زعيم أخطر إمبراطورية. حكايات ميراا
زعيم أخطر إمبراطورية في مصر رجع بيته الساعة 3 الفجر… ولما لقى عاملة النظافة نايمة جوه الدولاب، لغى فرحه قبل ما الشمس تطلع
الساعة كانت 3:07 فجرًا، لما آدم الشافعي وجّه مسد..سه ناحية الست اللي كانت مستخبية جوه دولاب صغير في شقته الفاخرة على النيل… لكنه أنزل السلا..ح في اللحظة اللي سمعها تهمس في الموبايل:
— “أرجوك… متخلوش أمي تموت قبل آخر الشهر.”
كانت حافية القدمين.
لابسة سويت شيرت رمادي واسع، وشعرها الأشقر الغامق مربوط بسرعة، وضامة رجليها لصدرها وهي قاعدة على أرضية دولاب الخدمة بين فوط مترتبة ومنظفات غالية.
جنبها علبة مكرونة باردة.
آدم عرفها فورًا.
كانت نفس الوجبة اللي الشيف الخاص بيه حضرها من تلات أيام.
وعرف صاحبة العلبة كمان.
مريم عبدالرحمن.
عاملة النظافة اللي بتنضف بيته بقالها أربعتاشر شهر.
كل التلات والخميس والسبت كانت توصل الساعة سبعة الصبح بالظبط.
تلمّع الرخام الأسود، تغير الملايات، تسقي الزرع… وتمشي قبل ما آدم يرجع من اجتماعاته اللي محدش يعرف بتحصل فيها إيه.
عمرها ما سألت سؤال.
ولا مرة خافت من الحرس المسلح اللي واقفين قدام مكتبه.
ولا لمست حاجة مش بتاعتها.
والمفروض… ما تكونش موجودة في بيته الساعة تلاتة الفجر.
وقف آدم في الضلمة يسمع.
— “بحاول يا كريم… أخدت ورديتين زيادة في مغسلة الفندق.”
جاله صوت شاب مرهق من التليفون.
— “الدكتور قال قدامنا عشر أيام يا مريم… بعدهم الورم ممكن يضغط على الحبل الشوكي.”
همست:
— “عارفة.”
— “المستشفى عايزة مقدم العملية.”
— “عارفة.”
— “ستة وتمانين ألف جنيه.”
قفلت مريم عينيها.
— “أنا عارفة الرقم.”
واتكسرت نبرتها وهي بتنطق آخر كلمة.
المطر كان بيخبط إزاز الشقة، والقاهرة تحتهم كانت بتنور وسط المطر كأنها مدينة معمولة من الماس.
المفروض آدم ما يكونش هنا.
كان لازم يكون في الساحل، نايم جنب خطيبته ياسمين السيوفي، اللي فرحهم بعد ست أيام.
الجوازة دي ما كانتش عن حب.
كانت صفقة.
عيلة الشافعي مسيطرة على الموانئ، وشركات النقل، والمقاولات، وعشرات الشركات.
أما عيلة السيوفي فكانت ماسكة النفوذ، وشركات الأمن، ورجالة مستعدين يعملوا أي حاجة مقابل فلوس.
الجوازة كانت هتخلق إمبراطورية بالمليارات.
لكن الساعة 2:31 فجرًا، نظام الحماية في بيته سجّل حركة جوه المطبخ.
ركب عربيته ورجع فورًا.
ودلوقتي واقف قدام عاملة النظافة وهي بتعيط بسبب أمه، وهو عمره ما كان يعرف إنها أصلًا عندها أم مريضة.
قالت مريم:
— “بيع العربية.”
رد كريم:
— “اتباعت.”
— “عدة بابا؟”
— “اتباعت الأسبوع اللي فات.”
— “فلوس معهد التمريض؟”
— “صرفتيها في أبريل.”
غطت بقها بإيدها.
— “هلاقي حل.”
— “إنتِ شغالة في تلات شغلانات.”
— “يبقى هشتغل الرابعة.”
— “إنتِ بتنامي أربع ساعات.”
— “أنام بعد ما أمي تعمل العملية.”
ساد صمت طويل.
وبعدين كريم سأل السؤال اللي قلب كل حاجة.
— “طب ما تطلبي سلفة من الباشا اللي بتشتغلي عنده.”
رفعت مريم رأسها بسرعة.
— “لأ.”
— “ليه؟”
بصت ناحية باب الدولاب.
وكان آدم واقف في الضلمة.
— “لأن الناس زي آدم الشافعي… عمرهم ما بيدوا فلوس لحد.”
سكتت لحظة.
— “هم بيصنعوا ديون… واللي يبقى مديون لراجل قوي، عمره ما يبقى حر تاني.”
اتجمد آدم مكانه.
اتقال عليه قبل كده قاتل… ومجرم… وملك… ووحش.
ولا كلمة منهم وجعته زي الجملة اللي قالتها بهدوء.
حاول كريم يقنعها.
— “طب كلمي خطيبته.”
ضحكت مريم ضحكة مكسورة.
— “هي السبب إني بقيت من غير بيت.”
شد آدم فكه.
— “إزاي؟”
قالت:
— “اتهمتني إني بسرق من الشقة.”
— “وأنتِ ما سرقتيش.”
— “عارفة… وإنت عارف… بس صاحب العمارة شغال مع شركات عيلتها، وطردني في خلال 72 ساعة.”
— “ليه عملت كده؟”
— “عشان شفتها كسرت تمثال كريستال في حفلة الخطوبة. قالت إني أنا السبب وخصمت تمنه من مرتبي. ولما قلتلها مش هقدر أدفع… قالتلي: الفقرا المفروض ما يقربوش من الحاجات الغالية.”
ابتلع آدم غضبه.
وأكملت مريم:
— “وقالتلي لو اشتكيت للأستاذ آدم… هتقوله إني بنام في الشقة وباكل من أكله… وساعتها هيسلمني للشرطة.”
قال كريم بصوت مخنوق:
— “يعني إنتِ نايمة في الدولاب؟”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
— “بس بين الشغلانتين.”
كانت بتقولها كأنها حاجة عادية.
وده كان أسوأ.
لف آدم بعينيه داخل الدولاب.
بطانية مطبقة.
فرشة ومعجون أسنان في كوب ورق.
شنطة قماش فيها بنطلونين، وبلوزتين، وكتب معهد التمريض المهترئة.
مريم كانت عايشة على بعد أمتار من أوضة ضيوف أكبر من شقق كاملة… ومع ذلك اختارت تنام على الأرض، خوفًا من حد يتهمها إنها أخدت حاجة مش من حقها.
قالت لأخوها:
— “اديني تلات أيام.”
— “كل مرة بتقولي كده.”
— “وكل مرة بلاقي حل.”
قفلت المكالمة.
حضنت رجليها، وبدأت تعيط في صمت.
آدم شاف رجالة بتترجاه قبل كده.
وشاف أعداء بيرتعشوا قدامه.
لكن دموع مريم من غير صوت… هزته أكتر من أي معركة خاضها.
أربعتاشر شهر وهي بتتحرك في بيته كأنها شبح.
ولا مرة سألها ساكنة فين.
ولا لاحظ الحروق الكيميائية اللي في إيديها.
ولا الإرهاق اللي مالي وشها.
كان مهتم بدرجة حرارة قبو النبيذ أكتر من اهتمامه بالبني آدمة اللي بتنضف الإزاز قدامه.
رجّع المسد..س مكانه.
واتقدم خطوة.
الأرض صرخت تحت رجله.
مريم انتفضت واقفة.
خبطت كتفها في الرف، فوقعت الفوط على الأرض، وانقلبت علبة المكرونة.
ولما شافته…
اختفى لون وشها.
همست برعب:
— “يا… يا أستاذ آدم.”
عينها راحت للبطانية… ولعلبة الأكل… وللشنطة.
— “أنا… أقدر أشرح.”
فضل ساكت.
قالت بسرعة:
— “والله ما سرقت حاجة… والمكرونة كانت هتترمي… ولو حضرتك عايز تمنها، هدفعه.”
بصلها آدم للحظات…
ثم قال بهدوء هزها من الداخل:
— “هتدفعي تمن… مكرونة بايتة؟”
زعيم أخطر إمبراطورية في مصر رجع بيته الساعة 3 الفجر… ولما لقى عاملة النظافة نايمة جوه الدولاب، لغى فرحه قبل ما الشمس تطلع
#حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️
اتسعت عينا مريم، ووقفت مرتبكة تحاول تلم الفوط المرمية على الأرض.
قالت بصوت مرتعش:
— “أنا آسفة… والله دي أول مرة… ما كانش عندي مكان أنام فيه.”
رفع آدم إيده يمنعها من الانحناء.
— “سيبيهم.”
تجمدت مكانها.
أول مرة يبص لها بالشكل ده.
مش كرئيس شغل.
ولا كرجل غني.
كان بيبصلها كأنه بيحاول يفتكر هي بقالها قد إيه موجودة قدامه وهو عمره ما شافها.
سألها بهدوء:
— “من إمتى وإنتِ بتنامي هنا؟”
بلعت ريقها.
— “حوالي شهرين.”
انعقد حاجباه.
— “شهرين؟”
هزت رأسها.
— “كنت بدخل بعد ما آخر حارس يبدّل نوبته… وأنزل قبل الخدم ما يوصلوا.”
ضغط على فكه بقوة.
يعني كل أنظمة الحماية اللي صرف عليها ملايين…
ما اكتشفتش إن فيه إنسانة بتنام في دولابه.
لكن هو اللي ما كانش بيشوف.
سألها:
— “ليه ما استأجرتيش أوضة؟”
ابتسمت ابتسامة باهتة.
— “الإيجار كان هيأخر عملية أمي.”
ساد صمت ثقيل.
ثم سألها فجأة:
— “الحروق اللي في إيدك دي من المغسلة؟”
خبّت إيديها بسرعة وراء ضهرها.
— “دي حاجة بسيطة.”
— “بسيطة؟”
مد يده وأمسك كفها برفق.
كانت أصابعها مليانة تشققات وحروق قديمة وحديثة.
إيده اتجمدت.
أول مرة يحس إن ملايينه عاجزة قدام منظر زي ده.
قال بصوت منخفض:
— “ستة وتمانين ألف… صح؟”
رفعت رأسها بصدمة.
— “حضرتك سمعت؟”
— “سمعت كل حاجة.”
اختنق نفسها.
— “أنا ما كنتش أقصد…”
قاطعها:
— “بكرة الساعة تسعة الصبح… والدتك هتكون محجوزة في أفضل مستشفى.”
رجعت خطوة للخلف.
— “لأ.”
استغرب.
— “لأ؟”
— “أنا مش هقبل صدقة.”
ابتسم لأول مرة منذ شهور.
ابتسامة صغيرة، لكنها حقيقية.
— “وأنا ما بعرفش أدي صدقات.”
سكت لحظة، ثم قال:
— “هعتبره قرض.”
هزت رأسها بقوة.
— “حتى القرض… مش هعرف أسدده.”
رد بهدوء:
— “هتسدديه.”
— “إزاي؟”
نظر إلى كتب التمريض داخل الشنطة.
— “لما تخلصي المعهد… وتبقي ممرضة… هتشتغلي في المستشفى الخيري اللي هفتحه باسم أمي.”
نظرت إليه بعدم تصديق.
— “إنت… عندك مستشفى خيري؟”
تنهد.
— “لأ.”
ثم قال الجملة التي لم يتوقع هو نفسه أن يقولها:
— “بس من النهارده… هيبقى عندي.”
اغرورقت عينا مريم بالدموع.
وفي اللحظة نفسها، اهتز هاتف آدم.
ظهرت على الشاشة صورة ياسمين السيوفي.
رد عليها.
جاءه صوتها الغاضب:
— “إنت فين؟ الصحافة وصلت الفيلا، والناس مستنية صورنا.”
رد ببرود:
— “الفرح اتلغى.”
ساد صمت طويل.
ثم صرخت:
— “إنت اتهبلت؟!”
قال:
— “لما نتقابل هتفهمي.”
وأغلق الخط.
بعد أقل من دقيقة…
رن هاتفه مرة أخرى.
لكن المرة دي كان المتصل رئيس الأمن الخاص بعائلته.
صوته جاء متوترًا لأول مرة منذ سنوات:
— “باشا… لازم تعرف حاجة دلوقتي.”
— “قول.”
— “راجعنا تسجيلات الكاميرات القديمة بعد ما اكتشفنا وجود الآنسة مريم.”
سكت ثانية.
ثم قال الجملة التي جعلت ملامح آدم تتغير بالكامل:
— “هي ما دخلتش الشقة عشان تنام…”
— “أومال؟”
— “قبل شهرين… دخلت وهي بتجري… وكانت مستخبية من اتنين رجالة مسلحين.”
تجمد آدم.
وسأل ببطء:
— “مين بعتهم؟”
جاءه الرد:
— “للأسف… العربيتين اللي كانوا بيطاردوها طلعوا تابعين لشركة الأمن الخاصة بعيلة… السيوفي.”
وفي اللحظة دي…
بص آدم لمريم، اللي كانت واقفة قدامه مرعوبة، ولسه فاكرة إن أكبر مصيبتها إنها أكلت مكرونة بايتة…
بينما الحقيقة كانت أخطر بكتير.
لأن خطيبته السابقة…
كانت بتحاول تتخلص منها من شهرين، قبل ما هي حتى تعرف السبب.ابتعد آدم عن الهاتف ببطء، وعيناه لم تفارقا مريم.
كانت تقف أمامه مرتبكة، لا تعرف أن حياتها كلها انقلبت في ثوانٍ.
سأل رئيس الأمن بصوت منخفض:
— “إنت متأكد من الكلام ده؟”
— “مية في المية يا باشا. ولو تحب أبعتلك التسجيلات دلوقتي.”
— “ابعتها.”
أغلق المكالمة.
وبعد ثوانٍ ظهر الفيديو على هاتفه.
فتح التسجيل.
ظهرت مريم تركض تحت المطر ليلًا، تنظر خلفها بخوف.
وبعد أقل من دقيقة ظهرت سيارتان سوداوان تتوقفان أمام العمارة.
نزل منهما رجلان.
أحدهما قال بصوت التقطته الكاميرا الخارجية:
— “البنت لازم تختفي الليلة.”
قبض آدم على الهاتف بقوة حتى كاد يحطمه.
رفع رأسه نحو مريم.
— “إنتِ قابلتي ياسمين آخر مرة إمتى؟”
ارتبكت.
— “من حوالي شهرين… يوم حفلة الخطوبة.”
— “وقالتلك إيه بالظبط؟”
تنهدت مريم.
— “قالت لو اتكلمت عن اللي شوفته… محدش هيصدقني.”
اقترب آدم خطوة.
— “شوفتي إيه؟”
ترددت.
ثم قالت بصوت خافت:
— “حضرتك هتفتكرني بكدب.”
— “قولي.”
بلعت ريقها.
— “بعد ما خرج الضيوف… سمعتها بتتكلم مع راجل في التليفون.”
سكتت لحظة.
— “قالتله إن بعد الجواز… كل شركات الشافعي هتبقى تحت سيطرتها… وإن آدم مش هيعيش كتير.”
اتسعت عينا آدم.
لم ينطق.
أكملت وهي ترتجف:
— “افتكرت إنها بتهزر… لكن لما شافتني… وشها اتغير.”
ثم همست:
— “ومن يومها… حياتي اتدمرت.”
ساد صمت ثقيل.
كان آدم يحاول يربط كل الأحداث.
إلغاء صفقات.
حوادث غريبة.
محاولات لاختراق شركاته.
والآن…
شهادة مريم.
رن هاتفه مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان المتصل أحد رجاله المقربين.
رد بسرعة.
— “خير؟”
جاءه الصوت مذعورًا:
— “باشا… لازم تنزل حالًا.”
— “في إيه؟”
— “فيلا الساحل اللي كان المفروض حضرتك تبات فيها…”
توقف الرجل لثوانٍ.
ثم قال:
— “انفجرت من نص ساعة.”
تجمد الدم في عروق آدم.
لو لم يعد إلى القاهرة بسبب إنذار الحركة داخل شقته…
لكان الآن تحت أنقاض الفيلا.
نظر إلى مريم.
ثم إلى الهاتف.
وأدرك أن الفتاة التي ظن الجميع أنها مجرد عاملة نظافة…
أنقذت حياته دون أن تعرف.
لكن ما لم يكن يعرفه بعد…
أن الانفجار لم يكن بداية الحرب…
بل كان الرسالة الأولى فقط.
وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة مجهولة إلى هاتف آدم، مكتوب فيها:
“المرة دي نجوت بالصدفة… المرة الجاية مش هيكون عندك مريم تنقذك.”توقف آدم عن التنفس لثانية وهو يقرأ الرسالة.
رفع رأسه ببطء.
كانت مريم لا تزال واقفة مكانها، لا تفهم لماذا تغير لون وجهه فجأة.
أغلق شاشة الهاتف، ثم ضغط زرًا صغيرًا في ساعته.
بعد أقل من ثلاثين ثانية، دخل أربعة من رجال الحراسة المدربين.
قال لهم دون أن يرفع صوته:
— “من هذه اللحظة… الآنسة مريم تحت حمايتي الشخصية.”
نظرت إليه مريم بصدمة.
— “حمايتك؟ ليه؟”
لم يجبها.
بل التفت إلى قائد الحرس.
— “أي حد يحاول يقرب منها… اتعاملوا معاه باعتباره تهديد مباشر ليا.”
خرج الرجال لينفذوا أوامره.
أما مريم فهزت رأسها بعناد.
— “أنا مش فاهمة حاجة.”
تنهد آدم.
— “هتفهمي… لكن مش دلوقتي.”
وقبل أن يكمل، دوى صوت انفجار خافت في الخارج.
ركض الجميع إلى الشرفة.
وفي أسفل البرج الفاخر…
كانت سيارة آدم المصفحة مشتعلة بالكامل.
وصل رجال الأمن خلال ثوانٍ.
تفحصوا المكان، ثم صعد أحدهم بسرعة.
— “باشا… العبوة كانت مزروعة تحت العربية.”
سأل آدم:
— “وقت الانفجار؟”
— “بعد ما حضرتك طلعت بخمس دقائق.”
ابتسم ابتسامة باردة.
— “يعني كانوا متأكدين إني هنزل.”
أخرج هاتفه واتصل بشخص لم يتواصل معه منذ سنوات.
رد الرجل فورًا.
— “آدم الشافعي بنفسه؟”
قال آدم:
— “عايز كل الملفات القديمة الخاصة بعيلة السيوفي.”
— “بعد اللي حصل بينكم؟”
— “كل حاجة اتغيرت الليلة.”
أغلق الخط.
ثم التفت إلى مريم.
لاحظ أنها ترتجف.
ليس خوفًا على نفسها…
بل لأنها تذكرت أمها.
همست:
— “المستشفى…”
نظر إليها.
— “هنروح دلوقتي.”
بعد أقل من ساعة…
كانت سيارة أخرى، وسط موكب حماية كامل، تقف أمام المستشفى.
دخل آدم بنفسه.
وما إن رآه مدير المستشفى حتى أسرع لاستقباله.
قال آدم بهدوء:
— “جهزوا غرفة عمليات فورًا.”
أجاب المدير:
— “لكن يا فندم… الإجراءات…”
قاطعه آدم:
— “الإجراءات خلصت.”
ثم سلّمه بطاقة سوداء.
— “أي مبلغ هيتطلب… اتخصم منه.”
وقفت مريم تبكي.
اقتربت منه.
— “أنا مش عارفة أشكرك إزاي.”
هز رأسه.
— “لما والدتك تقوم بالسلامة… ابقي اشكريني.”
في تلك اللحظة خرج أحد الأطباء مسرعًا.
كان يحمل ملفًا طبيًا قديمًا.
نظر إلى مريم أكثر من مرة.
ثم قال باستغراب:
— “إنتِ بنت الأستاذة سعاد عبدالرحمن؟”
هزت رأسها.
— “أيوه.”
فتح الطبيب الملف، ثم نظر إلى آدم.
وقال الجملة التي قلبت كل شيء مرة أخرى:
— “غريبة…”
— “إيه؟”
— “والدتها كانت شغالة ممرضة خاصة عند والد حضرتك… قبل عشرين سنة.”
تبادل آدم ومريم النظرات في صمت.
لكن الطبيب لم يكن قد انتهى.
أغلق الملف وقال:
— “وفي يوم واحد… استقالت فجأة، وبعدها والد حضرتك كتب في مذكراته جملة واحدة…”
سأل آدم بسرعة:
— “إيه هي؟”
تنهد الطبيب وقال:
— “لو حصل لي حاجة… دوروا على سعاد… لأنها الوحيدة اللي عرفت الحقيقة.”تجمد آدم في مكانه.
خطف الملف من يد الطبيب وفتح آخر صفحة بنفسه.
كان هناك توقيع والده بالفعل.
ونفس الجملة بخط يده.
رفع رأسه ببطء.
— “فين والدتي؟”
أجابه الطبيب:
— “بعد وفاة والد حضرتك، طلبت كل الملفات القديمة تتقفل وماحدش يفتحها إلا بإذن منها.”
شعر آدم بأن شيئًا أكبر بكثير من مجرد مؤامرة زواج بدأ يظهر أمامه.
نظر إلى مريم.
كانت لا تزال تبكي خوفًا على أمها، ولم تكن تدري أن اسم أمها أصبح مفتاحًا لسر عمره عشرون عامًا.
قال للطبيب:
— “العملية تبدأ حالًا.”
— “حالًا يا فندم.”
اختفت النقالة داخل غرفة العمليات، وأُغلق الباب.
جلست مريم على أول مقعد قابلها.
كانت ترتجف من التعب والسهر.
اقترب منها آدم ووضع أمامها كوبًا من القهوة الساخنة.
قال بهدوء:
— “من إمتى والدتك كانت شغالة عند عيلتي؟”
هزت رأسها.
— “ماعرفش… أمي عمرها ما كانت بتحب تتكلم عن الماضي.”
— “ولا مرة قالت اسم أبويا؟”
— “كل اللي كانت بتقوله… إن فيه راجل أنقذ حياتها زمان، لكنها ماقدرتش تردله الجميل.”
قبل أن يرد آدم…
رن هاتف مريم.
كان رقمًا مجهولًا.
فتحت الخط.
ولم تنطق.
اللون اختفى من وجهها في لحظة.
سألها آدم:
— “مين؟”
أغلقت السماعة بيد ترتجف.
ثم همست:
— “قالوا… لو أمي خرجت من العملية عايشة… يبقى الدور عليا.”
مد آدم يده وأخذ الهاتف.
لكن المتصل كان قد أغلق الخط.
في نفس الثانية، دخل أحد رجال الأمن مسرعًا.
— “باشا!”
— “خير؟”
— “في واحدة ست كبيرة أصرت تدخل المستشفى، وبتقول إنها لازم تشوف الآنسة مريم قبل فوات الأوان.”
نظر آدم باستغراب.
— “مين هي؟”
رد الحارس:
— “بتقول اسمها… ياسمينة.”
اتسعت عينا مريم فجأة.
همست:
— “مستحيل…”
سألها آدم:
— “تعرفيها؟”
بدأت دموعها تنزل دون إرادتها.
— “دي… صاحبة أمي.”
— “ومالها؟”
قالت بصوت مخنوق:
— “إحنا دفناها من خمس سنين…”نظر آدم إلى الحارس وكأنه لم يسمع جيدًا.
— “بتقول اسمها إيه؟”
— “ياسمينة يا باشا.”
التفت إلى مريم.
كانت شاحبة تمامًا.
— “إنتِ متأكدة إنها ماتت؟”
هزت رأسها بسرعة.
— “أنا حضرت العزاء… وشفت الناس كلها.”
قال آدم للحارس:
— “طلّعها.”
بعد لحظات…
دخلت سيدة في أواخر الستينات.
وجهها شاحب، وعصا خشبية تساعدها على المشي.
لكن أول ما وقعت عيناها على مريم…
انفجرت في البكاء.
— “سامحيني يا بنت سعاد…”
وقفت مريم بذهول.
— “حضرتك… إزاي؟”
قالت العجوز بصوت متقطع:
— “اللي اتدفن… ماكنتش أنا.”
ساد صمت ثقيل.
أكملت وهي تمسح دموعها:
— “كانت أختي التوأم.”
حتى آدم لم يخفِ دهشته.
قالت العجوز:
— “خلوني أختفي… لأن اللي عرفناه وقتها كان كفاية يقتلنا كلنا.”
اقترب آدم خطوة.
— “إيه اللي عرفتيه؟”
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت:
— “أبوك ما ماتش في حادثة.”
انعقد فك آدم.
— “إيه؟”
— “العربية فعلًا اتقلبت… لكن الفرامل كانت متلعب فيها.”
نظر إليها في صمت.
أكملت:
— “وأبوك عرف قبل موته بأسبوع إن في حد من أقرب الناس ليه بيبيع أسرار شركاته.”
قال آدم بحدة:
— “مين؟”
هزت رأسها.
— “ماعرفش اسمه… لكن سعاد كانت تعرف.”
في اللحظة نفسها…
انفتح باب غرفة العمليات.
خرج الطبيب مبتسمًا.
— “الحمد لله… العملية نجحت.”
شهقت مريم وانهارت باكية من الفرحة.
لكن فرحتها لم تدم سوى ثوانٍ.
لأن أحد أجهزة الإنذار في المستشفى بدأ يطلق صفارات متواصلة.
ركض رجال الأمن في الممرات.
ودخل قائد الحراسة وهو يلهث.
— “باشا… في حد متنكر في زي ممرض حاول يدخل أوضة والدة الآنسة مريم.”
قبض آدم على يده.
— “مسكتوه؟”
خفض الرجل رأسه.
— “هرب…”
— “وساب حاجة؟”
أخرج الحارس حقنة صغيرة داخل كيس الأدلة.
نظر إليها الطبيب، فتغير وجهه فورًا.
همس:
— “دي مش حقنة علاج…”
— “أمال إيه؟”
رد الطبيب وهو يبتلع ريقه:
— “دي مادة قاتلة… ولو كانت دخلت جسم المريضة، كانت هتموت في أقل من دقيقة.”
رفع آدم عينيه نحو نهاية الممر.
وفي آخر الرواق…
كانت كاميرا المراقبة قد التقطت للحظة وجه الرجل الهارب.
وحين قرّب أحد أفراد الأمن الصورة…
تجمد الجميع.
لأن الشخص الذي حاول قتل والدة مريم…
لم يكن غريبًا.
كان مدير الأمن الشخصي لآدم الشافعي نفسه.تجمد آدم وهو ينظر إلى الصورة.
قال ببطء:
— “مستحيل…”
اقترب قائد الحرس.
— “للأسف يا باشا… التعرف على الوجه أكد هويته.”
كان الاسم وحده كفيلًا بأن يصيب الجميع بالصدمة.
اللواء حازم عز الدين.
الرجل الذي عمل مع عائلة الشافعي سبعة عشر عامًا.
الرجل الذي حمل آدم على كتفه يوم جنازة والده.
والرجل الذي كان الوحيد الذي يعرف كل تحركاته.
قبض آدم على الهاتف واتصل به فورًا.
“الهاتف مغلق.”
مرة…
واثنتين…
وثلاثًا.
أغلق الخط وهو يدرك الحقيقة.
حازم هرب.
قال لقائد الحرس:
— “اقفلوا كل مخارج القاهرة.”
رد الرجل بأسف:
— “اتأخرنا يا باشا.”
— “ليه؟”
— “من عشرين دقيقة، خرج بطائرة هليكوبتر خاصة من مهبط شركة السيوفي.”
ساد صمت قاتل.
إذًا…
لم تكن ياسمين وحدها متورطة.
كان هناك تنظيم كامل يعمل منذ سنوات.
في هذه الأثناء…
فتحت والدة مريم عينيها داخل غرفة العناية المركزة.
طلبت رؤية ابنتها فورًا.
دخلت مريم وهي تبكي.
جلست بجوار السرير وأمسكت يد أمها.
ابتسمت الأم بصعوبة.
ثم نظرت إلى آدم.
وفجأة قالت بصوت ضعيف:
— “كنت عارفة… إنك هتيجي.”
اقترب آدم بدهشة.
— “حضرتك تعرفيني؟”
هزت رأسها.
— “وأعرف أبوك… الله يرحمه.”
تنهدت بصعوبة.
— “قبل ما يموت بيوم… سلمني ظرف.”
اتسعت عينا آدم.
— “ظرف؟”
أشارت بيد مرتجفة إلى الوسادة.
أخرجت منها مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا، ملفوفًا في قطعة قماش قديمة.
ناولته لآدم.
— “ده مفتاح خزنة في بنك قديم.”
ابتلع ريقه.
— “وفيها إيه؟”
أغمضت عينيها لحظة.
ثم قالت:
— “الحقيقة… كلها.”
لكنها فتحت عينيها مرة أخرى بسرعة، وكأنها تذكرت شيئًا أخطر.
أمسكت معصم آدم بقوة لم يتوقعها.
وهمست:
— “اوعى تفتح الخزنة لوحدك.”
انعقد حاجباه.
— “ليه؟”
قالت آخر جملة قبل أن يغلبها أثر المخدر وتغيب عن الوعي:
— “لأن الشخص اللي قتل أبوك…”
توقفت أنفاسها للحظة.
ثم همست:
— “هيكون واقف مستنيك قدام باب البنك.”ظل آدم ينظر إلى والدة مريم وهي تغيب عن الوعي مرة أخرى.
كانت قبضتها ما زالت ممسكة بمعصمه، وكأنها تحاول منعه من ارتكاب خطأ.
أخذ المفتاح النحاسي ووضعه في جيبه.
ثم التفت إلى قائد الحرس.
— “هاتلي ملف الخزنة.”
بعد عشر دقائق عاد الرجل وهو يحمل جهازًا لوحيًا.
— “الخزنة موجودة فعلًا يا باشا.”
— “مين فتحها آخر مرة؟”
— “ولا مرة… من واحد وعشرين سنة.”
رفع آدم حاجبيه.
— “يعني من يوم وفاة أبويا.”
— “بالضبط.”
تنهد آدم.
ثم قال:
— “هنروح دلوقتي.”
اعترض قائد الحرس بسرعة.
— “ده فخ.”
ابتسم آدم ابتسامة باردة.
— “عارف.”
— “ومع ذلك رايح؟”
— “عشان اللي نصب الفخ… فاكر إني هخاف.”
—
في السادسة صباحًا…
توقفت خمس سيارات سوداء أمام البنك القديم.
كان المبنى مهجورًا تقريبًا، ولم يعد يستقبل إلا أصحاب الخزنات الخاصة.
ترجل آدم أولًا.
ثم نزل خلفه عشرة من رجال الحراسة.
أما مريم فأصرت أن تبقى في المستشفى بجوار والدتها.
دخل آدم إلى القبو.
كان الهواء باردًا، ورائحة الحديد القديم تملأ المكان.
تقدم مدير البنك المسن وهو يرتجف.
— “حضرتك أول واحد يطلب فتح الخزنة دي من سنين.”
أدخل المفتاح.
ثم أدار المقبض.
صدر صوت معدني ثقيل.
وانفتح الباب ببطء.
لكن…
الخزنة لم تكن مليئة بالأموال.
ولا بالمجوهرات.
كان بداخلها صندوق خشبي صغير فقط.
أخرجه آدم بنفسه.
وفتحه.
وجد ثلاث أشياء:
ظرفًا مختومًا باسم: “إلى ابني آدم.”
فلاشة إلكترونية.
وصورة قديمة بالأبيض والأسود.
رفع الصورة.
كانت لوالده وهو يقف بجوار ممرضة شابة.
نظر إليها جيدًا.
شهق مدير البنك.
أما آدم فاتسعت عيناه.
لأن الممرضة في الصورة…
كانت والدة مريم وهي في العشرينات.
وقبل أن يفتح الرسالة…
دوى صوت إطلاق نار في الخارج.
صرخ أحد الحراس:
— “قناصة!”
تحطم زجاج البنك.
وانطلقت رصاصة مباشرة نحو آدم.
لكن أحد رجاله قفز أمامه في اللحظة الأخيرة.
سقط على الأرض والدماء تغطي صدره.
اندفع الجميع للاحتماء.
أغلقوا باب القبو الحديدي.
وبينما كان الرصاص ينهال على المبنى…
فتح آدم الظرف بسرعة.
كانت الرسالة قصيرة جدًا.
كتب والده بخط يده:
> “يا آدم… إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فمعنى ذلك أنني فشلت في إيقافهم.”
ثم قلب الورقة.
وكانت هناك جملة واحدة فقط.
جملة جعلت الدم يتجمد في عروقه:
“مريم ليست مجرد ابنة سعاد… بل هي الوريثة الشرعية لنصف إمبراطورية الشافعي.”ظل آدم يحدق في الرسالة وكأن الكلمات مكتوبة بلغة لا يعرفها.
أعاد قراءتها مرة…
ثم ثانية…
ثم ثالثة.
“مريم… الوريثة الشرعية لنصف إمبراطورية الشافعي.”
همس:
— “إزاي؟”
فتح الظرف مرة أخرى.
كان هناك ورقة صغيرة سقطت منه ولم ينتبه لها وسط إطلاق النار.
رفعها بسرعة.
وجاء فيها:
> “قبل خمسة وعشرين عامًا، أنقذت سعاد حياتي. ولأنني كنت مهددًا بالقتل، سلمتها أمانة لن يعرفها أحد غيرها… طفلة صغيرة.”
انعقد حاجبا آدم.
أكمل القراءة.
> “إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فلا تصدق أي شخص يخبرك أنه يعرف الحقيقة كاملة… حتى أنا.”
ارتبك.
ثم وجد الفلاشة.
أخرج حاسوبًا صغيرًا من حقيبة أحد الحراس، ووصلها بالجهاز.
ظهر تسجيل قديم لوالده.
كان يبدو متعبًا، وكأنه يعرف أن أيامه معدودة.
قال في التسجيل:
— “يا آدم… لو بتشوف الفيديو ده، يبقى أنا غالبًا مت.”
توقف قليلًا.
— “في ناس هتحاول تقنعك إن مريم بنتي… وناس هتقول إنها مش بنتي.”
اتسعت عينا آدم.
— “الحقيقة أعقد من كده.”
ثم قال بوضوح:
— “الوريث الشرعي للإمبراطورية… مش بالدم.”
ساد الصمت داخل القبو.
أكمل الأب:
— “الوريث الحقيقي هو الشخص اللي يملك المستند رقم سبعة.”
نظر آدم حوله.
— “مستند سبعة؟”
وفي نفس اللحظة…
انقطع الفيديو فجأة.
ظهرت على الشاشة رسالة واحدة:
“أدخل كلمة المرور لاستكمال التسجيل.”
ضرب آدم الطاولة بقبضته.
— “ناقص كلمة سر!”
لكن قبل أن يحاول تخمينها…
وصل اتصال مشفر إلى هاتفه.
كان قائد الفريق الذي بقي في المستشفى.
رد آدم فورًا.
جاءه الصوت مذعورًا:
— “باشا… كارثة!”
— “في إيه؟”
— “لما رجعنا أوضة والدة مريم…”
— “قول!”
— “السرير فاضي.”
تجمد آدم.
— “إزاي يعني؟”
— “الكاميرات سجلت إن ست كبيرة خرجت من المستشفى على كرسي متحرك.”
— “دي أكيد والدة مريم.”
— “لأ يا باشا…”
توقف الرجل لحظة.
ثم قال:
— “بعد ما راجعنا التسجيلات… لقينا إن الست اللي خرجت…”
ابتلع ريقه.
— “ما كانتش والدة مريم.”
وفي نفس الثانية…
وصلت رسالة إلى هاتف مريم من رقم مجهول، لم يكن فيها سوى صورة واحدة.
صورة لوالدتها…
مقيدة داخل مكان مظلم.
وتحت الصورة جملة قصيرة:
“لو عايزين تعرفوا مستند رقم سبعة… تعالوا لوحدكم.”نظرت مريم إلى الصورة، وسقط الهاتف من يدها.
صرخت:
— “أمي!”
التقط آدم الهاتف بسرعة.
تفحص الصورة بعين خبيرة.
لم ينظر إلى المرأة أولًا…
بل إلى التفاصيل حولها.
حائط من الطوب الأحمر.
أنبوب صدئ يمر في السقف.
وساعة حائط قديمة متوقفة عند 11:18.
ثم كبّر الصورة أكثر.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
قال قائد الحرس باستغراب:
— “باشا؟”
رد آدم:
— “اللي بعت الصورة ارتكب غلطة.”
— “إيه هي؟”
أشار إلى زاوية الصورة.
كانت هناك لافتة صغيرة بالكاد تُرى، مكتوب عليها:
“مخزن 12”.
قال آدم:
— “دي مش صدفة.”
أمر رجاله بمراجعة جميع مخازن شركات الشافعي والسيوفي التي تحمل هذا الرقم.
بعد دقائق، عاد أحدهم وهو يلهث.
— “لقينا ثلاثة مخازن بنفس الاسم.”
سأل آدم:
— “أنهي واحد اتقفل من عشرين سنة؟”
فتح الرجل الجهاز اللوحي، ثم رفع رأسه ببطء.
— “مخزن قديم في المنطقة الصناعية… كان تابع لشركة والد حضرتك.”
قال آدم:
— “نتحرك.”
—
في الوقت نفسه…
داخل المخزن.
كانت والدة مريم مقيدة على كرسي.
وأمامها وقف اللواء حازم عز الدين.
خلع القناع الذي كان يخفي وجهه.
ابتسم وقال:
— “عارفة ليه لسه مخليكي عايشة؟”
رفعت رأسها بتعب.
— “لأنك لسه ما لقيتش مستند رقم سبعة.”
اختفت الابتسامة من وجهه.
اقترب منها بعصبية.
— “فين هو؟”
ابتسمت لأول مرة.
— “حتى لو قتلتني… مش هتعرف.”
رفع يده ليصفعها…
لكن صوت هاتفه قطعه.
رد بسرعة.
ثم تغيرت ملامحه.
قال المتصل:
— “آدم اتحرك.”
سأل حازم:
— “على المخزن؟”
— “أيوه.”
ابتسم حازم.
— “خلوه يدخل.”
أنهى المكالمة.
ثم ضغط زرًا صغيرًا مخفيًا تحت المكتب.
بدأت أصوات تروس ضخمة تدور تحت الأرض.
ونظر إلى والدة مريم قائلًا:
— “أخيرًا… الفخ هيقفل.”
—
وصل آدم ورجاله إلى المخزن بعد نصف ساعة.
كان المكان هادئًا بصورة مريبة.
لا حراسة.
لا سيارات.
ولا أي حركة.
قال أحد الحراس:
— “ده مش طبيعي.”
أومأ آدم.
— “عارف.”
ثم دخل أولًا.
ما إن تجاوز الباب الرئيسي بخطوتين…
حتى انغلق الباب الحديدي خلفه بقوة هائلة.
وانطفأت الأنوار.
ثم اشتغلت شاشة ضخمة في نهاية المخزن.
ظهر عليها اللواء حازم.
لكنه لم يكن وحده.
كانت بجواره…
ياسمين السيوفي.
ابتسمت وهي تنظر مباشرة إلى آدم وقالت:
— “أهلًا بيك… في المكان اللي أبوك خسر فيه كل حاجة.”
ثم صفقت بيديها.
فارتفع جدار حديدي من الأرض…
وكشف عن عشرات الخزن الحديدية القديمة.
وقالت بهدوء:
— “مستند رقم سبعة موجود هنا فعلًا…”
ثم ابتسمت ابتسامة باردة وأضافت:
— “لكن كل خزنة فيهم مفخخة… وعندك خمس دقائق بس تختار واحدة.”تبادل رجال الحراسة النظرات في صمت.
خمسة دقائق.
وعشرات الخزن.
واختيار واحد خاطئ قد يحول المخزن كله إلى كتلة من النار.
لكن آدم…
لم يتحرك.
ابتسم.
ضيقت ياسمين عينيها.
— “إيه اللي يضحك؟”
قال بهدوء:
— “لأنك كدبتي.”
تغيرت ملامحها للحظة.
— “بمعنى؟”
أشار إلى الخزن.
— “لو كانت كلها مفخخة، ماكنتيش هتسيبي المستند الحقيقي وسطهم.”
ثم نظر إلى الكاميرا مباشرة.
— “إنتِ محتاجة المستند أكتر مني.”
ساد الصمت.
أما اللواء حازم فابتسم ابتسامة خفيفة.
— “قلتلك من زمان… آدم أخطر مما تتخيلي.”
لكن آدم لم يكن ينظر إليهما.
كان ينظر إلى الأرض.
لاحظ آثار عجلات حديثة أمام خزنة واحدة فقط.
بينما الغبار غطى باقي الخزن بالكامل.
اقترب منها.
صرخ حازم من الشاشة:
— “متفتحهاش!”
ابتسم آدم.
— “يبقى هي دي.”
أدار المقبض.
ولم يحدث أي انفجار.
فتح الباب ببطء…
فوجد بداخله صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
أخرجه ووضعه على الأرض.
فتحه.
لكن بدلًا من الأوراق…
وجد جهاز تسجيل قديم.
ضغط زر التشغيل.
وانطلق صوت والده في أرجاء المخزن:
> “إذا وصلت إلى هنا يا آدم… فأنت أثبت أنك لم تعتمد على القوة، بل على الملاحظة.”
ساد الصمت.
ثم أكمل الصوت:
> “مستند رقم سبعة ليس ورقة… بل شخص.”
اتسعت عينا آدم.
أما ياسمين فاختفى لون وجهها.
تابع التسجيل:
> “الشخص الوحيد الذي يعرف مكان نقل ملكية الإمبراطورية الحقيقية…”
توقف التسجيل لثانية.
ثم قال بوضوح:
> “هو سعاد عبدالرحمن.”
شهقت مريم، التي كانت تستمع عبر سماعة الهاتف التي تركها آدم مفتوحة معها من المستشفى.
وفي اللحظة نفسها…
ارتبك اللواء حازم.
صرخ في رجاله:
— “اقتلوا سعاد قبل ما تتكلم!”
لكن جاءه رد مرتبك عبر اللاسلكي:
— “يا فندم… متأخرين.”
— “ليه؟”
— “سعاد… اختفت من المكان اللي كانت محتجزة فيه.”
التفت حازم إلى ياسمين بصدمة.
— “مين خرجها؟”
وقبل أن تجيب…
أُطفئت الشاشة فجأة.
ثم أضاءت مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
لم يظهر حازم ولا ياسمين.
ظهر وجه امرأة تبتسم بهدوء.
كانت…
والدة مريم.
وقالت جملة واحدة:
— “أنا اللي كنت بلعب بيكم من البداية… والآن جاء دوري أحكي الحقيقة.”وقف آدم صامتًا لعدة ثوانٍ.
ثم قال بهدوء غريب:
— “حازم كان مجرد منفذ.”
نظر إليه قائد الحرس.
— “يعني لسه في حد أكبر منه؟”
أومأ آدم.
— “اللي قتل حازم… قتل آخر شاهد كان ممكن يوصّلنا للحقيقة.”
في تلك اللحظة، رن هاتف آدم.
رقم مخفي.
رد فورًا.
جاءه صوت مشوش إلكترونيًا:
— “لو عايز تشوف سعاد حية… تعالى لوحدك.”
قال آدم ببرود:
— “فين؟”
— “المكان اللي بدأت فيه الحكاية.”
وانقطع الخط.
نظر آدم إلى مريم.
— “تعرفي المكان ده؟”
هزت رأسها بالنفي.
لكنها تذكرت فجأة شيئًا.
أخرجت من شنطتها دفترًا قديمًا كانت والدتها تحتفظ به.
كان مليئًا بوصفات علاج ومواعيد مرضى.
وبين صفحاته…
وجدت صورة صغيرة.
على ظهرها مكتوب بخط يد سعاد:
“أول يوم اشتغلت فيه عند عائلة الشافعي.”
وفي أسفلها عنوان قديم:
“قصر الشافعي القديم – المنصورية.”
ابتسم آدم ابتسامة خفيفة.
— “إذن… هناك.”
—
بعد ساعة…
وصلت السيارات إلى قصر الشافعي المهجور.
كان القصر مغلقًا منذ وفاة والد آدم.
الأشجار اليابسة غطت المدخل.
والنوافذ تحطمت بفعل الزمن.
فتح آدم الباب الرئيسي بنفسه.
صرير الباب ملأ المكان.
دخل الجميع بحذر.
وفجأة…
سمعوا صوت بيانو.
نغمة واحدة.
ثم الثانية.
ثم توقف.
تبادل رجال الأمن النظرات.
قال أحدهم:
— “في حد هنا.”
تتبع آدم الصوت حتى وصل إلى الصالون الكبير.
كانت هناك طبقة كثيفة من التراب…
إلا مكانًا واحدًا فقط.
مقعد البيانو.
كان نظيفًا.
اقترب ببطء.
وفوق المفاتيح وجد ظرفًا أبيض.
فتح الظرف.
وجد بداخله مفتاحًا ذهبيًا ورسالة قصيرة:
> “لو وصلت لحد هنا، يبقى بقي فاضل باب واحد.”
رفع آدم رأسه.
وفي اللحظة نفسها…
بدأت مكتبة القصر الضخمة تتحرك ببطء.
خلفها ظهر باب حديدي سري.
نظر إليه الجميع بدهشة.
أدار آدم المفتاح الذهبي.
وانفتح الباب.
نزلوا درجات حجرية طويلة تحت الأرض.
حتى وصلوا إلى غرفة لم يرها أحد منذ أكثر من عشرين عامًا.
في منتصفها…
مكتب والد آدم كما تركه يوم وفاته.
كل شيء في مكانه.
القلم.
النظارة.
وفنجان قهوة جف منذ زمن.
لكن الشيء الذي لفت انتباه آدم…
كان إطار صورة مقلوبًا على المكتب.
أعاده إلى وضعه الطبيعي.
فتجمد مكانه.
الصورة لم تكن لوالده وحده.
كانت تجمع أربعة أشخاص يبتسمون أمام القصر:
والد آدم.
سعاد.
اللواء حازم.
ورجل رابع، قُص وجهه من الصورة بعناية.
وقبل أن ينطق أحد…
وصل صوت تصفيق بطيء من آخر الغرفة.
خرج رجل مسن أنيق، يرتدي بدلة سوداء.
كان يبتسم بثقة.
ثم قال:
— “كنت أعرف إنك هتوصل هنا يا آدم…”
نظر إليه آدم مليًا.
ثم اتسعت عيناه.
همس:
— “حضرتك…!”
ابتسم الرجل وقال:
— “أيوه…”
ثم نطق بالاسم الذي لم يسمعه آدم منذ جنازة والده:
“أنا فؤاد الشافعي… عمك.”تراجع أحد رجال الحراسة خطوة إلى الخلف من شدة الصدمة.
همس:
— “مستحيل… الأستاذ فؤاد مات من تسعتاشر سنة.”
ابتسم الرجل في هدوء.
— “وده بالضبط اللي خلياني أعيش.”
ثبت آدم نظره عليه.
كانت ملامحه أكبر سنًا، لكن العينين…
نفس العينين اللتين رآهما في صور العائلة القديمة.
قال آدم بصوت حاد:
— “لو إنت عمي فعلًا… فين كنت كل السنين دي؟”
أخذ فؤاد نفسًا عميقًا.
— “مختبئ.”
— “من مين؟”
— “من الشخص اللي قتل أخويا.”
ساد الصمت.
ثم ألقى فؤاد على المكتب ملفًا جلديًا قديمًا.
— “قبل ما تتهمني… افتح ده.”
فتح آدم الملف.
وجد داخله عشرات الصور والمستندات.
كلها عن تحويلات مالية، وعقود، وأسماء شركات وهمية.
لكن آخر ورقة كانت الأكثر غرابة.
كانت شجرة عائلة الشافعي.
وعليها علامة حمراء حول اسم واحد.
ليس اسم آدم.
ولا اسم فؤاد.
ولا اسم ياسمين.
بل اسم شخص لم يلتفت إليه أحد طوال الأحداث.
قرأ آدم الاسم بصوت منخفض:
— “كريم… كريم عبدالرحمن.”
شهقت مريم.
— “أخويا؟!”
نظر إليها فؤاد وقال:
— “هو فعلًا أخوكي؟”
عقدت حاجبيها.
— “طبعًا.”
هز فؤاد رأسه ببطء.
— “لأ.”
تجمد الجميع.
قال بهدوء:
— “كريم اتبنى وهو رضيع.”
اتسعت عينا مريم.
— “إيه؟!”
— “سعاد خبت الحقيقة حتى عنكم.”
اقترب آدم من عمه.
— “تقصد إيه؟”
فتح فؤاد صفحة أخرى من الملف.
كانت شهادة ميلاد قديمة.
ثم قال:
— “الطفل اللي اتربى باسم كريم عبدالرحمن…”
أشار بإصبعه إلى اسم الأب الحقيقي.
“…هو الابن البيولوجي لأخويا.”
نظر آدم إلى الورقة، وشعر بالأرض تهتز تحت قدميه.
همس:
— “يعني…”
أكمل فؤاد:
— “يعني كريم هو ابن والدك.”
لم تستطع مريم الوقوف أكثر.
جلست على أقرب كرسي وهي تبكي.
— “يعني… كريم أخوك؟”
أغلق آدم عينيه.
كل الأسرار التي ظن أنها انتهت…
بدأت تتضاعف.
لكن قبل أن يسأل أي سؤال آخر…
انفتح الباب السري خلفهم بعنف.
ودخل أحد رجال الحراسة وهو يلهث.
صرخ:
— “باشا!”
التفت الجميع إليه.
قال بصوت مرتجف:
— “لقينا الأستاذ كريم…”
سأل آدم بسرعة:
— “فين؟”
رد الرجل:
— “واقف بره القصر.”
ثم ابتلع ريقه وأكمل:
— “ومعه… خمسين راجل مسلح.”
وفي اللحظة نفسها…
دوّى صوت كريم من خارج القصر عبر مكبر صوت:
— “افتحوا الباب يا آدم… أو هولّع القصر بمن فيه.”نظر آدم إلى مريم.
كانت تبكي وهي تهز رأسها بقوة.
— “مستحيل… كريم عمره ما يعمل كده.”
لكن فؤاد لم يبدُ عليه أي اندهاش.
بل قال بهدوء:
— “كنت عارف إنه هييجي.”
التفت إليه آدم بسرعة.
— “يعني إنت كنت عارف إنه عايش؟”
— “أيوه.”
— “وسبتنا نكتشف ده بالطريقة دي؟”
قبل أن يجيب…
اهتزت نوافذ القصر بصوت انفجار في الخارج.
صرخ أحد رجال الحراسة:
— “ضربوا البوابة الرئيسية!”
دوّى صوت كريم مرة أخرى عبر مكبر الصوت:
— “آخر إنذار… قدامكم دقيقة.”
اقترب آدم من إحدى النوافذ، وألقى نظرة سريعة إلى الخارج.
تجمد.
كانت عشرات السيارات السوداء تحيط بالقصر.
ورجال مسلحون ينتشرون في الحديقة.
وفي المنتصف…
وقف كريم.
لكن شيئًا لم يكن طبيعيًا.
لاحظ آدم أن يدي كريم مقيدتان خلف ظهره.
وأن فوهة مسد..س مضغوطة على ظهره من أحد الرجال.
عاد بسرعة إلى الداخل.
قال لمريم:
— “أخوكي مش قائدهم.”
رفعت رأسها بلهفة.
— “إزاي؟”
— “هو رهينة.”
في اللحظة نفسها، ارتفع صوت رجل آخر عبر مكبر الصوت.
صوت لم يسمعه أحد منهم من قبل.
هادئ…
لكنه يحمل ثقة مخيفة.
قال:
— “أخيرًا فهمت يا آدم.”
ساد الصمت داخل القصر.
أكمل الرجل:
— “كريم مجرد رسول.”
سأل آدم بصوت مرتفع:
— “إنت مين؟”
ضحك الرجل.
ثم قال:
— “أنا الشخص اللي أبوك قضى عشرين سنة يحاول يوصلي.”
تبادل آدم وفؤاد النظرات.
كانت هذه أول مرة يبدو فيها الخوف على وجه فؤاد.
همس:
— “لا…”
سأله آدم:
— “تعرفه؟”
أغلق فؤاد عينيه للحظة.
ثم قال:
— “لو كان هو فعلًا…”
لم يكمل.
لكن الصوت في الخارج أكمل بدلًا منه:
— “واضح إنك لسه فاكرني يا فؤاد.”
ثم ساد صمت لثوانٍ.
وأخيرًا نطق اسمه:
— “اسمي… نادر.”
ارتبك آدم.
الاسم لم يكن يعني له شيئًا.
لكن فؤاد شحب وجهه تمامًا.
وقال بصوت مرتجف:
— “اهرب يا آدم…”
— “ليه؟”
نظر فؤاد إلى الباب وهو يهمس:
— “لأن نادر…”
توقف لحظة.
ثم قال الجملة التي صدمت الجميع:
— “ماكانش شريك أبوك… كان أخوه التوأم.”
تجمد آدم مكانه.
إذا كان هذا صحيحًا…
فكل ما عرفه عن عائلته منذ البداية كان مبنيًا على نصف الحقيقة فقط.