زعيم أخطر عائلة حكايات ميراا

زعيم أخطر عائلة وجد سكرتيرته تبكي وحدها… لكن الاسم اللي ظهر على موبايلها خلاه يقفل الشركة كلها في لحظة

 

الساعة كانت 10:47 مساءً في ليلة خميس ممطرة، لما آدم الشافعي دخل مكتبه في الشركة، فلقى سكرتيرته مستخبية تحت المكتب، كاتمة صوت شهقاتها بإيد، وماسكة بإيدها التانية سوار مستشفى.

 

ماكنتش حاسة إنه دخل.

 

الدور الإداري في شركة الشافعي لوجيستكس كان بيكون فاضي بعد الساعة سبعة مساءً. وبحلول العشرة، ماكانش بيفضل غير عمال النظافة وفريق الحراسة الخاص بآدم.

 

رجع الشركة عشان يجيب عقد مهم نسيه قبل اجتماع نص الليل، وكان متوقع يلاقي هدوء تام…

 

لكن سمع صوت بنت بيهمس:

 

“أرجوك… بطل تتصل بيا.”

 

في نفس اللحظة…

 

الموبايل اهتز من جديد.

 

الاسم اللي ظهر على الشاشة كان:

 

كريم منصور.

 

أغلب الناس في القاهرة كانوا يعرفوا آدم الشافعي كرجل أعمال ناجح، مؤسس واحدة من أكبر شركات النقل والخدمات اللوجستية.

 

الصحف كانت بتوصفه بأنه هادئ، غامض، ومايعرفش الرحمة في الشغل.

 

لكن اللي في العالم التاني…

 

كانوا يعرفوا الحقيقة.

 

كانوا يعرفوا إن أبوه زمان كان زعيم واحدة من أخطر العائلات.

 

وإن آدم استلم الإمبراطورية وهو عنده 27 سنة، بعد ما أبوه اتقتل بالرصاص.

 

وخلال 12 سنة، قدر يهدم أغلب الأعمال القذرة، لكنه احتفظ بالقوة اللي تخلي أي عدو يفكر ألف مرة قبل ما يقرب منه.

 

رجالة كانت الشرطة نفسها بتخاف منهم…

 

كانوا بيوطوا صوتهم قدامه.

 

لكن في اللحظة دي…

 

كل ده ماكانش ليه أي معنى.

 

لأن البنت اللي مستخبية تحت مكتبه…

 

كانت مرعوبة من شخص هو حتى مايعرفوش.

 

قال بهدوء:

 

“مريم.”

 

جسمها انتفض بقوة.

 

رجعت لورا بسرعة وخبطت كتفها في الخشب.

 

وسوار المستشفى وقع من إيدها.

 

همست وهي مرتبكة:

 

“يا… يا فندم.”

 

كانت مريم عبدالسلام عندها 28 سنة، وبتشتغل سكرتيرة تنفيذية عنده من سنتين.

 

أهدى موظفة في الشركة.

 

كانت تعرف تهدي أي عميل غاضب.

 

وتنظم سفره في دقائق.

 

وتعدل مواعيده من غير ما يحس إنها بتأمره.

 

عمره ما سمعها عليت صوتها.

 

ولا شافها اتأخرت عن شغلها.

 

وبالتأكيد…

 

عمره ما شافها مستخبية تحت مكتب.

 

نزل آدم على ركبته، لكن وقف على مسافة منها، وساب إيديه ظاهرين قدامها.

 

وقال:

 

“مش هلمسك.”

 

كانت عينيها مورمتين من كتر العياط.

 

ومسحت دموعها بسرعة، كأنها بتحاول تمحي أي دليل إنها ضعفت.

 

قالت وهي بتحاول تبتسم:

 

“وقعت مني حلق.”

 

آدم بص على الأرض.

 

ماكانش فيه أي حلق.

 

في اللحظة دي…

 

الموبايل اهتز تاني.

 

كريم منصور.

 

وقدر يشوف جزء من الرسالة قبل ما تقلب الموبايل.

 

“مش هتقدري تمنعيني أشوف بنتي.”

 

مريم قلبت الموبايل بسرعة على وشه.

 

وقالت بصوت مكسور:

 

“آسفة… ماكانش ينفع أدخل مكتب حضرتك.”

 

رد بهدوء:

 

“دي مش المشكلة.”

 

قالت بسرعة:

 

“أنا كويسة.”

 

ابتسم آدم ابتسامة خفيفة.

 

طول عمره شاف ناس بتكدب.

 

شاف رجال أعمال بيكدبوا.

 

وشاف سياسيين بيكدبوا.

 

وشاف شركاء سرقوه وهم بيبصوا في عينيه.

 

لكن كذبة مريم…

 

ماكانتش عشان تخدعه.

 

كانت عشان تمنعه يتدخل.

 

انحنى والتقط سوار المستشفى.

 

وبص للاسم المكتوب عليه.

 

ليلى عبدالسلام.

 

العمر: أربع سنوات.

 

اتجمد مكانه.

 

وسألها:

 

“ليلى… بنتك؟”

 

كل القوة اللي كانت متمسكة بيها انهارت.

 

ضمت رجليها لصدرها.

 

وسندت راسها عليهم.

 

وبعد ثواني طويلة…

 

همست:

 

“أيوه.”

 

سنتين كاملين وهي شغالة معاه…

 

وعمرها ما قالت إنها أم.

 

كان يعرف إنها ساكنة في شقة بسيطة.

 

وإنها بتحب شاي النعناع لما تكون متوترة.

 

وإنها بتخاف من البرق.

 

وإنها كل سنة بتجيب ورد لموظفات الاستقبال في عيد ميلادهم.

 

لكن عمره…

 

ماعرف إن عندها بنت.

 

سألها:

 

“ليلى فين دلوقتي؟”

 

قالت:

 

“في مستشفى الأطفال.”

 

“جرالها إيه؟”

 

ردت بصوت متقطع:

 

“جاتلها أزمة ربو في الحضانة… والدكاترة دخلوها الملاحظة من امبارح.”

 

سألها:

 

“ليه مش معاها؟”

 

سكتت.

 

قبل ما ترد…

 

الموبايل اهتز تاني.

 

قالت وهي مكسورة:

 

“لأن كريم هناك.”

 

ثبت آدم نظره عليها.

 

“مين كريم؟”

 

همست:

 

“أبو ليلى.”

 

سألها:

 

“وإنتِ مستخبية هنا… عشان خايفة منه؟”

 

فضلت باصة للأرض.

 

قال بهدوء:

 

“ده سؤال… مش اتهام.”

 

قالت:

 

“قال لي لو رحت المستشفى… هياخدها مني.”

 

“يقدر؟”

 

هزت رأسها.

 

“لا… قانونيًا.”

 

الكلمة دي لوحدها…

 

قالت كل حاجة.

 

بدأت تحكي.

 

إنها كانت مع كريم ست سنين.

 

في الأول كان مثالي.

 

حنين.

 

بيفتكر كل مناسبة.

 

وكان أول واحد بكى لما ليلى اتولدت.

 

لكن بعد كده…

 

بقى يفتش موبايلها.

 

ويسألها بتكلمي مين.

 

ويطلب الباسوردات.

 

ويستناها تحت الشغل.

 

وبعدين…

 

مد إيده عليها.

 

مرة…

 

وبعدين مرة تانية…

 

لحد ما بطلت تعد.

 

سكت آدم.

 

زمان…

 

كان مجرد سماع قصة زي دي كفاية يخليه يختفي الراجل للأبد.

 

لكن أمه كانت علمته حاجة.

 

إن العنف…

 

مايعالجش العنف.

 

قال لها:

 

“ليه ماقولتيش لحد هنا؟”

 

قالت بابتسامة مرة:

 

“لأن ده أحسن شغل اشتغلته في حياتي… ولأن الناس اللي زيي ماينفعش تدخل مشاكلها للمكان ده.”

 

سألها:

 

“الناس اللي زيك؟”

 

قالت:

 

“أم مطلقة… عندها قضايا حضانة وأوامر منع تعرض.”

 

وأضافت:

 

“تعبت عشان أبقى إنسانة محدش يقلق بسببها.”

 

جلس آدم على الأرض قدامها.

 

وقال بهدوء:

 

“بصيلي يا مريم.”

 

رفعت عينيها بعد تردد.

 

قال:

 

“إنتِ مش مشكلة.”

 

هزت رأسها.

 

“حضرتك مش فاهم.”

 

قال:

 

“أنا فاهم إن بنت عندها أربع سنين في المستشفى… وأمها مستخبية تحت مكتبي لأنها حاسة إنها معندهاش مكان آمن.”

 

في اللحظة دي…

 

الموبايل نور من جديد.

 

الرسالة كانت أطول.

 

“أنا عارف إنك لسه في الشركة… قدامك 15 دقيقة، وبعدها هطلع لك بنفسي.”

 

مريم شحب وشها.

 

وقفت فجأة.

 

أما آدم…

 

فوقف بهدوء شديد.

 

وسألها:

 

“هو عرف إنك هنا إزاي؟”

 

همست وهي ترتجف:

 

“هو… دايمًا بيعرف.”

 

ضيق آدم عينيه.

 

وقال:

 

“هو معاه يحدد مكانك؟”

 

(أكيد كلكم متشوقين تعرفوا إيه اللي هيحصل… اكتبوا في التعليقات: “مُشَوِّق” لو عايزين الجزء الجاي!)

 

#حكايات_ميراا

 

🎀 لسه الحكاية مخلصتش.. عشان يوصلك باقي القصة لايك وكومنت وتابعوا الصفحه من هنا

ضغطت مريم على شفتيها، ثم همست:

 

“أيوه… زمان وأنا لسه معاه، ثبت برنامج على موبايلي وقال إنه عشان يحميني. بعد الطلاق نسيت أمسحه.”

 

مد آدم يده بهدوء.

 

“هاتي الموبايل.”

 

ناولته الجهاز وهي ترتعش.

 

فتح الإعدادات بسرعة، وبعد أقل من دقيقة لمح التطبيق المختبئ.

 

ابتسم ابتسامة باردة.

 

“مش نسيتي تمسحيه… هو مخليه مستخبي.”

 

رفع رأسه نحو باب المكتب، وضغط زرًا صغيرًا أسفل مكتبه.

 

بعد ثوانٍ فقط، دخل رئيس الأمن.

 

قال آدم بصوت هادئ لكنه لا يقبل النقاش:

 

“اقفلوا كل مداخل ومخارج الشركة.”

 

الرجل اتجمد.

 

“يا فندم… كلها؟”

 

رفع آدم عينيه نحوه.

 

“كلها.”

 

خلال أقل من دقيقة، انطلقت صفارات نظام التأمين.

 

الأبواب الزجاجية أُغلقت إلكترونيًا.

 

المصاعد توقفت عند الدور الأرضي.

 

وكل أفراد الأمن تلقوا رسالة واحدة:

 

إغلاق كامل للمبنى. لا يسمح لأي شخص بالدخول أو الخروج دون إذن مباشر من آدم الشافعي.

 

مريم نظرت إليه بصدمة.

 

“حضرتك… عملت ده عشاني؟”

 

رد بهدوء:

 

“عملته عشان فيه شخص بيهدد موظفة داخل شركتي.”

 

وفي نفس اللحظة…

 

رن جهاز اللاسلكي.

 

“يا فندم… فيه راجل برا بيحاول يدخل بالقوة.”

 

سأل آدم:

 

“اسمه؟”

 

جاء الرد:

 

“بيقول اسمه كريم منصور.”

 

نظرت مريم إلى الباب، وبهت لون وجهها.

 

همست:

 

“هو… هو جه.”

 

قال آدم:

 

“خليه بره.”

 

لكن صوت فرد الأمن عاد متوترًا:

 

“يا فندم… المشكلة إنه مش لوحده.”

 

“معاه مين؟”

 

ساد صمت قصير…

 

ثم قال الحارس بصوت مرتبك:

 

“معاه طفلة صغيرة لابسة هدوم مستشفى… وبيقول إنها بنته، ولو حضرتك ما خرجتش، هيخدها ويمشي.”

 

شهقت مريم بقوة.

 

“ليلى!”

 

شعرت أن قدميها لم تعودا تحملانها، فكادت تسقط، لكن آدم أمسك الكرسي بجوارها قبل أن ترتطم بالأرض.

 

انعقد حاجباه.

 

“هو خرجها من المستشفى؟”

 

دموع مريم نزلت بلا توقف.

 

“مستحيل… الدكتور قال لازم تفضل تحت الملاحظة.”

 

في تلك اللحظة، رن هاتف آدم الشخصي.

 

رقم غير مسجل.

 

رد بهدوء.

 

جاءه صوت رجل يضحك بسخرية:

 

“مساء الخير يا باشا… واضح إن سكرتيرتك نسيت تقولك إنها لسه مراتي في نظر بنتي.”

 

قال آدم ببرود:

 

“إنت كريم؟”

 

ضحك الرجل.

 

“أنا تحت الشركة… ومعايا ليلى. لو أمها منزلتش خلال خمس دقايق، هتمشي معايا، وساعتها محدش هيعرف يوصلها.”

 

ساد صمت ثقيل.

 

ثم قال آدم جملة واحدة جعلت كل من في غرفة الأمن يلتفت إليه:

 

“إنت ارتكبت أكبر غلطة في حياتك… لأنك استخدمت طفلة مريضة علشان تهدد أمها.”

 

وأغلق الخط.

 

ثم التفت إلى رئيس الأمن وقال:

 

“استدعوا الإسعاف فورًا… واتصلوا بمحامي الشركة.”

 

تردد الرجل وسأل:

 

“والشرطة يا فندم؟”

 

ابتسم آدم ابتسامة غامضة وقال:

 

“الشرطة جاية… لكن قبل ما توصل، أنا عايز أعرف حاجة واحدة.”

 

“إيه هي يا فندم؟”

 

نظر إلى شاشة كاميرات المراقبة، ثم ثبت عينيه على وجه كريم الواقف أمام البوابة.

 

وفجأة…

 

اختفت الابتسامة من وجهه تمامًا.

 

لأنه تعرف عليه.

 

همس بصوت لم يسمعه أحد:

 

“مستحيل…”

 

ثم اقترب أكثر من الشاشة، بينما اتسعت عيناه في صدمة.

 

“إزاي… بعد كل السنين دي؟!”

 

يتبع…ظل آدم يحدق في شاشة المراقبة كأنه رأى شبحًا.

اقترب رئيس الأمن وسأله:

“حضرتك تعرفه يا فندم؟”

لم يرد.

كل ما فعله أنه كبّر الصورة.

كانت ملامح كريم منصور أوضح الآن.

الندبة الصغيرة فوق حاجبه الأيسر…

ونفس الساعة المعدنية القديمة في معصمه.

أغمض آدم عينيه لثوانٍ.

ثم قال بصوت منخفض:

“كان سواق عند أبويا.”

ساد الصمت في غرفة المراقبة.

رفع الجميع رؤوسهم نحوه.

أكمل وهو لا يزال ينظر إلى الشاشة:

“اختفى من اتناشر سنة… يوم مقتل والدي.”

تسارعت أنفاس مريم.

“يعني… حضرتك تعرفه من زمان؟”

هز آدم رأسه ببطء.

“كنت فاكره مجرد موظف بسيط… لكن أبويا كان بيثق فيه بشكل غريب.”

في هذه اللحظة…

رن هاتف رئيس الأمن.

أغلق المكالمة سريعًا وقال:

“يا فندم… المستشفى بلغت إن الطفلة خرجت من غير تصريح.”

التفتت مريم إليه بفزع.

“إزاي؟!”

أجاب الرجل:

“اللي استلمها قدم صورة من شهادة الميلاد، وقال إنه والدها، واستغل الزحمة.”

وضعت مريم يدها على فمها وهي تبكي.

“ليلى كانت لسه بتتنفس بالأكسجين…”

قبض آدم على يده بقوة حتى برزت عروقها.

ثم قال:

“هاتولي العربية.”

رد رئيس الأمن:

“جاهزة.”

قال بلهجة حاسمة:

“لا.”

نظر إليه الجميع باستغراب.

وأضاف:

“هو مش هيخرج من هنا.”

وفي اللحظة نفسها…

ظهر كريم على إحدى الكاميرات وهو يحمل ليلى بين ذراعيه.

كانت الطفلة نائمة.

لكن قناع الأكسجين لم يكن على وجهها.

صرخت مريم:

“بنتي!”

اندفعت ناحية الباب.

لكن آدم أمسك بذراعها برفق.

“لو نزلتي دلوقتي هتعملي اللي هو عايزه.”

انهارت وهي تبكي.

“أنا مش عايزة غير أشوفها.”

نظر إليها بثبات.

“وهتشوفيها.”

ثم ضغط زر الاتصال الداخلي.

“افتحولي الكاميرا رقم سبعة.”

ظهرت زاوية جديدة.

كريم كان يتحدث مع شخص يقف بجواره داخل سيارة سوداء.

كبر آدم الصورة.

تجمدت ملامحه مرة أخرى.

“مين ده؟”

سأل رئيس الأمن.

رد آدم بصوت خافت:

“المحامي.”

“محامي مين؟”

قال:

“المحامي اللي دافع عن قاتل أبويا.”

ساد الصمت.

إذا كان كريم والمحامي معًا…

فالموضوع لم يعد مجرد نزاع حضانة.

كان هناك شيء أكبر بكثير.

رن هاتف كريم.

رد وهو يبتسم.

ثم رفع رأسه فجأة ونظر مباشرة إلى كاميرا الشركة، كأنه يعرف أنهم يراقبونه.

ورفع بيده ظرفًا بنيًا.

وأشار به نحو الكاميرا.

ثم أخرج ورقة منه…

وكتب عليها بقلم أسود ثلاث كلمات فقط:

“الحقيقة عندي أنا.”

اتسعت عينا آدم.

لأنه عرف هذا الظرف.

كان نفس نوع الأظرف التي كان والده يحتفظ فيها بالمستندات السرية.

همس لنفسه:

“مستحيل يكون لسه محتفظ بيها…”

وفي اللحظة التالية…

اهتز هاتف آدم برسالة مجهولة.

فتحها بسرعة.

فوجد صورة قديمة التُقطت قبل اثني عشر عامًا.

الصورة كانت لوالده…

وبجواره رجلان.

أحدهما كريم.

أما الآخر…

فكان شخصًا لم يتوقع آدم أن يراه في حياته بهذه الصورة.

إنه عمه جلال… الذي ظل طوال اثني عشر عامًا يقسم أنه لم يقابل كريم ولو مرة واحدة.

انقبض قلب آدم.

وأدرك أن مقتل والده…

قد يكون سببه خيانة من داخل العائلة نفسها.

يتبع…اتجمد آدم وهو بيبص للصورة.

كان عمه جلال طول السنين دي بيحلف إن كريم مجرد سواق اختفى بعد حادثة مقتل والده، وإنه عمره ما كانت بينهم أي علاقة.

لكن الصورة كانت بتقول العكس.

وقبل ما حد ينطق…

وصلت رسالة تانية من نفس الرقم.

“لو عايز تعرف مين قتل أبوك بجد… انزل لوحدك.”

قبض آدم على الموبايل بقوة.

مريم كانت بتبكي وهي عينيها على شاشة الكاميرا.

“ليلى… رجعولي بنتي.”

رفع آدم رأسه وقال لرئيس الأمن:

“هاتلي ملف كريم منصور بالكامل… من أول يوم اشتغل فيه مع والدي.”

رد الرجل بسرعة:

“حالًا يا فندم.”

بعد أقل من دقيقتين، وصل الملف الإلكتروني.

فتحه آدم بسرعة.

كل حاجة كانت طبيعية…

عنوانه القديم.

رقم بطاقته.

عقد تعيينه.

لكن آخر صفحة كانت ناقصة.

مكانها مكتوب:

“تم حذفها بأمر من الإدارة السابقة.”

عقد آدم حاجبيه.

“مين من الإدارة السابقة؟”

رد مسؤول الموارد البشرية عبر الهاتف:

“الطلب كان بتوقيع الأستاذ جلال الشافعي.”

ساد الصمت.

بدأت الصورة تكتمل.

في الخارج…

كان كريم ما زال واقفًا يحمل ليلى.

لكن الطفلة بدأت تسعل بقوة.

وسقطت لعبة صغيرة من يدها على الأرض.

شهقت مريم.

“دي لعبتها المفضلة… معناها إنها صاحية.”

اقترب آدم من شاشة المراقبة أكثر.

لاحظ أن كريم لا يحاول تهدئتها.

بل كان ينظر إلى ساعته كل عدة ثوانٍ، وكأنه ينتظر شخصًا.

قال لرئيس الأمن:

“كبرلي الكاميرا على آخر الشارع.”

ظهرت سيارة سوداء تقترب ببطء.

لا تحمل أي لوحات معدنية.

توقفت على بعد أمتار.

ونزل منها ثلاثة رجال.

لم يتجهوا نحو بوابة الشركة…

بل وقفوا يراقبون المكان فقط.

قال رئيس الأمن بقلق:

“شكلهم مش تبع الشرطة.”

أجاب آدم بهدوء:

“ولا تبع كريم.”

“عرفت منين؟”

ابتسم ابتسامة خفيفة.

“لأن كريم أول ما شافهم… اتوتر.”

وفعلًا…

التقطت الكاميرا كريم وهو يتراجع خطوة للخلف ويضم ليلى إلى صدره بخوف.

همس آدم:

“إذن… هو كمان بيهرب من حد.”

رن هاتف كريم.

رد بسرعة، وما إن سمع الصوت حتى شحب وجهه.

صرخ فجأة:

“قلتلكم البنت مش معايا عشان الفلوس!”

وصل الصوت ضعيفًا إلى ميكروفون كاميرا البوابة.

ثم أغلق الخط وهو يرتجف.

نظر آدم إلى مريم وقال:

“واضح إن كريم مش اللاعب الكبير… حد بيحركه.”

وقبل أن يكمل كلامه…

انطلقت رصاصة.

تحطم زجاج البوابة الخارجية.

واختبأ أفراد الأمن فورًا.

صرخت مريم.

أما كريم…

فألقى بنفسه على الأرض وهو يحاول حماية ليلى بجسده.

صرخ رئيس الأمن:

“قناص!”

اقترب آدم من الزجاج دون خوف.

ثم قال بهدوء غريب:

“دلوقتي بس فهمت…”

نظر إليه الجميع.

فقال:

“الليلة دي عمرها ما كانت عن حضانة ليلى.”

ثم أشار إلى الرجال الثلاثة الواقفين بجوار السيارة السوداء.

وأضاف:

“الهدف الحقيقي… هو أنا.”

وفي اللحظة نفسها…

رن هاتف آدم مرة أخرى.

فتح الخط.

فجاءه صوت رجل مسن لم يسمعه منذ اثني عشر عامًا:

“مساء الخير يا آدم… وحشتني.”

اتسعت عينا آدم.

كان يعرف هذا الصوت جيدًا.

همس بصدمة:

“أنت… مستحيل…!”

جاءه الرد البارد:

“فاكر لما دفنت أبوك؟… كنت واقف بعيد وبشوف كل حاجة.”

وانقطع الخط.

وقف آدم مكانه، وقلبه يخفق بقوة.

لأن صاحب هذا الصوت…

كان الرجل الذي أعلنت الشرطة رسميًا أنه مات قبل اثني عشر عامًا.

يتبع…ظل آدم ممسكًا بالهاتف، وكأن الزمن توقف.

 

الصوت…

 

لم يكن يمكن أن يخطئه.

 

كان صوت فؤاد السيوفي.

 

الرجل الذي سجّلت الشرطة وفاته رسميًا قبل اثني عشر عامًا، بعد أسبوع من اغتيال والده.

 

وهو الرجل الذي قيل إنه العقل المدبر لكل ما حدث.

 

نظر رئيس الأمن إلى وجه آدم الشاحب وسأله:

 

“حضرتك تعرف مين؟”

 

أخذ آدم نفسًا عميقًا، ثم قال:

 

“لو الصوت ده حقيقي… يبقى حد كذب علينا طول السنين دي.”

 

في الخارج…

 

كانت ليلى تسعل بقوة بين ذراعي كريم.

 

وفجأة…

 

خلع كريم جاكته، ولفه حول الطفلة ليحميها من المطر.

 

راقبه آدم في صمت.

 

همس:

 

“الراجل اللي بيستخدم بنته للضغط على أمها… مش هيجازف يحميها بالشكل ده.”

 

التفتت إليه مريم بسرعة.

 

“يعني إيه؟”

 

أجاب:

 

“يعني في حد أكبر منه… وهو مرعوب زيه زيك.”

 

وفي تلك اللحظة…

 

رفع كريم يده فجأة.

 

لا ليستسلم…

 

بل أشار نحو سطح المبنى المقابل.

 

صرخ:

 

“فوق!”

 

قبل أن يستوعب أحد…

 

انطلقت رصاصة ثانية.

 

لكنها هذه المرة…

 

لم تصب أحدًا.

 

بل أصابت أحد الرجال الثلاثة الذين نزلوا من السيارة السوداء.

 

سقط الرجل أرضًا.

 

أما الآخران…

 

فقفزا داخل السيارة وهربا بأقصى سرعة.

 

نظر آدم إلى رئيس الأمن.

 

“هاتلي فريق القناصة… عايز أعرف الطلقة جاية منين.”

 

رد الرجل:

 

“تم.”

 

في هذه الأثناء…

 

استغل كريم الفوضى، وركض ناحية بوابة الشركة وهو يحمل ليلى.

 

صرخ أفراد الأمن:

 

“قف مكانك!”

 

لكن كريم لم يتوقف.

 

ولما اقترب من البوابة…

 

ركع على ركبتيه، ووضع ليلى برفق على الأرض، ثم رفع يديه عاليًا.

 

صرخ بأعلى صوته:

 

“خدوا البنت… بسرعة!”

 

فتح رجال الأمن البوابة بحذر.

 

اندفع اثنان منهم وأحضرا ليلى إلى الداخل.

 

أما كريم…

 

فلم يتحرك.

 

ظل رافعًا يديه.

 

وهو يصرخ:

 

“أنا مش جاي أخطفها… أنا جاي أنقذها!”

 

وصلت مريم إلى ابنتها وهي تبكي.

 

احتضنتها بقوة.

 

كانت ليلى تتنفس بصعوبة، لكنها ما زالت واعية.

 

فتحت عينيها بصعوبة وهمست:

 

“ماما…”

 

انهارت مريم تمامًا.

 

أما آدم…

 

فاتجه نحو كريم مباشرة.

 

وقف أمامه.

 

وسأله بهدوء:

 

“مين اللي باعتك؟”

 

أغمض كريم عينيه.

 

وقال:

 

“لو قلتلك… هموت.”

 

رد آدم:

 

“ولو ما قلتليش؟”

 

ابتسم كريم ابتسامة حزينة.

 

“هموت برضه.”

 

ثم أخرج من جيبه فلاشة صغيرة.

 

ووضعها في يد آدم.

 

“كل الحقيقة عليها.”

 

“إيه اللي فيها؟”

 

نظر كريم حوله بخوف.

 

ثم همس:

 

“فيديو اغتيال أبوك… كامل.”

 

اتسعت عينا آدم.

 

قبل أن يسأله أي سؤال آخر…

 

دوّى صوت طلقة ثالثة.

 

لكن هذه المرة…

 

لم تخطئ هدفها.

 

اهتز جسد كريم بعنف.

 

وسقط على الأرض أمام قدمي آدم.

 

صرخت مريم.

 

وركض رجال الأمن في كل الاتجاهات.

 

انحنى آدم بسرعة.

 

كانت الرصاصة قد أصابت كريم في صدره.

 

أمسك كريم بيد آدم بصعوبة.

 

وكان الدم يخرج من فمه.

 

همس بكلمات متقطعة:

 

“اوعى… تثق… في…”

 

حاول أن يكمل.

 

لكن أنفاسه انقطعت للحظة.

 

اقترب آدم أكثر.

 

“في مين؟!”

 

فتح كريم عينيه للمرة الأخيرة…

 

وأشار بإصبعه المرتعش نحو شخص يقف داخل ساحة الشركة.

 

شخص كان موجودًا منذ بداية الأزمة…

 

ولم يشك فيه أحد.

 

نظر آدم في اتجاه إصبعه.

 

وتجمد مكانه.

 

لأن كريم كان يشير إلى…

 

رئيس الأمن الخاص بآدم.

 

يتبع…تجمد آدم في مكانه.

 

نظر إلى كريم…

 

ثم إلى رئيس الأمن.

 

ولأول مرة منذ سنوات، شعر أن الأرض تهتز تحت قدميه.

 

رئيس الأمن، اللواء المتقاعد حسام، كان يعمل معه منذ ثماني سنوات.

 

الرجل الذي أنقذ حياته أكثر من مرة.

 

والذي كان يعتبره أقرب شخص إليه بعد وفاة والده.

 

قال حسام باستغراب:

 

“فيه إيه يا فندم؟”

 

لكن آدم لم يُجب.

 

ظل ينظر إلى إصبع كريم الممدود نحوه.

 

وبعد ثوانٍ…

 

سقطت يد كريم على الأرض بلا حراك.

 

وصل المسعفون، لكن الطبيب اكتفى بهز رأسه.

 

“البقاء لله…”

 

أغمض آدم عينيه للحظة.

 

ثم قال بصوت هادئ:

 

“محدش يخرج من الشركة.”

 

التفت الجميع إليه.

 

وأضاف:

 

“أي حد… مهما كان منصبه.”

 

نظر حسام إليه وقال:

 

“حتى أنا؟”

 

رفع آدم عينيه إليه.

 

“خصوصًا إنت.”

 

ساد صمت ثقيل.

 

لكن حسام لم يعترض.

 

بل أخرج مسد\سه، وفرغه من الطلقات، ووضعه على الأرض بنفسه.

 

وقال:

 

“لو حضرتك شاكك فيا… أنا أول واحد هيتفتش.”

 

راقب آدم تصرفه دون أن يتكلم.

 

في هذه الأثناء…

 

كانت مريم تحتضن ليلى داخل سيارة الإسعاف.

 

الطبيب وضع لها قناع أكسجين جديد، وبعد دقائق بدأ لون وجهها يتحسن.

 

تنفست مريم الصعداء لأول مرة منذ يومين.

 

لكنها فجأة تذكرت شيئًا.

 

صرخت من داخل الإسعاف:

 

“آدم باشا!”

 

التفت إليها.

 

قالت وهي تخرج ورقة مطوية من حقيبة ليلى الصغيرة.

 

“دي كانت في شنطة بنتي… مش بتاعتي.”

 

أخذها آدم بسرعة.

 

كانت مظروفًا أبيض صغيرًا.

 

فتحها بحذر.

 

فوجد بداخلها مفتاحًا معدنيًا قديمًا.

 

ومعه ورقة مكتوب عليها بخط اليد:

 

“خزنة رقم 17… بنك النيل. كلمة السر: عيد ميلاد آدم.”

 

انعقد حاجباه.

 

“مين حط ده مع ليلى؟”

 

همست مريم:

 

“أنا أول مرة أشوفه.”

 

وقبل أن يجيب…

 

تذكر شيئًا مهمًا.

 

الفلاشة!

 

أخرجها من جيبه بسرعة.

 

وأمر بإحضار جهاز كمبيوتر محمول.

 

بعد ثوانٍ…

 

اشتغل أول ملف.

 

ظهر تاريخ التسجيل.

 

14 سبتمبر… قبل 12 سنة.

 

بدأ الفيديو.

 

الكاميرا كانت تهتز.

 

واضح أن شخصًا كان يصور في السر.

 

ظهر والد آدم وهو يدخل إلى مخزن قديم.

 

وبعد لحظات…

 

دخل عمه جلال.

 

وبدأ بينهما نقاش حاد.

 

ثم…

 

دخل شخص ثالث.

 

لكن وجهه لم يظهر بوضوح.

 

فجأة دوى صوت رصاص.

 

وسقط والد آدم على الأرض.

 

شهقت مريم.

 

أما آدم…

 

فلم يتحرك.

 

كان يحدق في الشاشة فقط.

 

وقبل أن يظهر وجه القاتل بثانية واحدة…

 

انقطع الفيديو.

 

ظهرت شاشة سوداء.

 

ثم رسالة واحدة:

 

“إذا كنت تشاهد هذا… فاعرف أن الجزء الثاني موجود داخل خزنة رقم 17.”

 

ساد الصمت.

 

رفع آدم رأسه ببطء.

 

ثم قال:

 

“هنروح البنك أول ما يفتح.”

 

لكن قبل أن يغلق الكمبيوتر…

 

اشتغل ملف صوتي تلقائيًا.

 

كان صوت كريم.

 

> “يا آدم… لو وصلت للمرحلة دي، يبقى أنا غالبًا مت. افتكر حاجة واحدة… الشخص اللي خان أبوك ماكانش واحد… كانوا اتنين.”

 

 

 

ثم توقف التسجيل.

 

نظر آدم إلى الشاشة في ذهول.

 

إذا كان جلال هو الأول…

 

فمن هو الثاني؟

 

وفي نفس اللحظة…

 

رن هاتف حسام، رئيس الأمن.

 

نظر إلى الشاشة، فاختفى لون وجهه.

 

لاحظ آدم ذلك فورًا.

 

مد يده وقال بهدوء:

 

“هات الموبايل.”

 

تردد حسام للحظة…

 

ثم سلّمه الهاتف.

 

نظر آدم إلى الشاشة…

 

واتسعت عيناه.

 

اسم المتصل كان:

 

“العم جلال.”

 

يتبع…أخذ آدم الهاتف من يد حسام دون أن ينطق.

 

ظل اسم “العم جلال” يضيء الشاشة.

 

نظر إلى حسام وقال بهدوء:

 

“رد.”

 

ابتلع حسام ريقه.

 

وضغط زر الإجابة ووضع الهاتف على مكبر الصوت.

 

جاء صوت جلال هادئًا بشكل أثار القشعريرة:

 

“خلصتوا؟”

 

لم يرد أحد.

 

كرر جلال:

 

“كريم مات؟”

 

تبادل آدم وحسام النظرات.

 

ثم أشار آدم لحسام أن يجيب.

 

قال حسام بصوت ثابت:

 

“أيوه.”

 

ساد صمت لثوانٍ.

 

ثم قال جلال:

 

“كويس… يبقى محدش هيوصل للخزنة.”

 

في تلك اللحظة، تكلم آدم لأول مرة:

 

“متأخر يا عمي.”

 

سكت جلال فجأة.

 

ثم قال ببطء:

 

“…آدم.”

 

أجاب آدم ببرود:

 

“أنا معايا المفتاح.”

 

انقطع النفس من الطرف الآخر.

 

ثم أغلق جلال الخط دون كلمة واحدة.

 

ابتسم آدم ابتسامة خفيفة.

 

وقال:

 

“دلوقتي عرفت إنه فعلًا خايف من اللي جوه الخزنة.”

 

لكن قبل أن يكمل…

 

وصل إشعار على هاتف الشركة.

 

أحد أفراد الأمن صرخ:

 

“يا فندم… فيه حريق!”

 

التفت الجميع ناحية شاشة المراقبة.

 

الكاميرا التي تعرض غرفة الأرشيف امتلأت بالدخان الأسود.

 

ركض رجال الإطفاء الداخلي بسرعة.

 

لكن آدم قال جملة واحدة:

 

“مش الأرشيف هو الهدف.”

 

نظر إليه حسام.

 

“أمال إيه؟”

 

قال:

 

“سيرفرات الشركة.”

 

وانطلق بأقصى سرعة نحو غرفة الخوادم.

 

وصلوا بعد أقل من دقيقة.

 

وجدوا الباب مفتوحًا.

 

وفي الداخل…

 

كل الأجهزة تعمل.

 

لكن شخصًا كان قد سبقهم.

 

على المكتب كان يوجد لابتوب مفتوح.

 

وفوق لوحة المفاتيح…

 

مظروف صغير.

 

فتح آدم المظروف.

 

فوجد ورقة مكتوبًا عليها:

 

“لو وصلت هنا… يبقى أنا عارف كل خطوة هتعملها.”

 

وتحتها توقيع واحد فقط:

 

جلال الشافعي.

 

لكن الغريب…

 

أن الورقة كانت لا تزال دافئة، وكأن من وضعها غادر قبل لحظات فقط.

 

رفع آدم رأسه ببطء.

 

ونظر إلى كاميرات الغرفة.

 

كلها كانت مطفأة.

 

قال بصوت منخفض:

 

“هو كان هنا…”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

رن هاتف مريم.

 

نظرت إلى الرقم، ثم شهقت.

 

“ده… ده رقم ليلى!”

 

قال آدم باستغراب:

 

“إزاي؟”

 

ردت وهي ترتجف:

 

“التليفون ضاع منها من سنة.”

 

ضغطت على زر الرد.

 

جاء صوت طفلة صغيرة، بالكاد تسمع:

 

“ماما… متروحيش البنك.”

 

اتسعت عينا مريم.

 

“ليلى؟! إنتِ معايا في الإسعاف!”

 

لكن الصوت أكمل:

 

“لو رحتوا… هتموتوا.”

 

ثم انقطع الاتصال.

 

نظر الجميع إلى ليلى النائمة داخل الإسعاف.

 

كانت لم تستيقظ أصلًا.

 

أما الهاتف…

 

فكان قد جاء من جهاز يحمل رقمها القديم، الذي اختفى قبل عام.

 

رفع آدم عينيه إلى مريم وقال:

 

“واضح إن اللعبة بدأت قبل ما نعرفها بسنة…”

 

يتبع…نظر آدم إلى شاشة الهاتف مرة أخرى.

 

رقم ليلى اختفى.

 

حاول الاتصال به…

 

فجاءه الرد الآلي:

 

“هذا الرقم غير موجود في الخدمة.”

 

قال حسام باستغراب:

 

“إزاي مكالمة تيجي من رقم مش موجود؟”

 

لكن آدم لم يهتم بالسؤال.

 

التفت إلى مريم.

 

“من سنة بالظبط… إيه اللي حصل يوم ما الموبايل اختفى؟”

 

أغلقت مريم عينيها وهي تحاول تتذكر.

 

ثم قالت ببطء:

 

“كان يوم جلسة الحضانة.”

 

“كملي.”

 

“كريم طلب يشوف ليلى ساعة واحدة… وافقت. ولما رجعت، قالت إن الموبايل وقع منها في الجنينة.”

 

سألها آدم:

 

“دورتي عليه؟”

 

هزت رأسها.

 

“أنا وكريم دورنا كتير… وملقيناهوش.”

 

ساد الصمت.

 

ثم قال آدم:

 

“لا… هو ما ضاعش.”

 

نظرت إليه مريم.

 

“أمال؟”

 

قال بثقة:

 

“اتبدل.”

 

اتسعت عيناها.

 

“يعني إيه؟”

 

أخرج آدم صورة قديمة كانت لا تزال على شاشة اللابتوب.

 

وكبّرها.

 

كانت صورة التقطتها كاميرات المحكمة يوم جلسة الحضانة.

 

وأشار إلى رجل يقف بعيدًا وهو يرتدي قبعة سوداء.

 

وقال:

 

“ده نفس الراجل اللي ظهر النهارده قدام الشركة.”

 

اقترب حسام من الشاشة.

 

“فعلاً… نفس البنية.”

 

تنهد آدم.

 

“يعني من سنة، كان حد بيراقبكم.”

 

في تلك اللحظة…

 

دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا.

 

“يا فندم… لقينا حاجة في عربية كريم.”

 

“إيه هي؟”

 

سلّمه حقيبة جلدية صغيرة.

 

فتحها آدم بحذر.

 

لم يجد فيها أموالًا…

 

ولا سل\احًا.

 

وجد فقط ملفًا طبيًا باسم:

 

ليلى كريم منصور.

 

انعقد حاجباه.

 

ناول الملف لمريم.

 

فتحت أول صفحة…

 

وشحب وجهها.

 

همست:

 

“مستحيل…”

 

أخذ آدم الملف منها.

 

كان مكتوبًا في تقرير تحليل الحمض النووي:

 

الأب البيولوجي: غير مطابق لعينة كريم منصور.

 

نظر آدم إلى مريم.

 

“إنتِ كنتِ تعرفي؟”

 

هزت رأسها بعنف.

 

“والله أول مرة أشوف التحليل ده.”

 

جلس آدم ببطء على الكرسي.

 

إذا كان كريم ليس الأب البيولوجي…

 

فلماذا كان مستعدًا يموت وهو يحاول يحمي ليلى؟

 

ولماذا كان جلال يريد الوصول إليها بأي ثمن؟

 

وقبل أن ينطق أحد…

 

سقط من داخل الملف ظرف صغير لم ينتبه له أحد.

 

فتح آدم الظرف.

 

وجد بداخله صورة قديمة لمولودة رضيعة داخل الحضانة.

 

خلف الصورة، بخط يد الطبيب:

 

“تم تبديل الأساور بطلب من شخص نافذ… الساعة 3:17 فجرًا.”

 

تجمدت مريم.

 

“يعني… إيه تبديل الأساور؟”

 

نظر آدم إلى الصورة مرة أخرى.

 

ثم قال بصوت منخفض:

 

“يعني احتمال…”

 

توقف قبل أن يكمل.

 

همست مريم وهي ترتعش:

 

“لا… مستحيل…”

 

رفع آدم عينيه إليها وقال:

 

“احتمال ليلى… ما تكونش بنتك البيولوجية.”

 

سقط الملف من يد مريم.

 

وشعرت أن العالم كله يدور حولها.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

رن هاتف آدم.

 

جاءته رسالة قصيرة من رقم مجهول:

 

“لو عايز تعرف فين بنت مريم الحقيقية… قابلني قبل شروق الشمس.”

 

يتبع…تجمدت مريم وهي تحدق في الرسالة.

 

ثم هزت رأسها بعنف.

 

“لأ… لأ… مستحيل. أنا اللي ربيتها من يوم ما اتولدت. دي بنتي.”

 

اقترب منها آدم وقال بهدوء:

 

“اسمعيني… حتى لو كانت فيه أسرار حوالين يوم الولادة، ده ما يغيرش حقيقة واحدة.”

 

نظرت إليه بعينين دامعتين.

 

قال:

 

“إنتِ أمها… لأنها كبرت في حضنك.”

 

انفجرت مريم في البكاء، وهي تضم ليلى بقوة.

 

أما آدم، فأعاد قراءة الرسالة أكثر من مرة.

 

شيء فيها لم يعجبه.

 

كتبها شخص يعرف تفاصيل كثيرة…

 

لكنها بدت وكأنها مصممة لاستدراجه.

 

التفت إلى حسام.

 

“جهز العربية.”

 

رد حسام:

 

“هنروح للمكان اللي بعت الرسالة؟”

 

هز آدم رأسه.

 

“لأ.”

 

نظر إليه الجميع باستغراب.

 

وأضاف:

 

“اللي بعتها عايزنا نجري وراه. وإحنا مش هنعمله اللي هو عايزه.”

 

ثم أمسك الفلاشة مرة أخرى.

 

“لسه فيها ملفات ما فتحناهاش.”

 

وصلوا إلى غرفة الاجتماعات، وشغل آدم باقي محتويات الفلاشة.

 

كانت معظمها مستندات ممسوحة ضوئيًا.

 

عقود.

 

إيصالات.

 

تحويلات مالية.

 

ثم ظهر ملف بعنوان:

 

“وصية ريكاردو.”

 

فتحه بسرعة.

 

لم يكن فيديو…

 

بل تسجيلًا صوتيًا.

 

وانطلق صوت والده للمرة الأولى منذ اثني عشر عامًا.

 

> “يا آدم… لو بتسمعني، يبقى أنا فشلت أحميك. اسمعني كويس… متصدقش أي حد، حتى لو كان من دمي.”

 

 

 

انقبض قلب آدم.

 

وأكمل التسجيل:

 

> “العدو الحقيقي عمره ما كان خارج العيلة… كان وسطنا.”

 

 

 

ساد الصمت في الغرفة.

 

ثم تابع الصوت:

 

> “ولو في يوم لقيت طفلة اسمها ليلى مرتبطة بالقض\ية… احمِها مهما كان الثمن.”

 

 

 

شهقت مريم.

 

نظر آدم إليها ببطء.

 

كان اسم ليلى قد ذُكر في تسجيل سُجل قبل اثني عشر عامًا…

 

بينما ليلى لم يكن عمرها يتجاوز أربع سنوات.

 

همس حسام:

 

“إزاي؟”

 

توقفت الكلمات داخل الغرفة.

 

ثم أدرك آدم الحقيقة.

 

“يبقى فيه ليلى تانية.”

 

نظر الجميع إليه.

 

قال وهو يعيد تشغيل المقطع:

 

“أبويا ما كانش يقصد بنت مريم… كان بيتكلم عن شخص تاني بنفس الاسم.”

 

وفجأة…

 

رن هاتف آدم.

 

هذه المرة كان المتصل معروفًا.

 

العم جلال.

 

رد آدم فورًا.

 

جاءه صوت جلال مرتبكًا على غير عادته:

 

“اسمعني كويس… متروحش للخزنة.”

 

ابتسم آدم.

 

“خايف عليها؟”

 

صرخ جلال:

 

“أنا مش خايف على الخزنة… أنا خايف عليك!”

 

وقبل أن يشرح…

 

دوّى انفجار هائل هز أرجاء الشركة.

 

اهتزت النوافذ.

 

وانطفأت الأنوار.

 

وتصاعد الدخان من الطابق الأرضي.

 

صرخ أحد أفراد الأمن عبر اللاسلكي:

 

“يا فندم… عربية حضرتك… انفجرت!”

 

تبادل آدم ومريم النظرات.

 

ثم أدركا معًا حقيقة مرعبة.

 

لو كانا قد غادرا الشركة فور وصول الرسالة…

 

لكانا الآن داخل تلك السيارة.

 

يتبع…اهتز المبنى كله من قوة الانفجار.

 

هرع أفراد الأمن إلى الخارج، بينما انطلقت أنظمة الإطفاء تلقائيًا.

 

وقف آدم أمام النافذة، ينظر إلى سيارته التي تحولت إلى كتلة من اللهب.

 

قال حسام بصوت منخفض:

 

“اللي زرع القنبلة كان متأكد إنك هتنزل.”

 

أجاب آدم وهو يراقب ألسنة النار:

 

“وده يثبت إن الرسالة كانت طُعم.”

 

في هذه اللحظة، دخل خبير المفرقعات مسرعًا.

 

قال:

 

“يا فندم… القنبلة اتفجرت بمجرد تشغيل المحرك، مش بالوقت.”

 

عقد آدم حاجبيه.

 

“يعني اللي ركبها كان عارف إن العربية هتتحرك الليلة.”

 

ثم التفت إلى حسام.

 

“آخر مرة العربية كانت فين؟”

 

رد حسام:

 

“في جراج الشركة… من الساعة خمسة العصر.”

 

صمت آدم للحظة.

 

ثم قال:

 

“يبقى اللي عمل كده دخل الجراج من غير ما حد يشك فيه.”

 

طلب فورًا تسجيلات كاميرات الجراج.

 

مرت الدقائق بطيئة، حتى ظهرت اللقطات.

 

في الساعة السادسة واثنتي عشرة دقيقة مساءً…

 

دخل عامل نظافة يدفع عربة كبيرة مليئة بأكياس القمامة.

 

اقترب من سيارة آدم.

 

اختفى خلفها أقل من دقيقة.

 

ثم خرج ودفع العربة وغادر.

 

قال حسام:

 

“هنجيبه حالًا.”

 

لكن آدم هز رأسه.

 

“كبر الصورة.”

 

كبروا اللقطة.

 

واتسعت عينا آدم.

 

“ده مش عامل نظافة.”

 

خلع الرجل قبعته للحظة وهو يمر أمام الكاميرا.

 

كان…

 

المحامي الذي ظهر مع كريم خارج الشركة.

 

في تلك اللحظة، رن هاتف مريم.

 

كانت المستشفى.

 

ردت بسرعة.

 

جاءها صوت الطبيبة:

 

“مدام مريم، فيه حاجة غريبة.”

 

تسارعت أنفاسها.

 

“خير؟”

 

قالت الطبيبة:

 

“حلل ليلى القديمة اختفت من الأرشيف الإلكتروني… وكل النسخ الورقية كمان.”

 

أغلق آدم الهاتف من مكبر الصوت وقال:

 

“واضح إن حد بيمسح كل دليل يخصها.”

 

وقبل أن يتكلم أحد…

 

دخل موظف الاستقبال وهو يلهث.

 

“يا فندم… فيه ست كبيرة برة.”

 

“مين؟”

 

“رافضة تقول اسمها… لكن بتقول إنها لازم تشوف مدام مريم حالًا.”

 

نظر آدم إلى حسام.

 

“فتشوها الأول.”

 

بعد دقائق، دخلت سيدة في أواخر الستينيات.

 

كانت ملابسها مبللة من المطر، ووجهها شاحبًا.

 

ما إن رأت مريم…

 

حتى بدأت تبكي.

 

وقالت بصوت مرتجف:

 

“سامحيني… فضلت ساكتة عشر سنين.”

 

عقدت مريم حاجبيها.

 

“حضرتك مين؟”

 

أجابت وهي تمد بطاقة قديمة:

 

“أنا سعاد… الممرضة اللي كانت موجودة يوم ولادة ليلى.”

 

شحب وجه آدم.

 

جلس الجميع في صمت.

 

أخرجت سعاد صورة قديمة من حقيبتها.

 

وضعتها على الطاولة.

 

كانت صورة لغرفة الحضّانات.

 

وأشارت إلى طفلتين متجاورتين.

 

ثم قالت الجملة التي قلبت كل شيء:

 

“أنا اللي شفت تبديل الأساور… لكن اللي اتبدلت… ما كانتش ليلى.”

 

ساد صمت ثقيل.

 

حدق آدم في الصورة.

 

وسألها ببطء:

 

“أمال… مين الطفلة اللي اتبدلت؟”

 

ابتلعت سعاد ريقها، ثم قالت:

 

“بنت رجل أعمال كبير… وكانت العملية كلها عشان يحموها من ناس كانوا عايزين يقتلوها.”

 

نظر آدم إلى مريم.

 

ثم عاد إلى سعاد.

 

“اسم رجل الأعمال؟”

 

أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم همست:

 

“…”

 

وقبل أن تنطق بالاسم…

 

انطلقت رصاصة من خارج النافذة.

 

تحطم الزجاج.

 

وسقطت سعاد على الأرض.

 

لكن هذه المرة…

 

لم تُصب.

 

لأن آدم كان قد جذبها في آخر لحظة.

 

أما الرصاصة…

 

فاستقرت في الحائط خلفها.

 

رفع آدم رأسه نحو النافذة المفتوحة، وقال بصوت حاسم:

 

“واضح إن في حد مستعد يقتل أي شاهد… قبل ما ينطق بالحقيقة.”

 

يتبع…اختبأ الجميع بعيدًا عن النوافذ.

أغلق أفراد الأمن الستائر المعدنية الواقية في ثوانٍ.

اقترب آدم من سعاد، التي كانت ترتجف من شدة الخوف.

قال لها بهدوء:

“مفيش حد هيقربلك هنا.”

هزت رأسها وهي تبكي.

“أنا سكت سنين… لكن خلاص، ضميري مبقاش مستحمل.”

ناولها كوب ماء.

انتظرت مريم وهي تكاد تحبس أنفاسها.

ثم قالت سعاد بصوت مرتعش:

“رجل الأعمال… كان اسمه فؤاد السيوفي.”

تبادل آدم وحسام النظرات.

اتسعت عينا مريم.

همست:

“فؤاد… الراجل اللي الكل فاكر إنه مات؟”

أومأت سعاد.

“أيوه… بس وقتها كان لسه عايش.”

أكملت وهي تسترجع الذكريات:

“بنته اتولدت في نفس الليلة اللي اتولدت فيها طفلة تانية. وصلت معلومات إن ناس هتخطف بنته وهي رضيعة عشان يضغطوا عليه.”

سأل آدم:

“إيه اللي حصل؟”

تنهدت سعاد.

“واحد من الرجال اللي كانوا مع فؤاد دخل الحضانة، وبدّل أساور الطفلتين، عشان محدش يعرف مين بنته الحقيقية.”

قال آدم بسرعة:

“يعني البنت اللي كانوا بيدوروا عليها خرجت باسم طفلة تانية.”

“بالضبط.”

عقد آدم حاجبيه.

“طيب… فين البنت دي دلوقتي؟”

هزت سعاد رأسها.

“معرفش.”

ثم أضافت:

“لكن الشخص اللي أمر بالتبديل كان يقول جملة واحدة طول الوقت…”

“إيه هي؟”

أغمضت عينيها وقالت:

“احموا الوريثة… مهما كان الثمن.”

ساد الصمت.

وفجأة…

رن هاتف آدم.

وصلت رسالة جديدة.

هذه المرة كانت صورة فقط.

فتحها.

كانت صورة قديمة التقطت داخل غرفة الحضانات.

وفي الصورة…

كانت سعاد تحمل طفلتين.

لكن آدم لاحظ شيئًا لم ينتبه له أحد.

في خلفية الصورة…

وقف رجل يرتدي بالطوًا أبيض، ووجهه ظاهر بوضوح.

كبر الصورة.

ثم تجمد.

“مش ممكن…”

اقترب حسام من الشاشة.

“حضرتك تعرفه؟”

رد آدم بصوت خافت:

“ده الدكتور سامح.”

“مين الدكتور سامح؟”

قال:

“مدير مستشفى الأطفال الحالي.”

شهقت مريم.

“يعني هو كان موجود من يوم الولادة؟”

هز آدم رأسه.

“وده معناه إنه يعرف الحقيقة من أول يوم.”

وقبل أن يستوعبوا الصدمة…

دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا.

“يا فندم… الدكتور سامح اختفى.”

“إزاي؟”

“ساب المستشفى من عشر دقائق… وقفّل موبايله.”

وقف آدم فورًا.

وقال بحزم:

“هنوصل له قبل أي حد.”

لكن في اللحظة نفسها…

وصل إشعار إلى هاتفه من رقم مجهول.

“متتعبش نفسك… الدكتور سامح مش هيتكلم تاني.”

ثم ظهرت صورة ثانية.

كانت للدكتور سامح…

مربوطًا إلى كرسي داخل مكان مظلم.

وتحتها رسالة قصيرة:

“قدامك ساعة واحدة… وإلا هتستلم جثته.”

يتبع…نظر آدم إلى الصورة لثوانٍ، ثم أغلق الهاتف بهدوء.

قال حسام بقلق:

“هنروح للمكان؟”

هز آدم رأسه.

“لأ… الأول نتأكد إن الصورة جديدة.”

كبر الصورة على الشاشة.

ظل يحدق في التفاصيل.

ثم أشار إلى زاوية صغيرة خلف الدكتور سامح.

“شوفوا دي.”

اقترب خبير التقنية.

“إيه اللي فيها؟”

قال آدم:

“رزنامة حائط.”

كبرها أكثر.

كان التاريخ الظاهر عليها قبل ثلاثة أشهر.

ابتسم آدم لأول مرة منذ بداية الليلة.

“الصورة قديمة.”

نظر إليه الجميع باستغراب.

أكمل:

“اللي بعتها عايزنا نضيع وقتنا.”

وفي تلك اللحظة، رن هاتف الشركة الداخلي.

رفع حسام السماعة.

ثم نظر إلى آدم بدهشة.

“الدكتور سامح بنفسه.”

أخذ آدم السماعة فورًا.

جاءه صوت رجل يلهث من شدة التعب.

“أنا مستخبي… بس معنديش وقت.”

قال آدم بسرعة:

“إنت فين؟”

رد:

“مش هقدر أقول… لأنهم بيراقبوا أي مكان أذكره.”

ثم صمت للحظة.

وأضاف:

“بس هقولك حاجة واحدة… الليلة دي مش بدايتها مقتل أبوك.”

انعقد حاجبا آدم.

“تقصد إيه؟”

قال الدكتور:

“كل اللي بيحصل بدأ قبلها بأربع سنين.”

ساد الصمت.

ثم أكمل:

“في سنة… اتسرق ملف من دار أيتام.”

اتسعت عينا آدم.

“إيه علاقة دار الأيتام؟”

رد الدكتور بصوت مرتجف:

“لأن الطفل اللي كان في الملف… كبر وبقى أهم شخص في القض\ية كلها.”

قبل أن يكمل…

سمع الجميع صوت تكسير عنيف في الجهة الأخرى من الخط.

صرخ الدكتور:

“لقوني!”

ثم انقطع الاتصال.

وقف آدم فورًا.

“تتبعوا المكالمة.”

رد خبير الاتصالات:

“تم.”

مرت ثوانٍ طويلة.

ثم ظهر الموقع على الشاشة.

نظر حسام إليه.

وتغير لون وجهه.

“ده مستحيل.”

سأله آدم:

“فين؟”

ابتلع ريقه.

“المكالمة جاية من…”

توقف للحظة.

“…القبو القديم تحت قصر الشافعي.”

ساد الصمت.

ذلك القبو كان مغلقًا منذ وفاة والد آدم.

ولم يدخله أحد منذ اثني عشر عامًا.

نظر آدم إلى الجميع.

ثم قال:

“واضح إن أسرار الليلة كلها كانت تحت بيتنا من البداية.”

أخذ مفاتيح سيارته، ثم تذكر أنها انفجرت.

ابتسم ابتسامة ساخرة.

“شكلهم مستعجلين يوصلوني للحقيقة.”

ثم التفت إلى مريم.

“إنتِ وليلى هتفضلوا هنا مع الحراسة.”

هزت رأسها بعناد.

“مش هسيبك.”

قال بهدوء:

“اللي هنواجهه دلوقتي… أخطر من أي حاجة عدت علينا.”

لكن ليلى، التي كانت نائمة طوال الوقت، فتحت عينيها فجأة.

ونظرت إلى آدم.

ثم قالت بصوت ضعيف:

“متنزلش القبو…”

التفت الجميع إليها في ذهول.

أكملت وهي نصف نائمة:

“…لأن في واحد مستنيك هناك… من يوم ما كان عندك خمسة عشر سنة.”

تجمد آدم مكانه.

لأنه لم يخبر أحدًا في حياته بما حدث له وهو في الخامسة عشرة من عمره.

ولا حتى مريم.

يتبع…وقف آدم في مكانه، وعيناه معلقتان بليلى.

 

اقترب منها ببطء، وجلس إلى جوارها.

 

قال بصوت هادئ:

 

“ليلى… مين قالك الكلام ده؟”

 

كانت الطفلة ما تزال مرهقة من الأزمة الصحية.

 

فتحت عينيها بصعوبة وهمست:

 

“الراجل اللي كان بيزورني.”

 

شعرت مريم بقشعريرة.

 

“بيزورك فين يا حبيبتي؟”

 

أجابت ليلى:

 

“في المستشفى.”

 

تبادلت مريم وآدم النظرات.

 

سألها آدم:

 

“شكله كان عامل إزاي؟”

 

فكرت ليلى للحظات، ثم قالت ببراءة:

 

“كان لابس بدلة سودة… وشعره أبيض… وكان دايمًا بيجيبلي عروسة.”

 

سألها:

 

“قالك اسمه؟”

 

هزت رأسها.

 

“لأ… بس كان بيقولي إنه صاحب بابا آدم.”

 

انعقد حاجبا آدم.

 

هو لم ير هذا الرجل من قبل… أو هكذا كان يظن.

 

في هذه اللحظة، دخل أحد أفراد الأمن يحمل جهازًا لوحيًا.

 

“يا فندم… راجعنا كاميرات المستشفى.”

 

فتح الفيديو.

 

ظهر رجل في أواخر الستينيات يدخل غرفة ليلى أكثر من مرة خلال اليومين الماضيين.

 

كان يرتدي قبعة ونظارة طبية.

 

لكن عندما خرج من الغرفة…

 

خلع النظارة للحظة.

 

شهقت مريم.

 

أما آدم…

 

فوقف فجأة.

 

“ده…”

 

اقترب حسام من الشاشة.

 

“حضرتك تعرفه؟”

 

أجاب آدم ببطء:

 

“أعرفه… لكنه مستحيل يكون هنا.”

 

“مين؟”

 

قال:

 

“يوسف.”

 

“يوسف مين؟”

 

أخذ آدم نفسًا عميقًا.

 

“المربي اللي رباني بعد مقتل أبويا.”

 

ساد الصمت.

 

أكمل:

 

“اختفى من عشر سنين… وبعدها وصلنا خبر إنه مات في حادث.”

 

نظر حسام إلى الشاشة مرة أخرى.

 

“يبقى خبر موته كان كدب.”

 

وقبل أن يرد آدم…

 

وصل تقرير الطب الشرعي الخاص بكريم.

 

قرأه الطبيب بصوت مرتفع:

 

“سبب الوفاة… طلقة قناص.”

 

ثم توقف فجأة.

 

“في حاجة غريبة.”

 

نظر إليه آدم.

 

“إيه؟”

 

قال الطبيب:

 

“كريم كان مصابًا قبل الطلقة.”

 

“مصاب بإيه؟”

 

أخرج الطبيب نتائج التحاليل.

 

“كان فيه آثار مادة مخدرة في دمه… اتاخدت قبل وفاته بحوالي ساعة.”

 

قال آدم:

 

“يعني حد كان متأكد إنه مش هيقدر يقاوم.”

 

هز الطبيب رأسه.

 

“بالضبط.”

 

أغلق آدم التقرير.

 

ثم قال:

 

“كل شاهد في القض\ية كان بيتحرك بخيوط حد تاني.”

 

وفجأة…

 

أضاءت شاشة الكمبيوتر وحدها.

 

رغم أن أحدًا لم يلمسها.

 

ظهر سطر واحد باللون الأحمر:

 

“لو عايز تعرف الحقيقة… افتح الدرج الأخير في مكتب أبوك القديم.”

 

نظر حسام إلى آدم.

 

“إحنا قفلنا المكتب ده من سنين.”

 

قال آدم:

 

“ومحدش دخله من يومها.”

 

رد حسام:

 

“المفتاح معاك.”

 

أخرج آدم سلسلة مفاتيح قديمة من جيبه.

 

كانت آخر مرة أمسكها فيها يوم جنازة والده.

 

أخذها بين يديه، ثم قال:

 

“واضح إن الليلة دي… هتفتح أبواب اتقفلت من اتناشر سنة.”

 

ثم تحرك نحو المكتب القديم.

 

وما إن وضع المفتاح في القفل…

 

سمع الجميع صوتًا يأتي من الداخل.

 

صوت درج يُغلق ببطء…

 

رغم أن المكتب كان مغلقًا ولا يوجد أحد بداخله.

 

يتبع…ثبت آدم يده على مقبض الباب.

 

نظر إلى حسام.

 

“افتح.”

 

أدار حسام المقبض ببطء، بينما وقف أفراد الأمن في وضع الاستعداد.

 

انفتح الباب…

 

وكان المكتب مظلمًا تمامًا.

 

ضغط آدم على مفتاح الإضاءة.

 

أضاءت الغرفة.

 

لم يكن هناك أحد.

 

لكن الجميع سمع الصوت بوضوح قبل لحظات.

 

تقدم آدم بخطوات هادئة.

 

كان كل شيء كما تركه منذ اثني عشر عامًا.

 

المكتبة الخشبية.

 

المكتب العريض.

 

وصورة والده المعلقة على الحائط.

 

اقترب من المكتب.

 

فتح الدرج الأول…

 

لا شيء.

 

الثاني…

 

مجموعة أوراق قديمة.

 

الثالث…

 

فارغ.

 

ثم انحنى وفتح الدرج الأخير.

 

لكن بدلًا من أن يجد ملفات…

 

سمع صوت “تك.”

 

تراجع الجميع خطوة.

 

قال حسام:

 

“فيه آلية.”

 

مرر آدم يده داخل الدرج، حتى شعر بزر صغير مخفي.

 

ضغط عليه.

 

اهتزت المكتبة المقابلة للمكتب ببطء.

 

ثم تحركت إلى الجانب، كاشفة عن باب فولاذي لم يره أحد من قبل.

 

شهقت مريم.

 

“باب سري؟”

 

أومأ آدم.

 

“حتى أنا… أول مرة أشوفه.”

 

كان على الباب جهاز قديم لإدخال رمز.

 

وفوقه لوحة نحاسية مكتوب عليها:

 

“الوريث فقط.”

 

نظر آدم إلى اللوحة طويلًا.

 

ثم تذكر الورقة التي وجدها مع المفتاح.

 

“كلمة السر: عيد ميلاد آدم.”

 

أدخل تاريخ ميلاده.

 

لم يحدث شيء.

 

ظهر على الشاشة:

 

“رمز خاطئ.”

 

عقد حاجبيه.

 

“غريبة…”

 

ثم تذكر شيئًا.

 

والده كان يحتفل بعيد ميلاده الهجري، لا الميلادي.

 

أدخل التاريخ الهجري.

 

صدر صوت خفيف.

 

وانفتح الباب ببطء.

 

اندفعت رائحة قديمة من الداخل.

 

أضاء حسام مصباحًا يدويًا.

 

كانت غرفة صغيرة تحت الأرض.

 

وفي منتصفها…

 

خزنة سوداء ضخمة.

 

وعلى الغطاء…

 

شعار عائلة الشافعي.

 

اقترب آدم.

 

فتح الخزنة بالمفتاح الذي وجده مع ليلى.

 

انفتح الباب بسهولة.

 

لكن بدلًا من الأموال أو المستندات…

 

وجد صندوقًا خشبيًا صغيرًا فقط.

 

رفعه بحذر.

 

كان خفيفًا.

 

فتحه ببطء.

 

وفي الداخل…

 

ساعة يد قديمة.

 

وخاتم زواج.

 

وظرف مغلق.

 

فتح الظرف.

 

كانت رسالة بخط يد والده.

 

بدأ يقرأ بصوت مرتجف:

 

> “يا آدم… إذا وصلت إلى هنا، فاعرف أن كل ما قيل لك عن عائلتنا ناقص. أنا لم أُقتل بسبب المال… ولا بسبب النفوذ… بل لأنني رفضت تسليم شيء أخطر من الاثنين.”

 

 

 

سكت آدم لحظة.

 

وأكمل القراءة:

 

> “لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى الشخص اللي وثقت فيه أكتر من أي حد… خانني.”

 

 

 

توقفت أنفاس حسام.

 

أما مريم…

 

فكانت تنظر إلى آدم في خوف.

 

أدار آدم الصفحة.

 

كانت هناك جملة أخيرة فقط.

 

جملة جعلت الدم يتجمد في عروقه.

 

> “الخائن ليس جلال…”

 

 

 

رفع آدم رأسه ببطء.

 

همس:

 

“إذًا… طول الوقت كنا بنطارد الشخص الغلط.”

 

وفي نفس اللحظة…

 

سمع الجميع صوت تصفيق يأتي من مدخل الغرفة السرية.

 

التفتوا بسرعة.

 

كان رجل يقف في الظلام.

 

لا تظهر منه سوى ابتسامة باردة.

 

ثم تقدم خطوة إلى الأمام وقال:

 

“أخيرًا… وصلت للرسالة يا آدم.”

 

وعندما سقط الضوء على وجهه…

 

شهقت مريم.

 

أما آدم…

 

فلم يستطع أن ينطق.

 

لأن الرجل الذي يقف أمامه…

 

كان والده ريكاردو الشافعي، الذي يفترض أنه مات منذ اثني عشر عامًا.

 

يتبع…ظل آدم يحدق في الرجل.

كانت ملامحه…

صوته…

حتى الندبة الصغيرة بجوار عينه اليمنى.

كل شيء يقول إنه والده.

همس آدم بصعوبة:

“أبويا…؟”

ابتسم الرجل ابتسامة هادئة.

وقال:

“كبرت يا آدم.”

تراجع حسام خطوة، وأخرج سلا\حه.

“قف مكانك!”

لكن آدم رفع يده.

“استنى.”

ظل ينظر إلى الرجل لثوانٍ طويلة، ثم قال:

“لو إنت أبويا… قولّي آخر حاجة قلتها لي قبل ما تخرج يوم الحادث.”

ابتسم الرجل.

وأجاب فورًا:

“قلتلك… أوعى تزعل أمك، ولو عملت مصيبة، متكدبش.”

تغيرت ملامح آدم.

كانت الجملة صحيحة.

لم يسمعها أحد غيرهما.

اقترب الرجل خطوة أخرى.

لكن آدم لم يتحرك.

ثم سأل سؤالًا ثانيًا:

“أمي كانت بتناديني وأنا صغير بإيه؟”

رد الرجل دون تردد:

“آدمي.”

أغلق آدم عينيه.

دمعت عيناه لأول مرة منذ سنوات.

همس:

“…أبويا.”

لكن قبل أن يقترب منه…

قال الرجل بحزم:

“لا.”

فتح آدم عينيه.

قال الرجل:

“متقربش.”

“ليه؟”

تنهد الرجل طويلًا.

ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:

“لأني… مش أبوك.”

ساد صمت ثقيل.

شحب وجه مريم.

أما حسام فوجه سلا\ح\ه إليه مرة أخرى.

قال آدم بذهول:

“إزاي؟!”

ابتسم الرجل بحزن.

“أنا توأمه.”

اتسعت أعين الجميع.

أكمل:

“اسمي رامي الشافعي.”

“توأم؟!”

هز رأسه.

“أنا وريكاردو اتولدنا قبل بعض بدقايق… لكن محدش كان يعرف بوجودي غير أمنا وأبونا.”

جلس آدم ببطء على أقرب كرسي.

شعر أن كل حقيقة عرفها في حياته تتهاوى.

قال رامي:

“لما أخوك… أبوك… عرف إن في ناس ناوية تقتله، طلب مني أختفي مكانه لو حصل أي حاجة.”

أخرج من جيبه صورة قديمة.

كانت تجمعه مع ريكاردو.

الاختلاف الوحيد بينهما…

خاتم في اليد اليمنى بدل اليسرى.

ناول الصورة لآدم.

ثم أخرج شهادة ميلاد قديمة.

كانت تحمل الاسمين.

ريكاردو الشافعي.

رامي الشافعي.

جلس حسام يراجع الأوراق.

كلها أصلية.

سأل آدم بصوت مكسور:

“يعني… أبويا مات فعلًا؟”

أطرق رامي رأسه.

“أيوه.”

“وأنت استخبيت كل السنين دي ليه؟”

رفع رأسه.

“لأن القاتل كان فاكر إنه قتل الاتنين.”

ثم اقترب من الصندوق الخشبي.

وأخرج منه ظرفًا صغيرًا لم يره أحد.

قال:

“ريكاردو كتب رسالتين.”

“فين التانية؟”

رفعها أمام آدم.

“دي.”

فتح آدم الظرف بسرعة.

كانت الورقة قصيرة جدًا.

مكتوب فيها:

“لو رامي اضطر يظهر… يبقى الحرب بدأت من جديد.”

وفي أسفل الرسالة…

اسم واحد.

“سليم الشافعي.”

عقد آدم حاجبيه.

“مين سليم؟”

نظر رامي إليه طويلًا.

ثم قال:

“أخونا الثالث.”

ساد الصمت.

قال آدم بصدمة:

“إحنا كنا ثلاثة؟!”

أومأ رامي.

“وأخوك سليم… هو الشخص اللي اختفى وهو طفل، والكل افتكر إنه مات.”

ثم أكمل بصوت منخفض:

“لكنه ما ماتش…”

“أمال فين؟”

نظر رامي مباشرة في عيني آدم وقال:

“هو اللي بيحرك كل اللي بيحصل النهارده.”

وفي اللحظة نفسها…

وصلت رسالة إلى هاتف آدم.

فتحها.

كانت صورة حديثة لرجل يقف أمام قبر ريكاردو.

وقد كتب عليها:

“قول لرامي… اللعبة لسه في أولها.”

وتحت الصورة توقيع واحد:

سليم.

يتبع…ظل آدم ينظر إلى اسم “سليم” على شاشة الهاتف.

 

ثم رفع عينيه ببطء نحو رامي.

 

“احكيلي من الأول… ومن غير ولا كلمة ناقصة.”

 

جلس رامي على المقعد المقابل.

 

وأخذ نفسًا عميقًا.

 

“أبوك… وأنا… وسليم كنا ثلاثة إخوات. لكن وإحنا أطفال، حصل حريق في الفيلا القديمة.”

 

سأل آدم:

 

“الحريق اللي كانوا بيقولوا إنه حادث؟”

 

هز رامي رأسه.

 

“ماكانش حادث.”

 

ساد الصمت.

 

أكمل:

 

“حد دخل الفيلا عشان يخطف سليم. أبوك وجدك قدروا يمنعوه، لكن من يومها قرر جدك يعلن إن سليم مات.”

 

عقد آدم حاجبيه.

 

“ليه يعلن موته وهو عايش؟”

 

قال رامي:

 

“عشان يحمِيه.”

 

“وبعدين؟”

 

تنهد رامي بحسرة.

 

“الشخص اللي كلفوه يخبّيه… خانه.”

 

شحب وجه آدم.

 

“يعني سليم اتربى بعيد عن العيلة؟”

 

أومأ رامي.

 

“واتربى وهو مقتنع إن عيلته باعته.”

 

ساد صمت طويل.

 

همست مريم:

 

“يعني هو طول عمره فاكر إنكم تخليتوا عنه.”

 

أجاب رامي:

 

“بالضبط… وده اللي خلّى الكراهية تكبر جواه سنة بعد سنة.”

 

في هذه اللحظة…

 

رن هاتف آدم.

 

رقم مجهول.

 

رد فورًا.

 

جاءه صوت هادئ جدًا.

 

“مساء الخير يا أخويا.”

 

تجمد الجميع.

 

قال آدم:

 

“…سليم؟”

 

ضحك الرجل.

 

“أخيرًا عرفنا بعض.”

 

قبض آدم على الهاتف.

 

“إنت فين؟”

 

رد سليم:

 

“قريب جدًا… أقرب مما تتخيل.”

 

ثم أضاف:

 

“بص وراك.”

 

استدار آدم بسرعة.

 

لكن لم يكن هناك أحد.

 

عاد إلى الهاتف.

 

“إيه اللي إنت عايزه؟”

 

ساد صمت لثوانٍ.

 

ثم قال سليم:

 

“مش عايز فلوس.”

 

“ولا الشركة.”

 

“ولا الإمبراطورية.”

 

سأل آدم:

 

“أمال عايز إيه؟”

 

جاءه الرد ببرود:

 

“عايز الحقيقة.”

 

قال آدم بغضب:

 

“أي حقيقة؟”

 

ضحك سليم ضحكة قصيرة.

 

“الحقيقة اللي أبوك دفنها معاه.”

 

نظر آدم إلى رامي.

 

كانت ملامحه متوترة.

 

لاحظ سليم ذلك، فقال عبر الهاتف:

 

“واضح إن عمي رامي لسه مخبّي عليك أهم سر.”

 

رفع آدم عينيه نحو رامي.

 

“إيه السر؟”

 

لم يجب.

 

كرر آدم السؤال بصوت أعلى:

 

“إيه السر؟!”

 

أطرق رامي رأسه.

 

ثم قال بصوت بالكاد يُسمع:

 

“في ليلة مقتل أبوك…”

 

توقف للحظة.

 

“…كان فيه طفل واحد بس المفروض يعيش.”

 

ساد الصمت.

 

اقترب آدم منه.

 

“تقصد إيه؟”

 

رفع رامي عينيه، وكانت مليئتين بالندم.

 

“الشخص اللي كان مستهدف من البداية… ماكانش ريكاردو.”

 

تسارعت أنفاس آدم.

 

“أمال مين؟”

 

أجاب رامي:

 

“إنت.”

 

تجمد آدم مكانه.

 

“أنا؟!”

 

أومأ رامي.

 

“وأبوك ضحّى بنفسه عشان ينقذك.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

قال سليم من الهاتف:

 

“بس رامي نسي يقولك أهم حاجة…”

 

حبس الجميع أنفاسهم.

 

ثم قال سليم بهدوء:

 

“السبب اللي خلاهم يطاردوك وإنت طفل… هو إنك الوحيد اللي يعرف مكان الوثيقة.”

 

صرخ آدم:

 

“أي وثيقة؟!”

 

لكن سليم أغلق الخط.

 

نظر آدم إلى رامي.

 

“أنا عمري ما شفت أي وثيقة.”

 

اقترب رامي منه.

 

ووضع يده على كتفه.

 

وقال:

 

“شفتها…”

 

“لكن إنت مش فاكر.”

 

ثم أخرج صورة قديمة لآدم وهو في الخامسة من عمره.

 

كان الطفل الصغير يبتسم…

 

وفي يده دمية قماشية بنية.

 

وأشار رامي إلى الدمية وقال:

 

“الوثيقة… مخبأة جوا اللعبة دي.”

 

يتبع…أخذ آدم الصورة من يد رامي، وظل يحدق فيها طويلًا.

 

كانت صورة عيد ميلاده الخامس.

 

في يده الدمية القماشية البنية التي لم يرها منذ سنوات.

 

همس:

 

“الدبدوب…”

 

ابتسم رامي بحزن.

 

“لسه فاكره.”

 

أغمض آدم عينيه.

 

بدأت صور متفرقة تعود إلى ذاكرته…

 

والده يضمه.

 

أمه تضحك.

 

ثم صوت إطلاق نار.

 

ورجل ينتزع الدبدوب من يده.

 

فتح عينيه فجأة.

 

“لا…”

 

نظر إليه رامي بسرعة.

 

“افتكرت حاجة؟”

 

أومأ آدم.

 

“بعد جنازة أبويا… عمي جلال دخل أوضتي.”

 

ساد الصمت.

 

أكمل آدم:

 

“فضل يدور على الدبدوب ساعات… ولما ملقاهوش، خرج وهو متعصب.”

 

تنهد رامي.

 

“يبقى كان عارف.”

 

سألته مريم:

 

“طيب… الدبدوب راح فين؟”

 

ابتسم رامي لأول مرة.

 

“هو ده السر اللي محدش عرفه.”

 

أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.

 

كان يشبه مفتاح صندوق بريد قديم.

 

ووضعه في يد آدم.

 

“أبوك سلمني ده قبل ما يموت.”

 

قرأ آدم الرقم المنقوش عليه.

 

B-214

 

“ده مفتاح إيه؟”

 

أجاب رامي:

 

“خزانة أمانات في محطة قطار مصر القديمة.”

 

عقد حسام حاجبيه.

 

“يعني الدبدوب هناك؟”

 

هز رامي رأسه.

 

“بعد مقتل أبوك، أخدت الدبدوب وخبيته هناك.”

 

تنفس آدم بارتياح.

 

“يبقى لسه موجود.”

 

لكن رامي لم يرد.

 

نظر إلى الأرض.

 

قال آدم بقلق:

 

“فيه إيه؟”

 

رفع رامي عينيه ببطء.

 

“من أسبوع…”

 

“إيه؟”

 

“…حد فتح الخزانة.”

 

شحب وجه آدم.

 

“إزاي؟!”

 

قال رامي:

 

“وصلني إخطار من إدارة الأمانات إن الخزانة اتفتحت بالمفتاح الأصلي.”

 

نظر آدم إلى المفتاح في يده.

 

“بس المفتاح معاك.”

 

رد رامي:

 

“وده اللي مخوفني.”

 

ساد صمت ثقيل.

 

وفجأة…

 

دخل أحد أفراد الأمن وهو يلهث.

 

“يا فندم!”

 

التفت الجميع إليه.

 

“فيه راجل سلّم ظرف عند البوابة… وقال إنه يتفتح حالًا.”

 

فتح آدم الظرف.

 

وجد بداخله قطعة قماش بنية صغيرة.

 

نظر إليها للحظة.

 

ثم اتسعت عيناه.

 

كانت قطعة مقطوعة من الدبدوب نفسه.

 

ومعها رسالة قصيرة:

 

> “دورتوا عليه متأخر… اللعبة بقت عندي.”

 

 

 

وفي أسفل الرسالة…

 

توقيع واحد فقط.

 

سليم.

 

لكن قبل أن يستوعبوا الصدمة…

 

رن هاتف آدم برسالة فيديو.

 

فتحها بسرعة.

 

ظهر رجل يجلس في غرفة مظلمة.

 

أمامه الدبدوب البني.

 

ابتسم الرجل للكاميرا.

 

ثم أخذ سكينًا صغيرًا…

 

وشق الدبدوب من منتصفه.

 

أخرج منه أنبوبة معدنية دقيقة.

 

رفعها أمام الكاميرا وقال:

 

“أخيرًا… لقيت اللي كنت بدور عليه.”

 

اقترب آدم من الشاشة.

 

لكن الرجل لم يفتح الأنبوبة.

 

بل ابتسم ابتسامة غامضة وقال:

 

“الغريب إن الوثيقة مش جواها.”

 

ثم كسر الأنبوبة أمام الكاميرا.

 

خرجت منها…

 

ورقة بيضاء فارغة تمامًا.

 

تغيرت ملامح سليم لأول مرة.

 

صرخ بغضب:

 

“مستحيل!”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

ابتسم رامي بهدوء.

 

وقال لآدم:

 

“أبوك كان أذكى منهم كلهم.”

 

نظر إليه آدم باستغراب.

 

فأكمل:

 

“الوثيقة الحقيقية… عمرها ما كانت جوه الدبدوب.”

 

يتبع…اتسعت عينا آدم.

 

نظر إلى رامي في ذهول.

 

“يعني… كل اللي حصل ده كان عشان دبدوب فاضي؟”

 

هز رامي رأسه.

 

“مش فاضي.”

 

“أمال؟”

 

ابتسم ابتسامة خفيفة.

 

“كان طُعم.”

 

ساد الصمت.

 

أكمل رامي:

 

“أبوك كان عارف إنهم هيطاردوا أي حاجة لها علاقة بيك. فصنع أنبوبة مزيفة، وحط فيها ورقة بيضا، وسيب إشاعات إنها فيها الوثيقة.”

 

قال حسام:

 

“يعني سليم وقع في الفخ.”

 

رد رامي:

 

“بالضبط.”

 

في هذه اللحظة…

 

وصل إشعار جديد على هاتف آدم.

 

كان فيديو آخر من سليم.

 

لكن هذه المرة…

 

لم يكن غاضبًا.

 

كان يضحك.

 

قال أمام الكاميرا:

 

“أعرف إنكم دلوقتي فاكرين إنكم كسبتوا.”

 

ثم رفع الورقة البيضاء.

 

“بس أنا كنت عارف من أول ما فتحتها إنها مزيفة.”

 

تغيرت ملامح رامي.

 

“إيه؟”

 

ابتسم سليم أكثر.

 

“أنا كنت محتاج أتأكد من حاجة واحدة بس…”

 

توقف لثانية.

 

“…إن رامي لسه عايش.”

 

ساد الصمت.

 

اختفت الابتسامة من وجه رامي.

 

همس:

 

“يبقى كان بيستدرجني…”

 

أومأ آدم ببطء.

 

كان واضحًا أن كل ما حدث منذ بداية الليلة لم يكن الهدف منه العثور على الوثيقة فقط…

 

بل كشف مكان رامي.

 

وفجأة…

 

رن هاتف رامي.

 

نظر إلى الرقم.

 

وتجمد.

 

كان الرقم مسجلًا باسم:

 

“ريكاردو.”

 

ارتعشت يده.

 

همس:

 

“مستحيل…”

 

ضغط على زر الرد.

 

جاءه صوت قديم مسجل:

 

> “رامي… لو بتسمع الرسالة دي، يبقى الخطة الأخيرة فشلت.”

 

 

 

امتلأت عينا رامي بالدموع.

 

كان صوت أخيه التوأم.

 

أكمل التسجيل:

 

> “لو سليم عرف إنك عايش، متحاولش تهرب.”

 

 

 

نظر آدم إلى رامي باستغراب.

 

“ليه؟”

 

واصل التسجيل:

 

> “لأن سليم مش بيدور عليك… هو بيدور على الشخص اللي معاك.”

 

 

 

تبادل آدم ومريم النظرات.

 

ثم جاء آخر سطر في التسجيل:

 

> “الشخص اللي هيحدد نهاية الحرب… اسمه مريم.”

 

 

 

شهقت مريم.

 

وأشارت إلى نفسها.

 

“أنا؟!”

 

لكن رامي هز رأسه ببطء.

 

“لا…”

 

نظر إلى ليلى النائمة على السرير.

 

ثم قال:

 

“كان يقصد…”

 

وقبل أن يكمل…

 

فتح باب الغرفة بعنف.

 

ودخل أحد رجال الأمن وهو يصرخ:

 

“يا فندم… ليلى اختفت!”

 

تجمدت مريم.

 

نظرت إلى السرير.

 

كان فارغًا.

 

أما النافذة…

 

فكانت مفتوحة على مصراعيها.

 

يتبع…صرخت مريم بأعلى صوتها:

 

“ليلى!”

 

اندفعت نحو السرير.

 

كانت البطانية ما تزال دافئة.

 

وهذا يعني أن اختفاء ليلى حدث قبل لحظات فقط.

 

قفز حسام إلى النافذة.

 

نظر إلى الأسفل.

 

“مفيش حد.”

 

لكن آدم لم يتحرك.

 

ظل واقفًا مكانه، ينظر إلى الوسادة.

 

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

 

التفت إليه الجميع في دهشة.

 

قالت مريم وهي تبكي:

 

“إنت بتبتسم؟! بنتي اختفت!”

 

اقترب آدم من السرير، ورفع الوسادة.

 

وجد ورقة صغيرة مطوية.

 

فتحها.

 

كانت مكتوبة بخط طفل:

 

> “أنا كويسة يا ماما… متخافيش.”

 

 

 

عقد حسام حاجبيه.

 

“ليلى مستحيل تكتب الجملة دي بالخط ده.”

 

هز آدم رأسه.

 

“طبعًا.”

 

قلب الورقة.

 

وجد على ظهرها رسمًا بسيطًا.

 

شجرة.

 

وبجوارها أرجوحة.

 

وفي الأسفل…

 

رقم 17 داخل دائرة.

 

تجمد رامي.

 

“الحديقة القديمة.”

 

نظر إليه آدم.

 

“تعرفها؟”

 

قال رامي:

 

“دي الحديقة اللي كان أبوك بياخدك فيها كل عيد ميلاد.”

 

وفجأة…

 

تذكر آدم شيئًا.

 

هناك فعلًا أرجوحة تحمل الرقم 17، لأن البلدية كانت ترقم الألعاب.

 

قال بحزم:

 

“جهزوا العربيات.”

 

رد حسام:

 

“يمكن يكون فخ.”

 

أجاب آدم:

 

“أكيد فخ… لكن دي أول مرة يسيبوا لينا عنوان واضح.”

 

بعد عشرين دقيقة…

 

وصلوا إلى الحديقة.

 

كانت مهجورة بسبب المطر.

 

الألعاب تصدر أصواتًا مع الريح.

 

اقترب آدم من الأرجوحة رقم 17.

 

لم يجد أحدًا.

 

لكن تحت المقعد مباشرة…

 

كان هناك صندوق معدني صغير.

 

فتحه.

 

وجد بداخله جهاز تسجيل قديم.

 

ضغط زر التشغيل.

 

وانطلق صوت سليم:

 

> “لو وصلت هنا، يبقى لسه بتجري ورا الذكريات يا آدم.”

 

 

 

ثم ضحك.

 

> “لكن ليلى مش هنا.”

 

 

 

قبض آدم على الجهاز.

 

وأكمل التسجيل:

 

> “بص وراك.”

 

 

 

استدار الجميع بسرعة.

 

لم يكن هناك أحد.

 

لكنهم سمعوا تصفيقًا بطيئًا يأتي من بين الأشجار.

 

خرج رجل يرتدي معطفًا أسود.

 

وجهه مخفي تحت القبعة.

 

قال بهدوء:

 

“أحييك… وصلت أسرع مما توقعت.”

 

رفع آدم سلا\حه.

 

“فين ليلى؟”

 

رفع الرجل يديه.

 

“أنا مش سليم.”

 

“أمال مين؟”

 

خلع القبعة.

 

شهقت مريم.

 

كان الرجل هو…

 

الدكتور سامح.

 

قال وهو يلهث:

 

“اسمعوني قبل ما يلاقوني.”

 

اقترب آدم بحذر.

 

“ليلى فين؟”

 

قال الدكتور:

 

“محدش خطفها.”

 

نظر الجميع إليه بدهشة.

 

أكمل:

 

“هي خرجت بنفسها.”

 

صرخت مريم:

 

“إزاي؟! دي طفلة عندها أربع سنين!”

 

هز الدكتور رأسه.

 

“لأنها كانت ماشية مع شخص…”

 

“مين؟”

 

ابتلع ريقه.

 

“…شخص هي بتثق فيه من زمان.”

 

قال آدم بسرعة:

 

“مين هو؟”

 

رفع الدكتور عينيه.

 

ثم قال:

 

“جدها.”

 

ساد صمت ثقيل.

 

همست مريم:

 

“أبو كريم مات من سنين.”

 

هز الدكتور رأسه.

 

“مش جدها من ناحية كريم.”

 

نظر آدم إليه بتركيز.

 

أكمل الدكتور:

 

“جدها الحقيقي…”

 

وقبل أن ينطق بالاسم…

 

دوى صوت طلقة.

 

لكن هذه المرة…

 

أصابت الدكتور سامح في كتفه.

 

سقط على الأرض وهو يتألم.

 

وانطلق المهاجم هاربًا بين الأشجار.

 

ركض آدم خلفه بكل قوته.

 

وقبل أن يختفي الرجل في الظلام…

 

التفت للحظة.

 

وسقط ضوء أحد أعمدة الإنارة على وجهه.

 

تجمد آدم في مكانه.

 

لأنه كان ينظر إلى…

 

وجهه هو نفسه.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *