زعيم المافيا تجاهل كل النساء حكايات ميراا

زعيم المافيا تجاهل كل النساء الجميلات… إلى أن أوقفه صوت عاملة نظافة بسيطة

كانت رائحة عطور يتجاوز ثمنها مئات الآلاف من الجنيهات تختلط برائحة اليأس الواضحة التي التصقت بكل امرأة قُدمت أمام أدهم الشافعي.

 

جئن مرتديات أفخم الفساتين الحريرية، وضحكاتهن محفوظة، وابتساماتهن مصطنعة. أما أدهم، الرجل الذي كانت كلمته تُسيطر على الميناء، وكبار رجال الأعمال، ونفوذ المدينة كله، فقد صرفهن جميعًا، بينما كان يغرق أكثر في مللٍ لا يُحتمل.

 

ثم، في صباح ثلاثاء عادي، اختفى كل الضجيج.

 

تسلل صوت من ممرات الجناح الشرقي للقصر.

 

كان صوتًا بسيطًا، خاليًا من التصنع، مثقلًا بحزن لا يمكن شراؤه بالمال ولا تقليده.

 

ولأول مرة منذ عشر سنوات…

 

توقف أدهم عن السير.

 

—

 

كان الثلج داخل كأس الويسكي قد ذاب منذ عشرين دقيقة.

 

ومع ذلك، لم يشرب منه رشفة واحدة.

 

ظل يمسك الكأس الزجاجي ويترك قطرات الماء الباردة تخدر أصابعه، بينما ينظر من الشرفة إلى قاعة الاحتفال.

 

اليوم كان عيد ميلاده الخامس والثلاثين.

 

ورأت العائلة أن المناسبة تستحق احتفالًا أسطوريًا.

 

امتلأ قصر الشافعي، المبني فوق تلة تطل على البحر، بما يقارب خمسمائة شخص… نصفهم كان سيذبحه لو ظن أنه سينجو بعد ذلك.

 

لكنهم بدلًا من ذلك…

 

شربوا من خموره، وقدموا له النساء.

 

قال طارق، الرجل الثاني في التنظيم، وهو يستند إلى الدرابزين الخشبي:

 

“دي أمها من عيلة أرستقراطية قديمة… متعلمة في سويسرا، وبتتكلم أربع لغات. عندها أربعة وعشرين سنة، ومن ساعة ما دخلت وهي مش شايلة عينها من عليك.”

 

نظر أدهم إلى الأسفل.

 

كانت تقف بجوار نافورة الثلج، ترتدي فستانًا أحمر مكشوف الظهر، يقف بدقة وكأنه مفصل على جسدها.

 

وحين لاحظت أنه ينظر إليها…

 

ابتسمت ببطء، ثم خفضت رأسها لتنظر إليه من أسفل رموشها.

 

إغراء محسوب.

 

حركة تدربت عليها كثيرًا.

 

لكن…

 

أدهم لم يشعر بأي شيء.

 

قال بهدوء:

 

“قول لها تروح.”

 

فرك طارق جبهته بضيق.

 

“إنت بتهزر؟ دي رابع واحدة الليلة. قبلها بنت رجل أعمال كبير، وبعدها موديل إيطالية… ودلوقتي بنت من عيلة أرستقراطية.”

 

ثم سأله:

 

“إنت مستني تلاقي مين؟ ولية صالحة؟ ولا شهيدة؟ النوع ده مش موجود وسط الناس اللي حوالينا.”

 

رد أدهم بصوته الخشن الذي كان يكفي لإسكات أخطر الرجال:

 

“أنا بدور على واحدة… مش صفقة.”

 

ووضع كأس الويسكي فوق صينية أحد النادلين.

 

ثم أكمل:

 

“أنا لما ببص لها… بشوف عقد اتفاق. هي عايزة اسم الشافعي يحميها، وأبوها عايز يشتغل مع موانينا.”

 

ابتسم بسخرية.

 

“ولو كنت عايز أتفاوض… كنت دخلت قاعة اجتماعات، مش أوضة نوم.”

 

هز طارق كتفيه.

 

“إنت زعيم أكبر منظمة في البلد… كل حاجة بالنسبة لك صفقة.”

 

ثم أضاف:

 

“الناس العادية كمان بتتجوز علشان مصلحة… الفرق إنك إنت مش بتضحك على نفسك.”

 

فتح أدهم سترته قليلًا.

 

قاعة الحفل كانت تخنقه.

 

روائح العطور الفاخرة، والبط المشوي، والسيجار…

 

كلها اختلطت في الهواء حتى أصبح خانقًا.

 

وكانت بالنسبة له…

 

رائحة الجشع.

 

كرهها.

 

خلال عشر سنوات، بنى إمبراطوريته من الدم والخرسانة.

 

ورث تنظيمًا ينهار بعد وفاة والده…

 

وحوله إلى حصن لا يستطيع أحد الاقتراب منه.

 

امتلك المال.

 

وامتلك السلطة.

 

لكن كلما صعد أكثر…

 

أصبح العالم حوله أكثر فراغًا.

 

كل حديث تحول إلى مصالح.

 

كل ابتسامة تخفي كذبة.

 

وأجمل النساء اللواتي يستطيع المال شراءهن…

 

أصبحن بالنسبة له متشابهات.

 

دمى ترتدي ماركات عالمية.

 

قال:

 

“أنا رايح المكتب.”

 

اعترض طارق:

 

“الحفلة معمولة علشانك. رؤساء العائلات الكبيرة تحت… ولو مشيت دلوقتي هيعتبروا ده إهانة.”

 

رد أدهم ببرود:

 

“قول لهم عندي صداع.”

 

“أدهم…”

 

قاطعه بنبرة حاسمة:

 

“قلت… عندي صداع.”

 

لم تكن طلبًا.

 

رفع طارق يديه مستسلمًا.

 

“تمام… لكن الست اللي بالفستان الأحمر أنا مش هبلغها. الفستان تمنه أكتر من عربيتي.”

 

لم يبتسم أدهم.

 

واستدار وغادر.

 

—

 

ابتلعت السجاجيد الفارسية صوت خطواته وهو يسير في الطابق العلوي.

 

كل ما كان يريده…

 

هو الهدوء.

 

وكأس ويسكي رخيص.

 

وأي مكان بعيد عن حفلة عيد ميلاده.

 

—

 

وفي الطابق السفلي…

 

بعيدًا عن الموسيقى والأضواء…

 

كانت سارة محمود تجلس على ركبتيها في أحد ممرات الخدمة.

 

الموسيقى تصلها مكتومة من السقف.

 

لم تكن تهتم بالحفل.

 

كل تركيزها كان على أثر حذاء أسود التصق بأسفل الحائط بجوار غرفة الغسيل.

 

رشّت المزيد من سائل التنظيف.

 

أحرقت رائحة الكلور والليمون الصناعي أنفها، بينما ظلت تفرك البقعة حتى احمرت مفاصل أصابعها.

 

كان عمرها ستة وعشرين عامًا.

 

لكن الهالات السوداء تحت عينيها جعلتها تبدو أكبر.

 

كانت ترتدي تيشيرتًا رماديًا واسعًا يحمل شعار شركة النظافة، وبنطال عمل أسود باهت، وحذاءً مطاطيًا يصدر صريرًا مع كل خطوة.

 

أما شعرها البني…

 

فكان مربوطًا بسرعة بمشبك بلاستيكي مكسور الأسنان.

 

جلست للخلف ومسحت العرق عن جبينها.

 

نظرت إلى ساعتها الرقمية الرخيصة.

 

الساعة…

 

الحادية عشرة وخمس وأربعون دقيقة.

 

بقيت خمس عشرة دقيقة فقط على انتهاء الوردية.

 

بعدها رحلة أتوبيس أربعين دقيقة…

 

ثم أربع ساعات نوم…

 

ثم تبدأ عملها الثاني في مطعم شعبي عند السادسة صباحًا.

 

حياة تستنزفها ببطء.

 

لكنها لم تكن تملك خيارًا.

 

أخوها الأصغر كريم ارتكب أغبى خطأ في حياته.

 

استدان مليون جنيه من رجال يتبعون عائلة الشافعي بعدما ظن أنه سيربحها في القمار.

 

وخلال أشهر قليلة…

 

تضاعف الدين.

 

ثم كسروا ذراعه.

 

ووعدوه أن تكون المرة القادمة ظهره.

 

ذهبت سارة إليهم بنفسها.

 

لم تبكِ.

 

ولم تتوسل.

 

وضعت كل مدخراتها فوق الطاولة.

 

وقالت إنها ستعمل حتى تسدد باقي الدين.

 

فضحكوا منها.

 

لكنهم قبلوا العرض.

 

ومنذ ذلك اليوم…

 

كل راتب تحصل عليه يذهب مباشرة لسداد الدين.

 

ولا يبقى معها سوى إيجار الشقة وثمن كيس مكرونة سريع التحضير.

 

—

 

“يا سارة.”

 

رفعت رأسها.

 

كانت أم حسن، إحدى عاملات المطبخ، تحمل كيس قمامة كبيرًا.

 

قالت:

 

“لسه بتنضفي؟ سيبي العلامة دي… الباشا عمره ما بينزل هنا.”

 

أجابت سارة وهي تواصل الفرك:

 

“لو سيبتها… المشرف هيخصم من مرتبي.”

 

تنهدت أم حسن.

 

“إنتِ بتتعبي علشان ناس أصلًا ميعرفوش إنك موجودة.”

 

ابتسمت سارة بتعب.

 

“أنا مش فارق معايا يعرفوني.”

 

ثم قالت وهي تنظر إلى البقعة التي اختفت أخيرًا:

 

“كل اللي يهمني… أسدد اللي عليا.”

 

نظرت إليها أم حسن بحزن.

 

ثم أخرجت منديلًا ملفوفًا.

 

“جبتلك رغيفين صغيرين من الأكل اللي فوق.”

 

تجمدت سارة.

 

ثم ابتسمت لأول مرة منذ أيام.

 

“ربنا يخليكِ.”

 

“كلي حاجة… إنتِ بقيتي عضم.”

 

غادرت أم حسن.

 

أما سارة…

 

فأكلت الرغيفين الباردين وكأنهما أفخم وجبة في العالم.

 

كانت مجرد شبح داخل قصر الشافعي.

 

تنظف آثار من يظنون أنفسهم آلهة…

 

ولا يلاحظها أحد.

 

وكان هذا يناسبها.

 

لأن ملاحظة أدهم الشافعي لها…

 

لن تعني إلا المتاعب.

 

دفعت عربة النظافة نحو الجناح الشرقي، حيث كانت الحمامات المغلقة بسبب التجديدات تنتظر التنظيف الأخير.

 

هناك…

 

كان الهدوء يبتلع كل شيء.

 

—

 

أما أدهم…

 

فلم يصل إلى مكتبه.

 

بل تعمد أن يبتعد أكثر عن الحفل.

 

دخل الجناح الشرقي.

 

كان الهواء باردًا، وتحمل الجدران رائحة الدهان الجديد ونشارة الخشب.

 

توقف أمام نافذة كبيرة تطل على البحر.

 

شعر فجأة أنه أكبر من عمره.

 

وكأنه آلة ظلت تعمل سنوات طويلة دون أن ترتاح.

 

أغمض عينيه…

 

ثم سمع شيئًا.

 

صوتًا خافتًا.

 

قادمًا من خلف أحد الأبواب.

 

تجمد مكانه.

 

ووضعت يده تلقائيًا على المس\دس المخبأ داخل سترته.

 

تحرك بخطوات صامتة.

 

وكلما اقترب…

 

أصبح الصوت أوضح.

 

لم يكن أحد يتحدث…

 

بل كانت هناك فتاة…

 

#حكايات_ميراا

 

سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ

باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️

كان الصوت… غناءً.

 

ليس غناءً جميلًا بالمعنى المعتاد.

 

بل صوتًا مبحوحًا، متعبًا، يخرج بهدوء كأن صاحبته تخشى أن يسمعها أحد.

 

كانت تدندن وهي تمسح الأرض:

 

“يا رب… هونها عليّا… أنت وحدك عالم بحالي.”

 

توقف أدهم مكانه.

 

لم تكن الكلمات مميزة.

 

لكن الطريقة التي خرجت بها…

 

كانت صادقة إلى درجة مؤلمة.

 

منذ سنوات لم يسمع أحدًا يغني دون أن ينتظر مقابلًا، أو إعجابًا، أو تصفيقًا.

 

اقترب أكثر.

 

ومن خلال الباب نصف المفتوح…

 

رآها.

 

فتاة بملابس عاملات النظافة، منكفئة على الأرض، تمسك الممسحة بيد، وباليد الأخرى قطعة خبز يابسة تأكل منها بين كل دقيقة وأخرى حتى لا يراها أحد.

 

لم تكن تعلم أن أخطر رجل في القصر يقف على بعد خطوات منها.

 

سمعها تتمتم لنفسها وهي تنظر إلى شاشة هاتف قديم متشقق:

 

“يا رب… النهارده أقدر أدفع القسط قبل ما يروحوا لكريم.”

 

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم التعب.

 

“بس خلّيه يعيش… وأنا أشتغل العمر كله.”

 

لم يعرف أدهم لماذا…

 

لكن شيئًا انقبض داخل صدره.

 

كانت كل النساء في الأسفل يطلبن منه حياة أفضل.

 

أما هذه…

 

فكانت تطلب من الله حياة لشخص آخر.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

اهتز جهاز الاتصال في أذن أحد الحراس.

 

ظهر خلف أدهم مباشرة وقال بصوت منخفض:

 

“باشا… القاعة مستنياك.”

 

أشار إليه أدهم أن يصمت.

 

لكن الحارس كان قد تكلم بالفعل.

 

رفعت سارة رأسها بسرعة.

 

التقت عيناها بعيني الرجل الواقف عند الباب.

 

لم تعرفه.

 

كل ما رأته…

 

رجل طويل ببدلة سوداء فاخرة، ينظر إليها بصمت.

 

شهقت بخفوت، ثم وقفت مرتبكة ومسحت يديها في مريول العمل.

 

“آسفة يا فندم… الحمام مقفول خمس دقايق وهخلص.”

 

لم يرد.

 

ظل ينظر إليها.

 

نظرة أربكتها أكثر.

 

خفضت رأسها وهي تظن أنه أحد الضيوف المهمين.

 

“والله ما كنتش بقعد… كنت باكل لقمتين بس.”

 

قال بهدوء:

 

“اسمك إيه؟”

 

ترددت.

 

“سارة.”

 

“من إمتى بتشتغلي هنا؟”

 

“سبع شهور.”

 

أومأ برأسه.

 

ثم سأل السؤال الذي لم يفهم هو نفسه سبب خروجه:

 

“ليه كنتِ بتغني؟”

 

ابتسمت بخجل.

 

“لأن الشغل بيخلص أسرع لما الواحد يغني.”

 

ثم أضافت وهي تضحك على نفسها:

 

“أو يمكن علشان محدش يسمعني وأنا بتكلم مع ربنا.”

 

لأول مرة منذ سنوات…

 

شعر أدهم أن أحدًا أجابه دون خوف، ودون مصلحة.

 

وفي تلك اللحظة…

 

رن هاتفه الخاص.

 

نظر إلى الشاشة.

 

كان المتصل…

 

طارق.

 

رد بضيق.

 

جاءه الصوت مرتبكًا على غير عادته:

 

“أدهم… سيب كل حاجة وارجع حالًا.”

 

ضاقت عيناه.

 

“خير؟”

 

ابتلع طارق ريقه ثم قال:

 

“اكتشفنا إن البنت اللي قدامك دلوقتي… أخوها عليه دين بمليون جنيه عند رجالنا.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أكمل بصوت أخفض:

 

“وفيه أمر قديم اتسجل باسمك… بيقول إنه لو القسط اتأخر الليلة، يتنفذ العقاب قبل الفجر.”

 

نظر أدهم ببطء إلى سارة…

 

كانت قد عادت لتنظيف الأرض، غير مدركة أن الرجل الذي يقف أمامها…

 

هو نفسه صاحب القرار الذي قد يغيّر حياتها كلها خلال ساعات.أغلق أدهم الهاتف ببطء.

 

لم ينطق بكلمة.

 

ظل ينظر إلى سارة وهي تدفع عربة النظافة نحو الممر التالي، وكأن شيئًا لم يحدث.

 

لم تكن تعلم…

 

أن حياتها انقسمت إلى ما قبل هذه اللحظة وما بعدها.

 

قال للحارس الواقف خلفه:

 

“هاتلي ملف الدين كامل… خلال خمس دقايق.”

 

هز الحارس رأسه وغادر راكضًا.

 

أما سارة، فرفعت دلو الماء بصعوبة، وانسكب جزء منه على الأرض.

 

تنهدت وهي تتمتم:

 

“يا ساتر… لو المشرف شاف كده هيخصم نص اليومية.”

 

وقبل أن تنحني لتنظفه…

 

وجدت رجل البدلة السوداء ينحني أمامها.

 

أخذ منها الدلو بكل هدوء.

 

اتسعت عيناها.

 

“يا فندم… سيبه، ده شغلي.”

 

أعاد الدلو إلى العربة دون أن ينظر إليها.

 

ثم قال:

 

“متتعبيش ضهرك.”

 

ابتسمت بخجل.

 

“شكراً.”

 

وغادرت.

 

وقف أدهم مكانه يراقبها حتى اختفت خلف زاوية الممر.

 

 

—

 

بعد عشر دقائق…

 

دخل طارق إلى مكتب أدهم وهو يحمل ملفًا بنيًا سميكًا.

 

ألقاه فوق المكتب وقال:

 

“ملف البنت.”

 

فتح أدهم الملف.

 

الاسم:

 

سارة محمود عبد الرحيم.

 

العمر:

 

ستة وعشرون عامًا.

 

الوظيفة:

 

عاملة نظافة.

 

ثم انتقل إلى الصفحة التالية.

 

تقرير التحصيل.

 

توقف عند أول سطر.

 

المدين الحقيقي: كريم محمود عبد الرحيم.

 

القيمة الأساسية:

 

مليون جنيه.

 

الفوائد والغرامات:

 

مليون ومائتا ألف جنيه.

 

إجمالي المطلوب:

 

مليونان ومائتا ألف جنيه.

 

رفع عينيه ببطء.

 

“إزاي مليون بقت اتنين وربع تقريبًا؟”

 

رد طارق بلا مبالاة:

 

“فوائد تأخير.”

 

قلب أدهم الصفحة التالية.

 

وجد تقريرًا مصورًا.

 

صورة لذراع كريم المكسورة.

 

وصورة أخرى لسارة وهي تخرج من أحد البنوك حاملة ظرفًا صغيرًا.

 

وتحتها تعليق بخط أحد رجاله:

 

“بتدفع كل مرتبها… ولسه مكملة.”

 

ظل يقرأ.

 

ثم توقف فجأة عند آخر تقرير.

 

“الهدف رفض الهروب مرتين… وطلب مهلة بدل ما تهرب.”

 

أغلق الملف بقوة.

 

“مين المسؤول عن الملف ده؟”

 

قال طارق:

 

“رأفت.”

 

ضغط أدهم زر الاتصال الداخلي.

 

“خلي رأفت يطلعلي حالًا.”

 

 

—

 

بعد دقائق…

 

دخل رأفت.

 

رجل ضخم الجسد، تبدو على وجهه آثار معارك كثيرة.

 

ابتسم بثقة.

 

“أوامرك يا باشا.”

 

ألقى أدهم الملف أمامه.

 

“إنت اللي ماسك التحصيل؟”

 

“أيوه.”

 

“ليه الفوايد بالشكل ده؟”

 

ضحك رأفت.

 

“علشان يتعلموا.”

 

سأله أدهم:

 

“والبنت؟”

 

“دي؟”

 

ابتسم باستهزاء.

 

“كل شهر تيجي تدفع وهي مكسوفة تطلب مهلة.”

 

ثم أضاف ضاحكًا:

 

“بصراحة… عندها كرامة زيادة.”

 

ساد الصمت.

 

اقترب أدهم منه خطوة.

 

“ضربتو أخوها؟”

 

“مرة واحدة.”

 

“كسرتوا دراعه؟”

 

“كان لازم يعرف إن الدين مش لعبة.”

 

رفع أدهم رأسه.

 

نظر إليه نظرة باردة جعلت الابتسامة تختفي من وجه رأفت.

 

قال بصوت منخفض جدًا:

 

“أنا قلتلك تكسر دراعه؟”

 

تردد رأفت.

 

“لا… بس إحنا فهمنا إن…”

 

قاطعه أدهم.

 

“إنت فهمت غلط.”

 

ثم ضغط الزر مرة أخرى.

 

دخل أربعة من الحراس.

 

أشار إليهم دون أن يرفع صوته.

 

“اسحبوا السلا\ح منه.”

 

تجمد رأفت.

 

“باشا؟”

 

ثم جاءت الجملة التي جعلت الدم يهرب من وجهه.

 

“من النهارده… إنت موقوف عن أي شغل يخص اسمي.”

 

حاول الاعتراض.

 

“بس يا باشا…”

 

“ولو لمست البنت أو أخوها بعد كده…”

 

اقترب أدهم حتى أصبح وجهه أمام وجه رأفت مباشرة.

 

“…هتعرف يعني إيه تعاقب واحد اشتغل تحت اسم الشافعي من غير إذن الشافعي.”

 

ابتلع رأفت ريقه.

 

ولأول مرة منذ سنوات…

 

خرج من مكتب أدهم وهو يشعر بالخوف.

 

 

—

 

في الوقت نفسه…

 

كانت سارة قد انتهت من ورديتها.

 

خرجت من بوابة الخدمة تحمل حقيبة قماشية قديمة.

 

وقفت تنتظر الأتوبيس.

 

أخرجت من جيبها عشرين جنيهًا فقط.

 

نظرت إليها بحزن.

 

“يكفوا مواصلات… وبكرة ربنا يسهل.”

 

لم تكن تعرف…

 

أن سيارة سوداء فاخرة كانت متوقفة على الجانب الآخر من الطريق.

 

وخلف الزجاج الداكن…

 

كان أدهم الشافعي يراقبها بصمت.

 

لكنه لم يكن يعلم أن هناك شخصًا آخر يراقبها أيضًا…

 

رجل يقود دراجة نارية، تلقى قبل دقائق رسالة قصيرة من رقم مجهول:

 

“البنت خرجت من القصر… خلّصوا الموضوع قبل ما توصل بيتها.”أدار سائق الدراجة النارية المحرك ببطء.

 

كان يراقب سارة من نهاية الشارع، بينما كانت تسير بخطوات متعبة نحو موقف الأتوبيس، لا تحمل سوى حقيبتها القماشية وعلبة طعام فارغة.

 

ضغط على سماعة الأذن.

 

“الهدف بيتحرك.”

 

جاءه الرد سريعًا:

 

“ممنوع دوشة… خلّصها وخليها حادث.”

 

على الجانب الآخر…

 

كانت سيارة أدهم لا تزال متوقفة.

 

لاحظ حارسه الشخص نفسه للمرة الثالثة.

 

قال بهدوء:

 

“باشا… فيه موتوسيكل من ساعة ما البنت خرجت وهو واقف.”

 

لم يحول أدهم نظره.

 

“أنا شايفه.”

 

بعد ثوانٍ…

 

تحركت سارة.

 

فتح سائق الدراجة الغاز، وانطلق خلفها.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

قال أدهم كلمة واحدة فقط:

 

“اتحرك.”

 

انطلقت السيارة السوداء كالسهم.

 

 

—

 

وصلت سارة إلى ممر ضيق يؤدي إلى موقف الأتوبيسات.

 

كان الشارع شبه خالٍ.

 

أضاء أحد أعمدة الإنارة ثم انطفأ من جديد.

 

شعرت بقشعريرة غريبة.

 

التفتت خلفها.

 

لم تجد أحدًا.

 

أكملت السير.

 

وفجأة…

 

ارتفع صوت محرك الدراجة بقوة.

 

استدار الرجل نحوها بسرعة وكأنه سيفقد السيطرة.

 

اتسعت عينا سارة.

 

لم يكن أمامها وقت لتتحرك.

 

لكن…

 

قبل أن تصل الدراجة إليها بأمتار قليلة…

 

اندفعت سيارة سوداء فاخرة بينهما.

 

صرير عنيف للإطارات.

 

ارتطم سائق الدراجة بجانب السيارة، فسقط أرضًا وتدحرج عدة أمتار.

 

صرخت سارة من شدة المفاجأة.

 

فتح باب السيارة.

 

نزل أدهم بهدوء، وكأن ما حدث أمر عادي.

 

اقترب من الرجل الساقط.

 

كان يحاول سحب مس\دسه.

 

لكن أدهم رفس السلا\ح بعيدًا بقدمه.

 

ثم انحنى والتقط الهاتف الذي سقط من جيب المهاجم.

 

نظر إلى آخر رسالة.

 

قرأها مرة واحدة…

 

فتغيرت ملامحه.

 

المرسل لم يكن رأفت.

 

ولم يكن أحد رجال التحصيل.

 

كان الاسم الذي ظهر على الشاشة…

 

“نادر الشافعي.”

 

شقيقه الأصغر.

 

 

—

 

رفع أدهم رأسه ببطء.

 

عيناه تحولتا إلى جليد.

 

همس لنفسه:

 

“مستحيل…”

 

كان يعلم أن نادر يكرهه، ويختلف معه في إدارة التنظيم.

 

لكن أن يحاول قتل فتاة عاملة نظافة…

 

فهذا لا معنى له.

 

إلا إذا…

 

كان يعرف شيئًا عنها.

 

 

—

 

في تلك الأثناء، كانت سارة ترتجف.

 

اقترب منها أدهم لأول مرة.

 

وسألها بنبرة هادئة:

 

“إنتِ كويسة؟”

 

هزت رأسها وهي تحاول استيعاب ما حدث.

 

ثم قالت بتلعثم:

 

“حضرتك… أنقذت حياتي.”

 

لم يجب.

 

بل سأل سؤالًا أربكها تمامًا:

 

“أبوك اسمه إيه؟”

 

نظرت إليه باستغراب.

 

“الله يرحمه… محمود عبد الرحيم.”

 

“وجدك؟”

 

“عبد الرحيم محمود.”

 

ظل صامتًا.

 

ثم سأل:

 

“أمك عمرها اشتغلت في قصر الشافعي؟”

 

تجمدت سارة.

 

كيف عرف ذلك؟

 

ابتلعت ريقها وقالت بصوت خافت:

 

“أيوه… كانت خدامة هنا من زمان… قبل ما تموت.”

 

في تلك اللحظة…

 

أغلق أدهم عينيه لثانية واحدة.

 

لأنه تذكر شيئًا دفنه في ذاكرته منذ أكثر من عشرين عامًا…

 

طفلة صغيرة كانت تختبئ خلف فستان أمها داخل هذا القصر…

 

وفي الليلة التي اختفت فيها أمها فجأة…

 

سمع والده يقول جملة لم يفهمها وقتها:

 

“البنت دي لازم تخرج من هنا… لأنها لو كبرت، هتبقى أخطر سر في عيلة الشافعي.”وقف أدهم مكانه.

لم يشعر ببرودة الليل.

ولا بصوت سيارات الحراسة التي بدأت تتوافد إلى المكان.

كل ما كان يسمعه…

هو صدى كلمات والده.

“البنت دي لازم تخرج من هنا… لأنها لو كبرت، هتبقى أخطر سر في عيلة الشافعي.”

رفع نظره إلى سارة.

كانت ترتجف، تضم حقيبتها القديمة إلى صدرها، ولا تفهم لماذا يحدق بها بهذه الطريقة.

قطع الصمت صوت طارق وهو يهبط من إحدى السيارات.

“أدهم! إنت كويس؟”

أشار أدهم إلى الرجل المصاب على الأرض.

“خدوه… صاحي.”

اقترب الحراس بسرعة، لكن أحدهم صاح فجأة:

“باشا… عضّ على كبسولة!”

اندفع أدهم نحوه.

أمسك فكه بقوة محاولًا إخراج ما في فمه.

لكن بعد ثوانٍ…

بدأ الزبد يخرج من فم الرجل.

واتسعت حدقتاه.

ثم…

سكن تمامًا.

نظر الطبيب الذي وصل مع الحراسة إلى أدهم وهز رأسه.

“انتحر بالسم.”

شد أدهم قبضته بقوة.

الشخص الوحيد الذي كان يعرف الحقيقة…

مات.

التفت إلى سارة.

قال بهدوء:

“اركبي العربية.”

تراجعت خطوة إلى الخلف.

“لا… شكرًا يا فندم، الأتوبيس هييجي دلوقتي.”

قال بنبرة لا تحتمل النقاش:

“فيه حد حاول يقتلك من دقيقة.”

ارتبكت.

“يمكن كان حادث…”

قاطعتها وهي تنظر إلى الرجل الميت.

ثم همست:

“ده… مات؟”

لم يجبها.

بل فتح باب السيارة بنفسه.

“اركبي.”

بعد عشرين دقيقة…

دخلت السيارة بوابة جانبية للقصر.

نظرت سارة حولها بدهشة.

“إحنا رجعنا هنا؟”

أومأ أدهم.

“هتقعدي الليلة هنا.”

شهقت.

“مستحيل! لو الشركة عرفت إني قاعدة في القصر هتفصلني.”

قال طارق وهو يبتسم لأول مرة:

“بعد اللي حصل… الشركة كلها هتستناك.”

لكن سارة هزت رأسها بعناد.

“أنا لازم أروح لأخويا.”

توقف أدهم.

“أخوكي فين؟”

“في الشقة.”

نظر إلى أحد الحراس.

“هاتوا كريم هنا… حالًا.”

في الوقت نفسه…

داخل أحد القصور الأخرى.

كان نادر الشافعي يكسر كأسًا زجاجيًا بيده من شدة الغضب.

صرخ في وجه رأفت:

“قلتلك تتأكد إنها تموت!”

قال رأفت وهو يتصبب عرقًا:

“أدهم ظهر فجأة.”

ضربه نادر على وجهه.

“أنت غبي!”

ثم فتح درج مكتبه.

وأخرج ملفًا قديمًا جدًا…

اصفرّت أوراقه من الزمن.

على الغلاف كتب بخط اليد:

“ممنوع الفتح… بأمر الحاج فؤاد الشافعي.”

فتح الملف.

أول صورة كانت لامرأة شابة ترتدي زي خادمات القصر.

تحت الصورة اسمها:

ليلى محمود.

والدة سارة.

أما الصورة الثانية…

فكانت لطفلة لا يتجاوز عمرها ثلاث سنوات.

شعرها البني مربوط على شكل ضفيرتين صغيرتين.

وفي ظهر الصورة…

جملة واحدة فقط.

“الطفلة تحمل العلامة.”

ابتسم نادر ابتسامة باردة.

وهمس:

“لو أدهم عرف معنى العلامة… كل اللي بنيناه هيقع.”

ثم التقط هاتفه.

واتصل بشخص لم يتحدث معه منذ سنوات.

وحين رد الطرف الآخر…

قال نادر بصوت منخفض:

“رجّعوا الشيخ سليمان… الليلة.”

ساد صمت قصير.

ثم جاءه الرد الذي جعل حتى نادر يتغير لون وجهه:

“الشيخ سليمان رجع فعلًا… وهو في طريقه إلى قصر الشافعي الآن، لأنه قال إن الوقت اللي كان خايف منه… أخيرًا جه.”في تمام الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل…

توقفت سيارة سوداء قديمة أمام البوابة الحديدية لقصر الشافعي.

لم تكن فاخرة.

ولا تحيط بها سيارات حراسة.

لكن ما إن رآها أفراد الأمن…

حتى فتحوا البوابة دون أن يسألوا اسم صاحبها.

ترجل رجل تجاوز السبعين.

يرتدي جلبابًا رماديًا بسيطًا، وعصًا خشبية في يده.

شعره الأبيض كان مرتبًا بعناية، وعيناه تحملان هدوءًا غريبًا.

همس أحد الحراس للآخر:

“ده الشيخ سليمان…”

رد الثاني وهو يبتلع ريقه:

“آخر مرة دخل القصر كانت من عشرين سنة… يوم وفاة الحاج فؤاد.”

في الداخل…

كانت سارة تجلس في إحدى غرف الضيوف.

أمامها كوب شاي ساخن لم تلمسه.

كل ما يشغلها…

هو كريم.

قالت للممرضة التي بقيت معها:

“أخويا وصل؟”

ابتسمت المرأة.

“لسه في الطريق.”

أطرقت سارة رأسها وهي تتمتم:

“يا رب يكون بخير.”

أما أدهم…

فكان ينتظر الشيخ سليمان في مكتبه.

دخل الشيخ دون استئذان.

نظر إلى أدهم طويلًا.

ثم قال:

“بقيت شبه أبوك… إلا في عينيك.”

أشار أدهم إلى المقعد.

“اتفضل.”

جلس الشيخ بهدوء.

لكن قبل أن يتكلم…

وضع على المكتب ظرفًا أصفر قديمًا، مختومًا بالشمع الأحمر.

قال:

“أبوك سلمني الظرف ده قبل ما يموت.”

نظر أدهم إلى الظرف باستغراب.

“وليه مدتهوليش وقتها؟”

تنهد الشيخ.

“لأنه وصاني مايتفتحش إلا لما ترجع بنت ليلى للقصر بإرادتها.”

تجمد أدهم.

“تقصد… سارة؟”

أومأ الشيخ.

“أيوه.”

فتح أدهم الظرف ببطء.

وجد بداخله رسالة بخط والده.

بدأ يقرأ بصوت منخفض:

“يا أدهم… لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى السر اللي حاولت أدفنه سنين رجع من جديد.

ليلى ما كانتش مجرد خادمة… وكانت سارة ما هيش بنت عادية.”

توقف أدهم.

رفع رأسه إلى الشيخ.

“يعني إيه؟”

قال الشيخ بصوت هادئ:

“كمّل.”

عاد إلى الرسالة.

“أنا ارتكبت أكبر ذنب في حياتي… ظلمت إنسانة بريئة علشان أحمي العيلة. ولو البنت دي ظهرت تاني… هتعرف إن أكبر عدو للشافعيين عمره ما كان خارج العيلة… بل كان واحدًا منهم.”

ارتجفت يد أدهم.

في أسفل الرسالة…

كان هناك اسم واحد فقط.

“صلاح الشافعي.”

قطب أدهم حاجبيه.

“صلاح؟”

نظر إلى الشيخ.

“بس صلاح عمي… مات من خمسة وعشرين سنة.”

هز الشيخ رأسه ببطء.

ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:

“دي الكذبة اللي الكل صدقها.”

ساد صمت ثقيل.

ثم أكمل الشيخ:

“صلاح الشافعي… ما ماتش.”

وفي اللحظة نفسها…

دوّى انفجار هائل عند البوابة الرئيسية للقصر.

اهتزت الجدران.

وانطفأت الأنوار.

ثم دوّت صفارات الإنذار في كل أرجاء القصر.

اندفع طارق إلى المكتب وهو يصرخ:

“أدهم… القصر بيتهاجم!”

لكن الشيخ سليمان لم يبدُ عليه أي ذعر.

بل أغلق عينيه للحظة وقال بهدوء:

“وصل…”

“مين؟” سأل أدهم.

فتح الشيخ عينيه، وقال بصوت منخفض:

“صلاح الشافعي… رجع يا أدهم.”اهتز الزجاج في المكتب.

وتساقطت قطع الجبس من السقف.

في أقل من خمس ثوانٍ…

تحول قصر الشافعي من مكان للاحتفال إلى قلعة تستعد للحرب.

دوّت صفارات الإنذار.

وأُغلقت جميع البوابات الحديدية أوتوماتيكيًا.

أمسك طارق بس\لاحه.

“كل الفرق على مواقعها! اقفلوا المداخل!”

جاء صوت أحد الحراس عبر جهاز الاتصال، وهو يلهث:

“باشا… الانفجار كان تمويه!”

قطب أدهم حاجبيه.

“يعني إيه؟”

“المهاجمين ما دخلوش من البوابة… دخلوا من النفق القديم تحت مخزن النبيذ.”

اتسعت عينا الشيخ سليمان.

“لسه موجود؟”

نظر إليه أدهم باستغراب.

“إنت تعرف النفق؟”

أجاب الشيخ بصوت خافت:

“أنا اللي رسمته… من تلاتين سنة.”

في الطابق العلوي…

كانت سارة قد خرجت من الغرفة مذعورة بعد سماع الانفجار.

رأت الخادمات يركضن في كل اتجاه.

وسمعت إحداهن تصرخ:

“اقفلوا الأبواب!”

لكن كل ما فكرت فيه كان كريم.

“أخويا!”

أخذت تركض في الممر.

قبل أن تصل إلى السلم…

ظهر أمامها رجل ملثم.

أشهر م\سدسه نحوها.

تجمدت في مكانها.

ابتسم الرجل من خلف القناع.

“أخيرًا لقيناكي.”

في اللحظة نفسها…

وصل أدهم إلى الطابق العلوي.

ورأى الم\سدس مصوبًا نحو رأس سارة.

لم يتردد.

أطلق رصاصة واحدة.

أصابت يد المهاجم.

سقط الس\لاح على الأرض.

لكن ثلاثة رجال آخرين خرجوا من خلف الأعمدة دفعة واحدة.

بدأ إطلاق النار.

تحولت الممرات إلى فوضى.

أمسك أدهم بذراع سارة وسحبها خلف أحد الجدران الرخامية.

كانت ترتجف بعنف.

همست:

“أنا… أنا عملت إيه؟”

نظر إليها للحظة.

ثم قال وهو يبدل مخزن س\لاحه:

“ولا حاجة.”

ثم أضاف بصوت منخفض:

“وده اللي محيرني.”

بعد دقائق من الاشتباك…

تمكن رجال أدهم من السيطرة على اثنين من المهاجمين.

أما الثالث…

فهرب إلى سطح القصر.

لحق به أدهم بنفسه.

كان الرجل ينزف من كتفه.

وحين حاصره الحراس…

ضحك.

قال أدهم:

“مين بعتك؟”

ابتسم الرجل رغم الدم الذي يملأ فمه.

“إنت متأخر أوي.”

اقترب أدهم.

“اتكلم.”

رفع الرجل رأسه وقال:

“إحنا مش جايين نقتل البنت…”

ساد الصمت.

ثم أكمل:

“إحنا جايين ناخدها.”

قطب أدهم حاجبيه.

“ليه؟”

ضحك الرجل للمرة الأخيرة.

“لأن… اللي في رقبتها…”

قبل أن يكمل…

دوى صوت رصاصة من مبنى مجاور.

استقرت في رأس الرجل.

سقط ميتًا قبل أن ينطق بالكلمة الأخيرة.

رفع أدهم رأسه بسرعة نحو مصدر الطلقة.

رأى انعكاس منظار قناص فوق سطح مبنى بعيد.

لكن القناص اختفى في الظلام خلال ثوانٍ.

عاد أدهم إلى داخل القصر.

كانت سارة تجلس على الأرض، تحاول التقاط أنفاسها.

اقترب منها الشيخ سليمان.

نظر إلى عنقها طويلًا.

ثم قال بهدوء:

“يا بنتي… من فضلك ارفعي شعرك.”

استغربت سارة.

لكنها فعلت.

وما إن ظهر جانب رقبتها…

حتى شحب وجه الشيخ.

وشحب وجه أدهم معه.

خلف أذنها مباشرة…

كانت توجد وحمة صغيرة، على شكل هلال يتوسطه خط رفيع.

همس الشيخ:

“العلامة…”

ثم نظر إلى أدهم وقال:

“دلوقتي فهمت ليه كل الناس مستعدين يقتلوا… أو يموتوا… علشانها.”ساد الصمت في الغرفة.

حتى أصوات إطلاق النار في الخارج بدت وكأنها ابتعدت.

حدق أدهم في الوحمة الصغيرة خلف أذن سارة.

ثم قال ببطء:

“إيه هي العلامة دي؟”

تنهد الشيخ سليمان.

وجلس على أقرب مقعد.

“حان الوقت تعرفوا الحقيقة كلها.”

قبل سبعة وعشرين عامًا…

لم تكن عائلة الشافعي تسيطر وحدها على الميناء.

كان هناك شريك آخر.

رجل اسمه عمران الجبالي.

كان ذكيًا، شديد الثراء، لكنه لم يثق بأحد.

وقبل موته بأيام…

جمع ثروته الضخمة، ووثائق تملك شركاته، وأرقام حساباته السرية، في مكان لا يعرفه أحد.

لكنه لم يترك خريطة…

بل ترك دليلًا.

ذلك الدليل كان مرتبطًا بطفلة صغيرة.

قال أدهم باستغراب:

“يعني سارة؟”

هز الشيخ رأسه.

“لا… كانت رضيعة وقتها.”

نظر إلى سارة.

“أمك ليلى كانت مربية عند عائلة الجبالي.”

ثم أكمل:

“وعندما شعر عمران أن كل من حوله خانه… طلب من طبيب أن يضع علامة جراحية صغيرة جدًا خلف أذن الرضيعة.”

لم تستوعب سارة شيئًا.

“أنا؟”

“أيوه.”

“بس ليه؟”

قال الشيخ:

“لأن العلامة وحدها لا تساوي شيئًا… لكنها المفتاح الذي يثبت هوية الشخص الذي يحمل السر.”

فتح الشيخ الملف القديم.

وأخرج صورة باهتة.

كانت لامرأة شابة.

ابتسمت سارة فجأة.

“دي… دي ماما.”

أومأ الشيخ.

“ليلى كانت الوحيدة اللي تعرف مكان الدليل الحقيقي.”

“ولما ماتت؟”

أجاب الشيخ:

“ماتت قبل ما تقدر تقول الحقيقة لأي حد.”

أدار أدهم وجهه نحو النافذة.

بدأت الصورة تكتمل أمامه.

همس:

“عشان كده نادر حاول يخطفها…”

قال الشيخ:

“هو فاكر إن ليلى قالت لبنتها السر قبل ما تموت.”

ردت سارة بسرعة:

“والله ما أعرف أي حاجة.”

ابتسم الشيخ بحزن.

“وأنا مصدقك.”

في تلك اللحظة…

دخل أحد الحراس مسرعًا.

“باشا… كريم وصل.”

قفزت سارة من مكانها.

“كريم!”

خرجت تركض إلى البهو.

كان أخوها يجلس على كرسي متحرك.

وذراعه لا تزال داخل الجبيرة.

ما إن رآها…

ابتسم رغم تعبه.

“إنتِ كويسة؟”

أسرعت نحوه واحتضنته وهي تبكي لأول مرة منذ سنوات.

“كنت فاكرة إني خسرتك.”

ربت كريم على كتفها.

“أنا اللي آسف… بسبب غبائي بهدلت حياتك.”

كان أدهم يراقبهما من بعيد.

فجأة…

اقترب كريم منه.

وقال بصوت متردد:

“حضرتك… أنت أدهم الشافعي؟”

أومأ برأسه.

أنزل كريم عينيه إلى الأرض.

“أنا مستعد أتحمل أي عقاب… لكن أختي ملهاش ذنب.”

ساد الصمت.

ثم قال أدهم:

“الدين اتشطب.”

رفع كريم رأسه فجأة.

“إيه؟”

“من الليلة… مفيش جنيه واحد مطلوب منكم.”

شهقت سارة.

“بس… إحنا لسه…”

قاطعه أدهم:

“انتهى.”

لم تصدق أذناها.

“ليه؟”

نظر إليها للحظة.

ثم قال:

“لأن اللي ظلمكم كانوا بيشتغلوا باسمي… من غير أوامري.”

لكن قبل أن يشعر أحد بالراحة…

رن هاتف الشيخ سليمان.

نظر إلى الشاشة.

وتغير لون وجهه.

رد بسرعة.

ظل يستمع لعدة ثوانٍ فقط.

ثم أغلق الهاتف.

سأله أدهم:

“فيه إيه؟”

قال الشيخ بصوت خافت:

“فات الأوان…”

“يعني؟”

رفع الشيخ نظره إلى سارة.

وقال:

“الخبر وصل.”

“خبر إيه؟”

أجاب الشيخ:

“إن البنت اللي تحمل العلامة… لسه عايشة.”

ثم أضاف وهو ينظر إلى أدهم مباشرة:

“ومن بكرة الصبح… مش نادر بس اللي هيدور عليها.”

ابتلع أدهم ريقه.

“مين كمان؟”

قال الشيخ:

“كل واحد كان شريك لعمران الجبالي… أو عدو ليه.”

ثم أكمل بصوت ثقيل:

“ومن بينهم… منظمة أخطر من أي عيلة مافيا في البلد.”

وفي اللحظة نفسها…

وصل إلى هاتف أدهم إشعار بصورة التقطتها إحدى كاميرات القصر.

فتحها…

فتجمد مكانه.

كانت الصورة تُظهر رجلًا يقف خارج أسوار القصر، مرتديًا معطفًا أسود، وينظر مباشرة إلى الكاميرا.

وعندما كبّر الصورة…

ظهرت ابتسامة باردة على وجه الرجل.

ثم قرأ الاسم الذي تعرّف عليه نظام المراقبة أسفل الصورة:

صلاح الشافعي.ظل أدهم يحدق في شاشة الهاتف.

 

لم يرمش.

 

الصورة كانت واضحة بشكل يكفي ليرى التجاعيد الخفيفة حول عيني الرجل، والندبة القديمة التي تمتد من أسفل أذنه حتى عظمة الترقوة.

 

الندبة نفسها…

 

التي كان يتذكرها في صورة قديمة لعمه صلاح.

 

قال طارق وهو ينظر إلى الشاشة:

 

“مستحيل… ده مات.”

 

أجاب أدهم بهدوء:

 

“لا…”

 

ثم أغلق الهاتف.

 

“ده عايزنا نعرف إنه رجع.”

 

 

—

 

في الخارج…

 

اختفى الرجل قبل أن تصل إليه سيارات الحراسة.

 

لم يجدوا إلا سيارة قديمة متروكة، وبداخلها ظرف أبيض.

 

أحضره أحد الحراس إلى أدهم.

 

فتح الظرف.

 

لم يكن بداخله سوى ورقة واحدة.

 

كتب عليها بخط أنيق:

 

“احتفظ بالبنت عندك إن استطعت… سأخذها عندما يحين الوقت.”

 

وفي أسفل الصفحة…

 

توقيع واحد.

 

صلاح الشافعي.

 

 

—

 

مرّت الليلة ثقيلة.

 

أمر أدهم بإغلاق القصر بالكامل.

 

وانتشرت الحراسة في كل زاوية.

 

أما سارة…

 

فرفضت النوم في الجناح الفاخر الذي جهزه لها الخدم.

 

قالت بخجل:

 

“الغرفة دي أكبر من الشقة اللي ساكنين فيها.”

 

ابتسمت إحدى الخادمات.

 

لكن أدهم، الذي كان يسمع حديثها من الممر، شعر بشيء غريب في داخله.

 

لأول مرة…

 

دخل القصر شخص لا يطلب شيئًا منه.

 

 

—

 

مع طلوع الفجر…

 

استيقظ الشيخ سليمان قبل الجميع.

 

وطلب مقابلة أدهم وحده.

 

جلسا في المكتبة القديمة.

 

قال الشيخ:

 

“لسه في حاجة مخبيتها.”

 

رفع أدهم حاجبه.

 

“إيه هي؟”

 

أخرج الشيخ مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا من جيبه.

 

كان قديمًا جدًا، تتوسطه نقوش على شكل هلال.

 

قال:

 

“ده كان مع ليلى.”

 

تناوله أدهم.

 

“بيفتح إيه؟”

 

أجاب الشيخ:

 

“خزنة.”

 

“فين؟”

 

هز الشيخ رأسه.

 

“ماعرفش.”

 

ثم أضاف:

 

“لكن ليلى قبل ما تموت قالت جملة واحدة.”

 

سكت لحظة.

 

ثم كررها كما سمعها قبل سنوات:

 

> “لما البحر يبقى قدامك… ودقاته وراك… دور على الحجر اللي ما بيغرقش.”

 

 

 

عقد أدهم حاجبيه.

 

“لغز.”

 

“أيوه.”

 

 

—

 

في تلك الأثناء…

 

كانت سارة ترتب حقيبتها استعدادًا للمغادرة.

 

دخل أدهم الغرفة.

 

قالت فورًا:

 

“أنا ممتنة لكل اللي عملته… لكن لازم أرجع شغلي.”

 

سألها:

 

“بعد اللي حصل امبارح؟”

 

ابتسمت بتعب.

 

“لو ما اشتغلتش… مش هعرف أعيش.”

 

مد يده إليها.

 

ووضع المفتاح النحاسي في كفها.

 

نظرت إليه باستغراب.

 

“ده إيه؟”

 

“أمانة كانت عند أمك.”

 

اتسعت عيناها.

 

“ماما؟”

 

“أيوه.”

 

أغلقت أصابعها على المفتاح بقوة.

 

ولأول مرة منذ وفاة والدتها…

 

شعرت أن جزءًا منها عاد إليها.

 

لكن في اللحظة نفسها…

 

تردد صوت انفجار جديد.

 

ليس في القصر…

 

بل في قلب المدينة.

 

رن هاتف طارق فورًا.

 

رد بسرعة.

 

ثم شحب وجهه.

 

نظر إلى أدهم وقال:

 

“فيه حد فجّر مكتب التحصيل اللي فيه كل ملفات الديون.”

 

صمت للحظة، ثم أكمل:

 

“وكل الملفات اتحرقت…”

 

رفع أدهم نظره إليه.

 

“كلها؟”

 

هز طارق رأسه.

 

“إلا ملف واحد.”

 

“ملف مين؟”

 

أجاب بصوت منخفض:

 

“ملف… سارة محمود.”تبادل أدهم وطارق النظرات.

 

وسط آلاف الملفات…

 

نجا ملف واحد فقط.

 

ملف سارة.

 

قال أدهم بهدوء خطير:

 

“ده معناه إن اللي حرق المكان… كان عارف بيدور على إيه.”

 

أومأ طارق.

 

“أو كان عايزنا إحنا نعرف.”

 

 

—

 

بعد أقل من نصف ساعة…

 

وصل أدهم إلى مبنى التحصيل.

 

كانت سيارات الإطفاء لا تزال في المكان.

 

ورائحة الدخان تملأ الشارع.

 

دخل وسط الأنقاض.

 

تناثر الحديد المحترق والأوراق السوداء في كل مكان.

 

اقترب منه ضابط الحراسة.

 

“باشا… في حاجة غريبة.”

 

“إيه؟”

 

أشار إلى خزنة حديدية.

 

كانت مفتوحة دون أي آثار كسر.

 

قال الضابط:

 

“الخزنة دي كانت فيها ملفات كبار العملاء… كلها اتحرقت.”

 

ثم رفع ملفًا سليمًا تمامًا.

 

“وده الوحيد اللي متلمسش.”

 

أخذ أدهم الملف.

 

كان فعلًا ملف سارة.

 

لكن وزنه…

 

أثقل من المعتاد.

 

فتحه ببطء.

 

فسقطت منه ورقة صفراء لم يرها من قبل.

 

لم تكن ضمن أوراق الدين.

 

كانت رسالة قصيرة مكتوبة بخط قديم.

 

قرأها بصوت منخفض:

 

> “إذا وصل هذا الملف إليك، فاعلم أن الحقيقة بدأت تخرج للنور. لا تثق في كل من يقف بجانبك… فالخائن الأقرب إليك يحمل اسم الشافعي.”

 

 

 

رفع أدهم رأسه.

 

لم يعد يشك في أن الأمر أكبر من مجرد دين أو انتقام.

 

 

—

 

في القصر…

 

كانت سارة تجلس مع كريم.

 

نظر إليها أخوها بتردد.

 

“في حاجة عمري ما قلتها لك.”

 

التفتت إليه.

 

“إيه؟”

 

تنهد.

 

“قبل ما ماما تموت بيومين…”

 

توقفت أنفاس سارة.

 

“…ادتني سلسلة فضة.”

 

عقدت حاجبيها.

 

“سلسلة؟”

 

أخرج كريم من جيبه سلسلة قديمة.

 

كانت رخيصة، باهتة اللون.

 

وفي طرفها…

 

تعليقة صغيرة على شكل مفتاح.

 

شهقت سارة.

 

أخرجت المفتاح النحاسي الذي أعطاها إياه أدهم.

 

وضعت الاثنين بجوار بعضهما.

 

اقترب الشيخ سليمان، وما إن رآهما…

 

وقف فجأة.

 

“لا…”

 

نظر إليه الجميع.

 

قال وهو يكاد لا يصدق:

 

“المفتاح مش كامل.”

 

أمسك السلسلة.

 

ثم أدخل التعليقة الصغيرة داخل فتحة المفتاح النحاسي.

 

صدر صوت “طَق.”

 

وانقسم المفتاح إلى نصفين.

 

ظهر بداخله…

 

شريط معدني رفيع للغاية.

 

منقوش عليه أرقام وإحداثيات.

 

همس أدهم:

 

“دي إحداثيات مكان.”

 

لكن قبل أن يكمل كلامه…

 

دخل أحد الحراس مسرعًا.

 

“باشا!”

 

التفت الجميع إليه.

 

قال وهو يلهث:

 

“في واحدة ست واقفة بره البوابة… مصرة تشوف الآنسة سارة.”

 

سألت سارة باستغراب:

 

“مين؟”

 

رد الحارس:

 

“بتقول إنها…”

 

توقف لحظة.

 

“…أم سارة.”

 

ساد الصمت.

 

ارتعشت يد سارة.

 

ثم قالت بصوت مخنوق:

 

“أمي… ماتت من خمس سنين.”

 

ابتلع الحارس ريقه.

 

“الست اللي بره… قالت بالحرف:

 

قولو لسارة إن ليلى رجعت… ومفيش وقت للشرح.”تجمدت سارة في مكانها.

 

شحب وجهها حتى ظنت أم حسن، التي كانت تقف عند الباب، أنها ستسقط.

 

همست بصوت مرتعش:

 

“مستحيل…”

 

نظر إليها أدهم.

 

“تعرفي حد ممكن ينتحل شخصية والدتك؟”

 

هزت رأسها ببطء.

 

“لأ… كل اللي يعرفها حضر دفنتها.”

 

 

—

 

قال أدهم للحراس:

 

“ما حدش يدخلها… فتشوها الأول.”

 

بعد دقائق…

 

عاد كبير الحراس.

 

“باشا… الست معاها بطاقة باسم ليلى محمود.”

 

قطب طارق حاجبيه.

 

“بطاقة مزورة.”

 

لكن الحارس أكمل:

 

“وفي حاجة تانية…”

 

“إيه؟”

 

“معاها خاتم قديم، محفور عليه اسم سارة وتاريخ ميلادها.”

 

شهقت سارة.

 

“الخاتم ده…”

 

وضعت يدها على فمها.

 

“…كان مع أمي فعلًا.”

 

 

—

 

أمر أدهم بإدخال المرأة.

 

فُتح الباب ببطء.

 

دخلت امرأة في أوائل الخمسينيات.

 

وجهها شاحب، وملامحها مرهقة، وعلى خدها الأيسر أثر حرق قديم.

 

ما إن وقعت عيناها على سارة…

 

حتى اغرورقتا بالدموع.

 

خطت خطوة للأمام.

 

“سارة…”

 

تراجعت سارة خطوة إلى الخلف.

 

“إنتِ مين؟”

 

انكسرت ملامح المرأة.

 

“أنا…”

 

ثم سكتت.

 

وأخرجت من جيبها صورة قديمة.

 

كانت لسارة وهي في الرابعة من عمرها، تجلس فوق أرجوحة خشبية، وإلى جوارها أمها.

 

في ظهر الصورة…

 

كتبت عبارة بخط يد ليلى:

 

“لبنتي سارة… مهما بعدت عنك، هفضل أحبك.”

 

ارتجفت يدا سارة.

 

كانت تعرف الصورة.

 

كانت محفوظة في درج غرفة أمها.

 

لكنها اختفت بعد الوفاة.

 

 

—

 

قال أدهم بحزم:

 

“اتكلمي.”

 

تنهدت المرأة.

 

“اسمي مش ليلى.”

 

ساد الصمت.

 

“اسمي نادية.”

 

ثم أضافت:

 

“كنت أختها.”

 

رفعت سارة رأسها بسرعة.

 

“خالتي؟”

 

أومأت نادية.

 

“أيوه.”

 

“بس… أمي ما قالتليش إنها عندها أخت.”

 

أخفضت نادية رأسها.

 

“لأنها كانت بتحاول تحميكي.”

 

 

—

 

تدخل الشيخ سليمان لأول مرة.

 

“وليلى؟”

 

امتلأت عينا نادية بالدموع.

 

“ليلى ماتت فعلًا.”

 

أغمضت سارة عينيها.

 

شعرت أن الأمل الذي اشتعل للحظة…

 

انطفأ من جديد.

 

اقتربت منها نادية.

 

“قبل ما تموت… سلمتني أمانة.”

 

أخرجت ظرفًا صغيرًا ملفوفًا بقماش أزرق.

 

وقالت:

 

“قالت ما افتحهوش إلا لما سارة تكمل ستة وعشرين سنة.”

 

نظر الجميع إلى سارة.

 

كانت قد أتمت السادسة والعشرين قبل أشهر.

 

ناولتها نادية الظرف.

 

فتحته بيدين ترتجفان.

 

وجدت بداخله رسالة قصيرة، ومفتاحًا صغيرًا آخر.

 

بدأت تقرأ بصوت مبحوح:

 

> “يا سارة… لو وصلِك الجواب ده، يبقى أنا مش موجودة. سامحيني إني حرمتك من الحقيقة. كنت بحاول أحميكي. متثقيش بسهولة… حتى لو الشخص كان من عيلة الشافعي. لكن فيه واحد منهم… هتضطري تعتمدي عليه، لأنه الوحيد اللي هيختار يحميكي بدل ما يستخدمك.”

 

 

 

رفعت سارة عينيها ببطء.

 

ونظرت دون قصد إلى أدهم.

 

وقبل أن ينطق أحد…

 

رن هاتف نادية.

 

نظرت إلى الشاشة، فتغير لون وجهها.

 

همست:

 

“عرفوا مكاني…”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

دوى صوت إطلاق نار كثيف من خارج القصر.

 

ركض أحد الحراس إلى الداخل وهو يصرخ:

 

“باشا… عشر عربيات مسلحة عند البوابة الشمالية…”

 

ثم ابتلع ريقه وأكمل:

 

“…والرايات اللي عليها مش تبع صلاح الشافعي.”

 

سأله أدهم بسرعة:

 

“تبع مين؟”

 

أجاب الحارس:

 

“تبع منظمة الجبالي…”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *