زعيم أخطر عائلة حكايات ميراا

زعيم أخطر عائلة في الإسكندرية لمح الأرملة الممتلئة التي أحبها سرًا وهي تبيع آخر ذهب ورثته عن جدتها… فاتخذ قرارًا قد يُسقط إمبراطوريته بالكامل

 

الجزء الأول

 

كان آدم الشافعي قد رأى رجالًا أشداء يتوسلون من أجل حياتهم دون أن يهتز له جفن.

 

ورأى كبار رجال الأعمال ينهارون بالبكاء عندما انكشفت حساباتهم السرية، واستمع إلى رجال مسلحين يقسمون له بالولاء بعدما قضوا سنوات يخططون لخيانته.

 

وقف في غرفٍ صامتة يشاهد الناس يكتشفون أن المال، والنفوذ، واسم العائلة… لا يستطيع أي منها أن يحميهم من الديون المستحقة له.

 

لم يكن شيء من ذلك يحرك داخله أي شعور.

 

إلى أن دخلت ندى منصور غرفة تقييم المجوهرات، تحمل صندوقًا مخمليًا صغيرًا…

 

وفي تلك اللحظة، نسي الرجل الذي تخشاه المدينة كلها كيف يتنفس.

 

كان آدم يقف خلف زجاج لا يُرى من الجهة الأخرى، في الطابق الرابع عشر من مبنى تملكه شركته سرًا.

 

جاء ليفحص مجموعة ساعات وماسات صادرتها شركته من أحد العملاء المتعثرين في سداد ملايين الجنيهات.

 

كان يومًا عاديًا…

 

حتى نادى خبير التقييم على الزبونة التالية.

 

دخلت ندى مرتدية معطفًا أخضر قديمًا يلتف حول جسدها الممتلئ بصعوبة، بينما كانت تربط شعرها الأسود كيفما اتفق، وتختبئ تحت عينيها هالات سوداء لم تكن موجودة قبل اثني عشر عامًا.

 

بدت أكبر سنًا…

 

ومرهقة…

 

لكن عينيها البنيتين بقيتا كما هما…

 

دافئتين… وطيبتين… رغم أن الحياة لم تمنحها سببًا واحدًا لتظل كذلك.

 

تلك العينان كانتا السبب في أن يصدق آدم، وهو في الثامنة عشرة من عمره، أنه يستطيع أن يصبح رجلًا مختلفًا عن أبيه.

 

رجلًا شريفًا…

 

يحب ابنة صاحب المخبز…

 

ويعيش حياة عادية، يعود فيها إلى بيته كل مساء دون دماء أو أسرار أو خوف.

 

لكن والده انتزعه من الجامعة، وأخبره بحقيقة العائلة…

 

ومن يومها اختفى آدم من حياة ندى دون حتى أن يودعها.

 

الآن…

 

كانت تقف أمامه، وتضع خاتمًا قديمًا مرصعًا بالياقوت الأزرق فوق الطاولة الزجاجية.

 

قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:

 

—الخاتم ده ورثته عن جدتي… بقاله أكتر من سبعين سنة في العيلة. أنا مش عارفة قيمته بالظبط… أنا بس محتاجة فلوس بسرعة عشان أسدد كام حاجة ضرورية.

 

فتح الخبير العلبة.

 

ولم يفت آدم ذلك البريق الذي ظهر في عينيه للحظة…

 

ثم اختفى خلف ملامح باردة.

 

كان يعرف تلك النظرة جيدًا…

 

نظرة شخص رأى إنسانة يائسة وقرر يستغلها.

 

الخاتم كان من البلاتين القديم، يتوسطه ياقوت أزرق نادر، تحيط به اثنتا عشرة ألماسة صغيرة.

 

آدم قدّر قيمته فورًا…

 

لا يقل عن مليون جنيه.

 

قلب الخبير الخاتم تحت الضوء وقال ببرود:

 

—قديم… وفيه تآكل بسيط… والياقوت مبقاش مطلوب زي زمان.

 

ابتلعت ندى ريقها وسألت بخوف:

 

—ممكن تدفعولي كام؟

 

تظاهر الرجل بالتفكير، ثم قال:

 

—ثمانين ألف جنيه.

 

اتسعت عيناها.

 

—بس… ثمانين ألف؟

 

هز كتفيه بلا مبالاة.

 

—وده آخر سعر. بصراحة، غيري ممكن يرفض يشتريه أصلًا.

 

كانت كذبة احترافية.

 

خفضت ندى رأسها نحو الخاتم، بينما راحت أصابعها ترتجف.

 

في تلك اللحظة…

 

عاد آدم بذاكرته سنوات طويلة إلى الوراء.

 

تذكر يديها وهما مغطاتان بالدقيق داخل المخبز.

 

تذكر كيف كانت تعطيه قطع البسكويت الساخنة من الباب الخلفي لأن والدها لم يكن يحب وجود “ابن الشافعي” بجوار ابنته.

 

وتذكر ضحكتها عندما أهداها وردة سرقها من حديقة الجيران.

 

وتذكر اليوم الذي قرر فيه أن يعترف لها بحبه…

 

ثم تذكر أنه رحل دون كلمة.

 

همست ندى وهي تغمض عينيها:

 

—أنا محتاجة الفلوس النهارده… خلاص… موافقة.

 

لم يشعر آدم بنفسه.

 

في لحظة كان خلف الزجاج…

 

وفي اللحظة التالية كان داخل الغرفة.

 

قال بصوت هادئ لكنه لا يقبل النقاش:

 

—وقفوا البيع.

 

التفتت ندى نحوه…

 

وتجمدت.

 

—آ… آدم؟

 

خرج اسمه من بين شفتيها بصعوبة.

 

أما هو…

 

فكل الكلمات التي حفظها طوال اثني عشر عامًا اختفت من رأسه.

 

قال بهدوء:

 

—ندى.

 

وقف الخبير غاضبًا.

 

—يا فندم، دي جلسة خاصة…

 

قاطعه آدم وهو ينظر إليه مباشرة:

 

—المبنى ده… ملكي.

 

تغير وجه الرجل في ثانية.

 

اقترب آدم من الطاولة وقال:

 

—والخاتم ده قيمته أكبر بكتير من الرقم اللي قلته.

 

ارتبك الخبير.

 

—أنا كنت بقدر حسب السوق…

 

قاطعه آدم مرة أخرى:

 

—إنت كنت بتحاول تسرق ست مضطرة.

 

ابتلع الرجل ريقه في صمت.

 

أما ندى، فسألته وهي لا تزال غير مستوعبة:

 

—إنت… بتشتغل هنا؟

 

ابتسم ابتسامة باهتة.

 

—ممكن تقولي كده.

 

ثم التفت للخبير وقال:

 

—اعمل تقييم بالسعر الحقيقي… وهتتحول لها مليون ومائتا ألف جنيه النهارده.

 

شهقت ندى.

 

—إيه؟!

 

—وهتاخد فلوسها… والخاتم هيفضل معاها.

 

احتج الخبير:

 

—ده مش نظام الشراء…

 

رد آدم ببرود:

 

—من النهارده… بقى هو النظام.

 

بدأ الرجل يكتب بيدين مرتعشتين.

 

اقتربت ندى من آدم وهمست:

 

—أنا مقدرش أقبل ده.

 

قال بهدوء:

 

—دي مش صدقة… ده حقك.

 

سكتت طويلًا…

 

ثم أومأت بالموافقة.

 

وأثناء ما كانت تعيد الخاتم إلى حقيبتها…

 

انزلقت منها ورقة مطوية.

 

وقعت عين آدم على الشعار الأسود المطبوع عليها.

 

شركة الشافعي للنقل والشحن.

 

إنذار أخير بسداد المديونية.

 

تجمد مكانه.

 

لاحظت ندى نظرته، فأخفت الورقة بسرعة داخل الحقيبة وقالت:

 

—مشاكل قديمة… متشغلش بالك.

 

لكن المشكلة أن الشركة…

 

كانت شركته هو.

 

وأي دين يطارد ندى منصور…

 

كان يحمل اسمه.

 

في صباح اليوم التالي، جلس آدم داخل مكتبه المطل على النيل، بينما كان مديره المالي شريف عزت يقف أمامه واضعًا ملفًا سميكًا على المكتب.

 

قال شريف:

 

—حضرتك طلبت كل حاجة عن محمود منصور… جوز ندى الله يرحمه.

 

فتح آدم الملف ببطء.

 

كان يعرف فقط أن ندى تزوجت بعد اختفائه بثلاث سنوات، وأن زوجها توفي قبل ستة أشهر في حادث سيارة.

 

لكنه لم يكن يعرف الحقيقة الكاملة.

 

قال شريف بصوت منخفض:

 

—محمود اشتغل في شركة الشافعي أربع سنين… وآخر سنة ونص كوّن شبكة شركات وهمية، وحوّل ملايين الجنيهات لحسابات سرية.

 

رفع آدم عينيه ببطء، ثم سأل السؤال الذي غيّر كل شيء:

 

—سرق كام؟

 

يتبع…

 

#حكايات_ميراا

 

🎀 لسه الحكاية مخلصتش.. عشان يوصلك باقي القصة لايك وكومنت وتابعوا الصفحه من هناالجزء الثاني

ساد الصمت داخل المكتب.

أخذ شريف نفسًا عميقًا، ثم قال وهو يدفع الملف إلى آدم:

—التحقيقات بتقول… سبعة وعشرين مليون جنيه.

لم يرمش آدم.

لكنه شعر بشيء ثقيل يهبط في صدره.

سبعة وعشرون مليونًا…

هذا لم يكن مجرد اختلاس عابر، بل جري\مة كفيلة بأن تدمر أي أسرة.

قلب الصفحات بسرعة.

صور لتحويلات بنكية…

عقود تحمل توقيعات…

وحسابات بأسماء شركات لم يسمع بها من قبل.

ثم توقف عند صفحة واحدة.

المستفيد القانوني بعد وفاة محمود منصور: ندى منصور.

قبض آدم على الملف بقوة.

—وده سبب الإنذار؟

أومأ شريف.

—بعد وفاة محمود، الديون اتحولت على التركة. ولأنه مكنش سايب غير الشقة القديمة والعربية المتهالكة… الشركة بدأت إجراءات الحجز.

أغلق آدم الملف بعنف.

—مين اللي أصدر القرار؟

—الأستاذ فؤاد… نائب رئيس مجلس الإدارة.

ضاقت عينا آدم.

فؤاد…

الرجل الذي كان يدير معظم أعمال العائلة في الخفاء.

قال آدم ببرود:

—ابعتلي كل أوامر التنفيذ اللي خرجت ضد ندى.

تردد شريف لحظة.

—في حاجة لازم تعرفها الأول.

رفع آدم رأسه.

—اتكلم.

ابتلع شريف ريقه.

—فيه أمر بالحجز على البيت… بعد بكرة.

ساد الصمت.

شعر آدم بأن أنفاسه تثقل.

ذلك البيت…

كان يعرفه.

بيت صغير بجوار المخبز القديم.

البيت الذي وقف أمامه عشرات المرات وهو طالب جامعة، ينتظر أن تخرج ندى إلى الشرفة.

قال بصوت منخفض:

—مين ساكن معاها؟

فتح شريف صفحة أخرى.

—هي… وبنتها.

تجمد آدم.

—بنتها؟

—عندها تسع سنين… اسمها ياسمين.

ظل آدم ينظر إلى الورقة.

لم يكن يعرف حتى أن ندى أصبحت أمًا.

سأل بهدوء:

—حد غيرهم؟

هز شريف رأسه.

—لأ.

ثم أضاف:

—بس في معلومة غريبة.

—إيه هي؟

أخرج صورة التقطها أحد محصلي الديون.

كانت ندى تقف أمام باب البيت، وبجوارها طفلة نحيلة تبتسم وهي تحمل حقيبة مدرسة قديمة.

لكن آدم لم ينظر إلى الطفلة أولًا…

بل نظر إلى يد ندى.

كانت ترتدي الخاتم الأزرق نفسه.

رغم أنها كانت على وشك بيعه.

قال شريف:

—عارف يعني إيه ده؟

هز آدم رأسه.

—يعني الست باعت كل دهبها تقريبًا… ولسه محتفظة بالخاتم لآخر لحظة.

همس آدم:

—لأنه آخر ذكرى من جدتها.

نظر إليه شريف باستغراب.

لكنه لم يسأل كيف عرف.

في الوقت نفسه…

كانت ندى تجلس داخل شقتها المتواضعة.

وضعت مبلغ المليون ومائتي ألف داخل درج خشبي قديم.

ثم أغلقت الدرج بالمفتاح.

دخلت ياسمين وهي تجري.

—ماما… جبتي الفلوس؟

ابتسمت ندى رغم الإرهاق.

—الحمد لله يا حبيبتي.

قفزت الصغيرة في حضنها.

—يبقى مش هنسيب البيت؟

ترددت ندى.

ثم ضمتها بقوة.

—إن شاء الله… مش هنسيبه.

لكنها كانت تعرف الحقيقة.

المبلغ لن يكفي.

فالفوائد والغرامات القانونية كانت تتضاعف كل شهر.

وفوق ذلك…

كان هناك شخص يرفض أي تسوية.

شخص اسمه…

فؤاد الشافعي.

في المساء…

دخل آدم إلى قصر العائلة.

كان القصر يعج بالحراس والخدم.

وما إن دخل قاعة الطعام حتى وجد فؤاد يجلس على رأس المائدة يحتسي القهوة.

ابتسم الرجل ابتسامة باردة.

—سمعت إنك وقفت صفقة النهارده.

جلس آدم في المقعد المقابل.

—سمعت بسرعة.

ضحك فؤاد.

—كل حاجة بتحصل في شركات الشافعي لازم أعرفها.

قال آدم:

—ليه بتضغطوا على أرملة؟

ارتفع حاجبا فؤاد.

—أرملة مين؟

—ندى منصور.

اختفت الابتسامة من وجه الرجل.

ثم قال بهدوء مخيف:

—لأن جوزها حرامي.

رد آدم فورًا:

—ولو هو حرامي… هي ذنبها إيه؟

ضرب فؤاد المائدة بكفه.

—ذنبها إنها ورثت ديونه.

تدخل أحد أفراد العائلة محاولًا تهدئة الجو.

لكن فؤاد أكمل وهو يحدق في آدم:

—إوعى تكون عشان عرفتها زمان… هتضيع حق العيلة.

رد آدم بنبرة ثابتة:

—حق العيلة حاجة… والظلم حاجة تانية.

ابتسم فؤاد ابتسامة جعلت كل من في القاعة يصمت.

ثم قال:

—واضح إنك لسه مشوفتش كل الملف.

عقد آدم حاجبيه.

—تقصد إيه؟

نهض فؤاد ببطء، واتجه إلى خزانة حديدية في آخر القاعة.

أخرج منها ظرفًا أصفر قديمًا.

ووضعه أمام آدم.

—افتح.

فتح آدم الظرف.

فسقطت منه…

صورة قديمة.

تجمد الدم في عروقه.

كانت الصورة التُقطت قبل اثني عشر عامًا.

هو…

وندى…

يجلسان على كورنيش الإسكندرية.

لكن ما صدمه لم يكن الصورة نفسها…

بل التاريخ المكتوب خلفها بخط يد ندى:

“أول يوم عرفت فيه إني حامل.”

رفع آدم رأسه ببطء، بينما بدأ قلبه يخفق بعنف.

ونظر إلى فؤاد الذي قال ببرود:

—دلوقتي… فهمت ليه كنت حريص أخليك تبعد عنها؟

يتبع…الجزء الثالث

 

تجمد آدم وهو يقلب الصورة بين يديه.

 

شعر وكأن القاعة كلها اختفت.

 

لم يعد يسمع أصوات الحراس…

 

ولا صوت الملاعق…

 

ولا حتى أنفاسه.

 

نظر إلى التاريخ المكتوب خلف الصورة مرة أخرى.

 

كان يسبق اختفاءه من حياة ندى بأسبوعين فقط.

 

رفع عينيه نحو فؤاد وقال بصوت مبحوح:

 

—إيه اللعبة دي؟

 

ابتسم فؤاد ببرود.

 

—مش لعبة… حقيقة.

 

مزق آدم الصمت وهو يضرب الطاولة بقبضته.

 

—ندى عمرها ما قالتلي إنها حامل!

 

رد فؤاد دون أن يهتز:

 

—لأنها هي نفسها مكانتش عارفة غير بعد ما اختفيت.

 

وقف آدم فجأة.

 

—مين جابلك الصورة دي؟

 

أجابه فؤاد:

 

—بعد وفاة محمود… محامي التركة سلّم كل الأوراق اللي كانت في الخزنة. الصورة كانت وسطها.

 

ظل آدم ينظر إلى الصورة طويلًا.

 

ثم قال:

 

—ولو الكلام ده صحيح… فين الطفل؟

 

سادت لحظة صمت.

 

ثم قال فؤاد:

 

—مات.

 

ارتجف قلب آدم.

 

—إيه؟

 

—الإجهاض حصل في الشهور الأولى… حسب التقارير الطبية.

 

أغلق آدم عينيه للحظة.

 

شعر بألم لم يعرفه من قبل.

 

اثنا عشر عامًا…

 

وهو يظن أنها نسيته.

 

بينما كانت هي تواجه وحدها فقدان طفل، ثم زواجًا انتهى بوفاة الزوج، وديونًا تكاد تسحقها.

 

لكن شيئًا لم يطمئنه.

 

فتح الظرف مرة أخرى.

 

لم يجد أي تقرير طبي.

 

ولا أي مستند يثبت كلام فؤاد.

 

فقط الصورة.

 

رفع رأسه ببطء.

 

—فين التقرير؟

 

ابتسم فؤاد ابتسامة صغيرة.

 

—ضاع.

 

—يعني مفيش دليل؟

 

اقترب فؤاد منه وقال بصوت منخفض:

 

—في شغلنا… مش كل حاجة بتتكتب في ورق.

 

 

—

 

في صباح اليوم التالي…

 

قرر آدم ألا يصدق أحدًا.

 

ذهب بنفسه إلى الحي القديم.

 

أوقف سيارته بعيدًا عن منزل ندى حتى لا يلفت الأنظار.

 

كانت ياسمين تخرج من البيت مرتدية زي المدرسة.

 

حقيبة قديمة على ظهرها…

 

وحذاء تم إصلاحه أكثر من مرة.

 

انحنى سائق الحافلة المدرسية وربت على رأسها وهو يبتسم.

 

أما ندى…

 

فظلت واقفة أمام الباب حتى اختفت الحافلة.

 

ثم تنهدت وعادت إلى الداخل.

 

انتظر آدم دقائق.

 

ثم نزل من السيارة.

 

طرق الباب.

 

فتحت ندى وهي لا تتوقع أن تراه.

 

اتسعت عيناها.

 

—آدم؟

 

قال بهدوء:

 

—ممكن نتكلم؟

 

ترددت لحظات…

 

ثم فتحت الباب.

 

دخل إلى المنزل.

 

كان بسيطًا جدًا.

 

أثاث قديم…

 

وجدران تحتاج إلى طلاء…

 

ورائحة خبز طازج تملأ المكان.

 

لاحظ صورة كبيرة معلقة على الحائط.

 

محمود منصور يبتسم، وإلى جواره ندى، وبينهما الطفلة ياسمين.

 

اقترب آدم من الصورة.

 

ثم سأل دون أن يلتفت:

 

—كنتي بتحبيه؟

 

ساد الصمت.

 

ثم قالت ندى بصراحة:

 

—احترمته.

 

استدار إليها.

 

—وده غير الحب.

 

أومأت برأسها.

 

—أيوه… غيره.

 

نظر إليها طويلًا.

 

ثم أخرج الصورة القديمة من جيبه.

 

ما إن رأتها…

 

حتى شحب وجهها.

 

ارتجفت يداها.

 

—إنت جبتها منين؟

 

سألها مباشرة:

 

—هل كنتِ حامل؟

 

امتلأت عيناها بالدموع.

 

جلست على أقرب مقعد وكأن قدميها لم تعودا تحملانها.

 

وبعد صمت طويل…

 

قالت بصوت منكسر:

 

—أيوه.

 

أغمض آدم عينيه.

 

لكنها أكملت بسرعة:

 

—بس فقدته.

 

لم يقل شيئًا.

 

تابعت وهي تبكي:

 

—دورت عليك في كل مكان… روحت الجامعة… وروحت البيت القديم… وكل الناس قالتلي إنك سافرت ومش هترجع.

 

ابتلع آدم مرارة كلماته.

 

—أنا مكانش بإيدي.

 

هزت رأسها.

 

—عارفة… بعدين فهمت.

 

نظر إليها بدهشة.

 

—فهمتي إيه؟

 

قالت وهي تمسح دموعها:

 

—إن عيلتك هي اللي بعدتك.

 

ساد الصمت بينهما.

 

ثم قال آدم:

 

—ليه متقولتيش لمحمود؟

 

ابتسمت ابتسامة حزينة.

 

—لأن الطفل كان مات قبل جوازي بيه.

 

شعر آدم بأن صدره يضيق.

 

لكن قبل أن يتكلم…

 

رن هاتف ندى.

 

نظرت إلى الشاشة.

 

وتغير لون وجهها.

 

—مين؟

 

همست:

 

—المحكمة.

 

فتحت المكالمة على مكبر الصوت.

 

جاءها صوت رسمي:

 

—مدام ندى منصور… بنبلغ حضرتك إن موعد تنفيذ الحجز على المنزل تم تقديمه… وهيكون النهارده الساعة أربعة عصرًا.

 

شهقت ندى.

 

—بس الموعد كان بعد بكرة!

 

جاء الرد:

 

—وصلنا أمر مستعجل صباح اليوم.

 

أغلق الخط.

 

نظر آدم إلى الساعة.

 

كانت الثالثة إلا ربعًا.

 

أي أن أمامهما أقل من ساعة.

 

رفع رأسه ببطء.

 

وسأل سؤالًا واحدًا:

 

—مين اللي غيّر موعد التنفيذ؟

 

وفي اللحظة نفسها…

 

رن هاتفه هو أيضًا.

 

نظر إلى الشاشة.

 

كان المتصل…

 

شريف عزت.

 

رد بسرعة.

 

فجاءه صوت شريف المذعور:

 

—باشا… اهرب من هناك حالًا!

 

عقد آدم حاجبيه.

 

—فيه إيه؟

 

صرخ شريف:

 

—فيه حد زوّر أوامر باسمك… والشرطة جاية تقبض عليك بتهمة التستر على اختلاس سبعة وعشرين مليون جنيه!

 

يتبع…الجزء الرابع

 

تجمد آدم في مكانه.

 

نظر إلى الهاتف للحظة، ثم قال بصوت ثابت:

 

—إقفل كل الكاميرات في الشركة واحفظ النسخ الأصلية… ومتخليش حد يقرب من السيرفر.

 

رد شريف بسرعة:

 

—نفذت أول أمر… لكن فيه ناس سبقونا على غرفة الأرشيف.

 

انقطع الاتصال.

 

رفع آدم عينيه نحو ندى.

 

كانت تنظر إليه بقلق، ولم تفهم سوى كلمات قليلة.

 

—في مشكلة؟

 

ابتسم ابتسامة قصيرة يخفي بها توتره.

 

—واضح إن في حد قرر يوقعني… في نفس اليوم اللي قرر ياخد فيه بيتك.

 

قبل أن تكمل سؤالها…

 

توقفت سيارة شرطة أمام المنزل.

 

ثم تبعتها سيارتان سوداوان.

 

خرج رجال بملابس رسمية.

 

وفي المقابل…

 

ترجل أربعة رجال ببدلات سوداء لا يحملون أي شارات.

 

همس آدم:

 

—دول مش شرطة.

 

قطبت ندى حاجبيها.

 

—أمال مين؟

 

—رجالة فؤاد.

 

 

—

 

ترجل ضابط يحمل ملفًا أزرق، واتجه نحو الباب.

 

طرق الباب بقوة.

 

—افتحوا… تنفيذ قرار حجز.

 

فتح آدم بنفسه.

 

تفاجأ الضابط لرؤيته.

 

—أستاذ آدم الشافعي؟

 

أخرج الضابط ورقة أخرى.

 

—وفي أمر بضبط حضرتك للتحقيق.

 

مد آدم يده.

 

—ممكن أشوف الأمر؟

 

قرأه بسرعة.

 

ثم ضحك ضحكة خافتة.

 

نظر إلى الضابط وقال:

 

—الختم ده مزور.

 

ارتبك الضابط.

 

—إزاي؟

 

أشار آدم إلى زاوية الورقة.

 

—ده ختم قديم اتلغى من ست شهور.

 

تبادل الضابط النظرات مع زملائه.

 

وفي تلك اللحظة…

 

اندفع أحد الرجال أصحاب البدلات السوداء صارخًا:

 

—متضيعوش وقت… خدوه!

 

استدار الضابط بغضب.

 

—إنت مين؟

 

أخرج الرجل بطاقة بسرعة ثم أخفاها.

 

—تعليمات من فوق.

 

لكن آدم عرفه فورًا.

 

كان من رجال فؤاد.

 

وقبل أن ينطق أحد بكلمة…

 

وصلت ثلاث سيارات أخرى.

 

ترجل منها عشرات المحامين.

 

وفي مقدمتهم امرأة في الخمسين من عمرها.

 

تقدمت بثبات وقالت:

 

—أنا المستشارة ليلى السيوفي… الممثل القانوني لرئيس مجلس إدارة مجموعة الشافعي.

 

نظر الجميع إليها.

 

ثم أخرجت قرارًا مختومًا.

 

—بناءً على تعليمات الأستاذ آدم الشافعي… تم تجميد كل إجراءات الحجز لحين مراجعة أصل المديونية.

 

شهق الرجل الأسود.

 

—مستحيل!

 

ابتسمت ليلى.

 

—بل حصل.

 

نظر إليها آدم باستغراب.

 

لم يطلب منها الحضور.

 

اقتربت منه وهمست:

 

—أنا جيت لأن والدتك بعتتني.

 

اتسعت عيناه.

 

—أمي؟

 

هزت رأسها.

 

—قالتلي بالحرف… “ابني داخل على حرب، ومحتاج حد يفضل ضهره.”

 

 

—

 

انسحب رجال الحجز مؤقتًا.

 

لكن رجال فؤاد بقوا يراقبون المنزل من بعيد.

 

دخلت ليلى إلى الداخل.

 

وضعت ملفًا أمام آدم.

 

—ده اللي كنت بدور عليه من سنين.

 

فتح الملف.

 

وجد عقود الشركات الوهمية.

 

وأسماء المديرين.

 

وتوقيعات مزورة.

 

لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهه.

 

كل التحويلات المالية…

 

انتهت في حساب يحمل اسمًا مختلفًا.

 

شركة البحر الأبيض للاستثمار.

 

سأل:

 

—مين صاحب الشركة دي؟

 

ردت ليلى:

 

—على الورق… واحد اسمه سامح الديب.

 

ثم أضافت بهدوء:

 

—لكن المالك الحقيقي…

 

هو فؤاد الشافعي.

 

ساد الصمت.

 

نظر آدم إلى ندى.

 

ثم إلى الملف.

 

وأخيرًا فهم.

 

محمود منصور لم يسرق الأموال…

 

بل استُخدم كواجهة.

 

ولما حاول الانسحاب…

 

مات في “حادث سيارة”.

 

همس آدم:

 

—يعني الحادث…

 

لم يكن حادثًا.

 

أومأت ليلى ببطء.

 

—وده السبب اللي خلاني أستخبى بالملف ده خمس سنين.

 

شعرت ندى بدوار.

 

جلست على الكرسي وهي تهمس:

 

—يعني محمود… اتقتل؟

 

وقبل أن يجيبها أحد…

 

رن هاتف ليلى.

 

استمعت لثوانٍ، ثم تغير لون وجهها.

 

رفعت رأسها نحو آدم وقالت بصوت مرتجف:

 

—في خبر أسوأ.

 

—إيه؟

 

—القاضي اللي كان هيحقق في القض\ية… لسه متعرض لمحاولة اغتيال.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

دوى انفجار هائل في الشارع.

 

اهتزت نوافذ المنزل بعنف.

 

وأسرع آدم نحو النافذة.

 

فرأى سيارة ليلى…

 

وقد تحولت إلى كتلة من اللهب.

 

أما الشخص الذي وضع العبوة الناسفة…

 

فكان يركض مبتعدًا.

 

لكن قبل أن يختفي…

 

التفت للحظة.

 

ورفع يده.

 

وكان في إصبعه…

 

الخاتم الفضي نفسه الذي كان يرتديه فؤاد الشافعي دائمًا.

 

يتبع…الجزء الخامس

 

ارتفع صوت الانفجار في الحي كله.

 

أسرعت ندى تحتضن ابنتها ياسمين التي كانت قد عادت من المدرسة قبل دقائق، بينما اندفع آدم خارج المنزل دون تردد.

 

كانت السيارة تشتعل بالكامل.

 

ورائحة الدخان تملأ المكان.

 

صرخ أحد الجيران:

 

—حد يجيب مطفاية!

 

لكن آدم لم يكن ينظر إلى النار…

 

بل كان يطارد الرجل الذي فر من مكان الانفجار.

 

ركض عبر الأزقة الضيقة حتى كاد يمسك به.

 

وفجأة…

 

خرجت دراجة نارية سوداء من آخر الشارع.

 

قفز الرجل خلف قائدها، وانطلقت الدراجة بسرعة جنونية.

 

توقف آدم وهو يلهث.

 

لكنه التقط شيئًا سقط من جيب الهارب أثناء هروبه.

 

كان هاتفًا صغيرًا قديمًا.

 

أعاده إلى المنزل دون أن يفتحه.

 

 

—

 

في الداخل…

 

كانت المستشارة ليلى تحاول تهدئة ندى.

 

—الحمد لله إن العربية كانت فاضية.

 

جلس آدم ووضع الهاتف على الطاولة.

 

ثم نظر إلى شريف الذي وصل لتوه.

 

—افتحه.

 

أخرج شريف أدوات إلكترونية صغيرة من حقيبته، وبعد دقائق نجح في تشغيل الهاتف.

 

ظهرت رسالة أخيرة لم تُحذف.

 

> “خلصوا على الملف… ولو آدم وصل للحقيقة، يبقى الدور عليه.”

 

 

 

أما المرسل…

 

فكان مسجلًا باسم واحد فقط:

 

“العم”.

 

قطب آدم حاجبيه.

 

لم يكن أحد ينادي فؤاد بهذا اللقب.

 

إذن هناك شخص أعلى منه.

 

 

—

 

وفي المساء…

 

دخل فؤاد إلى مكتبه الخاص داخل القصر.

 

أغلق الباب خلفه.

 

ثم قال بهدوء:

 

—فشلوا.

 

جاءه صوت رجل مسن من خلف الشاشة السوداء في زاوية المكتب:

 

—كنت متوقع.

 

أخفض فؤاد رأسه باحترام.

 

—آدم بدأ يشك.

 

ضحك الرجل ضحكة خافتة.

 

—خليه يشك… بس ميعرفش الحقيقة كلها.

 

سأل فؤاد:

 

—ولو عرف؟

 

ساد الصمت لثوانٍ.

 

ثم جاء الرد البارد:

 

—يبقى هنعرفه… إنه مش شافعي أصلًا.

 

تغير وجه فؤاد.

 

—حضرتك ناوي تقوله؟

 

—لو اضطرينا.

 

 

—

 

في اليوم التالي…

 

ذهب آدم إلى المقبرة.

 

وقف أمام قبر محمود منصور.

 

ظل صامتًا دقائق طويلة.

 

ثم قال بصوت منخفض:

 

—لو كنت مظلوم… أوعدك أوصل للحقيقة.

 

وما إن استدار حتى وجد رجلًا عجوزًا يقف خلفه.

 

كان يحمل باقة ياسمين بيضاء.

 

قال العجوز:

 

—أنت آدم… صح؟

 

أومأ برأسه.

 

ناولَه العجوز ظرفًا قديمًا.

 

—محمود سلمني ده قبل ما يموت بأسبوع.

 

اتسعت عينا آدم.

 

—وليه مسلّمتنيش غير دلوقتي؟

 

تنهد الرجل.

 

—لأنه قالي… “لو حصلي حاجة، ادّيه لآدم الشافعي… بس لما تتأكد إن حياته بقت في خطر.”

 

أخذ آدم الظرف بسرعة.

 

فتحَه.

 

لم يجد بداخله سوى مفتاح صغير…

 

وخريطة مرسوم عليها موقع قديم في ميناء الإسكندرية.

 

وعلى ظهر الورقة كتب محمود بخط يده:

 

> “الحقيقة كلها مدفونة في المخزن رقم 17… لكن متثقش في أي حد من عيلة الشافعي.”

 

 

 

تسارعت نبضات قلب آدم.

 

رفع رأسه نحو البحر البعيد.

 

ثم همس:

 

—واضح إن الحرب… لسه بدأت.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

كان قناص يراقبه من أعلى مبنى المقابر.

 

وما إن وضع إصبعه على الزناد…

 

حتى وصله أمر عبر السماعة:

 

—لا تطلق النار…

 

سيبوه يوصل للمخزن.

 

يتبع…الجزء السادس

 

أعاد آدم طي الورقة ووضع المفتاح في جيبه.

 

لم يخبر أحدًا بما وجده.

 

حتى شريف…

 

اكتفى بالقول له:

 

—عندي مشوار مهم الليلة… ولو اتأخرت، متخليش حد يعرف أنا فين.

 

نظر إليه شريف بقلق.

 

—رايح فين؟

 

ابتسم آدم ابتسامة خفيفة.

 

—أدور على الحقيقة.

 

 

—

 

في الحادية عشرة مساءً…

 

وصل إلى المنطقة القديمة من ميناء الإسكندرية.

 

كانت المخازن المهجورة تمتد في صفوف طويلة، يلفها الضباب القادم من البحر.

 

وقف أمام لافتة صدئة كتب عليها:

 

مخزن رقم 17.

 

أخرج المفتاح.

 

وأداره في القفل.

 

صدر صوت معدني ثقيل…

 

وانفتح الباب ببطء.

 

دخل بحذر، وأضاء مصباح هاتفه.

 

لم يكن المخزن مليئًا بالبضائع كما توقع.

 

بل كان شبه فارغ.

 

وفي آخره…

 

خزانة حديدية صغيرة.

 

اقترب منها.

 

وفتحها بالمفتاح نفسه.

 

وجد بداخلها حقيبة جلدية سوداء.

 

فتحها.

 

امتلأت عيناه بالدهشة.

 

دفاتر حسابات أصلية…

 

وأقراص تخزين…

 

وجوازات سفر بأسماء مختلفة…

 

وذاكرة إلكترونية صغيرة كُتب عليها بقلم أسود:

 

“الدليل الأخير.”

 

وقبل أن يلتقطها…

 

سمع صوت تصفيق هادئ من خلفه.

 

استدار بسرعة.

 

كان فؤاد الشافعي.

 

يقف عند الباب، وخلفه أكثر من عشرين رجلًا مسلحًا.

 

ابتسم فؤاد وقال:

 

—كنت عارف إنك هتيجي.

 

ثبت آدم نظره عليه.

 

—إنت اللي سيبت الرسالة توصلني؟

 

هز فؤاد رأسه.

 

—لأ… بس كنت عارف إن محمود هيحاول يحمي نفسه.

 

رفع آدم الذاكرة الإلكترونية.

 

—كل حاجة انتهت.

 

ضحك فؤاد.

 

—إنت لسه مفكر إن اللي في الذاكرة دي هيدينّي؟

 

—أكيد.

 

اقترب فؤاد خطوة.

 

—لا… هي هتدين شخص تاني.

 

قطب آدم حاجبيه.

 

—مين؟

 

رد فؤاد بهدوء:

 

—أبوك.

 

ساد الصمت.

 

قال آدم بحدة:

 

—أبويا مات من سنين.

 

ابتسم فؤاد ابتسامة غامضة.

 

—وده اللي اتقالك.

 

شعر آدم بأن الأرض تميد تحت قدميه.

 

—تقصد إيه؟

 

أخرج فؤاد صورة قديمة.

 

ألقاها أمامه.

 

انحنى آدم والتقطها.

 

كانت الصورة لرجل يعرفه جيدًا…

 

الرجل الذي ربّاه على أنه والده.

 

لكن خلف الصورة عبارة واحدة:

 

“الاسم الحقيقي: يوسف الكيلاني.”

 

رفع آدم رأسه ببطء.

 

—إيه ده؟

 

قال فؤاد:

 

—أنت عشت عمرك كله فاكر إنك من عيلة الشافعي.

 

ثم أشار إليه بإصبعه.

 

—لكن الحقيقة…

 

إنك دخلت العيلة طفلًا…

 

وكل حياتك كانت مبنية على كذبة.

 

وقبل أن يستوعب آدم ما سمعه…

 

دوى صوت إطلاق نار من خارج المخزن.

 

ثم انطفأت الأنوار بالكامل.

 

وتردد صوت شريف في الظلام وهو يصرخ:

 

—آدم… اوعى تسيب الذاكرة تقع في إيدهم!

 

يتبع…الجزء السابع

تحول المخزن إلى فوضى كاملة.

أزيز الرصاص ارتد بين الجدران الحديدية، وانطفأت آخر لمبة كانت تضيء المكان.

أمسك آدم بالذاكرة الإلكترونية ووضعها داخل جيبه في لحظة، ثم احتمى خلف صندوق خشبي قديم.

صرخ شريف من الخارج:

—اطفوا الكشافات!

وفجأة انطلقت عشرات الأضواء القوية من سيارات توقفت أمام المخزن، فأصبحت عيون رجال فؤاد مكشوفة.

استغل آدم اللحظة وقفز خلف أحد الأعمدة.

قال فؤاد بغضب:

—اقفلوا كل المخارج… محدش يخرج!

لكن شريف كان قد أعد خطة أخرى.

دخلت شاحنة نقل ضخمة من البوابة الجانبية، واصطدمت بأحد الأبواب الحديدية، فاهتز المخزن كله.

استغل آدم الارتباك، واندفع نحو المخرج الخلفي.

بعد عشر دقائق…

كان آدم وشريف داخل مخزن مهجور آخر يبعد مئات الأمتار عن المكان.

أغلق شريف الباب وهو يلهث.

—إنت كويس؟

أومأ آدم.

ثم أخرج الذاكرة الإلكترونية.

نظر إليها طويلًا.

وقال:

—لو كلام فؤاد كذب… هنعرف.

وصل شريف الذاكرة بجهاز الكمبيوتر المحمول الذي كان يحمله دائمًا.

ظهرت ملفات كثيرة.

صور…

عقود…

تحويلات مالية…

ثم ملف واحد بعنوان:

“إذا وصلت إلى هنا… فمعناه إني مت.”

ضغط آدم عليه.

ظهر تسجيل فيديو لمحمود منصور.

كان يبدو مرهقًا، ولحيته طويلة، وعيناه ممتلئتين بالخوف.

قال أمام الكاميرا:

“لو حد بيشوف الفيديو ده… يبقى أنا غالبًا اتقتلت.”

ابتلع آدم ريقه.

واصل محمود:

“أنا ما سرقتش جنيه واحد… فؤاد الشافعي استخدمني كواجهة لشركاته الوهمية. ولما رفضت أمضي على آخر صفقة… هددني بندى وياسمين.”

شهقت ندى، التي كانت تشاهد التسجيل عبر اتصال فيديو مع شريف.

قال محمود في التسجيل:

“لو حصل لي حاجة… أوعوا تصدقوا إنه حادث.”

ساد الصمت.

ثم أكمل:

“وفي حاجة أخطر…”

توقف التسجيل فجأة.

ظهرت شاشة سوداء.

قال شريف بصدمة:

—الملف ناقص!

حاول إصلاحه.

لكن الجزء الأخير كان محذوفًا بالكامل.

ضرب آدم الطاولة بقبضته.

—أكيد حد لعب فيه.

لكن قبل أن يغلق الجهاز…

لاحظ ملفًا صغيرًا مخفيًا.

اسمه:

“N.M.”

فتح الملف.

فظهرت شهادة ميلاد ممسوحة ضوئيًا.

قرأها آدم بسرعة.

ثم اتسعت عيناه.

اسم الأم:

ندى منصور.

اسم الأب:

…كان مطموسًا بحبر أسود.

لكن قبل أن يُطمس…

ظهرت ثلاثة أحرف فقط.

“آد…”

تجمد آدم.

أما ندى، فوضعت يدها على فمها وهي تبكي.

همست:

—مستحيل…

نظر إليها آدم ببطء.

—ندى…

مين صاحبة الشهادة دي؟

أغلقت عينيها للحظة طويلة.

ثم قالت بصوت مرتعش:

—دي… شهادة ميلاد ياسمين الأصلية.

ساد صمت ثقيل.

رفع آدم رأسه إليها عبر شاشة الهاتف.

وقال بصعوبة:

—يعني…

قبل أن يكمل سؤاله…

انقطع الاتصال فجأة.

وفي اللحظة نفسها، دوى صوت تكسير زجاج في منزل ندى.

ثم سُمع صراخ ياسمين من الداخل…

يتبع…الجزء الثامن

 

قفزت ندى من مكانها وهي تصرخ:

 

—ياسمين!

 

تحطم زجاج غرفة المعيشة بالكامل، واندفع رجلان ملثمان إلى الداخل.

 

لكن قبل أن يقتربا من الطفلة، انطلق إنذار حاد في أرجاء المنزل.

 

كان آدم قد أمر شريف، بعد محاولة تفجير السيارة، بوضع نظام حماية سري حول البيت دون أن يخبر ندى حتى لا يقلقها.

 

وصل أول حارس خلال أقل من دقيقة.

 

اندلع اشتباك عنيف داخل الحديقة.

 

تمكن أحد الملثمين من الهرب، بينما سقط الآخر أرضًا بعد أن أصيب في ساقه.

 

 

—

 

في الوقت نفسه…

 

كان آدم قد انطلق بسيارته بأقصى سرعة نحو منزل ندى.

 

لم يفكر في رجال فؤاد…

 

ولا في الشرطة…

 

ولا في نفسه.

 

كل ما كان يراه أمامه هو صورة ياسمين وهي تصرخ.

 

وصل خلال دقائق.

 

نزل من السيارة قبل أن تتوقف تمامًا.

 

دخل المنزل، فوجد ندى تحتضن ابنتها بقوة، والطفلة ترتجف من الخوف لكنها لم تُصب بأذى.

 

تنفس آدم الصعداء لأول مرة منذ ساعات.

 

ثم التفت إلى الرجل المصاب الذي كان الحراس يقيدونه.

 

انحنى أمامه وقال بهدوء:

 

—مين بعتك؟

 

بصق الرجل على الأرض ولم يتكلم.

 

ابتسم آدم ابتسامة باردة.

 

—تمام… يبقى هنجيب اللي يخليك تتكلم.

 

لكن قبل أن يقترب منه أحد…

 

عض الرجل شيئًا كان يخفيه بين أسنانه.

 

وخلال ثوانٍ بدأ يختنق.

 

صرخت ندى:

 

—إلحقوه!

 

حاول المسعفون إنقاذه…

 

لكن الأوان كان قد فات.

 

نظر الطبيب إلى آدم وقال بأسف:

 

—ابتلع كبسولة سامة.

 

قبض آدم على يده بقوة.

 

—كل مرة… الشاهد بيموت قبل ما يتكلم.

 

 

—

 

جلس الجميع في غرفة المعيشة.

 

وضعت ندى كوبًا من الماء أمام آدم.

 

قالت بصوت خافت:

 

—أنا تعبت.

 

نظر إليها بصمت.

 

ثم قالت:

 

—كل يوم سر جديد… وكل يوم حد بيحاول يقتلنا.

 

رفع آدم رأسه وقال بحزم:

 

—من النهارده… إنتِ وياسمين هتيجوا معايا.

 

هزت رأسها بسرعة.

 

—لأ… مش عايزة أدخلك في حياتي أكتر من كده.

 

ابتسم بحزن.

 

—إنتِ مش فاهمة… حياتك بقت جزء من حياتي من زمان.

 

ساد الصمت.

 

ثم أخرج من جيبه شهادة الميلاد التي ظهرت في الملف.

 

وضعها أمامها.

 

—أنا مش هسألك مين أبو ياسمين.

 

لكن لازم أعرف…

 

مين اللي طمس اسم الأب من الشهادة؟

 

ارتجفت يد ندى وهي تمسك بالورقة.

 

ثم قالت بعد صمت طويل:

 

—أنا.

 

نظر إليها آدم بدهشة.

 

—إنتِ؟

 

أومأت وهي تبكي.

 

—لأن فيه واحد هددني… وقال لو الاسم فضل زي ما هو… البنت هتموت.

 

تجمد آدم.

 

—مين؟

 

رفعت عينيها إليه.

 

ونطقت اسمًا لم يكن يتوقعه أبدًا.

 

—أمك… سعاد الشافعي.

 

ساد صمت ثقيل.

 

كان آدم يشعر أن الأرض تهتز تحت قدميه.

 

أمه…

 

المرأة التي أرسلت محامية لإنقاذ ندى…

 

هل يمكن أن تكون هي نفسها من هددتها قبل سنوات؟

 

وقبل أن ينطق بكلمة…

 

رن هاتفه.

 

نظر إلى الشاشة.

 

كانت رسالة مجهولة، تحتوي على صورة واحدة فقط.

 

الصورة كانت التُقطت في ذلك اليوم القديم أمام المخبز…

 

هو وندى يقفان معًا.

 

لكن في خلفية الصورة، ظهر رجل يراقبهما من بعيد.

 

كبر آدم الصورة عدة مرات.

 

ثم شحب وجهه.

 

همس بصوت يكاد لا يُسمع:

 

—مستحيل…

 

فالرجل الذي كان يراقبهما قبل اثني عشر عامًا…

 

كان فؤاد الشافعي.

 

يتبع…الجزء التاسع

 

ظل آدم يحدق في الصورة القديمة.

 

كلما كبّرها أكثر، ازدادت ملامح الرجل وضوحًا.

 

لم يكن هناك شك.

 

كان فؤاد الشافعي يقف على الجانب الآخر من الشارع، مرتديًا نظارة سوداء، يراقبه هو وندى منذ اثني عشر عامًا.

 

قال شريف وهو ينظر إلى الشاشة:

 

—يعني كان عارف بعلاقتكم من الأول.

 

أومأ آدم ببطء.

 

—وده معناه إن كل اللي حصل بعد كده… مكانش صدفة.

 

جلست ندى بصمت، ثم قالت:

 

—أنا فاكرة اليوم ده.

 

التفت الجميع إليها.

 

—كان قبل ما تختفي بأيام. حسيت إن في حد بيراقبنا، لكن لما بصيت ورايا ملقيتش حد.

 

تنهد آدم.

 

—لأنه كان محترف.

 

 

—

 

في صباح اليوم التالي، اتخذ آدم قرارًا لم يتوقعه أحد.

 

دخل مقر مجموعة الشافعي، وطلب اجتماعًا طارئًا لمجلس الإدارة.

 

امتلأت القاعة بأفراد العائلة وكبار المديرين.

 

وكان فؤاد يجلس في نهاية الطاولة، وكأنه لا يخشى شيئًا.

 

وقف آدم وقال بهدوء:

 

—من النهارده… أي إجراءات حجز على ندى منصور أو بنتها تعتبر ملغية.

 

ابتسم فؤاد ساخرًا.

 

—وبأي صفة؟

 

نظر إليه آدم بثبات.

 

—بصفتي رئيس مجلس الإدارة.

 

رد فؤاد:

 

—القرار ده محتاج تصويت.

 

ضغط آدم زرًا صغيرًا أمامه.

 

فدخل عشرات المساهمين عبر شاشة الاجتماع المرئي.

 

قال آدم:

 

—قبل الاجتماع بساعة… اشتريت نسبة إضافية من الأسهم.

 

ساد الهمس داخل القاعة.

 

أكمل:

 

—وأصبحت أملك الأغلبية.

 

اختفت الابتسامة من وجه فؤاد لأول مرة.

 

لكن المفاجأة لم تنتهِ.

 

فتح آدم ملفًا إلكترونيًا على الشاشة العملاقة.

 

ظهرت صور التحويلات البنكية، وأسماء الشركات الوهمية.

 

وقال بصوت قوي:

 

—التحقيق الداخلي بدأ… وأول اسم هيخضع للمراجعة هو فؤاد الشافعي.

 

وقف فؤاد غاضبًا.

 

—إنت بتتهمني قدام الناس؟

 

رد آدم:

 

—أنا بفتح تحقيق… والنتيجة هي اللي هتتكلم.

 

 

—

 

في اللحظة نفسها…

 

كان هاتف شريف يرن بلا توقف.

 

نظر إلى الشاشة، ثم اقترب من آدم وهمس:

 

—في مصيبة.

 

—إيه؟

 

—فيه حريق ضخم في مبنى الأرشيف الرئيسي.

 

تجمد آدم.

 

ذلك المبنى…

 

كان يضم النسخ الأصلية لكل العقود.

 

أدرك فورًا الهدف.

 

طمس الأدلة.

 

قال بسرعة:

 

—اطلب الدفاع المدني… وابعت فريق النسخ الاحتياطية فورًا.

 

لكن الرد جاء بعد ثوانٍ:

 

—للأسف… النسخ الاحتياطية كانت في نفس المبنى.

 

ساد الصمت.

