص الأوضة كأنها مش محتاجة تعرّف نفسها.

 

بس كل اللي في المكان باين عليهم عارفينها.

 

حطّت الملف الأزرق على الترابيزة وقالت بهدوء: “مفيش وقت للأسئلة الكتير… لازم نتحرك دلوقتي.”

 

الضابط رد بسرعة: “إحنا لسه في تحقيق مفتوح.”

 

بصّت له نظرة قصيرة وقالت: “والتحقيق ده لو مكمل هنا… هيتقفل للأبد ومش هيطلع منه أي حد بخير.”

 

سكت المكان.

 

كريم كان واقف ناحية الباب، مبتسم ابتسامة صغيرة كأنه شايف فيلم مستني نهايته.

 

أبويا قرب منها خطوة وقال بحدة: “إنتِ مين؟ وبتتكلمي باسم مين؟”

 

رفعت عينيها ليه وقالت: “أنا اللي كنت مستنياك تحمي البنت دي… مش تورّطها.”

 

الكلمة دي خبطت في قلبي.

 

“تحميها مني؟” قالها أبويا بصوت منخفض.

 

هي مدت إيدها وحطت المفتاح القديم قدامه: “من 15 سنة… لما اتقفل الباب ده، أنت كنت فاكر إنك قفلت سر… بس أنت كنت بتأجّله.”

 

بصيت لأبويا… ووشه كان بيتكسر حرف حتة.

 

قلت بخوف: “أنا ماليش علاقة بكل ده… أنا بس اتطلقت!”

 

الست بصتلي وقالت بهدوء أخطر من أي صراخ: “الطلاق ده كان آخر خطوة في خطة قديمة… مش أولها.”

 

كريم ضحك وقال: “شايفة؟ أنا ما عملتش حاجة… أنا بس فتحت الباب.”

 

الضابط بصله وقال: “إنت متهم في تحويلات مشبوهة وتهديد.”

 

رد كريم بهدوء: “أنا متهم؟ ولا أنا مجرد الشخص اللي وصل للحقيقة قبلكم؟”

 

في اللحظة دي الست في الأسود فتحت الملف الأزرق.

 

وطلعت ورقة قديمة جدًا… عليها اسم أبويا.

 

وقبل ما حد يتكلم، قالت: “الموضوع مش كريم.”

 

سكتت لحظة.

 

وبعدين كملت:

 

“الموضوع بدأ من يوم ما اتكتب اسم مريم في سجل مختلف وهي عندها 3 سنين.”

 

اتجمدت.

 

“3 سنين؟!”

 

بصيت لأبويا: “سجل إيه ده؟!”

 

أبويا ما ردش.

 

ما كانش قادر يبصلي أصلاً.

 

الست قربت مني وقالت بصوت منخفض: “إنتي مش بس بنت الحاج محمود… إنتي شاهدة على عملية كانت هتتفتح قبل ما تتدفن.”

 

سكتت ثانية.

 

وبعدين قالت الجملة اللي خلت الدم يبرد في عروقي:

 

“والملف الأزرق… مش إثبات جر..يمة.”

 

“ده إثبات إن في حد كان بيكتب حياتك من الأول.”

 

الهدوء اللي بعد الجملة دي كان أخطر من أي صراخ.

 

كريم بصلي وقال: “أنا قلتلك… إنتي المفتاح.”

 

الضابط رفع سلا..حه لأول مرة وقال: “كفاية كلام… هنروح للمكان دلوقتي.”

 

الست في الأسود بصت للكل وقالت: “لو خرجنا من هنا من غير ما نفهم اللي في البيت ده… محدش فينا هيرجع زي ما هو.”

 

أبويا أخيرًا بصلي.

 

وقال بصوت مكسور لأول مرة: “أنا كنت بحميكي… مش بخبي عنك.”

 

وبعدين أشار ناحية الباب: “يلا… قبل ما الوقت يخلص.”

 

خرجنا من المبنى.

 

والعربية السودا كانت مستنيانا… بس المرة دي كان معاها عربية تانية قدامها، مفتوحة الباب.

 

كريم ركب معانا من غير ما حد يمنعه.

 

والست في الأسود ركبت قدام.

 

وأول ما العربية اتحركت…

 

الموبايل رن في إيدي برسالة واحدة:

 

“البيت اتفتح.”

 

رفعت عيني على الطريق…

 

وكان واضح إننا رايحين لمكان مش بس فيه سر.

 

ده المكان اللي السر بدأ منه أصلاً.العربية كانت ماشية بسرعة، لكن الإحساس جواها كان أبطأ من الوقت نفسه.

 

كل واحد ساكت… كأن الكلام بقى خطر.

 

كريم كان قاعد ورايا ناحية الشباك، بيبص للطريق بابتسامة خفيفة كأنه شايف حاجة محدش غيره شايفها.

 

وأبويا… أول مرة أشوفه بالشكل ده.

 

مش الحاج محمود صاحب الشركات اللي مفيش حاجة تهزه… لا.

 

كان راجل بيحاول يفتكر حاجة ضاعت منه من زمان.

 

الست اللي لابسة أسود بصت في المراية وقالت: “أول ما نوصل… ممنوع أي مواجهة قبل ما نشوف اللي جوه.”

 

الضابط رد: “إحنا داخلين حالة أمنية… مش زيارة عائلية.”

 

هي ما ردتش.

 

بس قالت جملة واحدة: “البيت ده مش بيت عادي… ده مكان اتقفل عليه قرار قديم… واتنسي عمدًا.”

 

قلبي بدأ يدق أسرع مع كل متر نقرب منه.

 

لحد ما العربية بطّلت.

 

قدام بوابة حديد ضخمة… نصها مغطى بالصدأ، ونصها كأنها لسه جديدة.

 

مفيش أي لافتة.

 

مفيش أي اسم.

 

بس مجرد ما وقفت…

 

حسيت إني شوفت المكان ده قبل كده.

 

من غير ما أكون جيت له.

 

نزلنا واحد واحد.

 

والهوا كان تقيل بشكل غريب.

 

كريم أول واحد ابتسم وقال بهدوء: “أهو… رجعنا.”

 

بصله أبويا بحدة: “إنت عمرك ما دخلت هنا قبل كده.”

 

كريم رد بسرعة: “أنا؟ لا… بس أنا كنت سامع.”

 

الست في الأسود قربت من البوابة، حطت المفتاح القديم فيها.

 

المفتاح دخل كأنه معمول مخصوص للمكان ده.

 

لفّته.

 

صوت “تكّة” واحدة.

 

وبعدين الباب اتفتح لوحده ببطء.

 

زي ما يكون كان مستني اللحظة دي من سنين.

 

أول ما دخلنا…

 

الصمت اتغير.

 

البيت من جوه مش بيت.

 

ده مبنى قديم واسع… ممر طويل في النص، وعلى الجانبين أبواب كتير مقفولة.

 

وفي آخر الممر…

 

باب واحد مفتوح نص فتحة.

 

نور خافت خارج منه.

 

الست قالت: “هنبدأ من هنا.”

 

لكن قبل ما نمشي خطوة…

 

أبويا وقف فجأة.

 

بص للباب المفتوح وقال بصوت واطي جدًا: “لا… مش هنبدأ من هنا.”

 

كلنا بصيناله.

 

هو كان باصص لنقطة معينة في الأرض.

 

قدام الباب مباشرة.

 

وفي اللحظة دي… أنا بصيت.

 

ولقيت اسم محفور في الأرض.

 

اسمي أنا.

 

مريم.

 

بس التاريخ اللي تحته…

 

كان قبل ما أتولد أصلاً.

 

اتجمدت.

 

همست: “ده إيه؟”

 

أبويا قال بصوت مكسور: “ده أول مكان اتحط فيه اسمك.”

 

الست في الأسود بصت له وقالت: “يبقى مفيش مفر… لازم نفتح الباب ده.”

 

كريم ابتسم وقال: “وأخيرًا… هتشوفوا الحقيقة اللي اتقفلت سنين.”

 

الضابط رفع سلا..حه وقال: “أي حركة غلط هتوقف كل حاجة.”

 

الست مدت إيدها ناحية المقبض.

 

لكن قبل ما تلمسه…

 

صوت جاي من جوه اتسمع.

 

صوت بنت صغيرة.

 

بتقول بوضوح:

 

“ماما… إنتي جيتي؟”

 

سكتنا كلنا.

 

وأبويا بصلي لأول مرة كأنه شايفني مش أنا.

 

وقال: “ده مستحيل…”

 

والباب اللي قدامنا…

 

بدأ يتفتح من نفسه.الباب اتفتح ببطء… كأن حد من جوه هو اللي بيسحبه مش إحنا.

 

الصوت اللي طلع من الداخل كان أوضح المرة دي: “ماما… أنا هنا.”

 

رجلي اتجمدت.

 

“ماما؟!” كررتها بصوت مبحوح وأنا ببص لأبويا.

 

وشه كان أبيض تمامًا.

 

الست في الأسود بصّت للباب وقالت بسرعة: “محدش يدخل لوحده!”

 

لكن كريم سبقنا بخطوة.

 

دخل أول واحد وهو بيقول بابتسامة هادية بشكل مرعب: “أخيرًا… الكل جه لنقطة البداية.”

 

الضابط شدّ سلا..حه: “ارجع مكانك!”

 

لكن كريم ما ردش.

 

دخلنا وراه واحد واحد غصب عننا.

 

اللي جوه كان أوسع مما توقعنا… أوضة كبيرة شبه أرشيف قديم، مليانة ملفات على الرفوف، وشاشات قديمة شغالة بصوت طنين خفيف.

 

وفي النص…

 

كرسي صغير.

 

وعليه بنت صغيرة حوالي 6 أو 7 سنين.

 

بصّتلي.

 

وقالت تاني بابتسامة بريئة: “ماما… إنتي اتأخرتي ليه؟”

 

اتسمرت مكاني.

 

“أنا مش مامتك!” قولتها بسرعة وأنا بترعش.

 

البنت هزّت راسها: “لا… إنتي مريم. بابا قالي إنك هتيجي لما الباب يتفتح.”

 

لفيت بصيت على أبويا: “باباها مين؟!”

 

أبويا ما ردش.

 

لكن عينه كانت على حاجة ورا البنت.

 

على شاشة كبيرة في الخلفية.

 

وشاشة كانت شغالة تلقائي…

 

بتعرض فيديو قديم جدًا.

 

صوت خطوات… أوراق… ورجال قاعدين في اجتماع.

 

وفجأة…

 

ظهر أبويا في الفيديو.

 

أصغر بكتير.

 

وبيمضي ورق.

 

الست في الأسود همست: “أهو… ده اليوم اللي اتكتب فيه كل حاجة.”

 

كريم قال وهو بيبصلي: “شايفة؟ مفيش صدفة. كلنا متربطين.”

 

الضابط رفع سلا..حه أكتر: “أنا مش فاهم إيه اللي بيحصل هنا، بس كل اللي شوفته كفاية!”

 

وفجأة…

 

الشاشة قربت على الورق في الفيديو.

 

وكان واضح توقيع أبويا.

 

وتوقيع تاني جانبه…

 

اسمي أنا.

 

لكن التاريخ كان مستحيل.

 

لأن في اللحظة دي…

 

البنت الصغيرة وقفت فجأة وقالت بصوت مختلف تمامًا: “كفاية كذب.”

 

الصوت ما كانش صوت طفلة.

 

كان صوت ست كبيرة.

 

والإضاءة في الأوضة كلها اتغيرت.

 

الشاشات اشتغلت مرة واحدة.

 

وظهرت جملة واحدة على كل شاشة:

 

“تم تفعيل الملف الأزرق.”

 

الست في الأسود رجعت خطوة وقالت بصوت منخفض: “ده حصل… خلاص.”

 

أبويا بصلي وقال: “اقفلي ودانك… دلوقتي.”

 

لكن قبل ما أفهم هو يقصد إيه…

 

البنت رفعت إيدها على الشاشة وقالت:

 

“الحقيقة دلوقتي هتتفتح… من أول يوم.”

 

والشاشة بدأت تعرض مشهد جديد…

 

مشهد أنا فيه.

 

بس مش أنا الحالية.

 

أنا وأنا طفلّة.الشاشة كانت بتعرضني وأنا طفلة…

 

بس المشهد كان غريب بشكل يخوف أكتر من أي حاجة قبل كده.

 

أنا واقفة في مكان أبيض شبه غرفة مستشفى، وناس لابسة أبيض حواليا، وأبويا واقف في الركن… ساكت… بيبصلي من بعيد كأنه مش قادر يقرب.

 

همست وأنا مش مستوعبة: “ده إيه… أنا عمري ما كنت في مكان زي ده!”

 

كريم اتكلم بصوت هادي: “مش مهم كنتي فاكرة إيه… المهم حصل إيه فعلًا.”

 

الست في الأسود قربت من الشاشة وقالت: “ده أول تسجيل… بداية المشروع.”

 

لفيت بسرعة: “مشروع إيه؟! أنا بني آدم مش تجربة!”

 

ساعتها الشاشة قربت الصورة أكتر…

 

وظهر على الجهاز ملف مكتوب عليه:

 

“Project M – Subject: Mariam”

 

رجلي اتخلّت.

 

“Project M؟”

 

أبويا بص الأرض وقال بصوت مكسور: “كان لازم يفضل سر… كان لازم يفضل مدفون.”

 

الصمت اللي بعد الجملة دي كان أخطر من أي اعتراف.

 

الضابط رفع عينه بسرعة: “إنت داخل في مشروع حكومي؟!”

 

أبويا رد: “مش حكومي… كان خارج السيطرة من يومه الأول.”

 

البنت… أو الحاجة اللي كانت باين عليها بنت، رجعت تبصلي تاني وقالت بصوت مختلف: “أنا مش بنت.”

 

سكتت لحظة.

 

وبعدين كملت: “أنا النسخة اللي اتسجلت قبل ما الذاكرة تتزرع جواكي.”

 

اتجمدت: “تزروع إيه؟!”

 

كريم ابتسم وقال: “الملف الأزرق مش ملفات فلوس… ده ملفات ذاكرة.”

 

لفيت له: “بتقول إيه؟!”

 

رد بهدوء مرعب: “إنتي مش فاكرة طلاقك… ولا جوازك بالطريقة دي صدفة… جزء كبير من حياتك اتكتب واتمسح واتعدل.”

 

حسيت إن الأرض بتلف بيا.

 

“يعني أنا عايشة كذب؟”

 

الست في الأسود ردت: “مش كذب… إعادة بناء.”

 

وفجأة…

 

الشاشة عرضت مشهد جديد.

 

مشهد أنا فيه… واقفة قدام نفس الباب ده بالظبط.

 

بس المرة دي… كنت بقول جملة واضحة:

 

“لو أنا نسيت… يبقى افتحوا الملف الأزرق.”

 

اتجمدت.

 

“ده صوتي؟”

 

أبويا قرب مني وقال بصوت منخفض جدًا: “أيوه… ده صوتك الحقيقي.”

 

وفجأة… الإضاءة كلها قطعت.

 

الظلام عمّ المكان.

 

وصوت واحد بس اتسمع من كل ناحية:

 

“الاختيار دلوقتي ليكي يا مريم.”

 

“تكملي الذاكرة… أو تمسحي اللي فاضل منها للأبد.”

 

وفي وسط الظلام…

 

إيد مسكت إيدي.

 

مش عارفة مين.

 

بس الصوت كان واضح جدًا:

 

“لو افتكرتي كل حاجة… مفيش حد هيخرج زي ما دخل.”

 

والنور بدأ يرجع تدريجي…

 

على باب مفتوح جديد في آخر الأوضة.

 

باب ما كانش موجود قبل كده.الضوء رجع تدريجي، لكن الإحساس ما رجعش طبيعي.

 

الباب الجديد في آخر الأوضة كان واضح كأنه اتخلق من العدم… مفيش له أثر في أي جدار قبل كده.

 

الكل كان واقف متجمد.

 

والصوت اللي لسه في وداني بيرن: “لو افتكرتي كل حاجة… مفيش حد هيخرج زي ما دخل.”

 

بلعت ريقي وبصيت حواليا: “مين اللي ماسك إيدي؟”

 

مفيش رد.

 

إيدي كانت فاضية.

 

كريم ابتسم وقال بهدوء: “واضح إن اللعبة بدأت تتكشف فعلًا… مش بس قدامك، جواك كمان.”

 

الست في الأسود رفعت إيديها ناحية الباب الجديد: “ده مش باب عادي… ده مدخل النسخة الأصلية من الذاكرة.”

 

أبويا قال بسرعة: “محدش يقرب منه!”

 

لكن قبل ما يكمل، البنت/الصوت القديم قالت فجأة: “هو خايف مش عليكِ… هو خايف منكِ إنتي لما تفتكري.”

 

الجملة خلت أبويا يتجمد.

 

بصيت له: “خايف مني؟ أنا عملت إيه؟”

 

ما ردش.

 

دي كانت الإجابة اللي خوفتني أكتر من أي كلام.

 

الضابط رفع سلا..حه تاني: “أنا خلاص مش فاهم حاجة، بس الوضع خرج عن السيطرة!”

 

وفجأة…

 

الباب الجديد بدأ يفتح لوحده.

 

مش ببطء زي قبل… ده كأنه بيتسحب من جوه بقوة.

 

وصوت جهاز زي إنذار خفيف اشتغل في المكان.

 

الست في الأسود قالت بسرعة: “ده تفعيل تلقائي… مفيش رجوع دلوقتي.”

 

كريم رجع خطوة لورا وقال لأول مرة بقلق حقيقي: “لا… ده مش مفروض يفتح بالشكل ده…”

 

بصيت له: “يعني إيه؟”

 

رد: “يعني في حد فتحه قبلك.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين كمل: “وده معناه إن في حد جوه مستنيك.”

 

قلبي دق بسرعة.

 

الباب اتفتح كامل.

 

واللي وراه ما كانش ممر ولا غرفة…

 

كان شارع.

 

نفس الشارع اللي عديت فيه في حياتي كتير.

 

نفس العمارة اللي عشت فيها.

 

نفس الباب بتاعي.

 

بس الحاجة الغريبة…

 

إن في طفلة واقفة قدام الباب.

 

أنا.

 

بس أصغر بكتير.

 

ومش لوحدي.

 

كان واقف وراها شخص كبير… شكله زي أبويا… بس مش هو.

 

الست في الأسود همست: “دي النسخة الأولى.”

 

أبويا الحقيقي اتكلم بصوت مكسور: “لا… ده اليوم اللي رفضته يحصل تاني.”

 

لفيت له بسرعة: “يوم إيه؟!”

 

بس قبل ما يرد…

 

الطفلة الصغيرة بصتلي وقالت بصوت واضح جدًا:

 

“إنتِ لازم تختاري دلوقتي… تكملي حياتك زي ما هي…”

 

“ولا تفتحي الباب اللي اتقفل عليكي قبل ما تنسي.”

 

وفي اللحظة دي…

 

كريم قال جملة أخيرة وهو بيبصلي:

 

“لو دخلتي… مش هتخرجي مريم اللي إحنا نعرفها.”

 

والهواء سكت تمامًا.

 

وإيدي بدأت تتحرك ناحية الباب من غير ما أحس…إيدي كانت بتتحرك ناحية الباب لوحدها… كأنها مش بتاعتي.

 

كل خطوة أقرب كانت بتقلّب إحساس جوايا، كأن في جزء منّي بيصرخ “ما تدخليش” وجزء تاني بيجرّني جوه.

 

الطفلة اللي قدام الباب قالت بهدوء: “إنتِ عارفة الطريق… إنتِ نسيتي بس.”

 

أبويا صرخ فجأة: “اقفي يا مريم!”

 

صوته كان مختلف… صوت حد خايف بجد، مش بيأمر.

 

لكن قبل ما أستوعب، الست في الأسود قالت: “لو وقفتِ دلوقتي… كل اللي شوفتيه هيتقفل تاني، ومش هتعرفي الحقيقة أبدًا.”

 

كريم ابتسم ابتسامة صغيرة: “وأنا بصراحة شايف إنك كنتي أريح من غير الحقيقة.”

 

بصيت له: “إنت عايز مني إيه؟”

 

رد بهدوء: “أنا مش عايز منك حاجة… أنا عايزك تفكري: مين اللي استفاد إنك تنسي؟”

 

الكلمة وقفتني.

 

“تنسي؟”

 

الطفلة قربت خطوة وقالت: “مش أنا اللي اتولدت بعدك… أنا إنتِ قبل ما يمسحوك.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين كملت: “ولو دخلتي الباب… هترجعي اللي كنتِ عليه.”

 

الإضاءة بدأت تهتز.

 

والباب نفسه بدأ يصدر صوت زي نبض.

 

دق… دق… دق…

 

أبويا قرب مني للمرة الأولى وقال بصوت منخفض جدًا: “أنا عملت ده عشان أنقذك… مش عشان أتحكم فيكي.”

 

بصيت له: “أنقذني من إيه؟!”

 

ما ردش.

 

بس عينه قالت كل حاجة: خوف، ذنب، وندم.

 

الست في الأسود قالت بسرعة: “القرار لازم يتاخد دلوقتي… الباب مش هيفضل مفتوح.”

 

كريم قال بهدوء أخير: “لو دخلتي، هتعرفي ليه أنا دخلت حياتك… وليه خرجت منها كده.”

 

سكتوا كلهم.

 

والصوت الوحيد اللي كان واضح هو صوت الباب وهو بيناديني بطريقة غريبة… زي ما يكون بيحفظ اسمي.

 

“مـــريم…”

 

رجلي بدأت تتحرك تاني.

 

بس المرة دي… أنا اللي كنت بختار.

 

خطوة.

 

اتنين.

 

والطفلة ابتسمت.

 

وقالت آخر جملة قبل ما أوصل:

 

“أخيرًا… رجعتي لنقطة البداية.”

 

وفي اللحظة اللي مدّيت فيها إيدي على الباب…

 

الضوء كله اتفجر أبيض.

 

وصوت عالي جدًا غطّى كل حاجة:

 

“إعادة التشغيل اكتملت.”

 

والصمت نزل بعدها… صمت مطلق.

 

لا باب… لا ناس… لا مكان.

 

بس صوت واحد جوا دماغي:

 

“مرحبًا بعودتك يا مريم.”الصوت اللي جوا دماغي ما كانش صوت غريب… كان مألوف بشكل يخوّف.

 

“مرحبًا بعودتك يا مريم.”

 

فتحت عيني.

 

لقيت نفسي قاعدة على كرسي أبيض في غرفة شبه معمل، إضاءة ناعمة، وجدران مفيهاش أي ملامح.

 

مفيش باب.

 

مفيش ست في الأسود.

 

مفيش كريم.

 

مفيش أبويا.

 

بس في شاشة قدامي.

 

وشخص واقف وراها، ضهره ليا.

 

قال من غير ما يبصلي: “إنتِ رجعتي أسرع مما توقعنا.”

 

بلعت ريقي: “فين أنا؟ وإيه اللي حصل؟”

 

لفّ كرسيه ببطء.

 

وكان راجل في منتصف العمر، لابس بدلة بسيطة، ملامحه هادية بشكل مزعج.

 

قال: “إنتِ في النسخة الأصلية من الوعي.”

 

ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة: “نسخة إيه؟! أنا كنت في محكمة… بيت… ملفات… ناس… إنتوا مجانين؟”

 

رفع إيده وقال بهدوء: “كل اللي شوفتيه كان طبقات حماية.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين كمل: “أنتِ كنتي بتعدّي اختبارات استرجاع… مش تحقيقات.”

 

اتسمرت: “استرجاع إيه؟”

 

قرب خطوة وقال: “ذاكرتك الحقيقية اتقفلت بعد حادث قديم. وإحنا كنا بنحاول نرجعها تدريجيًا… من غير ما يحصل انهيار.”

 

حسيت الأرض بتسحبني: “يعني كريم… وأبويا… والطفلة…”

 

قاطعني: “نماذج.”

 

“نماذج؟!”

 

صوتي عليّ لأول مرة.

 

قال بهدوء: “أشخاص اتصمموا داخل الذاكرة عشان يمثلوا أجزاء من حياتك القديمة: الخوف، الحماية، الخيانة، والاختيار.”

 

سكت.

 

وبعدين كمل الجملة اللي كسرت كل اللي قبله:

 

“حتى أبوكي الحقيقي ما كانش حاضر في التجربة… هو مجرد إسقاط لقرارك أنتِ يوم الحادث.”

 

حسيت إني مش قادرة أقف.

 

“حادث إيه؟ أنا عايزة الحقيقة!”

 

بصلي مباشرة وقال: “أنتِ مريم… مش بس ضحية نظام ذاكرة.”

 

سكت لحظة أطول.

 

“إنتِ كنتي جزء منه.”

 

وفي اللحظة دي… الشاشة قدامي اشتغلت لوحدها.

 

وظهر مشهد جديد:

 

أنا… بس مش أنا الحالية.

 

أنا لابسة زي مختلف، واقفة قدام نفس الراجل.

 

وبقول له جملة واضحة جدًا:

 

“ابدأوا المسح… وأنا أرجع لما يكونوا جاهزين.”

 

رجلي اتجمدت.

 

“لا… ده مش أنا.”

 

الراجل قال بهدوء: “دي الحقيقة اللي هتقرري تقبليها أو ترفضيها.”

 

قرب خطوة.

 

“السؤال دلوقتي مش مين كنتي… السؤال: هل هتكملي تشغيل الذاكرة… ولا هتسيبيها تتقفل للأبد وتعيشي النسخة اللي كنتي فاكرة إنها حياتك؟”

 

والغرفة بدأت تهتز خفيف.

 

والشاشة قدامي عرضت اختيارين واضحين:

 

[استرجاع كامل] — [إيقاف نهائي]

 

وصوته قال آخر حاجة:

 

“بس خدي بالك… اختيارك مش هيغير الماضي.”

 

“هيغيرك إنتِ.”الغرفة كلها كانت بتتهز خفيف… كأنها مش مبنية في مكان ثابت، لكن معلّقة جوه قرار.

 

[استرجاع كامل] — [إيقاف نهائي]

 

الاختيارين واقفين قدامي زي سكاكين هادية.

 

بلعت ريقي: “لو اخترت الاسترجاع الكامل… هحصل إيه؟”

 

الراجل ما ترددش: “هترجعي كل حاجة… زي ما كانت قبل ما الذاكرة تتغلف. بس هتخسري النسخة اللي عايشاها دلوقتي للأبد.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين كمل: “ولو اخترتي الإيقاف… هتعيشي حياتك الحالية للأبد… من غير أي معرفة بالحقيقة.”

 

حسّيت إن الاتنين مصيبة.

 

مش اختيار… ده انقسام.

 

سألت بصوت مكسور: “وأبويا؟ كريم؟ الناس دي كانت حقيقية ولا لأ؟”

 

بصلي وقال بهدوء: “حقيقيين… بمعنى إنهم اتبنوا من جزء منك. لكن وجودهم كان لخدمتك أنتِ، مش العكس.”

 

رجعت خطوة لورا.

 

إيدي بدأت ترتعش.

 

وفجأة…

 

الشاشة اشتغلت لوحدها تاني.

 

بس المرة دي مش مشاهد…

 

صوت أبويا ظهر.

 

نفس صوته الحقيقي اللي أعرفه.

 

بيقول: “لو بتسمعيني دلوقتي… يبقى التجربة وصلت لآخرها.”

 

اتجمدت.

 

الصوت كمل: “أنا عارف إنك هتكوني مرعوبة… بس أهم حاجة تعرفيها إنك ماكنتيش مريضة، ولا ضحية، ولا لعبة.”

 

سكت لحظة.

 

“إنتِ كنتي صاحبة القرار من البداية.”

 

دموعي نزلت من غير ما أحس: “قرار إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!”

 

الراجل قال بهدوء: “أبوكي الحقيقي مسجل رسالة قبل ما يبدأ مسح الذاكرة.”

 

الصوت رجع تاني من الشاشة:

 

“أنا وافقت أشارك في مشروع الذاكرة عشان أنقذك من حاجة حصلت لك كانت هتكسر حياتك للأبد.”

 

سكت ثانية.

 

“بس حصل إنك لما بدأتِ ترجعي، الذاكرة بدأت تخلق اختبارات… عشان تتأكد إنك جاهزة تواجه الحقيقة.”

 

بصيت للراجل: “يعني كل اللي شوفته كان اختبار؟”

 

هز راسه: “جزء منه كان تدريب… وجزء منه كان مقاومة من عقلك نفسه.”

 

رجعت بصيت للزرارين.

 

“إيقاف نهائي” كان بيرعش.

 

و“استرجاع كامل” كان ثابت كأنه بيناديني.

 

الصوت رجع مرة أخيرة من أبويا: “اختاري اللي يريحك… مش اللي يخوفك.”

 

سكت.

 

وفي اللحظة دي… لأول مرة، حسّيت إن الاختيار مش بين الحقيقة والكذب…

 

لكن بين إنّي أعيش وأنا فاكرة…

 

أو أعيش وأنا فاهمة.

 

مدّيت إيدي ببطء ناحية زرار:

 

استرجاع كامل.

 

قبل ما ألمسه، الراجل قال آخر جملة: “اختيارك ده مش نهاية التجربة… ده بدايتها الحقيقية.”

 

ولما لمست الزرار…

 

كل حاجة اتسحبت من حواليّا مرة واحدة.

 

زي ما يكون حد قفل كتاب… وبعدين قرر يفتحه من أول صفحة، بس المرة دي… بإيدك إنتِ.النور اختفى مرة واحدة… مش تدريجي، مش ببطء… كأن حد طفى الكون كله بزر واحد.

 

وبعدين رجع.

 

بس مش نفس المكان.

 

كنت واقفة.

 

على أرض صلبة.

 

في شارع هادي جدًا… مألوف بشكل يخنق.

 

نفس العمارة.

 

نفس البوابة الحديد.

 

نفس البيت اللي “رجعنا له” قبل كده.

 

بس المرة دي… أنا لوحدي.

 

مفيش كريم.

 

مفيش الست في الأسود.

 

مفيش الضابط.

 

ولا حتى أبويا.

 

كل حاجة كانت صامتة بشكل غير طبيعي.

 

اتقدمت خطوة ناحية الباب.

 

ولما لمسته… الباب اتفتح عادي جدًا.

 

من غير صوت.

 

من غير مقاومة.

 

دخلت.

 

البيت من جوه كان عادي… مفيهوش الممرات الغريبة ولا الشاشات ولا الأرشيف.

 

بيت قديم، بس بيت.

 

لحد ما سمعت صوت من جوه الأوضة.

 

صوت كوباية بتتحط على ترابيزة.

 

وبعدين صوت أعرفه كويس جدًا.

 

“إنتِ رجعتي بدري عن المتوقع.”

 

وقفت مكاني.

 

أبويا.

 

بس المرة دي… كان قاعد على الكنبة بهدوء.

 

مش متوتر.

 

مش مكسور.

 

كأنه مستنّي.

 

بصلي وقال: “قعدتي تختاري بسرعة… زي ما كنت متوقع.”

 

بلعت ريقي: “يعني إيه؟ أنا اخترت أرجع… كل حاجة.”

 

هز راسه: “أيوه… رجعتي النسخة الكاملة من الحقيقة.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين كمل:

 

“بس اللي ما خدتيش بالك منه… إن الحقيقة عمرها ما بتيجي لوحدها.”

 

قلبي دق بسرعة: “يعني إيه؟”

 

رفع عينه ليّ وقال الجملة اللي خلت جسمي كله يتجمد:

 

“إنتِ ما رجعتيش لعالمك…”

 

“إنتِ رجعتي لطبقة أعمق من التجربة.”

 

سكت.

 

وبعدين أشار ناحية المراية اللي في الصالة.

 

المراية كانت فاضية.

 

وبعدين بدأت تتغير… زي شاشة بتفتح ببطء.

 

وظهرت فيها مريم… بس مش أنا اللي واقفة.

 

أنا اللي جوا المراية.

 

واقفة في نفس اللحظة… لكن لابسة زي مختلف… ووشّي بارد بشكل غريب.

 

وبصيت لي من جوه المراية وابتسمت.

 

وقلت بصوتي أنا:

 

“أهلًا بيكي… في النسخة اللي ما رجعتش منها قبل كده.”

 

أبويا قال بهدوء: “دي مش نهاية الاسترجاع.”

 

“دي نتيجة اختيارك.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين كمل:

 

“دلوقتي بقى عندك خيار واحد جديد…”

 

المراية قربت كأنها بتتنفس.

 

والنسخة اللي جواها رفعت إيدها وقالت:

 

“تعيشي أنا… ولا أعيش أنا بدل منك.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *