“.كـاميرا الـمراقبة.” في وحـدة الرعاية حكايات_علي بيه أبوالدهب
“.كـاميرا الـمراقبة.” في وحـدة الرعـاية المركزة للأطفال “جابت مشهد غريب .. لراجل ضخم طول بعرض جسمه مليان تاتوهات،” داخل شايل بيبي صغير لسه مولود ومطلعه بدري عن وقته،” والبيبي نايم على صدره بحنية مش طبيعية.”
كل الممرضات في الأوضة كانوا بيسألوا
نفس السؤال: “مين الراجل ده وجاي لوحده ليه؟”.
أنا كنت واحدة من الممرضات دول.
اسمي “نادية”، بشتغل في مستشفى “أبو الريش” للأطفال بقالي 11 سنة. المدة دي كانت كفاية أوي عشان أعرف إن وحدة الرعاية المركزة دي ممكن تخلي أقوى راجل في الدنيا يحس إنه قليل ومغلوب على أمره. شفت أبهات بيعيطوا هما ولابسين الكمامات، وأمهات نايمين جنب الحضانات وإيدهم ثابتة على إزاز الحضانة، وجدات بيصلوا بصوت واطي لدرجة إن صوت الأجهزة اللي حوالينا كان أعلى من أي صوت تاني.
بس عمري ما شفت حد زي “عم صابر”، اللي الناس بتسميه “الوحش” بسبب منظره.
راجل في الأربعينات، طوله يملأ العين، وجسمه زي الحيطة، حليق الرأس وله دقن رمادية طويلة، وعيونه زرقاء حادة، وإيديه كلها رسومات ووشم، ولابس لبس الموتوسيكلات الثقيل بتاعه. كان داخل بقميص المستشفى الأزرق، وشكل الحبر اللي على رقبته وإيديه كان مناقض تماماً لهدوء الغرفة.
كان منظره غريب ومرعب جداً على جو الرعاية المركزة.
القسم عندنا كله إضاءة هادية، أصوات أجهزة خفيفة، بطاطين صغيرة، وحضانات بلاستيك، وريحة مطهرات. العيال الصغيرة دي صرخاتهم كانت بتبان ضعيفة جداً ومحتاجة معجزة عشان يكملوا.
وعم صابر كان باين وسطهم كأنه .
في الصباح ده، سمعنا صوت عياط جاي من السرير رقم 7.
الطفلة مكنش ليها اسم لسه. في الملف مكتوب “الطفلة حبييه”، لأن أمها سابت المستشفى ومشيوا قبل ما يكملوا بياناتهم. الطفلة اتولدت قبل أوانها، ووزنها ضعيف، وأمها كانت بتمر بظروف صعبة ومحدش من أهلها ظهر. لا أب، لا جدة، ولا حتى عمة تسأل عليها.
كانت بتعيط كأنها عارفة إنها “لوحدها” في الدنيا.
.
إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه طبياً.. محاليل، تدفئة، لمس حنين، أدوية.. مفيش فايدة. الطفلة كانت بتعيط لدرجة إن جسمها الصغير بيتصلب من كتر الوجع.
“وفجأة”عم صابر سمع صوتها.
لف ناحية الصوت بسرعة كأنه كان مستني اللحظة دي
بصيت على كارنيه “المتطوعين” بتاعه، اتأكدت إنه مخلص كل التدريبات ومصرح ليه بحضن الأطفال اللي أهلهم مش موجودين.
قلتله بتردد: “هي بتمر بوقت صعب النهاردة يا عم صابر
بصلي بنظرة حزينة وقال: “ممكن أشيلها؟”.
ممرضة زميلتي همست في ودني: “ده؟ هيشيلها ده؟”
عملت نفسي مش سامعة، وهو غسل إيده زي ما اتعلم، واستنى التعليمات. قعد على الكرسي، ظهره مفرود، وفتح دراعاته بحذر شديد، كأنه خايف يكسرها من كتر ما هي صغيرة.
أول ما حطيت “حبيبة” على صدره، زاد عياطها أكتر.
دكتور القسم وقف يراقب من بعيد، والممرضات وقفوا مكتفين إيديهم.. مستنيين يشوفوا إيه اللي هيحصل.
صابر نزل بدقنه قريباً من ودنها وهمس: “خلاص يا عصفوره صغيرة.. أ جنبك، متخافيش.”
فضلت تعيط 5 دقايق.. ثم 10.. ثم 20 دقيقة.
صابر مبيتحركش، بيتنفس بهدوء كأنه بيحاول يديها نبض قلبه. إيده الكبيرة بدأت تطبطب على ضهرها بحنية خلتني أتكسف من شكي فيه. بعد 40 دقيقة، عياطها هدي. بعد ساعة، كانت نايمة بعمق، وإيدها الصغيرة متمسكة بوشم على صدره
#الكاتب_علي_ابوالدهب
الغرفة كلها خدت نَفَس طويل كأنها كانت مكتومة.
قربت منه وقلت: “تقدر ترجعها الحضانة لو محتاج تستريح يا عم صابر”.
بص لوجهها الصغير وقال: “لأ يا بنتي”.
قلتله: “مش لازم تشيلها طول اليوم”.
عنيه اتملت دموع وقال بصوت مخنوق: “أنا عارف إني كبير ومخيف.. بس الطفلة دي محتاجة حضن بس، وأنا عندي اليوم كله عشان أشيلها”.
.
الراجل ده فضل شايل الطفلة 12 ساعة كاملة.
محدش فينا كان يعرف وقتها إن سبب إصراره على شيل الأطفال المهجورة ، بدأ من 26 سنة.. جنب سرير تاني في نفس الوحدة، مع طفل تاني خالص، كان اسمه محفور تاتو على معصمه هو شخصياً.
عايز تعرف ليه الراجل العملاق ده بيطوع بحياته عشان الأطفال دي؟ وإيه السر اللي ورا اسم الطفل الموشوم على إيده؟ اضغط لايك، واكتب “الله” في التعليقات، وهنزلكم الجزء اللي يقطع القلب.
#الكاتب_علي_ابوالدهب
مين عايز يكمل القصه المشوقة دى يعمل لايك ويكتب تم ومننساش نذكر الله
“.كـاميرا الـمراقبة.” في وحـدة الرعـاية المركزة للأطفال “جابت مشهد غريب .. لراجل ضخم طول بعرض جسمه مليان تاتوهات،” داخل شايل بيبي صغير لسه مولود ومطلعه بدري عن وقته،” والبيبي نايم على صدره بحنية مش طبيعية.”
بعد ما نامت “حبيبة” على صدر عم صابر، لأول مرة من أيام، حسّينا إن في سلام نزل على أوضة الرعاية المركزة.
لكن وأنا بظبط البطانية الصغيرة عليها، عيني وقعت على الوشم اللي على معصمه.
كان مكتوب اسم واحد بس:
“آدم”
وتحته تاريخ قديم من 26 سنة.
سألته بهدوء: “ابنك؟”
سكت شوية، وبص للطفلة اللي نايمة، ثم هز رأسه وقال: “كان ابني.”
الكلمة خرجت منه تقيلة لدرجة خلت قلبي ينقبض.
في اليوم اللي بعده، رجع تاني. وبعده رجع. وبعده رجع.
كل يوم يدخل القسم، يسأل على الأطفال اللي محدش بيسأل عليهم. اللي أهلهم مسافرين. اللي أمهم في العناية. اللي ملهمش حد خالص.
يشيل ده ساعة، ويهدهد دي ساعتين، ويقعد يحكي حكايات لطفل عمره أيام وكأنه فاهمه.
ومع الوقت، بقينا كلنا نحبه.
لكن فضلت حكاية “آدم” لغز.
لحد يوم مطر شديد، لما لقيته قاعد لوحده قدام شباك القسم وعيونه كلها دموع.
قعدت جنبه وسألته: “لو مش هضايقك… مين كان آدم؟”
تنهد طويلاً وقال:
“من ستة وعشرين سنة كنت شاب متهور. موتوسيكلات وخناقات وشغل ليل ونهار. ولما مراتي ولدت آدم بدري عن وقته، اتحجز هنا… في نفس المكان ده.”
بلعت ريقي وأنا بسمع.
كمل بصوت مكسور:
“الدكاترة قالولي محتاج حضن وحضور أكتر من أي حاجة. لكني كنت فاكر الفلوس أهم. كنت بسيب مراتي وابني بالساعات وأقول لازم أشتغل.”
وسكت ثانية.
ثم قال:
“وفي ليلة… التليفون رن.”
عرفت من نظرة عينيه إن النهاية كانت مؤلمة.
“لما وصلت المستشفى… كان فات الأوان.”
بدأت دموعه تنزل لأول مرة قدامي.
“ابني مات وأنا مش جنبه.”
فضل ساكت دقيقة كاملة.
“آخر صورة عندي ليه كانت وهو بيبص حواليه كأنه بيدور على حد يشيله.”
أنا نفسي دموعي نزلت.
قال: “من يومها وأنا كل ليلة بحلم بيه. وكل مرة كان بيسألني نفس السؤال: ليه سيبتني لوحدي؟”
أشار ناحية الحضانات.
“عشان كده لما اتقاعدت من شغلي، جيت هنا. مش عشان أكفّر عن ذنب… لأن الذنب عمره ما بيروح. جيت عشان ولا طفل يحس بالوحدة اللي حس بيها آدم.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت جهاز إنذار خفيف.
كانت “حبيبة”.
جرينا كلنا عليها.
لكن أول ما عم صابر قرب من الحضانة ومد إصبعه الصغير ناحيتها، مسكت صباعه بإيديها الضعيفة.
وفجأة استقرت نبضاتها.
الدكتور بص للشاشة ثم قال بدهشة: “رجعت طبيعية.”
عم صابر ابتسم وسط دموعه.
بعد شهور طويلة، حالة حبيبة اتحسنت بشكل معجزة.
وفي يوم خروجها من المستشفى، ظهرت سيدة كبيرة قالت إنها خالتها وجاية تستلمها بعد ما خلصت إجراءات الكفالة.
قبل ما تمشي، حطت الطفلة في حضن عم صابر للمرة الأخيرة.
وكانت أول كلمة نطقتها الطفلة الصغيرة بعد شهور من التعافي:
“بابا.”
سكتت الأوضة كلها.
أما عم صابر، الراجل اللي الناس كانت بتخاف من شكله، فبكى كطفل صغير.
ورفع عينيه للسقف وهمس:
“سمعت يا آدم؟… المرة دي ما سبتهاش لوحدها.” ❤️
تمت.بعد ما خرجت “حبيبة” من المستشفى، افتكرنا إن حكاية عم صابر انتهت.
لكن الحقيقة إنها كانت لسه بتبدأ.
مرّ حوالي سنة، وعم صابر ما غابش يوم واحد عن القسم.
بقى جزء من المكان.
الأطفال أول ما يشوفوه يضحكوا، والممرضات بقوا ينادوه “عم صابر الحنون”، رغم إن شكله كان لسه يخوف أي حد يشوفه لأول مرة.
وفي صباح هادئ، وصلت حالة جديدة.
طفل مولود حديثًا، وزنه قليل جدًا، وحالته حرجة.
لكن اللي شد انتباهنا مش الطفل…
كانت الورقة اللي متعلقة في سريره.
مكتوب فيها:
“مجهول النسب.”
عم صابر وقف قدام السرير وقت طويل.
وبعدين قال بهدوء:
“اسمه إيه؟”
الدكتور رد: “مفيش اسم.”
هز رأسه بحزن.
وقال: “يبقى نسميه يوسف لحد ما ربنا يفرجها.”
ومن يومها بقى يناديه يوسف.
كل يوم.
كل ساعة.
كأنه حفيده.
الغريب إن يوسف كان متعلق بيه بشكل مش طبيعي.
أول ما يسمع صوته يهدى.
وأول ما يحضنه ينام.
وأول ما يبعد عنه يعيط.
لدرجة إن الممرضات كانوا بيهزروا: “واضح إن الولد اختارك بنفسه.”
لكن بعد شهرين…
حصل شيء قلب الدنيا كلها.
وصل للمستشفى رجل وسيدة.
وكانوا بيسألوا عن طفل مفقود.
معاهم صور قديمة وأوراق وتحاليل.
وبعد تحقيقات طويلة، اتضح إن يوسف اتخطف وهو رضيع واتساب قدام دار رعاية بشكل غير قانوني.
العيلة كانت بتدور عليه من شهور.
ولما اتأكدت التحاليل…
عرفنا الحقيقة.
يوسف ليه أهل فعلًا.
وأهله أخيرًا لقوه.
كلنا فرحنا.
إلا شخص واحد.
عم صابر.
لأول مرة شفته واقف لوحده في آخر الممر، وعينيه مليانة دموع.
عرف إنه هيخسر الطفل اللي تعلق بيه.
لما الأسرة جت تستلمه، الأم حضنت ابنها وهي بتبكي.
وبعدين بصت على عم صابر.
وقالت:
“حضرتك اللي كنت معاه طول الفترة دي؟”
هز رأسه.
اقتربت منه.
وأمسكت يده.
وقالت:
“أنا مش عارفة أرد جميلك إزاي.”
رد بابتسامة متعبة:
“يكفيني إنه راجع لحضن أمه.”
لكن المفاجأة حصلت قبل ما يمشوا.
الأب فتح ظرفًا صغيرًا.
وأخرج صورة قديمة جدًا.
ثم سأل عم صابر:
“حضرتك اسمك صابر محمود؟”
تجمد مكانه.
وقال بدهشة:
“أيوة.”
الرجل بدأت دموعه تنزل.
وقال:
“أنا آدم… ابن أختك.”
اتسعت عينا عم صابر.
وتراجع خطوة للخلف.
الرجل أكمل بصوت مرتعش:
“زمان… قبل أكتر من عشرين سنة… كنت طفل ضايع في الشارع بعد وفاة أمي. وكل الناس كانت بتطردني.”
“إلا أنت.”
“كنت بتديني أكل وتسيبلي فلوس وتختفي.”
“أنا عمري ما نسيتك.”
وانفجر الرجل في البكاء.
“النهارده ربنا رجعلي ابني… ورجعني ليك.”
لأول مرة منذ وفاة ابنه آدم…
شعر عم صابر أن شيئًا انكسر داخله قد التأم أخيرًا.
فرفع الطفل يوسف بين ذراعيه.
وقبّله من جبينه.
وهمس:
“يمكن ربنا ما رجعليش ابني… لكنه رجعلي الأمل.” ❤️
نهاية الجزء الثاني.مرت الشهور بعد لقاء عم صابر بآدم وابنه يوسف، والحياة بدأت ترجع هادئة من جديد.
لكن في ليلة شتوية باردة، وبينما كانت نادية مناوبة في الرعاية المركزة، دخل رجل مسن ومعه سيدة كبيرة في السن.
كانا يسألان عن متطوع اسمه “صابر محمود”.
استغربت نادية.
“حضراتكم تقربوله إيه؟”
السيدة بصت للأرض وقالت:
“إحنا أهله… وجايين بعد غياب طويل.”
في نفس اللحظة دخل عم صابر من باب القسم.
أول ما شاف الست، وقف مكانه كأن الزمن رجع بيه عشرات السنين.
همس بصوت مرتعش:
“أمي؟”
انفجرت السيدة في البكاء.
واتضح أن خلافًا قديمًا جدًا فرّق بينهم بعد وفاة والده، وأن عم صابر خرج من البيت وهو شاب غاضب ولم يعد.
سنوات طويلة مرت، وكل طرف كان ينتظر الآخر يبدأ بالصلح.
لكن العمر كان يجري أسرع منهم.
في تلك الليلة جلسوا معًا لأول مرة منذ أكثر من عشرين عامًا.
ضحكوا. بكوا. وتكلموا عن أشياء ضاعت من بينهم.
ولأول مرة منذ وفاة ابنه آدم، رأى الجميع ابتسامة حقيقية على وجه عم صابر.
لكن بعد أسابيع قليلة، حدث ما لم يكن يتوقعه أحد.
أثناء وجوده في المستشفى، شعر بألم شديد في صدره.
تم نقله فورًا للطوارئ.
وبعد الفحوصات، أخبره الأطباء أن قلبه متعب جدًا ويحتاج إلى عملية دقيقة.
الخبر انتشر بين العاملين في المستشفى.
وفي اليوم التالي، حدث شيء غريب.
بدأ الناس يتوافدون.
أم لطفل كان يحتضنه. أب لطفلة كان يهدئها. شاب كان رضيعًا في القسم منذ سنوات.
واحدًا تلو الآخر.
العشرات.
ثم المئات.
يحملون صور أطفالهم.
ويقولون جملة واحدة:
“جينا عشان عم صابر.”
امتلأت قاعة الانتظار بالورود والرسائل.
كانت هناك رسالة صغيرة من طفلة في السابعة من عمرها كتبت:
“أنا ماعرفش حضرتك فاكرني ولا لأ، بس ماما قالتلي إنك أول واحد حضني لما اتولدت. شكراً إنك خليتني أعيش.”
عندما قرأها عم صابر، بكى بصمت.
وبعد أيام أجريت العملية.
واستمرت ساعات طويلة.
كل المستشفى كانت تنتظر.
وأخيرًا خرج الجراح مبتسمًا.
وقال:
“العملية نجحت.”
تعالت الزغاريد والدموع والضحكات في الممر.
أما عم صابر، فعندما استعاد وعيه، وجد شيئًا موضوعًا بجوار سريره.
ألبوم صور ضخم.
فتح الصفحة الأولى.
فوجد عشرات الصور لأطفال كبروا وأصبحوا شبابًا.
وفي أسفل الصفحة عبارة مكتوبة بخط اليد:
“ربما لم تستطع إنقاذ آدم… لكنك أنقذت مئات غيره.”
أغلق الألبوم واحتضنه إلى صدره.
ثم نظر إلى السماء من خلف النافذة.
وابتسم.
للمرة الأولى منذ ستة وعشرين عامًا…
ابتسامة خالية من الندم. ❤️
تمت الحكاية.بعد سنة كاملة من العملية، رجع عم صابر للرعاية المركزة، لكن المرة دي الأطباء كانوا مانعين عنه المجهود الكبير.
كان يقعد بالساعات جنب الحضانات، يحكي حكايات للأطفال، ويضحك مع الممرضات، ويكتفي إن الأطفال يمسكوا صباعه الصغير بدل ما يشيلهم طول اليوم.
وفي أحد الأيام، دخلت نادية المكتب لقت مدير المستشفى مستني عم صابر.
قال له بابتسامة:
“عندنا مفاجأة ليك.”
استغرب عم صابر.
نزلوا كلهم للدور الأرضي، وهناك كانت قاعة جديدة لسه متجددة بالكامل.
وعلى الباب لافتة كبيرة مكتوب عليها:
“قاعة آدم للدعم الأسري ورعاية الأطفال المبتسرين.”
وقف عم صابر مكانه.
إيده بدأت ترتعش.
اقترب من اللافتة ولمس الاسم بأطراف أصابعه.
“آدم.”
الاسم اللي كان بيهرب منه سنين طويلة.
الاسم اللي كان يوجعه كل ما سمعه.
النهارده بقى مكتوب على مكان بيساعد أطفال كتير يعيشوا.
بكى بصمت.
أما نادية فلاحظت حاجة غريبة.
لأول مرة، لما شاف اسم ابنه، ما كانش في عينيه ألم فقط.
كان فيه فخر.
مرت السنوات.
وكبر أطفال كثير كانوا في الرعاية المركزة.
بعضهم بقى أطباء.
وبعضهم مهندسين.
وبعضهم آباء وأمهات.
لكن أغلبهم كان عنده صورة قديمة مع راجل ضخم مليان وشوم وابتسامة دافية.
وفي عيد ميلاد عم صابر السبعين، قرروا يعملوا له مفاجأة.
جمعوا عشرات الأشخاص في قاعة كبيرة.
ودخل عم صابر وهو فاكر إنه جاي يحضر اجتماع عادي.
فجأة أضاءت الأنوار.
وارتفع التصفيق.
قدامه عشرات الوجوه.
وجوه كان يعرف بعضها.
ووجوه كان آخر مرة شافها وهي بحجم كف إيده.
واحد منهم قال:
“أنا الطفل اللي كنت بتقعد جنبي كل يوم.”
وقالت فتاة أخرى:
“وأنا اللي كنت بتناديني بالأميرة.”
وقال شاب طويل:
“وأنا اللي كنت فاكر إنك سوبر مان.”
بدأت دموع عم صابر تنزل.
ثم اقتربت فتاة شابة تحمل طفلة صغيرة.
وضعت الطفلة بين ذراعيه.
وقالت:
“زمان حضرتك حضنتني وأنا في الحضانة… والنهارده دي بنتي.”
نظر للطفلة الصغيرة.
فابتسمت له.
تمامًا كما كان يفعل الأطفال دائمًا.
ضمها إلى صدره وهمس:
“سبحان الله…”
وفي تلك اللحظة، شعر أن حياته بكل ما فيها من وجع وخسارة لم تذهب هباءً.
فقد رحل آدم منذ زمن.
لكن أثره بقي.
في كل طفل عاش.
وفي كل أم ابتسمت.
وفي كل قلب تعلم أن الحنان قد يأتي أحيانًا من شخص يبدو مخيفًا من الخارج، لكنه يحمل في داخله قلبًا أكبر من العالم كله.
❤️ النهاية الحقيقية للحكاية ليست أن عم صابر فقد ابنه… بل أنه حوّل حزنه إلى رحمة وصلت لمئات الأطفال الذين احتاجوا فقط إلى حضن دافئ.بعد الاحتفال الكبير بعيد ميلاده السبعين، بقى عم صابر معروف في المستشفى أكتر من أي دكتور.
الناس كانت تيجي من محافظات بعيدة مخصوص عشان تسلم عليه.
لكن في يوم هادئ، حصل شيء محدش كان متوقعه.
وصلت للمستشفى بنت صغيرة عندها حوالي 12 سنة.
كانت ماسكة دفتر قديم ومصرة تقابل عم صابر.
نادية سألتها:
“عايزاه في إيه يا حبيبتي؟”
قالت:
“معايا حاجة تخصه.”
ولما دخلت عليه، مدت الدفتر ناحيته.
أول ما شاف الغلاف، وشه اتغير.
كان دفتر زوجته الراحلة.
الدفتر اللي اختفى من بيته بعد وفاتها بسنين.
فتح الصفحات بإيدين مرتعشتين.
وكانت كلها رسائل مكتوبة بخطها.
رسائل لابنها آدم.
ورسائل لعم صابر نفسه.
وفي آخر صفحة لقى رسالة عمره ما شافها.
مكتوب فيها:
“يا صابر… لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مش موجودة جنبك دلوقتي.
عارفة إنك هتفضل تلوم نفسك على آدم طول عمرك.
بس لو فيه حاجة عايزة أقولهالك، فهي إن آدم كان بيحبك.
عمره ما كان زعلان منك.
ولو كان يقدر يكلمك دلوقتي، كان هيقولك تبطل تعاقب نفسك.
خليك أب لكل طفل محتاج أب.
وقتها بس هتعرف إن روح آدم لسه عايشة.”
الدموع نزلت من عيون عم صابر على الورق.
لأنه أدرك أن الشيء اللي كان بيعمله طول السنين دي…
هو بالضبط الشيء اللي كانت زوجته تتمناه.
رفع رأسه وسأل البنت:
“جبتي الدفتر ده منين؟”
ابتسمت وقالت:
“أنا حفيدة جارتكم القديمة.”
واتضح أن الجارة احتفظت بالدفتر سنوات طويلة بعد وفاة زوجة عم صابر، ولما شعرت أن عمرها اقترب من النهاية، أوصت حفيدتها ترجعه لصاحبه.
قبل أن تغادر، سألت البنت:
“هو حضرتك زعلان لسه؟”
نظر عم صابر حوله.
إلى الأطفال.
إلى الممرضات.
إلى صور آدم المعلقة في القاعة.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال:
“لأ يا بنتي… لأول مرة من سنين طويلة، أنا بخير.”
وفي تلك الليلة، بعدما انتهى يومه، دخل قاعة “آدم” الفارغة.
جلس وحده.
وأخرج صورة قديمة لابنه.
ووضعها على الطاولة.
وقال بصوت خافت:
“يا آدم… أنا خلاص فهمت الرسالة.
مش لازم أفضل أبكي عليك.
يكفي إني أحب الناس زي ما كنت هحبك.”
ثم أطفأ الأنوار.
وأغلق الباب خلفه.
لكن قبل أن يخرج، التفت مرة أخيرة نحو الصورة.
وابتسم.
وكأن طفله الصغير كان يبتسم له من الجهة الأخرى أيضًا.
❤️ وهكذا انتهت رحلة الندم… وبدأت رحلة السلام.
تمت.مرت أعوام أخرى، وأصبح اسم عم صابر مرتبطًا بكل ركن في المستشفى.
كان شعره الأبيض يزداد، وخطواته أصبحت أبطأ، لكن ابتسامته لم تتغير.
وفي صباح يوم ربيعي، وصلت إلى المستشفى سيدة في الثلاثينيات من عمرها، ومعها طفلة صغيرة.
دخلت تسأل عنه بإصرار.
ولما رأته، وقفت أمامه للحظات وكأنها تحاول أن تتأكد من شيء.
ثم قالت:
“إنت مش فاكرني، صح؟”
ابتسم عم صابر وقال:
“سامحيني يا بنتي، الذاكرة بقت أضعف من زمان.”
ضحكت وهي تمسح دموعها.
وقالت:
“أنا حبيبة.”
تجمد مكانه.
حبيبة؟
الطفلة الصغيرة التي نامت يومًا على صدره وهي لا تملك حتى اسمًا؟
نظر إليها طويلًا.
ثم بدأت ملامح الرضيعة الصغيرة تظهر وسط وجه المرأة الشابة.
فبكى.
أما هي فاحتضنته بقوة.
وقالت:
“أنا جيت أقولك حاجة كان لازم تسمعها.”
جلسا معًا في قاعة آدم.
وأخرجت من حقيبتها ظرفًا قديمًا.
وقالت:
“أنا بقيت أخصائية اجتماعية، وبشتغل مع الأطفال اللي ملهمش أهل.”
ابتسم عم صابر دون أن يتكلم.
فأكملت:
“كل مرة طفل يبقى وحيد، كنت أفتكر اللي اتقال لي عنك.”
“إن في راجل غريب الشكل، لكنه علمني معنى الأمان قبل ما أعرف الكلام.”
سكتت لحظة.
ثم قالت:
“أنا بقيت بعمل للناس اللي عملته معايا.”
لم يستطع الرد.
فقط أمسك يدها.
وفي تلك اللحظة، شعر أن الدائرة اكتملت.
طفلة أنقذها حضنه يومًا ما…
كبرت وأصبحت تمنح الأمان لغيرها.
وقبل أن تغادر، قدمت له صندوقًا صغيرًا.
فتحه ببطء.
فوجد بداخله مئات الرسائل.
رسائل من أطفال كبروا.
ومن أمهات.
ومن آباء.
كلها تبدأ تقريبًا بنفس الجملة:
“شكرًا يا عم صابر.”
رفع إحدى الرسائل وقرأ:
“قد لا تتذكرني، لكنك كنت أول شخص حملني عندما ظن الجميع أنني لن أعيش.”
وأخرى:
“كنت أظن أن المعجزات غير موجودة، حتى أخبرتني أمي عنك.”
وأخرى:
“لو لم أرك وأنا طفل، ربما ما كنت اخترت أن أصبح طبيب أطفال.”
أغلق الصندوق وهو يبكي ويضحك في نفس الوقت.
ثم نظر إلى حبيبة وقال:
“أنا كنت فاكر إني بساعد الأطفال.”
ابتسمت هي وقالت:
“لأ يا عم صابر… الأطفال هم اللي أنقذوك.”
ساد الصمت.
صمت جميل.
وفي المساء، بينما كانت الشمس تغيب خلف مباني المستشفى، جلس عم صابر أمام النافذة التي اعتاد الجلوس عندها منذ سنوات.
وأغمض عينيه.
ولأول مرة منذ وفاة آدم، لم يشعر بثقل في قلبه.
بل شعر بامتنان.
امتنان لكل طفل حمله.
ولكل دمعة مسحها.
ولكل فرصة منحها الله له ليحوّل ألمه إلى رحمة.
وكانت تلك بداية فصل جديد…
فصل لا يحكي عن الخسارة، بل عن الأثر الذي يتركه الإنسان خلفه حين يختار أن يكون رحيمًا. ❤️مرّت خمس سنوات أخرى.
وأصبح عم صابر في الخامسة والسبعين من عمره.
لم يعد يقضي اليوم كله في المستشفى كما كان يفعل، لكن الجميع كان يصر على أن يأتي ولو لساعات قليلة كل أسبوع.
وفي أحد الأيام، دخلت نادية مكتبه الصغير في قاعة آدم، فلم تجده.
استغربت.
فهو لم يتأخر يومًا عن موعده.
اتصلت بهاتفه.
لا رد.
مرّت ساعة… ثم ساعتان.
وبدأ القلق يتسلل إلى قلبها.
أخيرًا، رد عليها أحد الجيران.
وقال بصوت هادئ:
“عم صابر في البيت… لكنه تعبان شوية.”
ذهبت إليه فورًا.
ولما دخلت شقته، وجدته جالسًا في الشرفة.
أمام كوب شاي بارد.
وألبوم الصور القديم على حجره.
ابتسم عندما رآها.
وقال:
“لسه بتقلقي عليا يا نادية؟”
قالت وهي تحاول إخفاء دموعها:
“طبعًا.”
تنهد بهدوء.
ثم نظر إلى السماء.
وقال:
“حاسس إن الرحلة قربت تخلص.”
صرخت فيها فورًا:
“بلاش الكلام ده.”
فضحك.
نفس الضحكة الهادئة التي عرفها الجميع.
وقال:
“كلنا لينا معاد يا بنتي.”
ثم مد يده وأعطاها ظرفًا مغلقًا.
وقال:
“لو جه اليوم ده… افتحيه.”
رفضت أخذه.
لكنه أصر.
فأخذته وهي تبكي.
—
بعد عدة أشهر…
جاء اليوم الذي لم يكن أحد مستعدًا له.
رحل عم صابر بهدوء في نومه.
دون ألم.
دون صراع.
وكأنه قرر أن يغادر بنفس الهدوء الذي عاش به سنواته الأخيرة.
انتشر الخبر بسرعة.
وخلال ساعات، امتلأت ساحة المستشفى بالناس.
أطباء.
ممرضات.
أمهات.
آباء.
وشباب وشابات كانوا يومًا أطفالًا صغارًا في حضانات الرعاية المركزة.
بعضهم جاء من محافظات بعيدة.
وبعضهم من خارج مصر.
كلهم جاءوا لوداع رجل لم يكن قريبًا لهم بالدم…
لكنه كان قريبًا لهم بالقلب.
—
بعد انتهاء مراسم الوداع، تذكرت نادية الظرف.
فتحته وسط دموعها.
فوجدت رسالة بخط عم صابر.
وكان مكتوبًا فيها:
“لو بتقروا الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود وسطكم.
متزعلوش.
أنا عشت عمرًا أطول مما توقعت.
وربنا كرمني بأكتر مما أستحق.
بس عندي طلب واحد.
لو في يوم سمعتوا طفل بيعيط…
متقولوش دي مش مشكلتي.
لو شفتوا حد وحيد…
متبصوش الناحية التانية.
الرحمة مش محتاجة فلوس.
ولا قوة.
ولا منصب.
محتاجة قلب بس.
ولو كنتوا بتحبوني فعلًا…
خلو الرحمة تكمل بعدي.”
—
سادت لحظة صمت طويلة.
ثم بدأت نادية تبكي.
لكنها كانت دموع امتنان.
وليس حزنًا فقط.
—
بعد عام من رحيله، اجتمع عشرات المتطوعين في قاعة آدم.
وكان بينهم حبيبة، ويوسف، وأطباء شباب، وممرضات جدد.
واتفقوا على إنشاء برنامج جديد لرعاية الأطفال المهجورين والمرضى.
وأطلقوا عليه اسم:
“مبادرة عم صابر.”
لأنهم أدركوا شيئًا مهمًا.
أن بعض الناس لا ينتهي وجودهم عندما يرحلون.
بل يبدأ أثرهم الحقيقي بعدها.
وفي مدخل القاعة، وُضعت لوحة صغيرة.
مكتوب عليها:
“كان يظن أنه جاء ليواسي الأطفال… لكنه علّم الجميع معنى الرحمة.” ❤️
النهاية الأخيرة.بعد سنوات من إنشاء “مبادرة عم صابر”، كان اسمها قد وصل إلى مستشفيات كثيرة.
متطوعون جدد. حضانات أكثر. وأطفال أكثر وجدوا من يحتضنهم في أصعب لحظات حياتهم.
وفي صباح يوم هادئ، كانت نادية قد اقتربت من التقاعد.
شعرها شاب، وخطواتها أصبحت أبطأ، لكنها ما زالت تمر كل يوم أمام لوحة عم صابر وتبتسم.
في ذلك اليوم، لاحظت شيئًا غريبًا.
ولد صغير، لا يتجاوز الثامنة، يجلس أمام اللوحة منذ أكثر من ساعة.
كان يحمل وردة بيضاء.
اقتربت منه وسألته:
“مستني حد يا حبيبي؟”
هز رأسه بالنفي.
وقال:
“أنا جيت أشكر الراجل ده.”
نظرت إلى الصورة.
ثم عادت تنظر إليه باستغراب.
وقالت:
“بس يا حبيبي… عم صابر متوفي من سنين.”
ابتسم الطفل ابتسامة صغيرة.
وقال:
“أنا عارف.”
ثم أشار إلى والدته الواقفة بعيدًا.
وقالت الأم وهي تمسح دموعها:
“ابني ده كان من الأطفال اللي اتولدوا قبل ميعادهم بكتير.”
“حالته كانت صعبة جدًا.”
“وأثناء وجوده هنا، كان متطوع من المبادرة يقعد معاه بالساعات.”
“كل ما كنت أفقد الأمل، كانوا يحكوا لي قصة عم صابر.”
سكتت قليلًا.
ثم قالت:
“القصة دي هي اللي خلتني أتمسك بالأمل.”
نظرت نادية إلى الطفل.
وسألته:
“والوردة دي؟”
قال:
“عشان ماما قالت لي إن الراجل ده ساعد أطفال كتير يعيشوا… وأنا واحد منهم.”
وضَع الطفل الوردة تحت الصورة.
ثم وقف منتصبًا وقال بصوت بريء:
“شكرًا يا عم صابر.”
بعد أن غادر، بقيت نادية واقفة وحدها.
تنظر إلى اللوحة.
وفجأة أدركت شيئًا.
لم يعد أحد في المستشفى تقريبًا يتذكر شكل آدم.
ولا يتذكر تفاصيل حياة عم صابر كلها.
لكنهم جميعًا يتذكرون شيئًا واحدًا:
أنه كان شخصًا اختار الرحمة.
وهذا كان كافيًا.
وفي نهاية ذلك اليوم، أطفئت أنوار القاعة.
وبقي ضوء صغير فقط فوق اللوحة.
كأن المكان كله يهمس برسالة واحدة:
قد لا نستطيع تغيير العالم كله… لكن حضنًا واحدًا، وكلمة طيبة واحدة، ورحمة صادقة واحدة، قد تغيّر حياة إنسان إلى الأبد. ❤️
وهكذا استمرت الحكاية…
ليس لأن عم صابر كان موجودًا.
بل لأن أثره ظل موجودًا في كل قلب تعلّم منه أن الرحمة لا تموت. 🌷
تمت فعلًا هذه المرة.بعد سنوات من إنشاء “مبادرة عم صابر”، كان اسمها قد وصل إلى مستشفيات كثيرة.
متطوعون جدد. حضانات أكثر. وأطفال أكثر وجدوا من يحتضنهم في أصعب لحظات حياتهم.
وفي صباح يوم هادئ، كانت نادية قد اقتربت من التقاعد.
شعرها شاب، وخطواتها أصبحت أبطأ، لكنها ما زالت تمر كل يوم أمام لوحة عم صابر وتبتسم.
في ذلك اليوم، لاحظت شيئًا غريبًا.
ولد صغير، لا يتجاوز الثامنة، يجلس أمام اللوحة منذ أكثر من ساعة.
كان يحمل وردة بيضاء.
اقتربت منه وسألته:
“مستني حد يا حبيبي؟”
هز رأسه بالنفي.
وقال:
“أنا جيت أشكر الراجل ده.”
نظرت إلى الصورة.
ثم عادت تنظر إليه باستغراب.
وقالت:
“بس يا حبيبي… عم صابر متوفي من سنين.”
ابتسم الطفل ابتسامة صغيرة.
وقال:
“أنا عارف.”
ثم أشار إلى والدته الواقفة بعيدًا.
وقالت الأم وهي تمسح دموعها:
“ابني ده كان من الأطفال اللي اتولدوا قبل ميعادهم بكتير.”
“حالته كانت صعبة جدًا.”
“وأثناء وجوده هنا، كان متطوع من المبادرة يقعد معاه بالساعات.”
“كل ما كنت أفقد الأمل، كانوا يحكوا لي قصة عم صابر.”
سكتت قليلًا.
ثم قالت:
“القصة دي هي اللي خلتني أتمسك بالأمل.”
نظرت نادية إلى الطفل.
وسألته:
“والوردة دي؟”
قال:
“عشان ماما قالت لي إن الراجل ده ساعد أطفال كتير يعيشوا… وأنا واحد منهم.”
وضَع الطفل الوردة تحت الصورة.
ثم وقف منتصبًا وقال بصوت بريء:
“شكرًا يا عم صابر.”
—
بعد أن غادر، بقيت نادية واقفة وحدها.
تنظر إلى اللوحة.
وفجأة أدركت شيئًا.
لم يعد أحد في المستشفى تقريبًا يتذكر شكل آدم.
ولا يتذكر تفاصيل حياة عم صابر كلها.
لكنهم جميعًا يتذكرون شيئًا واحدًا:
أنه كان شخصًا اختار الرحمة.
وهذا كان كافيًا.
—
وفي نهاية ذلك اليوم، أطفئت أنوار القاعة.
وبقي ضوء صغير فقط فوق اللوحة.
كأن المكان كله يهمس برسالة واحدة:
قد لا نستطيع تغيير العالم كله… لكن حضنًا واحدًا، وكلمة طيبة واحدة، ورحمة صادقة واحدة، قد تغيّر حياة إنسان إلى الأبد. ❤️
وهكذا استمرت الحكاية…
ليس لأن عم صابر كان موجودًا.
بل لأن أثره ظل موجودًا في كل قلب تعلّم منه أن الرحمة لا تموت. 🌷
تمت فعلًا هذه المرة.وبعد عشرات السنين…
لم يبقَ أحد تقريبًا ممن عرفوا عم صابر بنفسه.
صارت صورته بالأبيض والأسود معلقة في ركن هادئ من قاعة آدم، يمر الناس بجوارها كل يوم دون أن يعرف بعضهم تفاصيل حكايته.
لكن ذات صباح، دخلت طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها سبع سنوات.
كانت تزور المستشفى مع فصلها المدرسي.
وقفت أمام الصورة طويلًا.
ثم سألت المرشدة:
“مين الراجل ده؟”
ابتسمت المرشدة وقالت:
“ده واحد كان بيحب الأطفال جدًا.”
فكرت الطفلة قليلًا.
ثم سألت:
“كان دكتور؟”
قالت المرشدة:
“لأ.”
“كان ممرض؟”
“لأ.”
“يبقى كان إيه؟”
نظرت المرشدة إلى الصورة، ثم قالت:
“كان إنسان طيب.”
سكتت الطفلة لحظة.
ثم ابتسمت وقالت:
“يبقى ده أهم.”
—
في نفس اليوم، كانت هناك أم شابة تجلس بجوار حضانة طفلها المريض.
خائفة.
مرهقة.
تكاد تنهار من القلق.
فاقتربت منها متطوعة جديدة وجلست بجوارها.
أحضرت لها كوب ماء.
واستمعت لها.
وظلت معها حتى هدأت.
الأم لم تكن تعرف اسم المتطوعة.
والمتطوعة لم تكن تعرف قصة عم صابر كاملة.
لكنها كانت جزءًا من أثره دون أن تشعر.
لأن الرحمة انتقلت من شخص إلى آخر.
ومن قلب إلى قلب.
ومن جيل إلى جيل.
—
وفي مساء ذلك اليوم، كانت الشمس تغرب خلف نوافذ المستشفى.
وتنعكس على الصورة القديمة المعلقة على الحائط.
صورة رجل ضخم الجسد.
مليء بالوشوم.
بعينين حادتين.
لكن بابتسامة دافئة.
وبدا وكأنه ما زال يراقب المكان.
لا ليحرسه.
بل ليطمئن أن الرسالة وصلت.
وأن الأطفال لم يعودوا وحدهم.
—
ولو كان هناك شيء يمكن أن يقال في آخر سطر من الحكاية كلها، فربما يكون:
إن بعض الناس لا يتركون وراءهم ثروة، ولا شهرة، ولا قصورًا.
يتركون فقط أثرًا جميلًا في قلوب الآخرين.
وذلك الأثر قد يعيش أطول من أي شيء آخر. ❤️📖
ستظل حكاية عم صابر مستمرة… كلما اختار شخص أن يكون رحيمًا بإنسان يحتاج الرحمة. 🌷✨