مراتي كانت بتشتغل في مصنع
مراتي كانت بتشتغل في مصنع 12 ساعة كل يوم عشان تساعدني أدفع مصاريف كلية أختي… ويوم فرح أختي، وقفت على باب القاعة ومنعتها تدخل عشان أمي قالت إن هدومها تكسفنا.
وقفت قدامي بفستانها البسيط، وإيديها اللي خشنتها الماكينات ماسكة علبة هدية صغيرة.
بصتلي وقالت:
—يعني إنت كمان مش عايزني أدخل يا أحمد؟
ماقدرتش أبص في عينيها.
قلت:
—معلش يا منى… النهارده يوم أختي، وماما مش عايزة مشاكل.
سكتت ثواني.
وبعدين ابتسمت.
ابتسامة لحد النهارده بتطاردني.
—حاضر يا أحمد. ربنا يسعدها.
ادتني علبة الهدية ومشيت.
دخلت القاعة وأنا مقتنع إني حليت المشكلة.
أمي كانت فرحانة.
أختي بتتصور.
والناس بتاكل من بوفيه فرح اتدفع جزء كبير منه من فلوس مراتي.
بعد نص ساعة، أختي فتحت علبة الهدية.
كان جواها مفتاح شقة.
وشيك بمبلغ كبير.
وورقة مكتوب فيها:
«لأخت جوزي اللي اعتبرتها أختي… دي الشقة اللي كنت بشتغل 12 ساعة عشان أساعد أخوكي يجهزهالك.»
القاعة كلها سكتت.
أمي بصتلي.
—هي منين جابت الفلوس دي؟
وقبل ما أرد، دخل راجل كبير القاعة وسأل:
—فين مدام منى؟
قلت:
—مشيت.
وشه اتغير.
—إنتوا خليتوها تمشي؟
أمي قالت بضيق:
—وإنت مالك؟
الراجل بص لها، وبعدين طلع ملف من شنطته وحطه قدامنا.
—أنا محامي والد منى.
ضحكت أمي وقالت:
—أبوها اللي مات وهي صغيرة؟
رد:
—والدها ما ماتش.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
فتح الملف وقال:
—والدها كان واحد من أكبر أصحاب المصانع في مصر. وقبل وفاته من شهر، كتب كل ممتلكاته لبنته الوحيدة.
بصيت ناحية باب القاعة.
الرجل كمل:
—ومن ضمن الممتلكات… المصنع اللي كانت منى بتشتغل فيه.
أمي شهقت.
أما أنا، فافتكرت حاجة أخطر.
قبل ما منى تمشي، كانت طلبت مني أمضي على ورقة.
قالت إنها مجرد إجراءات عشان قرض الشقة.
جريت ناحية علبة الهدية وفتشتها.
كان جواها ظرف تاني باسمي.
فتحته بإيد بتترعش. ووووو فتحته بإيد بتترعش.
أول سطر وقع عليه بصري خلاني أحس إن قلبي وقف.
«إقرار باستلام جميع المنقولات الخاصة بالزوجة، وعدم وجود أي حقوق مالية لها لدى الزوج.»
قريت السطر مرة… واتنين… وتلاتة.
رفعت عيني للمحامي.
كان واقف هادي، كأنه مستني اللحظة دي من زمان.
قلت بصوت مخنوق:
—يعني… يعني إيه الكلام ده؟
رد بهدوء:
—يعني مدام منى كانت بتقفل كل باب للنزاع قبل ما تمشي. هي ماحبتش تدخل محاكم، ولا تعمل مشاكل، ولا حتى تحرج حد قدام الناس.
أمي اتنفست براحة وقالت:
—أهو كويس… خلاص يبقى كل واحد يروح لحاله.
المحامي بص لها نظرة طويلة، وقال:
—أنا مخلصتش كلامي.
وسحب ورقة تانية من الملف.
حطها قدامي.
—ودي نسخة من توكيل رسمي كانت منى عملته من أسبوع.
فتحتها بسرعة.
لقيت اسم مكتب محاسبة كبير، ومعاه كشف طويل بأرقام وتواريخ.
كل تحويل مالي كانت منى عملته خلال آخر خمس سنين.
قسط كلية أختي.
مصاريف تجهيز الشقة.
إيجار البيت.
ديون كنت فاكر إنها اتسددت من مرتبي.
حتى فاتورة العملية اللي عملتها أمي السنة اللي فاتت… كانت مدفوعة من حساب منى.
بقيت أقلب الورق بسرعة وأنا مش مستوعب.
كل صفحة كانت بتكشف حاجة أنا نفسي ماكنتش أعرفها.
أختي قربت وهي بتعيط.
—يعني… كل ده كانت هي اللي بتعمله؟
المحامي هز راسه.
—وكانت رافضة تقول لحد.
في اللحظة دي، رن تليفون المحامي.
بص في الشاشة، واتغيرت ملامحه.
رد بسرعة، وسكت يسمع كام ثانية.
بعدها رفع عينه ناحيتي وقال:
—واضح إننا لازم نخرج حالًا.
قلت بقلق:
—ليه؟ في إيه؟
رد وهو بيقفل الملف:
—لأن مدام منى وصلت مكان… ماكنتش عايزة حد يعرف إنها رايحاه.
وساعتها بالظبط، دخل شاب لابس بدلة سوداء يجري على القاعة، وهو بيدور بعنيه في كل الاتجاهات، ولما شاف المحامي قال بصوت عالي:
—إحنا اتأخرنا… في حد سبقنا ليها!اتجمدت مكاني.
بصيت للشاب وقلت بسرعة:
—سبقكم ليها؟ مين؟
بلع ريقه وقال:
—معرفش… بس البواب قال إن عربية سودا وقفت قدام العمارة، ونزل منها اتنين طلبوا يقابلوا مدام منى بالاسم.
المحامي مسك تليفونه واتصل.
مرة…
واتنين…
وتلاتة…
كل مرة كان يطلع نفس الرد.
“الهاتف مغلق.”
أختي بدأت تبكي.
أما أمي، لأول مرة من أول اليوم، سكتت خالص.
المحامي لف ناحيتي وقال بحدة:
—آخر مرة كلمتها كانت إمتى؟
افتكرت.
قبل ما تمشي من باب القاعة بدقائق.
كانت باعتلي رسالة.
وقتها كنت مشغول بالفرح، ومافتحتهاش.
طلعت موبايلي بسرعة.
لقيت الرسالة لسه مقروءتش.
فتحتها.
كان مكتوب فيها:
“يا أحمد… لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا خلاص خرجت من حياتكم بهدوء زي ما دخلتها. أنا مسامحة الكل، لكن في حاجة واحدة لازم تعرفها… الملف اللي مع الأستاذ مش كامل. فيه مستندات تانية في المكان اللي إنت أكتر واحد عارفه، ولو وصلتلك قبل أي حد، هتفهم أنا عملت كل ده ليه.”
فضلت أبص للرسالة وأنا مش فاهم.
إيه المكان اللي أنا أكتر واحد عارفه؟
حاولت أفتكر.
الورشة القديمة؟
ولا الشقة اللي كنا ساكنين فيها أول الجواز؟
ولا المصنع؟
وفجأة…
افتكرت الصندوق الحديد الصغير اللي كنا مخبيه فوق دولاب الأوضة القديمة.
جريت من غير ما أقول كلمة.
المحامي والشاب جروا ورايا.
ولما وصلنا للشقة، كانت الباب موارب.
مع إني كنت متأكد إني قفلته الصبح بالمفتاح.
دخلت بحذر.
الشقة كانت هادية بشكل غريب.
لكن أول ما بصيت ناحية الدولاب…
لقيته مفتوح.
والصندوق الحديد… كان في مكانه.
لكن القفل… كان مكسور.قلبي بدأ يدق بعنف.
قربت من الصندوق بخطوات بطيئة.
ركعت على ركبتي ورفعته.
كان خفيف…
خفيف بشكل مريب.
فتحته.
لقيت ظرف أبيض واحد بس.
مكتوب عليه بخط منى:
“يفتح بواسطة أحمد فقط.”
المحامي وقف بعيد وقال:
—دي أمانة… القرار قرارك.
فتحت الظرف.
كان جواه مفتاح صغير، وصورة قديمة ليا أنا ومنى في أول سنة جواز.
ورا الصورة كانت كاتبة:
“لو وصلت للصورة دي، يبقى حد سبقك للصندوق. لأن اللي كنت مخبياه هنا أهم بكتير من أي فلوس.”
اتلفت حواليا بسرعة.
قلت:
—يعني… كان فيه حاجة واتسرقت؟
المحامي هز راسه وقال:
—واضح كده.
في اللحظة دي، الشاب اللي كان مع المحامي نادى علينا من أوضة النوم.
—أستاذ أحمد… تعالى بسرعة.
جرينا عليه.
كان واقف قدام الدولاب.
وفي الأرض آثار تراب خفيف، كأن حد جر شنطة تقيلة لحد البلكونة.
خرجت أجري للبلكونة.
بصيت لتحت.
ملقتش حد.
لكن لفت انتباهي عربية بيضاء كانت بتتحرك بسرعة من آخر الشارع.
قبل ما ألحق أركز في رقمها… اختفت.
رجعت وأنا متوتر.
قلت للمحامي:
—إيه اللي كان في الصندوق؟
سكت ثواني.
وبعدين قال:
—أنا كنت متفق مع منى إني مقولش لأي حد… إلا لو هي سمحت.
صرخت فيه:
—منى مش موجودة دلوقتي!
تنهد وقال:
—اللي كان في الصندوق… كان الدليل الوحيد على وصية والدها الأصلية.
شهقت.
—يعني إيه؟
قال:
—النسخة اللي معايا صورة. أما الأصل… فكان هنا.
وقبل ما يكمل، رن هاتفه.
رد بسرعة.
ملامحه اتغيرت فجأة.
وبصلي وقال بصوت منخفض:
—أحمد… منى لسه بعتت رسالة.
لكن الرسالة كانت عبارة عن خمس كلمات بس…
“متدورش عليا… دور على الحقيقة.”فضلت باصص في شاشة الموبايل وأنا مش قادر أستوعب.
خمس كلمات.
بس كانوا كفيلين يقلبوا كل حاجة.
قلت للمحامي:
—هي تقصد إيه بالحقيقة؟
رد بهدوء:
—أنا كنت مستغرب زيك… لحد ما شوفت الملف ده.
فتح الملف مرة تانية، وطلع ورقة صغيرة كانت مدبوسة في آخره.
مكانش حد واخد باله منها.
كانت عبارة عن كشف بأسماء موظفين في المصنع.
وبجانب كل اسم ملاحظات بخط إيد منى.
في أسماء مكتوب جنبها: “أمين”.
وأسماء تانية: “لا يثق فيه”.
لكن اسم واحد كان محطوط حواليه دايرة حمرا كبيرة.
الاسم ده خلّى المحامي يسكت فجأة.
قلت بقلق:
—مين؟
لف الورقة ناحيتي.
أول ما قريت الاسم، حسيت ببرودة سرت في جسمي.
الاسم كان…
اسم مدير المصنع.
الراجل اللي كان بيعامل منى بمنتهى الاحترام.
واللي بنفسه حضر فرح أختي وباركلها قبل ما نمشي.
المحامي قال:
—منى كانت شاكّة إن في حد بيزوّر مستندات من شهور… وكانت بتجمع الأدلة بنفسها.
سألته بسرعة:
—يعني الصندوق اللي اتكسر…
رد:
—ممكن يكون اللي أخده كان بيدور على الأدلة دي.
وقبل ما حد فينا ينطق، الباب خبط خبطات قوية.
كلنا بصينا ناحية الباب.
الشاب قرب من العين السحرية.
وبعدين رجع خطوتين لورا ووشه اصفر.
همس:
—مدير المصنع… واقف برة.
ومش لوحده…
معاه اتنين لابسين بدلات، وواحد منهم ماسك ظرف بني كبير، وبيقول بصوت مسموع من برة:
—إحنا جايين نسلّم الأمانة اللي مدام منى طلبت تتسلم النهارده… لكن لازم أحمد هو اللي يفتح الباب بنفسه.اتبادلنا النظرات.
ولا واحد فينا اتحرك.
الخبط على الباب زاد.
ثم سمعنا صوت مدير المصنع:
—يا أستاذ أحمد… أنا عارف إنك جوه. افتح، الموضوع مش زي ما إنت فاهم.
المحامي أشارلي بإيده.
—استنى… متفتحش قبل ما أسأله سؤال.
وقف قدام الباب وقال بصوت عالي:
—لو منى بعتاك، قولنا إيه كلمة السر اللي اتفقت معاك عليها؟
سكت اللي بره ثواني.
بعدها رد مدير المصنع:
—قالتلي أقول: “الأمانة بترجع لصاحبها.”
المحامي بصلي وهز راسه.
—دي فعلًا الجملة اللي قالتها.
فتحت الباب بحذر.
مدير المصنع دخل وهو ماسك الظرف البني بإيد، وبالإيد التانية سلسلة مفاتيح كبيرة.
وشه كان مرهق، وكأنه منامش من يومين.
حط الظرف على الترابيزة وقال:
—منى كانت عارفة إن ممكن يحصل كده.
قلت بسرعة:
—هي فين؟
تنهد وقال:
—معرفش.
بس قبل ما تختفي بساعات، سلمتني الحاجات دي وقالت: “لو أحمد عرف الحقيقة، سلمهمله.”
فتحت الظرف.
كان جواه فلاشة… ومجموعة عقود… وخطاب بخط إيد منى.
مديت إيدي أمسك الخطاب.
لكن مدير المصنع وقفني.
—استنى.
الخطاب ده قالت مايتفتحش إلا بعد ما تتفرجوا على اللي في الفلاشة.
بصينا لبعض.
المحامي طلع اللابتوب من شنطته.
ركب الفلاشة.
أول ملف اشتغل كان فيديو.
ظهرت منى.
كانت قاعدة في مكتب بسيط، ولابسة نفس هدوم الشغل اللي خرجت بيها من المصنع.
بصت للكاميرا وقالت:
—لو الفيديو ده بيتعرض، يبقى الخطة مشت زي ما توقعت.
كل اللي حصل في الفرح… كان لازم يحصل.
وساعتها، أنا اتجمدت.
لأنها كانت بتتكلم وكأنها كانت عارفة من البداية إنهم هيمنعوها من الدخول… وإن بعد خروجها، كل واحد فينا هيعمل بالضبط اللي عمله.
ثم ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:
—لكن في حاجة واحدة حصلت… ماكنتش متوقعاها أبدًا.
وسكت الفيديو فجأة…
كأن حد وقفه من نص الكلام.فضلنا باصين للشاشة.
المحامي ضغط تشغيل مرة تانية.
مفيش.
ضغط على ملف الفيديو.
رسالة واحدة ظهرت على الشاشة:
“الجزء الثاني محمي بكلمة مرور.”
بصيت لمدير المصنع.
—إيه الباسورد؟
هز راسه.
—والله ما أعرف.
بس قالتلي جملة غريبة.
“لو أحمد افتكر أول وعد وعدهولي بعد الجواز… هيعرف يفتحه.”
حطيت إيدي على دماغي.
أول وعد؟
افتكرت يوم كتب الكتاب.
ولا أول يوم في الشقة؟
ولا لما اشترينا الدبل؟
كل ذكرى كانت بتيجي قدامي وتختفي.
المحامي قال:
—فكر بهدوء… منى كانت ذكية، مستحيل تختار حاجة إنت مستحيل تفتكرها.
وفجأة…
وقعت عيني على الصورة القديمة اللي كانت في الظرف.
أنا ومنى واقفين قدام بيت صغير تحت الإنشاء.
ورا الصورة كانت منى كاتبة بقلم رصاص جملة إضافية، ماكنتش باينة من الأول:
“أول وعد… كان تحت السلم.”
جريت ناحية البيت القديم اللي كنا بدأنا حياتنا فيه.
المحامي ومدير المصنع لحقوني.
وصلنا بعد نص ساعة.
البيت كان مقفول من سنين.
فتحت الباب بالمفتاح القديم اللي لسه معايا.
دخلنا.
كل حاجة عليها تراب.
لكن أول ما وصلنا للسلم…
لقيت بلاطة مختلفة عن باقي البلاط.
ركعت وشلتها.
كان تحتها علبة معدنية صغيرة.
فتحتها.
كان فيها ورقة واحدة فقط.
مكتوب فيها:
“الباسورد: الحقيقة_مش_الفلوس.”
رجعنا بسرعة.
كتبت كلمة المرور.
اشتغل الجزء التاني من الفيديو.
ظهرت منى وهي بتتنهد.
وقالت:
—لو وصلت للجزء ده… يبقى إنت بدأت تدور على الحقيقة فعلًا.
أنا ما اختبرتكش عشان الفلوس.
ولا عشان الميراث.
أنا كنت عايزة أعرف…
لما كل حاجة تقع من إيدك، هتجري تدور عليّا…
ولا هتجري تدور على اللي سيبته ورايا؟
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
—والإجابة اللي هتعرفها دلوقتي… هتحدد إذا كنت هتشوفني مرة تانية…
أو دي كانت آخر مرة تسمع فيها صوتي.
وانطفأت الشاشة مرة أخرى، لكن هذه المرة… لم يكن السبب انتهاء الفيديو.
بل لأن الكهرباء انقطعت فجأة.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت زجاج بيتكسر في الغرفة المجاورة… وكأن أحدًا دخل المنزل دون أن يراه أحد.اتجمدنا كلنا.
الصمت اللي سبق الصوت كان مرعب.
المحامي قفل اللابتوب بسرعة، ومدير المصنع مسك الفلاشة وحطها في جيبه.
قلت له بعصبية:
—إديهالي!
رد وهو بيبص ناحية الأوضة:
—دلوقتي أهم حاجة محدش ياخدها.
سمعنا صوت خطوات بطيئة.
خطوة…
خطوتين…
تلاتة…
حد كان بيتحرك جوه البيت، مع إننا كنا متأكدين إن مفيش غيرنا.
مسكت أقرب حاجة قدامي، عصاية خشب قديمة كانت جنب الباب.
وقربت من الأوضة.
دفعت الباب برجلي.
الأوضة كانت فاضية.
لكن الشباك كان مكسور.
والستاير بتتحرك مع الهوا.
قربت من الشباك وبصيت بره.
لقيت عربية واقفة آخر الشارع، وأول ما السواق شافني، داس بنزين واختفى.
رجعت بسرعة.
لقيت المحامي واقف مكانه، لكن وشه كان شاحب.
قلت:
—في إيه؟
مد إيده وهو بيرجف، ووراني ورقة.
مكانتش موجودة من دقيقة.
حد كان حاططها فوق اللابتوب.
مكتوب فيها بخط واضح:
“لسه متأخرين خطوة.”
قلبت الورقة.
كان على ضهرها عنوان.
عنوان مخزن قديم تابع للمصنع.
مدير المصنع أول ما شاف العنوان قال بفزع:
—لا…
قلت:
—إيه؟
قال:
—المخزن ده مقفول من أكتر من عشر سنين… ومحدش يعرف عنه حاجة غير عدد قليل جدًا.
المحامي رفع عينه وقال:
—يبقى منى كانت عارفة إن السر الحقيقي هناك.
بصيت في الساعة.
كانت قربت على منتصف الليل.
ورغم كده، قررنا نروح فورًا.
ركبنا العربية، والطريق كله كان هادي بشكل غريب.
ولما وصلنا قدام المخزن…
لقيناه مفتوح.
مع إن مدير المصنع أقسم إنه بنفسه قفله بالمفتاح من سنين.
دخلنا بحذر.
المكان كله تراب وصناديق قديمة.
لكن في آخر المخزن…
كان في نور خافت خارج من مكتب صغير.
ولما قربنا…
سمعنا صوت حد بيتكلم في التليفون من جوه.
قال جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي:
—”أيوه… أحمد وصل. بلغوا مدام منى إن المرحلة الأخيرة بدأت.”وقفت مكاني.
بصيت للمحامي.
هو كمان كان مصدوم.
قلت بصوت منخفض:
—قال… بلغوا مدام منى؟
يعني هي… عارفة؟
قبل ما حد يرد، الباب الخشبي بتاع المكتب اتفتح ببطء.
خرج منه راجل في الخمسينات، شعره كله أبيض، لكن هدومه نضيفة وملامحه هادية بشكل غريب.
أول ما شافني، ابتسم وقال:
—أخيرًا وصلت يا أحمد.
صرخت فيه:
—منى فين؟
رد بهدوء:
—كويس إن أول سؤال سألت عنه كان منى… مش الفلوس.
المحامي قرب منه بسرعة.
—حضرتك مين؟
قال:
—اسمي عم حسين… وكنت أمين مخازن المصنع من قبل ما منى تتولد.
فتح درج المكتب، وطلع دفتر قديم متغلف بالجلد.
حطه قدامي.
—منى سابته عندي من أسبوع.
وقالت: “لو أحمد جه بنفسه، يبقى سلمهوله.”
فتحت الدفتر.
كل صفحاته كانت مذكرات.
لكن مش مذكرات منى…
كانت مذكرات والدها.
أول صفحة كانت مكتوب فيها:
“أنا عارف إن بنتي هتكبر وهي فاكرة إني تخليت عنها… لكن الحقيقة غير كده.”
قلبت الصفحة بسرعة.
لقيت صور قديمة.
صورة لطفلة صغيرة… هي منى.
وصورة لراجل واقف بعيد بيتفرج عليها وهي خارجة من المدرسة.
وصورة تانية وهي في المصنع، لابسة يونيفورم الشغل.
بصيت باستغراب.
عم حسين قال:
—والدها كان بيتابعها طول عمره… من غير ما يقرب منها.
قلت:
—ليه؟
رد وهو بيتنهد:
—لأنه كان خايف عليها من ناس كانوا عايزين يسيطروا على ثروته.
وفي اللحظة دي…
لقينا ظرف صغير وقع من بين صفحات الدفتر.
التقطته.
كان مكتوب عليه:
“لا تفتحه إلا لو سمعت خبر اختفاء منى.”
بصيت للمحامي.
هو بصلي.
عم حسين قال بهدوء:
—الظرف ده… منى كتبته بنفسها.
لكن قبل ما أمد إيدي أفتحه…
سمعنا صوت موتور عربية وقف قدام المخزن.
ثم نور كشافات قوية دخل من الباب.
وبعد ثوانٍ…
وصلنا صوت حد بيزعق من بره:
—أحمد! لو عايز تشوف مراتك عايشة… اخرج لوحدك!اتجمد الدم في عروقي.
صرخت من مكاني:
—مين؟! من إنت؟
لكن اللي بره مردش.
بدل الرد… رمى موبايل من باب المخزن.
وقع على الأرض واتكسر غطاه، لكن الشاشة كانت لسه منورة.
المحامي التقطه بسرعة.
كان فيه مكالمة فيديو شغالة.
ولما بصينا للشاشة…
ظهرت منى.
كانت قاعدة على كرسي، ووشها هادي بشكل غريب.
لا كانت مربوطة.
ولا باين عليها إنها خايفة.
بصت للكاميرا وقالت:
—أحمد… متسمعش كلام أي حد بره.
وقبل ما تكمل، إيد دخلت قدام الكاميرا وقفلت البث.
المكالمة انتهت.
جريت ناحية الباب.
المحامي شدني من دراعي.
—استنى!
قلت بعصبية:
—سيبني!
قال:
—بص الأول.
أشار على الأرض.
كان فيه خيط رفيع جدًا مربوط بين الباب وصندوق معدني صغير.
لو كنت خرجت مندفعًا… كنت هتقطعه.
عم حسين قرب، ونزل على ركبته، وفحص الخيط.
ثم قال بهدوء:
—دي مش عبوة… دي مجرد وسيلة يعرفوا بيها إننا خرجنا.
يعني حد بيراقب المكان من بعيد.
قطع الخيط بحذر.
وبعد أقل من دقيقة…
سمعنا صوت عربية بتتحرك بسرعة وتبعد عن المخزن.
كأن اللي كان بيراقبنا عرف إن خطته فشلت.
فتحت الظرف اللي كانت منى كاتباه.
كانت فيه ورقة واحدة فقط.
“لو فتحت الظرف ده، يبقى فيه ناس حاولت يستخدموا اسمي عشان يخرجوك من مكانك.”
نظرت للمحامي.
قال بصوت منخفض:
—يبقى الفيديو اللي شوفناه كان متسجل من قبل… ومش شرط يكون حصل النهارده.
كملت قراءة الرسالة.
“أحمد… الحقيقة قربت، لكن لسه ناقص قطعة واحدة. في المكتب ده فيه درج سري. لو لقيته، هتعرف مين أول شخص خان الأمانة بعد وفاة أبويا.”
بصينا كلنا للمكتب القديم.
كان شكله عادي جدًا.
لكن عم حسين همس:
—الدرج السري ده… أنا اشتغلت هنا تلاتين سنة، وعمري ما شوفته.
بدأنا نفتش كل ركن.
دقيقة…
اتنين…
خمسة…
لحد ما وأنا بحرك المكتب من مكانه…
سمعنا “تك”… صوت ميكانيكي خافت.
وفجأة، جزء من الحائط اللي ورا المكتب اتحرك ببطء…
وظهر تجويف صغير.
لكن كان فاضي…
إلا من مفتاح واحد، ومذكرة قصيرة مكتوب فيها:
“للأسف… اللي كان هنا أخده شخص وصل قبلكم بعشر دقائق فقط.”بصيت في ساعتي.
عشر دقائق.
يعني وإحنا في الطريق… كان في حد سبقنا.
قبضت على المفتاح بقوة وقلت:
—هو بيلعب بينا.
المحامي هز رأسه.
—لا… اللي بيحصل ده معناه إن في حد كان عارف كل خطوة هنعملها.
عم حسين قرب من الحائط.
مرر إيده على التجويف، وفجأة لمس زر صغير مستخبي في الخشب.
ضغط عليه.
طلع صوت موتور خفيف.
وبدأت قطعة تانية من الحائط تتحرك.
وراها كان فيه خزنة حديدية قديمة.
ابتسم عم حسين لأول مرة.
—أنا كنت متأكد إن الأستاذ الكبير مستحيل يسيب حاجة مهمة في مكان واحد.
جربنا المفتاح.
لف من أول مرة.
الخزنة اتفتحت ببطء.
كلنا قربنا.
جواها ملف أسود سميك… وساعة يد قديمة… ورسالة مغلقة بالشمع الأحمر.
المحامي مد إيده للملف.
لكن أول ما لمسه…
لقينا الساعة القديمة اشتغلت لوحدها، مع إنها باين عليها متوقفة من سنين.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت صفارة إنذار بتدوّي في المخزن كله.
عم حسين اتخض.
—مستحيل… النظام ده كان مفصول!
ثواني…
وسمعنا أصوات عربيات بتقف برة.
مش عربية واحدة.
ولا اتنين.
كانوا كتير.
نور الكشافات غطى شبابيك المخزن.
حد خبط على الباب الحديدي بعنف، وصوت جه من بره:
—افتحوا! محدش يتحرك!
بصيت للمحامي.
همس:
—لو دول الناس اللي بندور عليهم… يبقى انتهينا.
لكن قبل ما يخلص كلامه…
سمعنا صوت مختلف جاي من آخر المخزن.
باب حديد صغير كان بيتفتح من الداخل.
وخرجت منه ست لابسة عباءة سودة، ووشها متغطي.
وقفت قدامنا ومدت إيدها.
وقالت بثقة:
—هاتوا الملف بسرعة… منى بعتتني.
ولأول مرة…
المحامي رجع خطوة لورا وقال بصوت مليان دهشة:
—لا… إنتِ مستحيل تكوني هنا!الست أنزلت الطرحة عن وشها ببطء.
كلنا اتجمدنا.
حتى عم حسين رجع خطوتين لورا.
المحامي قال بصوت متقطع:
—إنتِ…؟
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:
—واضح إنك لسه فاكرني.
أنا بصيت بينهم ومش فاهم أي حاجة.
صرخت:
—حد يفهمني! مين دي؟
ردت الست وهي باصة ناحيتي:
—أنا اسمي سلوى… وكنت السكرتيرة الخاصة لوالد منى لمدة خمسة عشر سنة.
عم حسين شهق.
—إحنا افتكرنا إنك سافرت بره مصر!
هزت رأسها وقالت:
—وده بالضبط اللي كان لازم الكل يفتكره.
في اللحظة دي، الخبط على الباب الحديدي بقى أعنف.
وصوت حد بره بيقول:
—آخر إنذار! افتحوا الباب!
سلوى مدت إيدها ناحية الملف.
—مفيش وقت… لو الملف وقع في إيد اللي بره، كل اللي منى عملته هيضيع.
قلت لها بحذر:
—وإيه اللي يخليني أثق فيكي؟
بصتلي بثبات.
ثم قالت جملة خلتني أتجمد:
—لأن منى كانت حامل… وأول واحدة عرفت بالخبر كنت أنا.
قلبي وقع.
المحامي بصلي بسرعة.
أنا همست:
—حامل…؟
افتكرت فجأة إنها كانت بتتعب آخر فترة، وكانت بترفض تروح للدكتور كل ما أقولها.
افتكرت إنها مرة حطت إيدي على بطنها وابتسمت، وقالت:
“اصبر شوية… وهتعرف خبر يغير حياتك.”
وقتها افتكرتها بتتكلم عن الميراث.
لكن دلوقتي…
كل الكلام بدأ ياخد معنى تاني.
قبل ما ألحق أستوعب، سلوى فتحت الرسالة المختومة بالشمع الأحمر من غير ما تستأذن.
قرأت أول سطر، واتغير لون وشها.
قفلت الرسالة بسرعة.
قلت بانفعال:
—مكتوب فيها إيه؟
ردت وهي بتبص ناحية الباب:
—مكتوب فيها إن الشخص اللي واقف بره دلوقتي… مش جاي ياخد الملف.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
—هو جاي يدور على شخص معين موجود معاكم جوه…
وبصت مباشرة إلى المحامي.
في اللحظة دي، المحامي أنزل عينه على الأرض لأول مرة، وقال بصوت خافت:
—كنت عارف إن اللحظة دي هتيجي…
ثم خلع ساعته، وحطها فوق الملف، وقال:
—قبل ما أي حد يحكم عليّ… لازم تسمعوا الحقيقة كاملة.
وتوقف عن الكلام، بينما دوى صوت ارتطام قوي بالباب، وكأن أحدهم بدأ يقتحمه بالقوة.دوّى صوت الارتطام الأخير…
ثم انفتح الباب الحديدي بعنف.
دخل رجال أمن يتقدمهم ضابط، ومعاه أمر ضبط رسمي.
رفع الضابط الورقة وقال:
—محدش يتحرك.
بص للمحامي مباشرة.
—الأستاذ سامح… إحنا بندور عليك من فترة.
أنا اتصدمت.
—هو عمل إيه؟
المحامي رفع إيده بهدوء وقال:
—سيبني أتكلم… خلاص مفيش فايدة من السكوت.
قعد على كرسي، وقال:
—بعد وفاة والد منى، كان في مجموعة من الناس عايزين يستولوا على ثروته. وأنا كنت المحامي اللي اتولى حماية الميراث. عشان أحافظ على منى، وافقت أمثل قدام الكل إن والدها مات وهي صغيرة، وإنها مجرد عاملة بسيطة. محدش كان يعرف إنها الوريثة الحقيقية.
سلوى كملت:
—ومن وقتها، منى أصرت تشتغل بإيديها، وقالت إنها مش هتاخد جنيه من ثروة أبوها قبل ما تثبت لنفسها إنها تقدر تعيش بكرامتها.
بصيت للأرض، وافتكرت سنين التعب.
افتكرت إيديها المتشققة.
وافتكرت إني سيبتها واقفة على باب الفرح.
المحامي كمل:
—لكن في آخر شهور، اكتشفنا إن في حد من إدارة الشركات بيزور مستندات ويحاول ينقل جزء من الأملاك باسمه. منى جمعت الأدلة، وخبتها في أكتر من مكان، وكل اللي حصل كان خطة عشان يظهر الشخص ده وهو بيدور عليها.
الضابط ابتسم وقال:
—والخطة نجحت.
ثم أشار لاثنين من رجال الأمن.
دخلوا راجل مكبل بالكلابشات.
كان مدير الحسابات في مجموعة المصانع، مش مدير المصنع اللي أحمد كان شاكك فيه.
الراجل أول ما شاف الملف انهار وقال:
—أنا معملتش حاجة لوحدي!
وبدأ يعترف بكل شيء.
اعترف إنه زوّر العقود، وإنه كان بيراقب تحركات منى، وإنه حاول يسرق الوصية الأصلية، لكن ما قدرش يوصل لكل الأدلة.
بعد ساعات، اتقبض على باقي أفراد الشبكة.
ورجعت كل ممتلكات والد منى باسمها رسميًا.
لكن بالنسبة لي…
مكنش ده أهم خبر.
سألت سلوى بصوت مكسور:
—منى فين؟
ابتسمت لأول مرة.
وقالت:
—في مكان آمن… لأنها كانت عارفة إنك لازم تواجه نفسك الأول، قبل ما تواجهها.
بعد أسبوع…
رن جرس باب شقتي.
فتحت.
لقيتها واقفة.
نفس الفستان البسيط اللي اترفِض تدخل بيه الفرح.
ونفس الابتسامة الهادية.
لكن المرة دي…
أنا نزلت على ركبتي قدامها.
وقلت وأنا ببكي:
—سامحيني… أنا خذلتك.
قالت بهدوء:
—الجرح اللي بيتكسر بالكرامة… مش بيتصلح بالاعتذار.
مديت لها مفتاح البيت.
وقلت:
—البيت بيتك… والقرار قرارك.
سكتت لحظات.
ثم أخذت المفتاح…
ووضعته في كفي مرة أخرى.
وقالت:
—أنا مسامحاك… لكن المسامحة غير الرجوع.
لفّت ومشيت.
وأنا واقف أبص لطيفها لحد ما اختفت من آخر الشارع.
بعد سنة…
افتتحت منى مؤسسة خيرية لتعليم وتدريب بنات الأسر البسيطة، عشان ميضطروش يمروا باللي مرت بيه.
أما أنا…
بعت الشقة، وسددت كل دين كان في رقبتي، وقضيت وقتي أشتغل متطوع في المؤسسة دي.
مكنتش جوزها.
ولا رجعت حياتنا زي الأول.
لكن كل يوم كنت بشوف بعيني إن احترام الإنسان للي وقفوا جنبه، أهم بكتير من أي فلوس أو ميراث.
النهاية.