“طفلة عندها سبع سنين حكايات ميرااا
“طفلة عندها سبع سنين دخلت مقر شركة كبيرة وسألت صاحبها عن شغل… لأن أختها الرضيعة ما كلتش من امبارح. لكن الرد اللي سمعته خلّى بهو الشركة كله يسكت.”
دخلت الطفلة إلى البرج الزجاجي وهي شايلة أختها الرضيعة بين دراعاتها، وسألت أغنى راجل في المبنى إذا كان ممكن يديها شغل… مش لأنها عايزة فلوس، لكن لأن أختها الصغيرة ما داقتش لقمة من امبارح.
لثلاث ثوانٍ كاملة…
بهو شركة الهاشمي للاستثمارات نسي يعني إيه نفس.
كان صباح يوم اتنين شديد البرودة في القاهرة، من النوع اللي يخلي كل واحد يمشي مطأطئ راسه، عامل نفسه مش شايف حد حواليه. المطر كان سايب آثار مية وطين عند الباب الدوار. موظفين ببالطوهات صوف بيجروا على الأسانسيرات، وماسكين أكواب القهوة بإيديهم المتجمدة. وستات بكعوب عالية بيتفادوا البرك، وكل واحد عينه على موبايله أو ساعته… إلا الناس اللي حواليه.
وفجأة…
دخلت الطفلة.
ماكانش عندها أكتر من سبع سنين.
كانت لابسة جاكيت خفيف جدًا، أكمامه أقصر من دراعاتها. الكوتشي بتاعها غرقان من المية. وشها محمر من البرد، لكنها ما كانتش بتعيط.
كانت شايلة طفلة رضيعة ملفوفة في بطانية قديمة برسومات ورد، ألوانها بهتت من كتر الغسيل.
الرضيعة طلعت صوتًا ضعيفًا…
مش عياط حقيقي.
كان أقرب لسؤال مرهق.
مشت البنت بهدوء وسط البهو، كأنها حفظت كل خطوة قبل ما تنزل من الأتوبيس.
استنت لحد ما الراجل اللي قدامها خلص شكواه عند الريسيبشن.
ولما جه دورها، وقفت على أطراف صوابعها علشان تشوف الموظفة.
وقالت بهدوء:
“لو سمحت… ينفع أشتغل هنا؟”
الموظفة رمشت باستغراب.
“آسفة يا حبيبتي… بتقولي إيه؟”
ردت البنت بسرعة:
“بعرف أنضف… أمسح الترابيزات… أشيل الزبالة… مش عايزة فلوس كتير… بس أختي الصغيرة ما كلتش من امبارح.”
الراجل اللي كان واقف جنبها لف نص لفة.
وست لابسة إيشارب أحمر وقفت مكانها.
ورجل الأمن اللي جنب الأسانسير فرد ضهره، وإيده راحت ناحية جهاز اللاسلكي.
ملامح موظفة الاستقبال اتحولت من استغراب لشفقة…
والشفقة دي نزلت على قلب البنت كأنها قلم.
قالت الموظفة بصوت هادي:
“طيب يا حبيبتي… مامتك فين؟”
رفعت البنت دقنها سنة صغيرة.
“أنا مش تايهة.”
“أنا ما سألتش إذا كنتِ تايهة.”
“عارفة أنا فين… شفت إعلان مطلوب عمال في الكافيه اللي جنب المبنى الأسبوع اللي فات… بس الباب كان مقفول… فجيت هنا.”
“بس إنتِ صغيرة جدًا على الشغل.”
“عندي سبع سنين… وبعرف أسمع الكلام.”
ضحكة متوترة خرجت من شوية ناس واقفين قريب.
مش ضحكة سخرية…
لكن الضحكة اللي الكبار بيضحكوها لما طفل يقول حاجة المفروض ما ينفعش يقولها.
البنت سمعتها.
فضمت أختها أكتر.
وقالت:
“ممكن أبدأ دلوقتي.”
في اللحظة دي…
دخل أحمد الهاشمي.
كان عنده واحد وخمسين سنة.
لابس بالطو فخم تمنه ممكن يعدي تمن إيجار شقة كاملة.
هو صاحب المبنى.
وصاحب الشركة اللي اسمها محفور على الباب.
يمتلك بيوت، وشركات، وحسابات بنكية، وعربيات ما بيسوقهاش بنفسه.
لكن الحاجة الوحيدة اللي ما كانش يملكها…
هي النوم.
بقاله شهور بيصحى كل يوم الساعة أربعة الفجر، قلبه بيدق بعنف من غير سبب واضح.
وفي الصبح ده، نزل الشركة بدري، لأن الشغل بقى الطريقة الوحيدة اللي بيهرب بيها من وحدته.
دخل من الباب، نفض نقط المطر من على كتفه، واتجه ناحية الأسانسير الخاص بيه.
وفجأة…
سمع البنت وهي بتقول:
“هشتغل أي شغل… بس خلوا أختي تاكل الأول.”
وقف مكانه.
مش بسبب الجملة بس.
الفقر موجود في كل مدينة…
وأحمد قضى عمره بيتعلم إزاي ما يشوفوش كل يوم.
لكنه وقف…
لأنه شاف الطريقة اللي البنت واقفة بيها.
صغيرة.
رافعه راسها.
مستنية الرفض.
مكسورة…
لكن رافضة تبين إنها مكسورة.
كان عارف الوقفة دي.
لأنه وقفها بنفسه وهو عنده تسع سنين، بعد وفاة أبوه، لما دخل بقالة وطلب من صاحبها يشتغل مقابل شوية أكل.
الراجل رفض قدام الزباين.
واحد منهم ضحك.
وأحمد فضل فاكر الضحكة أكتر ما فاكر الجوع.
وبعد اتنين وأربعين سنة…
وهو واقف في بهو شركته…
رجعت الذكرى وخنقته.
الرضيعة أصدرت أنينًا ضعيفًا.
البنت كشفت وشها من البطانية.
طلعت ببرونة صغيرة من جيبها.
ماكانش فيها غير نقطة لبن تقريبًا.
قلبتها بحرص شديد.
وقعت نقطة واحدة على صباعها.
ولمست بيها شفايف أختها.
الرضيعة هديت.
كل الموجودين كانوا بيتفرجوا.
أما البنت…
فما طلبتش المساعدة تاني.
هي قالت عرضها.
وكانت مستنية تسمع تمنه.
رجل الأمن قرب.
وقال:
“يا فندم… إحنا هنتصرف.”
بصت البنت على بدلة أحمد الهاشمي، وجزمته اللامعة، والشنطة الجلد اللي في إيده.
وفي ثانية…
وشها اتغير.
كان واضح إنها استعدت إنها تتطرد.
لكن أحمد مشي ناحيتها.
وكل خطوة كان بياخدها…
كانت البهو بيغرق في صمت أكتر.
ولما وصل قدامها…
ما وقفش وهو باصص لها من فوق.
حط شنطته على الأرض.
ونزل على ركبته، لحد ما بقت عينه في مستوى عينها.
وسألها بهدوء:
“اسمك إيه؟”
ما ردتش.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
“أنا اسمي أحمد.”
قالت من غير تردد:
“عارفة.”
استغرب.
“إزاي؟”
بصت على اسم الشركة المكتوب بحروف فضية على الحيطة.
وقالت:
“اسمك مكتوب على الباب.”
ابتسم كام واحد من الواقفين.
لكن أحمد ما ابتسمش.
وسأل:
“والبيبي؟”
بصت على الرضيعة، كأنها بتتأكد إنها لسه في حضنها.
وقالت:
“اسمها روز.”
“دي أختك؟”
هزت راسها.
“وإنتِ؟”
سكتت لحظة…
ثم قالت بصوت خافت:
“اسمي مديحة.”
سمع في صوتها رعشة صغيرة مستخبية ورا قوة أكبر من سنها.
قال لها:
“يا مديحة… مين اللي قالك إن لازم تشتغلي علشان أختك تاكل؟”
رجعت خطوة لورا.
رجل الأمن مسك جهاز اللاسلكي.
لكن أحمد رفع إيده من غير ما يبص له.
وقال بهدوء:
“متتحركش.”
وقف رجل الأمن مكانه.
وهمست موظفة الاستقبال:
“يا فندم… أتصل بحد؟”
(عارفة إنكم متحمسين تعرفوا إيه اللي حصل بعد كده… لو عايزين الجزء الجاي، اكتبوا في التعليقات: “متحمس”.) 👇
“طفلة عندها سبع سنين دخلت مقر شركة كبيرة وسألت صاحبها عن شغل… لأن أختها الرضيعة ما كلتش من امبارح. لكن الرد اللي سمعته خلّى بهو الشركة كله يسكت.”
#حكايات_ميراااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل في أول تعليق 👇♥️
أحمد الهاشمي ما ردش على سؤال موظفة الاستقبال.
كان كل تركيزه مع مديحة.
قال لها بهدوء:
“جاوبيني الأول… مامتك فين؟”
مديحة عضّت على شفايفها.
وبصت للأرض.
ثم قالت:
“في البيت.”
“مريضة؟”
هزت رأسها.
“نايمة؟”
سكتت ثواني…
ثم خرجت منها الجملة اللي كسرت قلب كل واحد واقف:
“ماما مش بتصحى.”
ساد الصمت.
موظفة الاستقبال شهقت وهي حاطة إيدها على بقها.
أما أحمد، فحس بقلبه بينقبض.
سألها برفق:
“يعني إيه مش بتصحى؟”
قالت وهي تضم روز أكثر:
“نامت من امبارح بعد ما قالت إنها تعبانة… حاولت أصحيها الصبح علشان روز كانت بتعيط… بس ما فتحتش عينيها.”
اتبدلت ملامح أحمد بالكامل.
لف بسرعة ناحية رجل الأمن.
وقال بصوت حازم:
“هات العربية فورًا.”
ثم نظر إلى موظفة الاستقبال.
“اتصلي بالإسعاف… وخليهم يجهزوا فريق طوارئ على العنوان اللي هتقولنا عليه البنت.”
ركبت مديحة مع أحمد في العربية لأول مرة في حياتها.
كانت ماسكة روز بكل قوتها.
وكأنها خايفة حد ياخدها منها.
طوال الطريق…
ولا سألت عن العربية.
ولا عن الراجل الغني.
كل اللي كانت بتعمله إنها تبص لأختها كل شوية وتتأكد إنها لسه بتتنفس.
وصلوا إلى عمارة قديمة في حارة ضيقة.
طلع أحمد السلم بسرعة.
ولما دخل الشقة…
عرف فورًا ليه البنت خرجت تدور على شغل.
الثلاجة كانت فاضية.
مافيهاش غير زجاجة مية.
ورغيف ناشف.
والأم كانت ممددة على الكنبة.
وجهها شاحب جدًا.
لكنها كانت لسه فيها نفس.
وصلت سيارة الإسعاف بعدها بدقائق.
كشف الطبيب عليها.
ثم قال:
“الحمد لله… لحقناها.”
“عندها هبوط شديد وجفاف ونقص سكر حاد… واضح إنها ما كلتش بقالها أيام.”
أغمض أحمد عينيه للحظة.
وفي داخله كان سؤال واحد بيصرخ:
إزاي طفلة عندها سبع سنين شالت الحمل ده كله لوحدها؟
بعد ساعات…
في المستشفى…
استفاقت الأم ببطء.
وأول كلمة قالتها وهي مرعوبة:
“مديحة… فين البنات؟”
اقترب أحمد وقال:
“اطمني… الاتنين بخير.”
بدأت الأم تبكي بحرقة.
وقالت بصوت متقطع:
“كنت فاكرة إني هقدر أستحمل… بعد وفاة جوزي اشتغلت في البيوت… لكن تعبت… وطردوني… والإيجار اتراكم… وماعرفتش أجيب لبن لروز.”
كانت مديحة واقفة عند الباب.
فلما سمعت أمها بتعتذر…
جريت عليها.
وقالت وهي تبكي لأول مرة:
“أنا كنت هشتغل يا ماما… والله كنت هجيب أكل.”
حضنتها الأم بقوة.
وانفجرت الغرفة كلها بالبكاء.
حتى الممرضات مسحوا دموعهم.
أما أحمد…
فخرج من الغرفة بصمت.
وقف أمام الشباك.
وتذكر نفسه وهو طفل.
وتذكر الضحكة التي سمعها منذ اثنين وأربعين عامًا عندما طلب لقمة يأكلها.
وفي تلك اللحظة…
اتخذ قرارًا غيّر حياة الجميع.
في اليوم التالي…
استدعى مدير الموارد البشرية.
وقال له:
“من النهارده هننشئ مؤسسة خيرية باسم زوجتي الراحلة.”
“أي طفل يدخل يطلب شغل…”
سكت لحظة.
ثم أكمل:
“هيخرج بتعليم… وأكل… ورعاية… مش بوظيفة.”
وبالنسبة لمديحة…
استأجر للأم شقة صغيرة قريبة من المستشفى حتى تتعافى.
وتكفل بعلاجها كاملًا.
ووفر لها وظيفة مناسبة بعد شفائها.
أما روز…
فصار اللبن يوصل لها كل أسبوع.
وأما مديحة…
فعادت إلى المدرسة.
لكن في أول يوم دراسة…
فوجئ أحمد برسالة صغيرة على مكتبه.
كانت مكتوبة بخط أطفال متعرج:
“أنا خلاص مش عايزة أشتغل…
أنا عايزة أكبر وأبقى زي حضرتك…
بس أوعدك…
أول طفلة هتيجي تطلب مني شغل…
هأكلها الأول.”
قرأ أحمد الرسالة أكثر من مرة.
ثم طواها ووضعها في محفظته.
ولم تخرج منها أبدًا.
وكان يقول لكل مدير جديد ينضم إلى شركته:
“الأرباح بتبني شركات…
لكن الرحمة هي اللي بتبني البشر.”بعد مرور ستة أشهر…
رجعت الحياة تبتسم لمديحة بالتدريج.
أمها استعادت صحتها، وبدأت شغلها الجديد في قسم الضيافة داخل إحدى شركات أحمد الهاشمي، براتب ثابت وتأمين صحي.
أما مديحة…
فبقت من أوائل الفصل.
كل يوم كانت تخلص واجباتها، ثم تقعد جنب روز تساعدها في الأكل واللعب، وكأنها ما صدقت ترجع طفلة من جديد.
لكن في صباح أحد الأيام…
دخل أحمد إلى مكتبه.
فوجد مدير الأمن ينتظره بوجه متوتر.
قال:
“يا فندم… في واحد بره بيقول إنه والد البنتين.”
رفع أحمد رأسه ببطء.
“والدهما؟”
“أيوه… وبيقول إنه جاي ياخدهم.”
ساد الصمت.
بعد دقائق…
دخل الرجل.
ملابسه مهملة، وعيناه مضطربتان.
نظر إلى أحمد وقال:
“أنا أبو مديحة وروز… وسمعت إنكم مخبيين بناتي عندكم.”
رد أحمد بهدوء:
“بناتك مع أمهم.”
ارتبك الرجل قليلًا.
ثم قال:
“أنا أحق بيهم.”
في تلك اللحظة…
فتح باب المكتب.
ودخلت مديحة مع والدتها، بعدما أخبرهم الأمن بما يحدث.
ما إن رأت مديحة الرجل…
حتى اختبأت فورًا خلف أمها.
لم تجرِ نحوه.
ولم تنطق بكلمة.
مجرد نظرة واحدة كانت كافية ليعرف أحمد أن وراء القصة فصولًا لم تُحكَ بعد.
قالت الأم بصوت ثابت:
“إنت افتكرت إن عندك بنات دلوقتي؟”
خفض الرجل عينيه.
ثم تمتم:
“كنت غاضب… وسافرت.”
صرخت الأم:
“سافرت؟!
سيبت بنت عندها سبع سنين تشيل أختها الرضيعة… وسيبتنا من غير جنيه واحد… ولما الناس وقفت جنبنا رجعت تقول بناتي؟”
بدأ الرجل يبكي.
وقال إنه أخطأ.
وأنه يريد فرصة جديدة.
نظر أحمد إلى مديحة.
ثم سألها بلطف:
“تحبي تقولي حاجة؟”
تقدمت مديحة خطوة.
كانت ترتجف.
لكنها تكلمت بثبات أكبر من عمرها.
قالت:
“أنا مش زعلانة إنك مشيت…”
سكتت لحظة.
ثم أكملت:
“أنا زعلانة إن روز فضلت تعيط من الجوع… وإنت ماكنتش موجود.”
انخفض رأس الرجل.
ولم يجد أي رد.
خرج من المكتب بصمت.
ووعد أنه سيبدأ إجراءات قانونية ليؤدي واجباته تجاه ابنتيه، حتى لو لم تستطع الأسرة مسامحته.
راقبه أحمد وهو يغادر.
ثم التفت إلى مديحة وقال مبتسمًا:
“إنتِ دلوقتي مش محتاجة تبقي قوية طول الوقت.”
ابتسمت لأول مرة من قلبها.
وأجابت:
“أصل دلوقتي… بقي فيه ناس كبار يشيلوا الحمل معايا.”
وفي تلك اللحظة…
أدرك أحمد أن أغنى استثمار صنعه في حياته…
لم يكن شركة، ولا برجًا زجاجيًا…
بل كان قرارًا واحدًا اتخذه عندما نزل على ركبتيه ليسمع طفلة صغيرة، بدلًا من أن يطلب من الأمن إخراجها.مرّت ثلاث سنوات…
وأصبحت مديحة في العاشرة من عمرها.
كبرت روز أيضًا، وصارت طفلة مرحة تملأ البيت ضحكًا وأسئلة لا تنتهي.
أما والدتهما…
فكانت تقف كل صباح أمام المرآة قبل الذهاب إلى عملها، وتتذكر الأيام التي كانت تظن فيها أن حياتها انتهت.
ثم تبتسم.
لأنها كانت تعرف أن الله أرسل لها نجاة لم تتوقعها.
وفي إحدى الأمسيات…
كان أحمد الهاشمي يحضر حفلًا خيريًا كبيرًا أقامته مؤسسته الجديدة.
صحفيون.
رجال أعمال.
كاميرات.
وضيوف من كل مكان.
وخلال الحفل…
وقف أحد المذيعين على المسرح وقال:
“قبل أن نعلن عن أكبر مشروع لدعم الأطفال هذا العام… نود دعوة شخص مميز جدًا.”
ثم ابتسم.
وأضاف:
“الآنسة مديحة.”
تجمد أحمد في مكانه.
والحضور بدأ يصفق.
خرجت مديحة إلى المسرح بثوب بسيط وأنيق.
لم تعد تلك الطفلة المرتجفة التي دخلت البرج الزجاجي حاملة أختها الجائعة.
لكن عينيها…
كانتا تحملان نفس القوة.
أمسكت الميكروفون.
ونظرت إلى مئات الوجوه أمامها.
ثم قالت:
“من زمان كنت فاكرة إن أقوى الناس هم الأغنياء.”
ساد الصمت.
أكملت:
“لكن اكتشفت إن أقوى الناس هم اللي بيشوفوا وجع غيرهم وما يعملوش نفسهم مش شايفين.”
التفتت نحو أحمد.
وكانت عيناها تلمعان.
وقالت:
“في يوم دخلت شركة وأنا بدور على شغل.”
ضحك بعض الحضور بخفة.
لكنها أكملت:
“وكنت متأكدة إنهم هيطردوني.”
توقفت لحظة.
ثم قالت:
“بس في راجل سمعني.”
اختنق صوتها قليلًا.
وأضافت:
“ولو هو ما سمعنيش يومها… يمكن أنا وأختي ما كناش هنا النهارده.”
لمعت الدموع في عيني أحمد.
وحاول إخفاءها.
لكن كل من يعرفه كان يعلم أنه نادرًا ما يبكي.
أنهت مديحة كلمتها وسط تصفيق طويل.
وعندما نزلت من المسرح…
أوقفها أحمد.
وأخرج من جيبه ورقة قديمة مطوية بعناية.
ناولها لها.
استغربت.
فتحتها.
واكتشفت أنها الرسالة التي كتبتها له قبل ثلاث سنوات.
الرسالة نفسها.
التي قالت فيها:
“أنا خلاص مش عايزة أشتغل… أنا عايزة أكبر وأبقى زي حضرتك.”
رفعت رأسها نحوه بدهشة.
فابتسم وقال:
“أفتكر إنك سبقْتيني.”
“إزاي؟”
قال:
“أنا ساعدت طفلة واحدة…”
ثم أشار إلى القاعة المليئة بالأطفال الذين تدعمهم المؤسسة.
وأكمل:
“أما إنتِ… فقصتك ساعدت آلاف الناس يفتحوا قلوبهم.”
سكتت مديحة.
ثم احتضنته بقوة.
ولأول مرة…
شعر أحمد أن ذلك الفراغ الذي ظل يسكن قلبه سنوات طويلة قد اختفى.
ليس لأن حياته أصبحت مثالية.
بل لأنه أخيرًا وجد شيئًا كان أغلى من المال كله…
عائلة لم يولد معها…
لكن القدر أهداها له. ❤️بعد عامين آخرين…
وصل إلى مؤسسة الهاشمي خطاب صغير، موضوع داخل ظرف أبيض رخيص.
لم يكن عليه اسم المرسل.
ولا عنوان.
فقط مكتوب بخط طفل:
“لو سمحتم… أوصلوه للأستاذ أحمد بنفسه.”
فتح أحمد الظرف بنفسه.
فوجد بداخله عشرين جنيهًا.
وورقة مطوية.
فتحها ببطء.
وكان مكتوبًا فيها:
> “أنا اسمي كريم… عندي تسع سنين.
زمان أنا وأمي خدنا شنطة أكل من المؤسسة بتاعتكم.
دلوقتي بقيت أوفر من مصروفي جنيه كل أسبوع.
العشرين جنيه دول أول فلوس أقدر أساعد بيها طفل تاني.
متقولوش اسمي لحد.”
ظل أحمد ينظر إلى الورقة لدقائق.
ثم ابتسم.
وقال لمدير المؤسسة:
“العشرين جنيه دول… أهم تبرع دخل المؤسسة من يوم ما اتفتحت.”
وبدلًا من أن يضعها في الحسابات…
طلب أن تُؤطر الورقة وتُعلق عند مدخل المؤسسة.
وتحتها جملة واحدة:
“قيمة العطاء لا تُقاس بالمبلغ… بل بما تبقى في يد صاحبه بعد أن يعطي.”
—
في مساء اليوم نفسه…
كانت مديحة تساعد روز في حل واجب المدرسة.
رفعت روز رأسها فجأة وسألت:
“هو إحنا كنا فقراء أوي؟”
سكتت مديحة.
ثم ابتسمت.
وقالت:
“إحنا كنا جعانين… لكن عمرنا ما كنا قليلين.”
“يعني إيه؟”
ربتت على رأسها.
وقالت:
“الفقير ممكن يبقى معاه كرامة… والغني ممكن يبقى فقير في الرحمة.”
هزت روز رأسها، وكأنها لم تفهم تمامًا.
لكنها حفظت الجملة.
—
وبعد سنوات…
كانت روز في الجامعة.
تدرس التمريض.
أما مديحة…
فكانت قد تخرجت في كلية الخدمة الاجتماعية، وعادت تعمل داخل المؤسسة نفسها التي أنقذت حياتها يومًا.
وفي أول يوم عمل لها…
دخلت فتاة صغيرة تمسك بيد أخيها.
كانت ترتجف من الخوف.
وقالت لموظفة الاستقبال:
“لو سمحت… إحنا جعانين.”
وقبل أن تتكلم الموظفة…
خرجت مديحة من مكتبها.
نظرت إلى الطفلة.
ثم انحنت حتى أصبحت في مستواها.
وابتسمت بنفس الابتسامة التي رأتها قبل سنوات على وجه أحمد الهاشمي.
وقالت:
“تعالي الأول…
هنأكل.
وبعدين نحكي كل حاجة.”
وقفت موظفة الاستقبال تراقب المشهد.
ثم همست لزميلتها:
“الغريب إن الأستاذ أحمد كان بيعمل نفس الحركة بالضبط.”
ابتسمت مديحة وهي تسمعها.
وقالت بهدوء:
“الرحمة…
لما حد يديهالك بصدق…
بتفضل تعيش فيك، وتنتقل لغيرك.”بعد عدة أشهر…
كان أحمد الهاشمي يجلس في مكتبه، يراجع ملفات المؤسسة.
دخلت سكرتيرته وقالت:
“يا فندم… في ظرف وصل لحضرتك من المحكمة.”
رفع حاجبيه باستغراب.
“المحكمة؟”
فتح الظرف.
وبدأ يقرأ.
ومع كل سطر…
كانت ملامحه تتغير.
دخل مدير المؤسسة وسأله بقلق:
“خير يا فندم؟”
أغلق أحمد الملف بهدوء.
وقال:
“والد مديحة…”
“ماله؟”
تنهد طويلًا.
ثم قال:
“توفي.”
ساد الصمت.
لكن المفاجأة لم تكن في وفاته.
كانت في الوصية التي تركها.
فقد كتب قبل رحيله أنه لا يريد شيئًا من ممتلكاته القليلة، وأن كل ما يملكه يُباع، ويُخصص ثمنه لصندوق الأطفال بالمؤسسة.
وأرفق مع الوصية رسالة قصيرة لمديحة.
تردد أحمد قليلًا…
ثم قرر أن يسلمها الرسالة بنفسه.
في المساء…
جلست مديحة أمامه.
ناولها الظرف.
وقالت باستغراب:
“إيه ده؟”
أجاب بهدوء:
“رسالة من والدك.”
ارتجفت يدها وهي تفتحها.
وكان مكتوبًا فيها:
“يا مديحة…
عارف إن الاعتذار جه متأخر.
وعارف إن في أخطاء ما ينفعش الزمن يمحيها.
لكني كل يوم كنت بدعي إن ربنا يسامحني قبل ما تطلبي إنتِ تسامحيني.
لما سمعت إنك بقيتي بتساعدي الأطفال، عرفت إنك بقيتي أحسن مني بكتير.
لو تقدري…
ادعيلي.”
انهمرت دموع مديحة.
وأغلقت الرسالة ببطء.
سألها أحمد:
“زعلانة؟”
هزت رأسها.
وقالت:
“زعلانة على العمر اللي ضاع…
لكن بدعيله ربنا يرحمه.”
ابتسم أحمد.
وقال:
“أحيانًا… التسامح مش بيغير الماضي.”
ثم أكمل وهو ينظر إليها بفخر:
“لكنه بينقذ اللي باقي من القلب.”
خرجت مديحة من المكتب وهي تمسك الرسالة.
وفي تلك الليلة…
وقفت بعد صلاة العشاء.
ورفعت يديها إلى السماء.
وقالت بهدوء:
“اللهم اغفر لأبي…
وارحمه…
كما أتمنى أن ترحمني يوم أقف بين يديك.”
وفي تلك اللحظة…
أغلقت آخر صفحة مؤلمة من طفولتها…
لتبدأ فصلًا جديدًا، عنوانه أن الإنسان قد لا يختار بدايته، لكنه يستطيع أن يختار النهاية التي يتركها خلفه.مرت خمسة عشر سنة…
وأصبحت مؤسسة الهاشمي من أكبر المؤسسات الخيرية في مصر.
لم تكن مجرد مكان يقدم الطعام أو العلاج.
بل كانت بيتًا لكل طفل شعر يومًا أنه وحيد.
وفي صباح هادئ…
كان أحمد الهاشمي، وقد تجاوز السادسة والستين، يسير ببطء داخل المؤسسة مستندًا إلى عصاه.
لم يعد يمضي ساعات طويلة في الشركة.
ترك إدارة الأعمال لغيره.
وأصبح يقضي معظم وقته بين الأطفال.
كل طفل يقابله كان يناديه:
“جدو أحمد.”
وكان يبتسم في كل مرة، كأنها أول مرة يسمعها.
في ذلك اليوم…
دخلت مديحة مكتبه.
لكنها لم تكن وحدها.
كانت تمسك بيد طفل صغير، لا يتجاوز الخامسة.
نظر أحمد إليه مبتسمًا.
وقال:
“مين البطل ده؟”
ابتسمت مديحة.
وقالت:
“ابني… اسمه أحمد.”
ساد صمت طويل.
نظر أحمد إليها، ثم إلى الطفل.
ولم يستطع أن يمنع دموعه.
قال بصوت مبحوح:
“سميتيه على اسمي؟”
هزت رأسها.
وقالت:
“علشان كل ما أناديه… أفتكر إن في يوم، راجل غريب أنقذ حياتي وحياة أختي.”
اقترب الطفل من أحمد.
وسأله ببراءة:
“هو حضرتك اللي ماما بتقول عليه بطل؟”
ضحك أحمد وهو يمسح دموعه.
وقال:
“لا يا حبيبي…
البطل الحقيقي كانت مامتك.”
استغرب الطفل.
“إزاي؟”
أشار أحمد إلى مديحة.
وقال:
“لأنها وهي عندها سبع سنين…
كانت مستعدة تشتغل علشان تنقذ أختها.
الشجاعة دي…
مش أي حد يقدر يعملها.”
نظر الطفل إلى أمه بإعجاب.
ثم احتضنها فجأة.
وقالت روز، التي كانت تقف عند الباب تراقب المشهد:
“وأنا لولاها…
مكنتش هبقى واقفة هنا النهارده.”
امتلأت الغرفة بالضحكات.
لكن بعد دقائق…
شعر أحمد بتعب مفاجئ.
جلس على الكرسي وهو يضع يده على صدره.
أسرعت مديحة إليه.
“حضرتك كويس؟”
ابتسم ابتسامة مطمئنة.
وقال:
“متخافوش…
أنا بس تعبت شوية.”
لكن الطبيب الذي حضر بعد دقائق طلب نقله إلى المستشفى.
وقبل أن يدخل غرفة العمليات…
طلب أحمد أن يرى مديحة وروز وحدهما.
أمسك أيديهما.
وقال بصوت هادئ:
“فاكرين أول يوم شوفتكم فيه؟”
ابتسمت روز وهي تبكي.
وقالت:
“وأنا كنت حتى مش فاكرة حاجة… كنت رضيعة.”
ضحك أحمد بخفة.
ثم نظر إلى مديحة.
وقال:
“أوعي المؤسسة دي في يوم تبقى مجرد مبنى.”
سألته مديحة وهي تبكي:
“يعني إيه؟”
قال:
“خليها تفضل قلب…
مش شركة.”
ثم أغلق عينيه وهو يردد:
“لو دخل عليكم طفل جعان…
أكّلوه…
قبل ما تسألوه اسمه.”
خرجت الممرضة لتعلن أن موعد العملية قد حان.
وظلت مديحة واقفة في مكانها…
تردد آخر جملة قالها أحمد.
كانت الجملة نفسها…
التي غيّرت حياتها قبل أكثر من عشرين عامًا.
لكن هذه المرة…
أصبحت هي الوصية التي ستعيش بها المؤسسة إلى الأبد.مرت ثماني ساعات…
وكانت مديحة وروز تجلسان أمام غرفة العمليات.
لا واحدة منهما نطقت بكلمة.
كل دقيقة كانت تمر كأنها ساعة.
وأخيرًا…
خرج الجراح.
خلع كمامته ببطء.
فتوقفت القلوب قبل الأنفاس.
قال الطبيب:
“العملية نجحت…”
تنفست مديحة بارتياح، وانهارت روز بالبكاء.
لكن الطبيب أكمل:
“نجحت… لكن قلبه ضعيف جدًا. لازم يرتاح تمامًا، ويبعد عن أي ضغط.”
ابتسمت مديحة وهي تمسح دموعها.
وقالت:
“المرة دي… إحنا اللي هنشيله.”
بعد ثلاثة أشهر…
عاد أحمد إلى المؤسسة.
لكن ليس كرئيس مجلس الإدارة.
بل كضيف شرف.
وقف جميع الموظفين في استقباله.
وتفاجأ بلافتة كبيرة عند المدخل.
لم يكن مكتوبًا عليها اسمه.
بل كانت تحمل عبارة:
“هنا… لا يُسأل الجائع لماذا جاء، بل ماذا يحتاج.”
وقف أحمد يقرأها طويلًا.
ثم ابتسم.
وقال لمديحة:
“دي أحسن من أي تمثال.”
ابتسمت وقالت:
“إحنا اتعلمنا منك إن الذكرى الحقيقية بتعيش في الأفعال.”
في نهاية ذلك اليوم…
دخل طفل صغير إلى المؤسسة.
كان يمسك بكف أخته.
نظر بخجل وقال:
“إحنا جعانين.”
قبل أن يتكلم أي موظف…
ابتسم أحمد.
ونظر إلى مديحة.
لم يتحرك.
لم يكن هناك داعٍ.
لأنه رأى مديحة تنحني إلى مستوى الطفل، وتقول بنفس الهدوء الذي سمعه منها منذ سنوات:
“أهلًا بيكم…
تعالوا ناكل الأول.”
نظر أحمد إلى المشهد، وأغمض عينيه للحظة.
ثم همس لنفسه:
“دلوقتي… أقدر أرتاح.”
وفي تلك اللحظة…
أدرك أن أعظم إنجاز في حياته لم يكن الشركة التي بناها، ولا الثروة التي جمعها…
بل إن الرحمة التي بدأها في صباح بارد مع طفلة تحمل أختها الرضيعة…
صارت عادةً يعيش بها أناس لم يولدوا حتى يوم اتخذ ذلك القرار.
تمت.مرت ثماني ساعات…
وكانت مديحة وروز تجلسان أمام غرفة العمليات.
لا واحدة منهما نطقت بكلمة.
كل دقيقة كانت تمر كأنها ساعة.
وأخيرًا…
خرج الجراح.
خلع كمامته ببطء.
فتوقفت القلوب قبل الأنفاس.
قال الطبيب:
“العملية نجحت…”
تنفست مديحة بارتياح، وانهارت روز بالبكاء.
لكن الطبيب أكمل:
“نجحت… لكن قلبه ضعيف جدًا. لازم يرتاح تمامًا، ويبعد عن أي ضغط.”
ابتسمت مديحة وهي تمسح دموعها.
وقالت:
“المرة دي… إحنا اللي هنشيله.”
—
بعد ثلاثة أشهر…
عاد أحمد إلى المؤسسة.
لكن ليس كرئيس مجلس الإدارة.
بل كضيف شرف.
وقف جميع الموظفين في استقباله.
وتفاجأ بلافتة كبيرة عند المدخل.
لم يكن مكتوبًا عليها اسمه.
بل كانت تحمل عبارة:
“هنا… لا يُسأل الجائع لماذا جاء، بل ماذا يحتاج.”
وقف أحمد يقرأها طويلًا.
ثم ابتسم.
وقال لمديحة:
“دي أحسن من أي تمثال.”
ابتسمت وقالت:
“إحنا اتعلمنا منك إن الذكرى الحقيقية بتعيش في الأفعال.”
—
في نهاية ذلك اليوم…
دخل طفل صغير إلى المؤسسة.
كان يمسك بكف أخته.
نظر بخجل وقال:
“إحنا جعانين.”
قبل أن يتكلم أي موظف…
ابتسم أحمد.
ونظر إلى مديحة.
لم يتحرك.
لم يكن هناك داعٍ.
لأنه رأى مديحة تنحني إلى مستوى الطفل، وتقول بنفس الهدوء الذي سمعه منها منذ سنوات:
“أهلًا بيكم…
تعالوا ناكل الأول.”
نظر أحمد إلى المشهد، وأغمض عينيه للحظة.
ثم همس لنفسه:
“دلوقتي… أقدر أرتاح.”
وفي تلك اللحظة…
أدرك أن أعظم إنجاز في حياته لم يكن الشركة التي بناها، ولا الثروة التي جمعها…
بل إن الرحمة التي بدأها في صباح بارد مع طفلة تحمل أختها الرضيعة…
صارت عادةً يعيش بها أناس لم يولدوا حتى يوم اتخذ ذلك القرار.
تمت.بعد سنوات طويلة…
رحل أحمد الهاشمي عن الدنيا، بعد عمرٍ طويل قضاه بين الناس.
لم يكن خبر وفاته مجرد خبر في نشرات الأخبار.
بل كان يومًا حزينًا لآلاف الأسر التي عرفته، أو وصلها خيره بطريقة أو بأخرى.
يوم الجنازة…
امتلأ المسجد بالناس.
رجال أعمال.
موظفون.
عمال نظافة.
أمهات.
وأطفال كبروا، وكانوا يومًا من المستفيدين من المؤسسة.
لكن أكثر ما لفت انتباه الجميع…
أن مديحة لم تقف في الصفوف الأولى.
وقفت في الخلف.
كما وقفت أول مرة في بهو الشركة.
كانت تحمل في يدها ظرفًا قديمًا.
هو نفس الظرف الذي احتفظت فيه بأول رسالة كتبتها لأحمد.
وبعد انتهاء مراسم الدفن…
طلبت الكلمة.
قالت بصوتٍ اختلطت فيه الدموع بالامتنان:
“كل الناس هتتكلم عن ثروته…
وعن شركاته…
وعن نجاحه.
أما أنا…
فهحكي عن الراجل اللي نزل على ركبته قدام طفلة فقيرة…
علشان يسمعها.”
ساد الصمت.
وأضافت:
“لو يومها كان طلب من الأمن يخرجني…
كان ممكن أكره الدنيا كلها.
لكن لأنه اختار يسمعني…
أنا اتعلمت أسمع غيري.”
ثم أخرجت الرسالة القديمة من الظرف.
ورفعتها أمام الجميع.
وقالت:
“الورقة دي كانت أغلى عنده من ملايين الجنيهات.
وأنا أوعده…
إنها هتفضل أغلى أمانة في حياتي.”
صفق الجميع…
لكن وسط التصفيق…
اقترب طفل صغير من مديحة.
شد طرف فستانها.
وقال بخجل:
“هو الأستاذ أحمد في الجنة؟”
انحنت إليه.
وربتت على رأسه.
وقالت بابتسامة يغلبها البكاء:
“إن شاء الله…
لأن الناس اللي كانت بتشبع الجعان…
وتجبر قلب المكسور…
ربنا ما بيضيعش أجرهم.”
ابتسم الطفل.
ثم قال:
“لما أكبر…
أنا كمان هعمل مؤسسة.”
ضحكت مديحة لأول مرة في ذلك اليوم.
وقالت:
“لا…
اعمل حاجة أحسن.”
استغرب الطفل.
“إيه أحسن من مؤسسة؟”
نظرت إلى السماء…
ثم قالت:
“خلي قلبك يبقى مؤسسة.
ساعتها…
هتقدر تساعد أي حد…
في أي مكان.”
ومنذ ذلك اليوم…
لم يعد الناس يتذكرون أحمد الهاشمي فقط كرجل أعمال ناجح.
بل كرجل غيّر مصير طفلة…
والطفلة غيّرت مصير آلاف غيرها.
وهكذا…
انتهت الحكاية…
لكن أثرها لم ينتهِ أبدًا. 🌿بعد عشر سنوات…
كانت مديحة تقف على منصة كبيرة في افتتاح فرع جديد للمؤسسة.
لم تعد المؤسسة موجودة في القاهرة فقط.
أصبح لها فروع في محافظات كثيرة.
وفي كل فرع…
كانت هناك قاعدة واحدة مكتوبة عند المدخل:
“لا يُرفض طفل… ولا يُؤجل جائع.”
بعد انتهاء الافتتاح…
اقترب منها شاب في منتصف العشرينات.
كان يرتدي بدلة بسيطة ويحمل ملفًا قديمًا.
قال لها:
“حضرتك مش هتفتكريني.”
ابتسمت وقالت:
“قول لي.”
فتح الملف.
وأخرج صورة لطفل نحيف جدًا.
ثم قال:
“ده أنا.”
نظرت إلى الصورة.
ولم تتذكر.
أكمل الشاب:
“أنا أول طفل دخل المؤسسة بعد ما حضرتك بقيتي مديرة.”
اتسعت عيناها.
قال مبتسمًا:
“كنت جاي أطلب أكل…
وحضرتك جبتيلي سندوتش قبل ما تسأليني اسمي.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
لأنها تذكرت جملة أحمد الهاشمي.
ابتسم الشاب وأخرج بطاقة تعريف من جيبه.
ناولها لها.
كان مكتوبًا عليها:
دكتور كريم محمود – طبيب أطفال.
قال وهو يبتسم:
“أنا جيت النهارده…
مش علشان أشكرك.”
سألته:
“أمال علشان إيه؟”
قال:
“علشان أقدم استقالتي.”
تفاجأت.
“استقالة؟”
ضحك وقال:
“من المستشفى.”
ثم أكمل:
“لأني قررت أشتغل مع المؤسسة.”
سألته:
“وهتسيب مرتب أكبر ومستقبل مضمون ليه؟”
نظر إلى الأطفال الذين يلعبون في الحديقة.
وقال:
“لأن في يوم…
حد اداني سندوتش.
والسندوتش ده…
أنقذ حياتي.”
سكتت مديحة.
ثم مدت يدها تصافحه.
وقالت:
“أهلًا بيك في بيتك.”
وفي تلك اللحظة…
نظرت إلى صورة أحمد الهاشمي المعلقة في قاعة الاستقبال.
وابتسمت.
وكأنها تسمعه يهمس لها من جديد:
“الخير الحقيقي… عمره ما بيقف عند شخص واحد.”بعد خمس سنوات…
في الذكرى الثلاثين لتأسيس المؤسسة…
كان الاحتفال مختلفًا.
لم يكن هناك مطربون.
ولا عروض ضخمة.
ولا زينة مبالغ فيها.
كان الاحتفال عبارة عن لقاء جمع مئات الأشخاص الذين تغيرت حياتهم بسبب قرار واحد، اتخذه رجل قبل ثلاثين عامًا عندما اختار أن ينصت لطفلة بدلًا من أن يطردها.
في نهاية الحفل…
وقفت مديحة أمام الحضور.
وقالت:
“النهارده مش هتكلم أنا.”
ثم ابتسمت.
وأضافت:
“النهارده هيتكلم أول طفل دخل المؤسسة وهو رضيع… ومبقاش فاكر أي حاجة من اللي حصل.”
التفتت الأنظار إلى الصف الأول.
وقفت روز.
كانت الآن شابة ناجحة، تعمل طبيبة أطفال، كما كانت تحلم منذ صغرها.
أمسكت بالميكروفون.
وقالت:
“أنا الحقيقة… مش فاكرة الجوع.”
ابتسمت وهي تنظر إلى أختها.
“لكن فاكرة الحب اللي جه بعده.”
ساد الصمت.
ثم أكملت:
“كل الناس كانت بتقول إن أختي هي اللي أنقذتني.”
التفتت إلى مديحة.
وقالت:
“وده صحيح.”
ثم رفعت رأسها نحو صورة أحمد الهاشمي المعلقة خلف المسرح.
وأضافت:
“لكن اللي أنقذ أختي… أنقذني أنا كمان.”
صفق الجميع.
لكن المفاجأة كانت عندما دخل رجل مسن، يتكئ على عصا.
كان أحد أفراد الأمن الذين كانوا يعملون في الشركة يوم دخلت مديحة لأول مرة.
تقدم ببطء.
وقال وهو يضحك:
“أنا لسه فاكر اليوم ده.”
ضحك الحضور.
وأضاف:
“بصراحة… كنت مستعد أخرجها بره.”
ثم نظر إلى مديحة.
“الحمد لله إن الأستاذ أحمد أوقفني.”
نظر إلى الناس جميعًا.
وقال بصوت تأثره واضح:
“أوقات… الفرق بين إنسان يضيع، وإنسان ينجح…
مش ملايين…
ولا مناصب…
الفرق بيكون إن حد يقول: استنى… اسمعوه الأول.”
سادت القاعة لحظة صمت.
ثم وقف الجميع يصفقون.
كانت أطول وقفة تصفيق شهدتها المؤسسة منذ تأسيسها.
وفي نهاية اليوم…
خرج آخر الضيوف.
وأطفئت الأنوار.
بقيت مديحة وحدها في البهو.
وقفت في نفس المكان الذي وقفت فيه وهي في السابعة من عمرها، تحمل روز بين ذراعيها.
أغمضت عينيها.
واستعادت المشهد كله.
ثم همست بابتسامة هادئة:
“اطمن يا أستاذ أحمد…
لحد النهارده…
ولا طفل خرج من هنا جعان.”
وغادرت المكان.
لكن العبارة بقيت مكتوبة على الباب الرئيسي للمؤسسة، يقرؤها كل داخل:
“ابدأ بإطعام الجائع… ثم اسأله عن اسمه.”
وهكذا استمرت الحكاية، لا كبطولة شخص واحد، بل كسلسلة من الرحمة انتقلت من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل.بعد أربعين عامًا من ذلك الصباح البارد…
لم يعد برج الهاشمي أشهر ما تركه أحمد الهاشمي.
ولا حتى شركاته.
الناس كانت تشير إلى مبنى آخر، أبسط شكلًا، لكنه أعظم أثرًا.
“مؤسسة أحمد الهاشمي للرحمة.”
وفي صباح أحد الأيام…
توقفت أمام المؤسسة حافلة مدرسية.
نزل منها عشرات الأطفال في رحلة تعليمية.
كانت معلمتهم تشرح لهم تاريخ المكان.
وقالت:
“زمان… من سنين طويلة، طفلة صغيرة دخلت من الباب ده وهي شايلة أختها، وكانت جاية تدور على شغل.”
رفع طفل يده وسأل:
“وليه ما طلبتش فلوس؟”
ابتسمت المعلمة.
وقبل أن تجيب…
خرجت سيدة خمسينية من المبنى.
كان الشيب قد بدأ يغزو شعرها.
لكن عينيها…
ما زالتا تحملان نفس النظرة القوية.
كانت مديحة.
ابتسمت للأطفال وقالت:
“لأنها كانت عايزة تحافظ على كرامتها.”
اقترب الأطفال منها في فضول.
فسألها طفل آخر:
“وحضرتك عرفتي القصة دي منين؟”
نظرت إلى باب المؤسسة.
ثم ابتسمت.
وقالت:
“لأن الطفلة دي…”
وسكتت لحظة.
“…كانت أنا.”
تجمد الأطفال في أماكنهم.
وبدأت مديحة تحكي لهم الحكاية من أولها.
لم تخفِ الجوع.
ولا الخوف.
ولا الدموع.
لكنها كانت تتوقف كل مرة عند نقطة واحدة.
عند الرجل الذي اختار أن يسمع.
وفي نهاية الجولة…
وقف الأطفال أمام الصورة القديمة المعلقة عند المدخل.
الصورة التي تظهر طفلة صغيرة تحمل رضيعة بين ذراعيها.
سأل طفل بصوت بريء:
“يا طنط…
لو الأستاذ أحمد كان طردك يومها…
كان إيه اللي كان هيحصل؟”
ساد الصمت.
ابتسمت مديحة ابتسامة امتزج فيها الألم بالشكر.
وقالت:
“معرفش.”
ثم أكملت وهي تنظر إلى صورته:
“لكن أعرف حاجة واحدة…
قرار واحد فيه رحمة…
ممكن يغيّر عمر كامل.”
وقبل أن يغادر الأطفال…
اقترب ولد صغير ووضع في صندوق التبرعات خمسة جنيهات فقط.
وقال بخجل:
“مش معايا غيرهم.”
ابتسمت مديحة.
وانحنت إلى مستواه…
كما انحنى أحمد إليها قبل أربعين عامًا.
وقالت:
“عارف إيه أغلى حاجة فيهم؟”
هز رأسه بالنفي.
قالت:
“إنك قررت تشارك حد غيرك.”
خرج الطفل وهو يبتسم.
ونظرت مديحة إلى السماء.
وهمست:
“لسه الخير بيكبر يا أستاذ أحمد…
ولسه السلسلة ما وقفتش.”
النهاية الحقيقية… ليست عندما تنتهي القصة، بل عندما يبدأ شخص آخر في كتابة فصل جديد منها. 🌿بعد عدة أشهر…
في أحد الأيام، دخل إلى المؤسسة رجل في أواخر السبعينيات.
كان يمشي ببطء، ويحمل في يده صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
اقترب من مكتب الاستقبال وقال:
“أنا كنت شغال بقال في الحي القديم… وعايز أقابل الآنسة مديحة.”
دخل الرجل إلى مكتبها.
ما إن رأته حتى شعرت أن ملامحه مألوفة.
لكنها لم تتذكره.
ابتسم الرجل وقال:
“أكيد مش هتفتكريني… فات أكتر من أربعين سنة.”
ثم فتح الصندوق.
وأخرج رغيف خبز يابسًا، محفوظًا داخل كيس شفاف.
اتسعت عينا مديحة.
قال الرجل:
“فاكرة البقالة اللي كنتِ بتعدي من قدامها كل يوم؟”
بدأت الذكريات تعود إليها.
أكمل الرجل بصوت متهدج:
“أنا صاحبها.”
سكت لحظة…
ثم قال:
“في اليوم اللي خرجتي فيه تدوري على شغل… كنتِ وقفتي قدام المحل.”
“بصيتي على الأرغفة…”
“وسألتي بكلمة واحدة: بكام؟”
اغرورقت عينا مديحة بالدموع.
همست:
“افتكرت…”
تنهد الرجل.
وقال:
“أنا وقتها… كذبت.”
“قلتلك إن الخبز خلص.”
“مع إنه كان موجود.”
خفض رأسه.
وأضاف:
“كنت خايف الناس تقول إني بوزع ببلاش.”
ساد الصمت.
ثم قال وهو يناولها الصندوق:
“الرغيف ده من نفس الفرن اللي كنت ببيع منه.”
“احتفظت بيه كل السنين دي…”
“علشان كل ما أشوفه… أفتكر اليوم اللي خذلت فيه طفلة جعانة.”
لم تستطع مديحة الكلام.
وقفت.
واقتربت منه.
ثم احتضنته.
وقالت بهدوء:
“يمكن لو كنت ادتني الرغيف يومها…”
“ماكنتش دخلت الشركة.”
نظر إليها متعجبًا.
فابتسمت وهي تمسح دموعها.
وأضافت:
“وربنا كان كاتب إن الخير ييجي من باب تاني.”
بكى الرجل لأول مرة منذ سنوات.
وقال:
“سامحتيني؟”
ابتسمت مديحة.
وقالت:
“أنا سامحتك…
لكن أوعدني بحاجة.”
“إيه هي؟”
قالت:
“لو شفت طفل جعان…
متسألوش معاه كام.”
هز الرجل رأسه وهو يبكي.
وقال:
“أوعدك.”
وفي الأسبوع التالي…
علّق لافتة صغيرة على باب مخبزه.
كتب عليها:
“أي طفل جائع… له رغيف مجانًا، بلا سؤال.”
وخلال أشهر قليلة…
انتشرت الفكرة في مخابز كثيرة.
حتى أصبح الناس يسمونها:
“رغيف مديحة.”
وكانت مديحة كلما رأت طفلًا يخرج من مخبز وهو يبتسم وفي يده رغيف ساخن…
توقن أن الرحمة، مثل النار التي تشعل شمعة، لا تنقص أبدًا… بل تُضيء شموعًا أخرى.بعد عدة أشهر…
في أحد الأيام، دخل إلى المؤسسة رجل في أواخر السبعينيات.
كان يمشي ببطء، ويحمل في يده صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
اقترب من مكتب الاستقبال وقال:
“أنا كنت شغال بقال في الحي القديم… وعايز أقابل الآنسة مديحة.”
دخل الرجل إلى مكتبها.
ما إن رأته حتى شعرت أن ملامحه مألوفة.
لكنها لم تتذكره.
ابتسم الرجل وقال:
“أكيد مش هتفتكريني… فات أكتر من أربعين سنة.”
ثم فتح الصندوق.
وأخرج رغيف خبز يابسًا، محفوظًا داخل كيس شفاف.
اتسعت عينا مديحة.
قال الرجل:
“فاكرة البقالة اللي كنتِ بتعدي من قدامها كل يوم؟”
بدأت الذكريات تعود إليها.
أكمل الرجل بصوت متهدج:
“أنا صاحبها.”
سكت لحظة…
ثم قال:
“في اليوم اللي خرجتي فيه تدوري على شغل… كنتِ وقفتي قدام المحل.”
“بصيتي على الأرغفة…”
“وسألتي بكلمة واحدة: بكام؟”
اغرورقت عينا مديحة بالدموع.
همست:
“افتكرت…”
تنهد الرجل.
وقال:
“أنا وقتها… كذبت.”
“قلتلك إن الخبز خلص.”
“مع إنه كان موجود.”
خفض رأسه.
وأضاف:
“كنت خايف الناس تقول إني بوزع ببلاش.”
ساد الصمت.
ثم قال وهو يناولها الصندوق:
“الرغيف ده من نفس الفرن اللي كنت ببيع منه.”
“احتفظت بيه كل السنين دي…”
“علشان كل ما أشوفه… أفتكر اليوم اللي خذلت فيه طفلة جعانة.”
لم تستطع مديحة الكلام.
وقفت.
واقتربت منه.
ثم احتضنته.
وقالت بهدوء:
“يمكن لو كنت ادتني الرغيف يومها…”
“ماكنتش دخلت الشركة.”
نظر إليها متعجبًا.
فابتسمت وهي تمسح دموعها.
وأضافت:
“وربنا كان كاتب إن الخير ييجي من باب تاني.”
بكى الرجل لأول مرة منذ سنوات.
وقال:
“سامحتيني؟”
ابتسمت مديحة.
وقالت:
“أنا سامحتك…
لكن أوعدني بحاجة.”
“إيه هي؟”
قالت:
“لو شفت طفل جعان…
متسألوش معاه كام.”
هز الرجل رأسه وهو يبكي.
وقال:
“أوعدك.”
وفي الأسبوع التالي…
علّق لافتة صغيرة على باب مخبزه.
كتب عليها:
“أي طفل جائع… له رغيف مجانًا، بلا سؤال.”
وخلال أشهر قليلة…
انتشرت الفكرة في مخابز كثيرة.
حتى أصبح الناس يسمونها:
“رغيف مديحة.”
وكانت مديحة كلما رأت طفلًا يخرج من مخبز وهو يبتسم وفي يده رغيف ساخن…
توقن أن الرحمة، مثل النار التي تشعل شمعة، لا تنقص أبدًا… بل تُضيء شموعًا أخرى.