 

ابتسم فؤاد ابتسامة خفيفة وقال:

 

—واضح إن الحظ مش معاك النهارده.

 

نظر إليه آدم بثبات.

 

ثم أخرج من جيبه الذاكرة الإلكترونية.

 

وقال:

 

—علشان كده… كنت محتفظ بنسخة تانية.

 

تغير لون وجه فؤاد.

 

لأول مرة…

 

بدا عليه الخوف الحقيقي.

 

وفي تلك اللحظة، دخل أحد الحراس مسرعًا إلى القاعة وهو يلهث.

 

وقال بصوت مرتفع:

 

—يا باشا… في واحدة بره بتقول لازم تشوفك حالًا.

 

قطب آدم حاجبيه.

 

—مين؟

 

أجاب الحارس:

 

—بتقول إن اسمها…

 

سعاد الشافعي.

 

التفت آدم ببطء نحو الباب.

 

كانت والدته تقف هناك…

 

وعيناها ممتلئتان بالدموع.

 

ثم قالت أمام الجميع:

 

—أنا كذبت عليك عمرك كله…

 

وأنا مستعدة أقول الحقيقة كاملة… دلوقتي.

 

يتبع…الجزء العاشر

ساد صمت ثقيل داخل قاعة الاجتماع.

حتى فؤاد، الذي لم يكن يخشى شيئًا، تغيرت ملامحه عندما رأى سعاد الشافعي تدخل بخطوات بطيئة.

وقفت أمام الجميع.

ثم خلعت خاتم العائلة من يدها ووضعته على الطاولة.

قالت بصوت مرتجف:

—أنا تعبت من الكذب.

نهض فؤاد غاضبًا.

—سعاد… فكري كويس قبل ما تتكلمي.

نظرت إليه لأول مرة دون خوف.

—أنا فضلت ساكتة اتناشر سنة… كفاية.

التفتت إلى آدم.

كان ينظر إليها في صمت، وعيناه مليئتان بالأسئلة.

قالت وهي تكاد تبكي:

—أول حاجة لازم تعرفها… إن أبوك كان راجل شريف.

تنفس آدم ببطء.

ثم سأل:

—يبقى ليه فؤاد بيقول إنه مش أبويا؟

أغلقت سعاد عينيها لثوانٍ.

ثم قالت:

—لأنه كان بيحاول يكسرك… مش أكتر.

ارتسمت الدهشة على وجه آدم.

أكملت:

—أنت ابن والدك… ومافيش شك في ده.

نظر الجميع إلى فؤاد.

ابتسم ابتسامة ساخرة، لكنه لم ينكر.

تابعت سعاد:

—لكن في حاجة تانية… أنا أخفيتها عنك.

—إيه هي؟

تنهدت بعمق.

—بعد ما عرف فؤاد إنك بتحب ندى… قرر يبعدها عنك بأي تمن.

شحب وجه ندى.

وأكملت سعاد:

—هو اللي هدد والدها… وهو اللي نشر إشاعة إنك سافرت ومش هترجع… وهو اللي خلّى كل رسايل ندى ليك تختفي.

قبض آدم على يده بقوة.

—يعني هي كانت بتحاول توصل لي؟

أومأت سعاد وهي تبكي.

—كل يوم.

التفت آدم إلى ندى.

كانت دموعها تنزل في صمت.

همست:

—كتبتلك أكتر من خمسين جواب.

خفض رأسه.

—ولا واحد وصلني.

وفجأة…

ارتفع صوت تصفيق داخل القاعة.

كان فؤاد.

وقف مبتسمًا وقال:

—قصة مؤثرة جدًا.

ثم أخرج جهاز تحكم صغيرًا من جيبه.

ضغط الزر.

فانطفأت شاشة الاجتماع.

وانغلقت أبواب القاعة الحديدية تلقائيًا.

صرخ أحد الحراس:

—الأبواب اتقفلت!

ابتسم فؤاد بهدوء.

—محدش هيخرج من هنا… إلا لما آخد اللي أنا عايزه.

نظر إليه آدم.

—عايز إيه؟

مد فؤاد يده.

—الذاكرة الإلكترونية.

هز آدم رأسه.

—مستحيل.

ابتسم فؤاد.

—تمام.

ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع:

—يبقى هنبدأ بالبنت.

تغير وجه ندى.

—ياسمين؟

أخرج فؤاد هاتفه.

وعرض بثًا مباشرًا.

ظهرت ياسمين داخل غرفة مجهولة، تجلس على كرسي وهي تبكي، وإلى جوارها رجلان ملثمان.

صرخت ندى:

—لا!

وقف آدم فجأة.

—إنت خطفتها إمتى؟

ابتسم فؤاد.

—من عشر دقايق… وقت ما كنتوا مشغولين بالاجتماع.

انهارت ندى وهي تبكي.

أما آدم…

فنظر إلى فؤاد نظرة باردة لم يرها أحد من قبل.

ثم قال بهدوء شديد:

—لو شعرة واحدة من ياسمين اتأذت…

أقسم لك إن اسم الشافعي نفسه هيموت النهارده.

ابتسم فؤاد بثقة.

لكنه لم يكن يعلم…

أن شريف، قبل دقائق، كان قد وضع جهاز تتبع صغيرًا داخل حقيبة ياسمين المدرسية.

وفي اللحظة نفسها…

وصل إشعار إلى هاتف آدم.

تم تحديد الموقع.

كانت الإشارة تتحرك…

نحو جزيرة مهجورة في بحيرة مريوط.

يتبع…الجزء الحادي عشر

 

اهتز هاتف آدم في يده مرة أخرى.

 

فتح تطبيق التتبع.

 

كانت النقطة الحمراء تتحرك ببطء فوق الخريطة، ثم توقفت فجأة عند مخزن قديم على أطراف بحيرة مريوط.

 

رفع رأسه إلى فؤاد.

 

ورغم الغضب الذي كان يشتعل في داخله…

 

ابتسم.

 

لاحظ فؤاد الابتسامة، فعقد حاجبيه.

 

—بتضحك على إيه؟

 

أغلق آدم الهاتف ووضعه في جيبه.

 

—على إنك أخيرًا غلطت.

 

وقبل أن يفهم فؤاد قصده…

 

انطفأت الأنوار داخل القاعة للحظة، ثم اشتغل نظام الطوارئ.

 

استغل آدم الارتباك، وألقى الذاكرة الإلكترونية إلى شريف وهو يهتف:

 

—اخرج بيها… مهما حصل!

 

اندفع شريف نحو المخرج الجانبي الذي فتحه أحد رجال الأمن الموالين لآدم، بينما حاول رجال فؤاد اللحاق به.

 

تحولت القاعة إلى فوضى.

 

لكن آدم لم يشارك في الاشتباك.

 

كان يفكر في شيء واحد فقط…

 

ياسمين.

 

 

—

 

بعد أقل من نصف ساعة…

 

وصلت ثلاث سيارات سوداء إلى أطراف بحيرة مريوط.

 

ترجل آدم مع ستة من أكثر رجاله ولاءً.

 

كانت المنطقة مهجورة، لا يُسمع فيها إلا صوت الماء والرياح.

 

أشار أحد الحراس إلى المخزن.

 

—الإشارة جاية من جوه.

 

اقترب آدم بحذر.

 

ثم أشار بيده.

 

في لحظة واحدة، اقتحم الرجال الأبواب من ثلاث جهات.

 

لكن…

 

لم يكن هناك أحد.

 

المكان خالٍ تمامًا.

 

وسط المخزن، وجد آدم حقيبة ياسمين المدرسية ملقاة على الأرض.

 

أما جهاز التتبع…

 

فكان مثبتًا داخلها.

 

تنهد شريف بحسرة.

 

—خدعونا.

 

انحنى آدم والتقط الحقيبة.

 

وجد بداخلها ورقة مطوية.

 

فتحها.

 

كانت مكتوبة بخط واحد واضح:

 

> “أنت بتدور في المكان الغلط… لأنها أقرب ليك مما تتخيل.”

 

 

 

ساد الصمت.

 

ثم رن هاتف آدم.

 

رد فورًا.

 

جاءه صوت ياسمين، باكيًا:

 

—عمو آدم…

 

قبل أن تتكلم أكثر، انقطع صوتها.

 

ثم جاء صوت رجل مجهول:

 

—قدامك ساعة واحدة.

 

—عايز إيه؟

 

—هات الذاكرة… وتعالى لوحدك.

 

—ولو رفضت؟

 

ضحك الرجل.

 

—يبقى عمرك ما هتشوف البنت تاني.

 

أُغلق الخط.

 

 

—

 

في تلك اللحظة…

 

كانت ندى في القصر تحت حراسة مشددة.

 

جلست سعاد الشافعي بجوارها.

 

قالت ندى بصوت مكسور:

 

—أنا خايفة.

 

أمسكت سعاد بيدها.

 

—هترجع… أوعدك.

 

لكن قبل أن تكمل كلامها…

 

دخلت خادمة القصر مسرعة.

 

كانت تحمل صندوقًا صغيرًا وصل منذ دقائق.

 

قالت:

 

—ده وصل باسم الأستاذ آدم.

 

فتحت سعاد الصندوق.

 

فتجمدت مكانها.

 

في الداخل…

 

كان يوجد سوار ياسمين الذي لا يفارق يدها أبدًا.

 

وتحته رسالة قصيرة:

 

> “المرة الجاية… هنبعت حاجة أصعب.”

 

 

 

في اللحظة نفسها، كان آدم ينظر إلى شاشة هاتفه.

 

وصلته رسالة جديدة تحتوي على صورة.

 

لم تكن الصورة لياسمين…

 

بل كانت لرجل مقيد على كرسي داخل غرفة مظلمة.

 

كبر الصورة.

 

ثم شحب وجهه.

 

همس:

 

—مستحيل…

 

كان الرجل المقيد…

 

محمود منصور.

 

الرجل الذي دفنه الجميع قبل ستة أشهر.

 

يتبع…الجزء الثاني عشر

 

تجمد آدم أمام الصورة.

 

لم يستطع أن يصدق ما تراه عيناه.

 

محمود منصور…

 

زوج ندى الراحل…

 

الرجل الذي أُعلن موته في حادث سيارة قبل ستة أشهر…

 

كان حيًا.

 

اقترب شريف من الهاتف، وما إن رأى الصورة حتى تراجع خطوة.

 

—ده… مستحيل.

 

لم يرد آدم.

 

كان عقله يحاول جمع قطع اللغز.

 

اختفاء محمود…

 

الشركات الوهمية…

 

تهديد ندى…

 

وشهادة ميلاد ياسمين التي تم طمس اسم الأب منها.

 

كل شيء أصبح يأخذ معنى مختلفًا.

 

رن الهاتف مرة أخرى.

 

رفع آدم السماعة.

 

جاء صوت الرجل المجهول:

 

—عرفت مين في الصورة؟

 

قال آدم ببرود:

 

—فين ياسمين؟

 

ضحك الرجل.

 

—لسه مهتم بالبنت أكتر من الحقيقة؟

 

صمت آدم.

 

فأكمل الرجل:

 

—محمود منصور ما ماتش… لأنه كان الشخص الوحيد اللي يعرف اللعبة كلها.

 

قبض آدم على الهاتف.

 

—مين أنت؟

 

جاء الرد:

 

—الشخص اللي حاول يحميه.

 

ثم انقطع الاتصال.

 

 

—

 

في تلك اللحظة…

 

دخلت ندى الغرفة وهي تحمل صورة محمود.

 

كانت عيناها مليئة بالخوف.

 

—آدم…

 

التفت إليها.

 

—إنتِ عارفة حاجة؟

 

هزت رأسها بسرعة.

 

—لا… أنا شفت الصورة.

 

اقترب منها.

 

—ندى، لازم تقوليلي كل حاجة.

 

جلست وهي تبكي.

 

—قبل الحادث بأسبوع… محمود كان غريب جدًا.

 

—يعني إيه؟

 

—كان بيقفل الأبواب بالمفتاح مرتين… وكان بيخبي أوراق في مكان ماعرفتش مكانه.

 

سألها آدم:

 

—قالك حاجة؟

 

ترددت.

 

ثم قالت:

 

—قال لي جملة واحدة.

 

نظر إليها منتظرًا.

 

همست:

 

—قال: “لو حصل لي حاجة… دوري على آدم الشافعي، لأنه الوحيد اللي ممكن يصدقني.”

 

ساد الصمت.

 

شعر آدم بوخزة في قلبه.

 

محمود…

 

رغم كل شيء…

 

كان يحاول الوصول إليه.

 

 

—

 

في القصر…

 

كان فؤاد يقف أمام شاشة كبيرة يتابع تحركات آدم.

 

بجانبه وقف رجل في الظل.

 

قال الرجل:

 

—هو عرف إن محمود حي.

 

لم يتحرك فؤاد.

 

—كنت متأكد إنه هيعرف.

 

—يبقى لازم ننهي الموضوع.

 

ابتسم فؤاد.

 

—لسه بدري.

 

نظر إليه الرجل باستغراب.

 

—بدري؟

 

أجاب فؤاد:

 

—آدم لسه فاكر إن المعركة بيني وبينه.

 

ثم التفت نحو الشاشة.

 

—لكن الحقيقة… إننا كلنا مجرد أدوات.

 

 

—

 

بعد دقائق…

 

وصلت رسالة جديدة إلى هاتف آدم.

 

هذه المرة لم تكن صورة.

 

بل موقع.

 

ومعها جملة:

 

> “تعال وحدك… وستجد ياسمين ومحمود معًا.”

 

 

 

نظر شريف إليه بقلق.

 

—ده فخ.

 

أومأ آدم.

 

—عارف.

 

—ومع ذلك هتروح؟

 

نظر آدم إلى صورة ياسمين على شاشة هاتفه.

 

—هي بنت ندى… ومش هسيبها.

 

قال شريف:

 

—طيب والذاكرة؟

 

أخرج آدم الذاكرة الإلكترونية من جيبه.

 

ثم ابتسم.

 

—مش دي الذاكرة الوحيدة.

 

فتح هاتفه وأظهر نسخة أخرى مخفية.

 

قال:

 

—من أول ما لقيتها… عرفت إن حد هيحاول ياخدها.

 

ابتسم شريف لأول مرة.

 

—كنت سابقهم.

 

رد آدم:

 

—لا…

 

ثم نظر نحو البحر.

 

—أنا كنت مستنيهم يكشفوا نفسهم.

 

 

—

 

في منتصف الليل…

 

وصل آدم إلى المكان المحدد.

 

مبنى قديم مهجور على أطراف الإسكندرية.

 

دخل وحده كما طلبوا.

 

كانت الإضاءة ضعيفة.

 

وفجأة…

 

اشتغل جهاز عرض في منتصف الغرفة.

 

ظهرت صورة ياسمين.

 

ثم صورة محمود.

 

ثم ظهرت صورة ثالثة…

 

جعلت آدم يتجمد تمامًا.

 

كانت صورة قديمة لوالده…

 

وبجواره رجل آخر.

 

الرجل الذي لم يتوقع آدم أبدًا رؤيته.

 

والد ندى منصور.

 

ثم ظهر صوت مسجل يقول:

 

—قبل ما تعرف مين قتل محمود…

 

لازم تعرف مين بدأ كل شيء من البداية.

 

والصوت الذي نطق الجملة الأخيرة…

 

كان صوتًا يعرفه آدم جيدًا.

 

صوت أمه…

 

سعاد الشافعي.

 

يتبع…الجزء الثالث عشر

 

توقف الزمن للحظة.

 

ظل آدم واقفًا أمام الشاشة، لا يصدق ما يسمعه.

 

صوت أمه…

 

سعاد الشافعي.

 

المرأة التي جاءت منذ ساعات لتعترف بالحقيقة…

 

المرأة التي قالت إنها تريد إصلاح كل شيء…

 

كيف يمكن أن تكون جزءًا من هذا اللغز؟

 

ظهر صوت التسجيل مرة أخرى:

 

—آدم… لو بتسمع الرسالة دي، يبقى كل الأقنعة وقعت.

 

ثم ظهرت صورة قديمة تجمع أربعة أشخاص:

 

والده…

 

سعاد…

 

فؤاد…

 

ووالد ندى.

 

حدق آدم في الصورة.

 

كان هناك شيء غريب.

 

لم يكونوا أعداء كما تخيل طوال حياته.

 

كانوا يعرفون بعضهم جيدًا.

 

بل أكثر من ذلك…

 

كانوا شركاء.

 

 

—

 

فجأة انفتح باب جانبي.

 

دخل رجل بملابس سوداء وهو يدفع كرسيًا متحركًا.

 

تجمد آدم.

 

كان الرجل الجالس على الكرسي…

 

محمود منصور.

 

لكن حالته كانت مختلفة تمامًا.

 

وجهه شاحب.

 

ذراعه مربوطة.

 

وعيناه تحملان آثار أيام طويلة من العذاب.

 

صرخت أنفاس آدم:

 

—محمود!

 

رفع محمود رأسه بصعوبة.

 

—آدم…

 

اقترب منه بسرعة.

 

—فين ياسمين؟

 

أشار محمود ناحية الباب الآخر.

 

—هي هناك… بخير.

 

اندفع آدم نحو الغرفة.

 

وجد ياسمين جالسة على أريكة، وبمجرد أن رأته ركضت نحوه.

 

—عمو آدم!

 

حملها وهو يطمئن عليها.

 

لكنها قالت شيئًا جعله يتجمد:

 

—الراجل اللي كان ماسكنا… كان بيقول إنك بابا.

 

توقف آدم.

 

نظر إليها بصدمة.

 

—قال إيه؟

 

اقترب محمود ببطء.

 

وقال:

 

—لأنها الحقيقة.

 

ساد الصمت.

 

حتى ياسمين لم تفهم ما يحدث.

 

نظر آدم إلى محمود.

 

—اتكلم.

 

تنهد محمود.

 

—من سنين… قبل ما أتجوز ندى، عرفت الحقيقة.

 

اقترب آدم منه.

 

—أي حقيقة؟

 

نظر محمود إلى ياسمين.

 

ثم قال:

 

—ياسمين بنتك يا آدم.

 

تراجع آدم خطوة.

 

كأن الكلمات أصابته.

 

—مستحيل.

 

قال محمود:

 

—ندى كانت حامل لما اختفيت.

 

سكت لحظة.

 

—ولما عرفت… حاولت توصل لك.

 

لكن فؤاد منعها.

 

ابتلع آدم الألم.

 

—وليه ندى ما قالتليش؟

 

جاء صوت من خلفه:

 

—لأنها كانت فاكرة إنك ماتركتها بإرادتك.

 

استدار.

 

كانت ندى تقف عند الباب.

 

لكن كيف وصلت؟

 

نظر إليها آدم.

 

كانت الدموع في عينيها.

 

قالت:

 

—أنا كنت خايفة.

 

اقتربت منه.

 

—لما ولدت ياسمين، حاولت أدور عليك مرة تانية.

 

—ولقيتك؟

 

هزت رأسها.

 

—لقيت خبر إنك بقيت رجل أعمال كبير… وإنك عايش حياة تانية.

 

سكتت.

 

—افتكرت إنك نسيتني.

 

نظر آدم إليها بألم.

 

—أنا عمري ما نسيتك.

 

 

—

 

قبل أن يكمل أحد…

 

انطفأت الأنوار.

 

وسُمع صوت تصفيق.

 

ظهر فؤاد عند مدخل الغرفة.

 

وخلفه رجال مسلحون.

 

قال بابتسامة:

 

—أخيرًا… العيلة كلها اجتمعت.

 

وقف آدم أمام ندى وياسمين ومحمود.

 

—كل ده كان ترتيبك؟

 

ضحك فؤاد.

 

—لا.

 

ثم نظر إلى محمود.

 

—هو اللي بدأ.

 

نظر الجميع إلى محمود بدهشة.

 

قال فؤاد:

 

—محمود لم يكن ضحية يا آدم…

 

كان شريكًا.

 

شهقت ندى.

 

—مستحيل!

 

أخرج فؤاد ملفًا ووضعه على الطاولة.

 

—افتحه.

 

اقترب آدم.

 

فتح الملف.

 

فوجد…

 

تحويلات مالية باسم محمود منصور.

 

وتوقيعاته على عقود الشركات الوهمية.

 

رفع رأسه ببطء.

 

نظر إلى محمود.

 

—قول إن ده مزور.

 

ظل محمود صامتًا.

 

وهنا…

 

حدث الشيء الذي لم يتوقعه أحد.

 

قال محمود بصوت مكسور:

 

—مش كله مزور.

 

تجمدت ندى.

 

أما آدم…

 

فشعر أن الحقيقة التي يبحث عنها منذ أيام…

 

قد تكون أقسى مما تخيل.

 

يتبع…الجزء الرابع عشر

 

ساد الصمت داخل الغرفة.

 

لم يسمع آدم سوى صوت أنفاسه الثقيلة.

 

كانت ندى تنظر إلى محمود وكأنها تراه للمرة الأولى.

 

—يعني إيه… مش كله مزور؟

 

خفض محمود رأسه.

 

—يعني إن فؤاد بيقول جزء من الحقيقة.

 

تقدم آدم خطوة.

 

—اتكلم يا محمود.

 

رفع محمود عينيه إليه.

 

—أنا اشتغلت مع فؤاد فعلًا… لكن مش بالشكل اللي هو بيقوله.

 

ضحك فؤاد بسخرية.

 

—طبعًا… كل المجرمين عندهم مبرر.

 

نظر إليه محمود بغضب.

 

—أنت اللي هددتني يا فؤاد.

 

اقترب آدم من محمود.

 

—عايز أفهم.

 

تنهد محمود.

 

—من ست سنين… لما اتجوزت ندى، كنت فاكر إني أقدر أبدأ حياة جديدة. لكن بعد فترة اكتشفت إن شغلي في شركة الشافعي كان مجرد غطاء.

 

سكت لحظة.

 

—فؤاد كان بيستخدم موظفين صغار عشان يمرر فلوسه. ولما فهمت اللي بيحصل… حاولت أخرج.

 

قال آدم:

 

—فابتزك؟

 

أومأ محمود.

 

—هددني بندى وياسمين.

 

تراجعت ندى للخلف.

 

—يعني كل السنين دي…

 

قاطعها محمود بصوت مكسور:

 

—كنت بحاول أحميكم.

 

ابتسم فؤاد بسخرية.

 

—تحميهم؟ ولا تحمي نفسك؟

 

استدار آدم نحو فؤاد.

 

—وأنت ليه مخليتنا نصدق إنه مات؟

 

لم يجب فؤاد.

 

فقال آدم بحدة:

 

—جاوب!

 

ابتسم فؤاد.

 

—لأن موت محمود كان أسهل من اعترافه بالحقيقة.

 

اقترب شريف من آدم وهمس:

 

—في حاجة غلط… فؤاد مش بيتصرف كأنه خايف.

 

لاحظ آدم ذلك أيضًا.

 

كان فؤاد هادئًا أكثر من اللازم.

 

كأنه يريد أن يصل بهم إلى مكان معين.

 

—

 

وفجأة…

 

رن هاتف محمود.

 

نظر الجميع إلى الشاشة.

 

كان الرقم مجهولًا.

 

قال محمود:

 

—ده الرقم اللي كانوا بيتواصلوا معايا منه.

 

فتح آدم المكالمة على السماعة.

 

جاء صوت رجل:

 

—مبروك… وصلتوا للمرحلة الأخيرة.

 

تغير وجه فؤاد.

 

ولأول مرة ظهر عليه القلق.

 

قال آدم:

 

—مين أنت؟

 

ضحك الصوت.

 

—الشخص اللي كان بيحرك الكل.

 

ثم قال:

 

—فؤاد… أنت خلصت دورك.

 

نظر فؤاد حوله بصدمة.

 

—إيه؟

 

جاء الرد:

 

—آدم لازم يعرف الحقيقة كاملة.

 

ثم انقطع الاتصال.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

دخلت رسالة على هاتف آدم.

 

فتحها.

 

كانت صورة لملف قديم.

 

عنوانه:

 

“عملية استبدال وريث عائلة الشافعي.”

 

شعر آدم ببرودة تسري في جسده.

 

نظر إلى فؤاد.

 

—إيه معنى ده؟

 

لم يرد فؤاد.

 

بل نظر إلى سعاد التي دخلت الغرفة خلف الحراس.

 

قالت بصوت مليء بالدموع:

 

—معناه إن اليوم اللي اتولد فيه آدم… حصلت جري\مة محدش يعرف عنها حاجة.

 

اقترب آدم من أمه.

 

—قولي الحقيقة.

 

نظرت إليه طويلاً.

 

ثم قالت:

 

—أنت مش ابن الرجل اللي رباك بس…

 

أنت ابن سر أخفاه والدك عن العالم كله.

 

سألها آدم:

 

—مين أنا؟

 

سكتت سعاد.

 

ثم قالت الجملة التي قلبت كل شيء:

 

—أنت… آخر وريث حقيقي لعائلة الشافعي.

 

وقبل أن يستوعب كلامها…

 

انطلقت رصاصة من مكان مجهول.

 

وسقطت سعاد على الأرض.

 

صرخت ندى:

 

—سعاد!

 

أما آدم…

 

فنظر نحو النافذة المكسورة.

 

فوق المبنى المقابل…

 

ظهر ظل رجل يحمل بندقية.

 

وكان يبتسم.

 

يتبع…الجزء الخامس عشر

 

في لحظة واحدة…

 

تحولت الغرفة إلى فوضى.

 

اندفع الجميع نحو سعاد.

 

كانت ملقاة على الأرض، ويدها تضغط على مكان الإصابة.

 

صرخ آدم:

 

—اتصلوا بالإسعاف!

 

لكن عينيه لم تكونا على أمه…

 

كانتا على النافذة.

 

على الظل الذي اختفى قبل ثوانٍ.

 

قال شريف بسرعة:

 

—كان قناصًا محترفًا… اختفى قبل ما نقدر نلحقه.

 

قبض آدم على يده.

 

—هو مش عايز يقتلها.

 

نظر إليه الجميع.

 

أكمل:

 

—لو كان عايز يقتلها، كانت الرصاصة في مكان أخطر.

 

اقترب من سعاد.

 

—كان عايز يسكتها… قبل ما تقول الحقيقة.

 

فتحت سعاد عينيها بصعوبة.

 

أمسكت بيد آدم.

 

—اسمعني…

 

انحنى بجوارها.

 

—أنا هنا.

 

قالت بصوت ضعيف:

 

—لا تثق… في أي حد من العائلة.

 

نظر آدم إلى فؤاد.

 

كان واقفًا بصمت.

 

لأول مرة لم يكن لديه ابتسامة.

 

قالت سعاد:

 

—حتى أنا…

 

توقفت للحظة وهي تتألم.

 

—أنا خذلتك.

 

هز آدم رأسه.

 

—لا تتكلمي دلوقتي.

 

لكنها أمسكت بيده بقوة.

 

—لازم تعرف…

 

ثم نظرت إلى ندى.

 

—اللي حصل لياسمين… مش أول مرة.

 

اتسعت عينا ندى.

 

—يعني إيه؟

 

أغمضت سعاد عينيها للحظة.

 

ثم قالت:

 

—قبل اتناشر سنة… فؤاد حاول يخفي وجود الطفل.

 

نظر آدم إليها بصدمة.

 

—كان عارف؟

 

أومأت.

 

—كان عارف إن ندى حامل.

 

ساد الصمت.

 

ثم قالت سعاد:

 

—لكنه لم يكن يعرف أن الطفل سيعيش.

 

تجمد آدم.

 

نظر إلى ياسمين.

 

كانت تقف بجوار ندى، خائفة ولا تفهم شيئًا.

 

قال آدم:

 

—يعني حاول يأذيها وهي لسه جنين؟

 

لم تجب سعاد.

 

لكن صمتها كان كافيًا.

 

 

—

 

وصلت سيارة الإسعاف، وتم نقل سعاد إلى المستشفى.

 

وفي الطريق…

 

لم يتكلم أحد.

 

كان آدم يجلس بجوار النافذة.

 

كل ذكرياته القديمة بدأت تتغير.

 

اختفاؤه من حياة ندى…

 

زواجها…

 

ظهور ياسمين…

 

كل شيء كان بسبب حرب داخل عائلته.

 

 

—

 

بعد ساعات…

 

خرج الطبيب من غرفة العمليات.

 

وقف آدم فورًا.

 

—هي كويسة؟

 

قال الطبيب:

 

—الحمد لله، الإصابة كانت سطحية، لكن لازم ترتاح.

 

تنفس الجميع براحة.

 

لكن قبل أن يدخل آدم إليها…

 

وصلته رسالة على هاتفه.

 

رقم مجهول.

 

فتحها.

 

كانت صورة لملف جديد.

 

وتحتها جملة:

 

“لو عايز تعرف مين والد ياسمين الحقيقي… افتح الملف.”

 

تجمد.

 

نظر إلى ندى.

 

ثم إلى ياسمين.

 

فتح الملف.

 

ظهرت نتيجة تحليل DNA.

 

الاسم الأول:

 

آدم الشافعي.

 

الاسم الثاني:

 

ياسمين محمود منصور.

 

نسبة التطابق:

 

99.99%

 

لكن في أسفل الصفحة…

 

كان هناك توقيع الطبيب الذي أجرى التحليل.

 

والاسم جعل آدم يشعر ببرودة شديدة.

 

لأن الطبيب…

 

كان هو نفسه الرجل الذي أعلن وفاة محمود منصور قبل ستة أشهر.

 

رفع آدم رأسه ببطء.

 

وقال:

 

—محمود…

 

لم يمت فقط.

 

هو كان يعرف الحقيقة من البداية.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

وصلت رسالة أخرى:

 

“تعال لوحدك… لأن محمود ينتظرك.”

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *