اختفت بنتي الرضيعة
اختفت بنتي الرضيعة من المخزن اللي خبيتها فيه… وبعد عشر دقايق لقيتها نايمة في حضن أخطر راجل في البلد.
في اللحظة دي، كنت متأكدة إن حياتنا انتهت.
لأني كنت كسرت القاعدة الوحيدة اللي كل موظف في المطعم بيخاف حتى يفكر يخالفها…
النزول للدور السفلي.
لكن اللي حصل بعد كده… قلب حياتي كلها.
من يوم ما جوزي مات فجأة، وأنا بصحى كل يوم وأنا بفكر: هنعيش إزاي بكرة؟
الفواتير كانت مالية ترابيزة المطبخ، والإيجار باقي عليه خمس أيام، وشركة الكهرباء بعتت آخر إنذار، ورصيدي في البنك كان شبه صفر.
أما ليلى… بنتي اللي عندها سبع شهور، فكانت نايمة على كتفي، بتبتسملي بمنتهى البراءة، من غير ما تعرف إن أمها خلاص معندهاش أي مخرج.
المربية اعتذرت قبل الشيفت بساعة.
جارتي مردتش على أي اتصال.
والحضانة الوحيدة اللي وافقت تستقبلها طلبت مبلغ مستحيل أقدر أدفعه.
كنت قدام اختيارين…
إما أغيب عن الشغل وأترفد.
أو أخاطر بكل حاجة.
وفي لحظة يأس، حطيت ليلى في شنطة الأطفال، وخدت معاها الرضاعات، والحفاضات، وبطانية صغيرة، والخشخيشة الصفرا اللي مبتنامش من غيرها.
حضنتها وبوست جبينها وهمست:
“استحمّليني النهارده بس يا حبيبتي… أوعدك دي آخر مرة.”
كنت بكذب عليها…
وبكذب على نفسي.
المطعم اللي بشتغل فيه كان من أفخم مطاعم المدينة.
الناس كانت تيجي علشان الأكل الفاخر…
لكن الموظفين كانوا عارفين إن الشهرة دي مجرد واجهة.
لأن المالك الحقيقي للمكان…
كان راجل اسمه الكل يخاف ينطقه.
زعيم مافيا، محدش شافه غير عدد قليل جدًا من الناس.
وكان فيه قانون واحد بيتكرر علينا كل يوم:
“الدور السفلي ممنوع… واللي ينزل من غير إذن، ينسى إنه هيشتغل هنا تاني.”
بقالي عشرة شهور شغالة هناك، وعمري ما فكرت حتى أبص ناحية السلم.
لحد اليوم اللي اختفت فيه بنتي…
#حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️ كملبعد أقل من ساعة من بداية الشيفت…
كنت بجري بين الطاولات، وإيديا بترتعش كل ما أفتكر إن ليلى مستخبية لوحدها في مخزن صغير جنب غرفة المنظفات.
كل خمس دقايق كنت أتحجج بأي حاجة علشان أعدي أبص عليها.
كل مرة ألاقيها نايمة…
أو بتلعب بالخشخيشة الصفراء وهي تضحك أول ما تشوفني.
فكنت أتنفس الصعداء وأرجع لشغلي.
لكن الساعة كانت حوالي التاسعة إلا ربع…
ولما دخلت المخزن للمرة الرابعة…
اتجمدت مكاني.
البطانية كانت مرمية على الأرض.
الشنطة مفتوحة.
والخشخيشة الصفراء واقعة جنب الحيطة…
أما ليلى…
فكانت اختفت.
حسيت إن قلبي وقف.
صرخت باسمها وأنا بقلب الكراتين والرفوف.
“ليلى!… ليلى!”
مفيش أي رد.
ركضت برا المخزن وفضلت أبص في الممرات وأنا شبه مجنونة.
كل سيناريو مرعب عدى في دماغي في ثواني.
حد خطفها؟
خرج بيها بره؟
وقعت؟
ولا حد بلغ الإدارة؟
جريت عند زميلتي “سارة” وهمست بصوت متقطع:
ـ “شفتي بنت صغيرة هنا؟”
هزت رأسها باستغراب.
ـ “إنتِ جبتي طفلة الشغل؟ إنتِ اتجننتي؟”
بدأت دموعي تنزل.
كنت عارفة إن لو الإدارة عرفت…
مش هترفد بس.
ممكن يبلغوا الشؤون الاجتماعية كمان.
فضلت ألف في كل مكان…
لحد ما واحد من عمال النظافة قرب مني وقال بتردد:
ـ “أنا… أنا شفت راجل لابس بدلة سودا شايل بيبي من شوية.”
حسيت الدنيا اسودت قدامي.
ـ “راح فين؟!”
بص ناحية آخر الممر…
ناحية الباب الحديد الضخم…
باب الدور السفلي.
في اللحظة دي…
افتكرت القاعدة الوحيدة.
“ممنوع النزول.”
لكن أي قانون في الدنيا كان أهون عندي من إني أسيب بنتي.
من غير ما أفكر…
دفعت الباب الحديد ونزلت السلم لأول مرة.
كل درجة كنت بنزلها…
كان الخوف بيزيد.
المكان تحت كان مختلف تمامًا.
هادئ بشكل مخيف.
إضاءة خافتة.
رجال ضخام واقفين في كل زاوية.
وأول ما شافوني…
شدوا أسلحتهم.
واحد منهم صرخ:
ـ “إنتِ مين؟! إزاي نزلتي هنا؟!”
لكن أنا ماكنتش شايفة غير حاجة واحدة…
باب خشبي كبير في آخر الممر…
وكان مفتوح سنة بسيطة.
قربت وأنا جسمي كله بيرتعش.
وزقّيته بإيدي…
ولما دخلت…
وقفت مكاني وكأني اتحولت لتمثال.
أخطر راجل في البلد…
الاسم اللي الناس كانت بتهمس بيه بخوف…
كان نايم على الكنبة الجلد.
وليلى…
بنتي الصغيرة…
كانت نايمة فوق صدره بكل هدوء، وإيديها الصغيرة ماسكة ياقة قميصه… بينما هو، لأول مرة يمكن في حياته، كان بيبتسم وهو نايم.
وفي نفس اللحظة…
فتح عينيه ببطء.
وبصلي مباشرة.
وقال بهدوء أرعبني أكثر من أي صراخ:
“دي بنتك؟”
يتبع…بعد أقل من ساعة من بداية الشيفت…
كنت بجري بين الطاولات، وإيديا بترتعش كل ما أفتكر إن ليلى مستخبية لوحدها في مخزن صغير جنب غرفة المنظفات.
كل خمس دقايق كنت أتحجج بأي حاجة علشان أعدي أبص عليها.
كل مرة ألاقيها نايمة…
أو بتلعب بالخشخيشة الصفراء وهي تضحك أول ما تشوفني.
فكنت أتنفس الصعداء وأرجع لشغلي.
لكن الساعة كانت حوالي التاسعة إلا ربع…
ولما دخلت المخزن للمرة الرابعة…
اتجمدت مكاني.
البطانية كانت مرمية على الأرض.
الشنطة مفتوحة.
والخشخيشة الصفراء واقعة جنب الحيطة…
أما ليلى…
فكانت اختفت.
حسيت إن قلبي وقف.
صرخت باسمها وأنا بقلب الكراتين والرفوف.
“ليلى!… ليلى!”
مفيش أي رد.
ركضت برا المخزن وفضلت أبص في الممرات وأنا شبه مجنونة.
كل سيناريو مرعب عدى في دماغي في ثواني.
حد خطفها؟
خرج بيها بره؟
وقعت؟
ولا حد بلغ الإدارة؟
جريت عند زميلتي “سارة” وهمست بصوت متقطع:
ـ “شفتي بنت صغيرة هنا؟”
هزت رأسها باستغراب.
ـ “إنتِ جبتي طفلة الشغل؟ إنتِ اتجننتي؟”
بدأت دموعي تنزل.
كنت عارفة إن لو الإدارة عرفت…
مش هترفد بس.
ممكن يبلغوا الشؤون الاجتماعية كمان.
فضلت ألف في كل مكان…
لحد ما واحد من عمال النظافة قرب مني وقال بتردد:
ـ “أنا… أنا شفت راجل لابس بدلة سودا شايل بيبي من شوية.”
حسيت الدنيا اسودت قدامي.
ـ “راح فين؟!”
بص ناحية آخر الممر…
ناحية الباب الحديد الضخم…
باب الدور السفلي.
في اللحظة دي…
افتكرت القاعدة الوحيدة.
“ممنوع النزول.”
لكن أي قانون في الدنيا كان أهون عندي من إني أسيب بنتي.
من غير ما أفكر…
دفعت الباب الحديد ونزلت السلم لأول مرة.
كل درجة كنت بنزلها…
كان الخوف بيزيد.
المكان تحت كان مختلف تمامًا.
هادئ بشكل مخيف.
إضاءة خافتة.
رجال ضخام واقفين في كل زاوية.
وأول ما شافوني…
شدوا أسلحتهم.
واحد منهم صرخ:
ـ “إنتِ مين؟! إزاي نزلتي هنا؟!”
لكن أنا ماكنتش شايفة غير حاجة واحدة…
باب خشبي كبير في آخر الممر…
وكان مفتوح سنة بسيطة.
قربت وأنا جسمي كله بيرتعش.
وزقّيته بإيدي…
ولما دخلت…
وقفت مكاني وكأني اتحولت لتمثال.
أخطر راجل في البلد…
الاسم اللي الناس كانت بتهمس بيه بخوف…
كان نايم على الكنبة الجلد.
وليلى…
بنتي الصغيرة…
كانت نايمة فوق صدره بكل هدوء، وإيديها الصغيرة ماسكة ياقة قميصه… بينما هو، لأول مرة يمكن في حياته، كان بيبتسم وهو نايم.
وفي نفس اللحظة…
فتح عينيه ببطء.
وبصلي مباشرة.
وقال بهدوء أرعبني أكثر من أي صراخ:
“دي بنتك؟”
يتبع…اتجمد لساني.
كل الحراس اللي في الأوضة كانوا مستنيين إشارة واحدة منه…
إشارة كفيلة تخليني أختفي من المكان ده للأبد.
بلعت ريقي بصعوبة وهمست:
ـ “أ… أيوه… دي بنتي.”
نزل بعينه على ليلى.
كانت نايمة بعمق، وإيدها الصغيرة متعلقة بزرار في قميصه الأسود.
ابتسم ابتسامة خفيفة، كأنه نسي إن في حد غيرها في الأوضة.
وقال:
ـ “شكلها اختارت مكان نومها بنفسها.”
الحراس بصوا لبعض باستغراب.
واحد منهم قرب بسرعة وقال:
ـ “باشا… نجيب البنت.”
رفع الراجل إيده من غير ما يبصله.
ـ “لا.”
اتجمد الراجل مكانه.
واضح إن الكلمة دي بالنسبة لهم أمر مفيش نقاش فيه.
بصلي تاني وقال:
ـ “إنتي خبيتيها في المخزن؟”
نزلت دموعي فورًا.
هزيت راسي وأنا مش قادرة أرفع عيني.
ـ “المربية اعتذرت… ولو غبت عن الشغل كانوا هيرفدوني… مكنش عندي مكان أسيبها فيه.”
ساد الصمت.
ثواني طويلة حسيتها ساعات.
كنت مستنية أي حاجة…
طرد.
شرطة.
أو حتى عقاب.
لكن اللي حصل كان أغرب من أي حاجة توقعتها.
مد إيده بهدوء، وعدل البطانية على جسم ليلى وهي نايمة.
وقال بصوت منخفض:
ـ “بقالها قد إيه من غير رضاعة؟”
اتفاجئت من السؤال.
ـ “حوالي ساعتين.”
لف رأسه ناحية واحد من رجاله.
ـ “هاتوا ببرونة سخنة… ودكتور الأطفال اللي بيتابع أولاد العاملين في الفندق.”
الرجل اتردد.
ـ “بس يا باشا…”
رفع عينه له.
مجرد نظرة.
كانت كفاية تخليه يجري ينفذ الأمر من غير كلمة.
أنا كنت واقفة مش فاهمة.
هو… ليه بيعمل كده؟
بعد دقائق، دخل طبيب ومعاه رضاعة دافية.
ليلى بدأت تصحى، وأول ما فتحت عينيها…
بدل ما تعيط…
ابتسمت للراجل.
وضربته بكفها الصغير على خده.
كل الحراس شهقوا.
واحد منهم همس:
ـ “دي أول مرة حد يلمس الباشا كده.”
لكن المفاجأة…
إنه ضحك.
ضحكة هادئة، كأنها خارجة من شخص تاني خالص.
شال صباعها الصغير بين إيده وقال:
ـ “واضح إنك أشجع من الكل.”
وقتها…
دخل رجل كبير في السن بسرعة، وكان واضح إنه مدير المطعم.
أول ما شافني، وشه قلب ألوان.
صرخ:
ـ “إنتِ! إنتِ اللي نزلتي هنا؟! انتهى شغلك!”
لكن قبل ما يكمل…
اتكلم الرجل الجالس على الكنبة.
ـ “مين قال إنها مرفتدة؟”
المدير سكت فورًا.
ـ “بس… يا فندم… هي خالفت أهم قانون.”
رد بهدوء:
ـ “القوانين معمولـة عشان تحمي المكان… مش عشان تمنع أم تدور على بنتها.”
ثم بصلي مباشرة وقال:
ـ “من بكرة… هتشتغلي في المكتب الإداري فوق.”
فتحت عيني بعدم تصديق.
“ومش هتجيبي بنتك وتخبيها تاني…”
توقف لحظة…
ثم أكمل:
“هيبقى ليها مكان آمن هنا.”
لكن في نفس اللحظة…
دخل أحد رجاله مسرعًا، ووجهه شاحب.
وقال بصوت متوتر:
ـ “باشا… في مشكلة.”
رفع الرجل رأسه.
ـ “إيه؟”
ابتلع الرجل ريقه وقال:
ـ “اللي خطف البنت من المخزن… ماكانش واحد من رجالنا.”ساد صمت ثقيل في الغرفة.
كل العيون اتجهت ناحية الرجل اللي دخل وهو يلهث.
أما أنا…
فحسيت إن الأرض بتنهار تحت رجلي.
بصيت بسرعة ناحية ليلى.
كانت لسه في حضن الرجل، بتلعب في ساعة إيده، ومبتسمة كأنها مش مدركة إن كل الموجودين اتبدل لون وشهم.
قطّب زعيم المافيا حاجبيه وقال بهدوء:
ـ “اشرح.”
رد الرجل بسرعة:
ـ “راجعنا الكاميرات يا باشا… الشخص اللي دخل المخزن وشال البنت غطى وشه بكاب، ودخل من باب الطوارئ الخلفي.”
ضغط زعيم المافيا على فكه.
ـ “وبعدين؟”
ـ “أول ما خرج من المخزن… قابل حضرتك في الممر.”
اتسعت عيني.
إيه؟!
أكمل الرجل:
ـ “واضح إنه اتخض لما شافك خارج من مكتب الاجتماع… فتصرف بسرعة، وحط البنت في حضنك وقال إنها بنت واحدة من العاملات كانت بتدور عليها… وبعدها اختفى وسط الزحمة.”
الغرفة كلها سكتت.
أما زعيم المافيا…
فأول مرة يختفي الهدوء من على وشه.
قال بصوت بارد:
ـ “يعني الراجل ده دخل مكاني… ووصل للدور السفلي… وخرج… من غير ما حد يوقفه؟”
الحراس انحنوا برؤوسهم.
ولا واحد قدر يرد.
التفت ناحيتي.
ـ “إنتِ متأكدة إن محدش يعرف إن بنتك كانت في المخزن؟”
هزيت رأسي بسرعة.
ـ “والله يا فندم… محدش.”
فكر لثوانٍ.
ثم قال:
ـ “لأ… هو ماكانش جاي علشان البنت.”
كل الموجودين بصوا له باستغراب.
أكمل وهو ينظر إلى شاشة الكاميرات:
ـ “البنت كانت مجرد صدفة.”
أشار بإصبعه إلى رجل في التسجيل.
ـ “بصوا… قبل ما يدخل المخزن، كان واقف قدام باب المكتب السري.”
أعاد مسؤول الأمن اللقطة.
وفعلًا…
الرجل المقنع كان بيحاول يفتح بابًا إلكترونيًا مخفيًا.
ولما سمع خطوات زعيم المافيا…
هرب بسرعة، وخطف أول حاجة قدر يستخدمها علشان يغطي على وجوده.
كانت ليلى.
شهقت وأنا ضميت إيدي على فمي.
لو زعيم المافيا ماكانش ظهر في اللحظة دي…
كان الراجل خرج ببنتي برا المطعم.
ضغط زعيم المافيا على زر صغير في مكتبه.
وخلال أقل من دقيقة…
امتلأت الغرفة برجال الأمن.
قال لهم بنبرة حاسمة:
ـ “اقفلوا كل مخارج المدينة.”
ثم أضاف:
ـ “وأي كاميرا في محيط المطعم خلال آخر ساعتين… تبقى عندي خلال نص ساعة.”
خرج الجميع يجرون.
ولم يبقَ في الغرفة غيري… وهو… وليلى.
اقترب مني لأول مرة.
ومد لي بنتي.
أخذتها وأنا أبكي، وفضلت أبوسها في وشها وإيديها، وهي تضحك وكأنها كانت في نزهة.
نظر إلينا للحظات…
ثم قال بصوت خافت:
ـ “النهارده… أنقذتِ حياتها.”
استغربت.
ـ “أنا؟”
هز رأسه.
ـ “لأنك نزلت تدوري عليها فورًا… لو اتأخرتِ عشر دقايق كمان، كان زمان الراجل ده اختفى للأبد.”
قبل أن أستوعب كلامه…
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة…
فتغيرت ملامحه لأول مرة.
اسم المتصل كان:
“المخبر الداخلي.”
رد فورًا.
جاءه صوت مرتعش:
ـ “باشا… اكتشفنا حاجة أخطر.”
ـ “إيه؟”
ـ “الشخص اللي دخل المطعم… ما دخلش لوحده.”
صمت لثانية.
ثم جاء الرد الذي جمّد الدم في عروقي:
ـ “في حد من العاملين عندنا هو اللي ساعده… والخاين لسه موجود داخل المطعم.”
يتبع…انقبض قلبي.
بصيت على كل وش قابلني في المطعم طول العشر شهور اللي فاتوا.
مين فيهم ممكن يكون خان؟
مين فيهم كان مستعد يستخدم رضيعة عمرها سبع شهور علشان يغطي على جر\يمة؟
قفل زعيم المافيا المكالمة بهدوء غريب.
الهدوء ده كان أخطر من أي صراخ.
قال لرئيس الأمن:
ـ “اقفلوا الأبواب.”
خلال ثوانٍ…
اتقفلت كل مداخل ومخارج المطعم إلكترونيًا.
الزباين اتفاجئوا.
المدير حاول يهدّيهم وقال إن فيه عطل فني بسيط.
لكن الحقيقة…
كانت حاجة تانية تمامًا.
بصلي وقال:
ـ “إنتِ هتفضلي هنا مع بنتك.”
اعترضت بسرعة.
ـ “بس الشغل…”
قاطعني:
ـ “دلوقتي حياتك أهم.”
أول مرة أحس إن حد بيقولي الجملة دي من يوم وفاة جوزي.
بعد عشر دقائق…
دخل رئيس الأمن ومعاه جهاز لوحي.
عرض تسجيلات الكاميرات.
ظهر العامل المقنع وهو بيسلم كارت إلكتروني لعامل من داخل المطعم.
العامل الداخلي كان لابس كمامة وكاب.
لكن في لحظة…
لف وشه ناحية الكاميرا.
شهقت.
عرفته.
“محمود…”
عامل المخازن.
الراجل اللي كان دايمًا يساعدني أشيل الكراتين.
اللي جابلي كوب شاي يوم عرفت خبر وفاة جوزي.
مقدرتش أصدق.
قلت بسرعة:
ـ “مستحيل… أكيد في حاجة غلط.”
رد رئيس الأمن:
ـ “استنينا.”
كمل الفيديو.
ظهر محمود وهو بيفتح باب الخدمة الخلفي للمقنع.
وبعدها أخد ظرفًا بني اللون.
فتح الظرف بسرعة…
كان مليان فلوس.
في اللحظة دي…
انهارت آخر ذرة شك عندي.
أمر زعيم المافيا:
ـ “هاتوه.”
لكن بعد أقل من دقيقة…
رجع أحد الحراس وهو يلهث.
ـ “يا باشا… محمود اختفى.”
ساد الصمت.
ثم قال أحد رجال الأمن:
ـ “سيارته لسه في الجراج.”
رد آخر:
ـ “وموبايله موجود في غرفة الملابس.”
قطب زعيم المافيا حاجبيه.
ـ “يبقى لسه جوه.”
بدأت عملية تفتيش للمطعم كله.
كل غرفة…
كل مخزن…
كل ممر.
وفجأة…
انطفأت الأنوار.
صرخت إحدى العاملات.
واشتغل نظام الطوارئ باللون الأحمر.
بدأت صفارات الإنذار تدوي في المكان.
الحراس أشهروا أسلحتهم.
ضممت ليلى إلى صدري بكل قوتي.
وفجأة…
سمعنا صوتًا يخرج من سماعات المطعم كلها.
صوت رجل يضحك.
ثم قال:
“بتدوروا على محمود؟”
توقف الجميع.
أكمل الصوت:
“محمود مات من عشر دقايق.”
تجمد الدم في عروقي.
وبص زعيم المافيا نحو كاميرا السقف…
لأن الصوت أكمل ببرود:
“والدور جاي على الشخص اللي شايل الطفلة دلوقتي.”
يتبع…في اللحظة اللي خلص فيها الجملة…
لف كل الحراس حوالين زعيم المافيا في حركة واحدة.
أما أنا…
فحضنت ليلى بكل قوتي، وجسمي كله كان بيرتعش.
لكن الراجل…
ما اتحركش.
رفع رأسه ناحية الكاميرا وقال بهدوء:
ـ “أنت جبان.”
رجع صوت الضحكة من السماعات.
ـ “يمكن… لكن الجبان هو اللي هيكسب الليلة.”
فجأة…
اشتغلت كل شاشات المطعم.
وظهر عليها بث مباشر.
غرفة صغيرة مظلمة…
وعلى الأرض…
كان محمود.
مقيد الإيدين.
وفاقد الوعي.
شهقت.
يبقى…
ماكانش ميت.
بعد ثوانٍ…
ظهر راجل مقنع قدام الكاميرا.
صوته كان متغير بجهاز إلكتروني.
قال:
ـ “كنت عارف إنك هتشك في محمود.”
نظر إلى زعيم المافيا مباشرة.
ـ “وده اللي أنا كنت عايزه.”
رد زعيم المافيا لأول مرة بابتسامة خفيفة.
ـ “يعني الخاين الحقيقي لسه مستخبي.”
سكت المقنع.
ابتسم زعيم المافيا أكثر.
ـ “عرفتك.”
اتغيرت نبرة المقنع.
ـ “مستحيل.”
قال بثقة:
ـ “الطريقة اللي بتتكلم بيها… وطريقتك في استخدام الكاميرات… دي مش شغل حد غريب.”
ثم نادى بصوت مرتفع:
ـ “إياد… اطلع.”
اتسعت عيني.
وفي نفس اللحظة…
اتفتح باب غرفة المراقبة ببطء.
وخرج شاب في أوائل الثلاثينات.
كان لابس بدلة سوداء.
وكل العاملين عرفوه فورًا.
إياد…
رئيس قسم أنظمة المراقبة.
الراجل الهادئ اللي محدش كان بياخد باله منه.
ابتسم وهو بيخلع سماعة صغيرة من ودنه.
وقال:
ـ “بصراحة… توقعت إنك هتحتاج وقت أطول.”
صرخت:
ـ “إنت؟!”
هز كتفه بلا مبالاة.
ـ “كل الكاميرات… وكل الأقفال الإلكترونية… كانت تحت إيدي.”
الحراس أشهروا أسلحتهم.
لكنه ضغط زرًا صغيرًا في ساعته.
وفجأة…
اتقفلت كل الأبواب الفولاذية بينه وبينهم.
ضحك وقال:
ـ “لسه اللعبة ما خلصتش.”
ثم نظر إليّ أنا.
مش إلى زعيم المافيا.
وقال:
ـ “الطفلة دي… هي السبب الوحيد إن الخطة باظت.”
اتقبض قلبي.
ـ “إيه قصدك؟”
ابتسم ابتسامة باردة.
ـ “أنا ماكنتش جاي أسرق ملفات… ولا فلوس.”
نظر إلى زعيم المافيا وقال:
ـ “كنت جاي أقتلك.”
ساد صمت ثقيل.
ثم أكمل:
ـ “لكن لما شفتك شايل الطفلة… ماقدرتش أنفذ.”
نظر الجميع إليه بدهشة.
وأضاف بصوت خافت:
ـ “لأن حتى أنا… مقدرتش أعرّض رضيعة للخطر.”
في تلك الثانية…
خفض زعيم المافيا س\لاحه قليلًا.
وقال:
ـ “يعني لسه عندك ضمير.”
لكن قبل أن يرد إياد…
دوّى صوت طلقة نارية من آخر الممر.
وسقط إياد على الأرض…
ورصاصة استقرت في كتفه.
التفت الجميع نحو مصدر الطلقة.
وكانت المفاجأة…
أن مطلق النار لم يكن واحدًا من رجال زعيم المافيا.
بل رجل مجهول يرتدي بدلة رمادية، وقف عند نهاية الممر وقال ببرود:
ـ “إياد… كنت هتتكلم أكتر من اللازم.”
يتبع…تجمد المكان كله.
الرجل اللي ضرب النار ما كانش خايف.
دخل بخطوات هادئة، كأنه صاحب المكان.
إيده لسه ماسكة المس\دس، ودخانه بيتصاعد من فوهته.
إياد وقع على ركبته وهو ضاغط على كتفه، والدم بدأ ينزل بين صوابعه.
صرخت بدون وعي:
ـ “حد يلحقه!”
لكن زعيم المافيا رفع إيده يمنع رجاله من الحركة.
كان مركز نظره كله على الرجل الغريب.
قال بهدوء:
ـ “أخيرًا… ظهرت.”
ابتسم الرجل ابتسامة باردة.
ـ “واضح إنك كنت مستنيني.”
رد زعيم المافيا:
ـ “من ساعة ما لقيت الطفلة في حضني.”
أنا ما فهمتش.
إزاي؟
الرجل الغريب ضحك وقال:
ـ “كنت عارف إنك هتوصل.”
ثم نظر إلى إياد باحتقار.
ـ “ضعيف… كنت هتفضح كل حاجة.”
رفع م\سدسه من جديد، وكان واضح إنه هيكمل عليه.
لكن قبل ما يضغط الزناد…
دوّى صوت طلقة تانية.
المس\دس طار من إيد الرجل.
الحراس بصوا ناحية مصدر الطلقة.
كان زعيم المافيا.
أول مرة أشوفه يمسك س\لاح بنفسه.
قال بصوت بارد:
ـ “إياد هيعيش… لأنه لسه هيتكلم.”
خلال ثوانٍ انقض رجال الأمن على الرجل الغريب وقيدوه.
أما إياد…
فكان بيتنفس بصعوبة.
اقترب منه زعيم المافيا وانحنى بجواره.
ـ “مين باعته؟”
ابتسم إياد رغم الألم.
ـ “لو قلتلك… هتموت.”
رد بهدوء:
ـ “جرب.”
أغمض إياد عينيه للحظة، ثم فتحهما وقال كلمة واحدة فقط:
ـ “العقرب.”
فور سماع الاسم…
تغيرت ملامح كل رجال الأمن.
حتى زعيم المافيا نفسه سكت.
همس أحد الحراس بخوف:
ـ “مستحيل… افتكرنا إنه مات من خمس سنين.”
أنا كنت واقفة مش فاهمة أي حاجة.
سألت بخوف:
ـ “مين العقرب؟”
نظر إليّ زعيم المافيا لأول مرة، ثم قال:
ـ “الرجل الوحيد اللي خسرته مرة… ورجع ينتقم.”
وقبل أن يكمل…
رن هاتفه.
فتح الرسالة.
كانت صورة.
ولما بص فيها…
اتسعت عيناه.
مد الهاتف ناحيتي.
شهقت.
الصورة كانت لبيتي.
وبيبان شقتي.
وعلى باب الشقة…
علامة مرسومة باللون الأحمر.
وتحت الصورة رسالة قصيرة:
“المرة دي أخطأت الهدف… لكن الطفلة لسه في القائمة.”
في اللحظة دي…
فهمت الحقيقة المرعبة.
ليلى…
ما كانتش مجرد طفلة اتورطت بالصدفة.
حد كان بيراقبنا…
من قبل ما أدخل المطعم أصلاً.
يتبع…تجمدت أطرافي.
خطفت الهاتف من إيده، وكبرت الصورة بإيدي المرتعشة.
دي فعلًا كانت شقتي.
الباب الأزرق القديم…
وأصيص الورد البلاستيك اللي ابنيته أمي وحطته قدام الباب بعد وفاة جوزي.
يعني…
اللي بعت الرسالة ماكانش بيراقب المطعم بس.
كان بيراقبني أنا.
همست بصوت مخنوق:
ـ “أنا لازم أروح.”
لكن زعيم المافيا وقف قدامي.
ـ “لو خرجتي دلوقتي… هتودي بنتك بنفسك للي مستنيها.”
احتضنت ليلى بقوة.
كانت نايمة على كتفي، ولا تعرف إن حياتها بقت هدفًا لشخص مجهول.
بعد دقائق…
دخل أحد رجال الأمن وهو يحمل جهازًا لوحيًا.
قال:
ـ “باشا… عرفنا صاحب العربية اللي كانت واقفة قدام بيتها من أسبوع.”
رفع زعيم المافيا رأسه.
ـ “مين؟”
ـ “العربية مسجلة باسم شركة وهمية.”
ـ “وده طبيعي.”
ابتلع الرجل ريقه وأكمل:
ـ “لكن الكاميرات جابت وش السواق وهو بيشيل الكاب.”
ضغط على الشاشة.
ظهرت صورة رجل في الأربعينات.
بمجرد ما شفتها…
شهقت بدون إرادة.
ـ “أنا أعرفه.”
التفت الجميع نحوي.
قلت وأنا أحاول أستجمع أنفاسي:
ـ “ده… ده الدكتور.”
سألني زعيم المافيا:
ـ “دكتور مين؟”
ـ “الدكتور اللي كتب شهادة وفاة جوزي.”
ساد الصمت.
حتى إياد، وهو على السرير الطبي يتلقى الإسعافات، فتح عينيه بصعوبة ونظر نحوي.
قال زعيم المافيا ببطء:
ـ “إنتِ قلتي إن جوزك مات فجأة.”
هززت رأسي.
ـ “قالوا جلطة… والدكتور أكد إن مفيش شبهة جنائية.”
مد يده وأخذ الجهاز.
ظل ينظر للصورة عدة ثوانٍ.
ثم قال لرئيس الأمن:
ـ “هاتوا ملف وفاة جوزها بالكامل.”
استغرب الرجل.
ـ “باشا… دي ق\ضية قديمة.”
رد ببرود:
ـ “من دلوقتي… بقت ق\ضية تخصني.”
بعد أقل من ساعة…
وصل الملف.
بدأ يقلب الأوراق بسرعة.
ثم توقف فجأة عند تقرير التحاليل.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال:
ـ “لقيتها.”
اقتربت منه بسرعة.
ـ “إيه؟”
قلب الورقة ناحيتي.
كان فيه سطر صغير مكتوب بخط اليد.
“العينة غير مكتملة… يُنصح بإعادة الفحص.”
لكن تحتها مباشرة…
كان تقرير الوفاة النهائي معتمد بدون أي إعادة تحليل.
قال زعيم المافيا:
ـ “يعني حد استعجل دفنه.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
طوال السنة اللي فاتت…
كنت مقتنعة إن جوزي مات قضاء وقدر.
لكن لأول مرة…
بدأ الشك يدخل قلبي.
هل كان مقتولًا؟
وقبل أن أتكلم…
دخل أحد الحراس مسرعًا.
وقال وهو يلهث:
ـ “باشا… لقينا صندوقًا قديمًا في مخزن البيت اللي كانت ساكنة فيه.”
نظرت إليه بدهشة.
ـ “صندوق؟”
هز رأسه.
ـ “مكتوب عليه اسم جوزها.”
نظر إليّ زعيم المافيا وقال:
ـ “واضح إن اللي بدأ الليلة… بدأ من قبل وفاة جوزك بوقت طويل.”
ثم أمر بإحضار الصندوق فورًا.
وعندما وُضع أمامنا…
كان مقفلًا بقفل صدئ…
لكن الشيء الذي جعل الجميع يتجمد…
هو أن الصندوق كان يصدر من داخله…
صوت هاتف يرن.
يتبع…رن الهاتف مرة…
واتنين…
وثلاثة.
محدش في الأوضة اتحرك.
الصندوق كان مقفول بقفل صدئ، وعليه طبقة تراب واضحة، كأنه متفتحش من يوم وفاة جوزي.
همست وأنا ببص له برعب:
ـ “مستحيل…”
بص لي زعيم المافيا وقال:
ـ “إنتِ متأكدة إن محدش لمس الصندوق ده من ساعة وفاته؟”
هزيت رأسي.
ـ “أقسم بالله… أول مرة أشوفه.”
أشار لأحد رجاله.
ـ “اكسر القفل.”
ضربة واحدة بالمطرقة…
واتفتح الصندوق.
كل الأنظار اتجهت لجواه.
كان فيه شوية هدوم قديمة…
ملف بني…
وهاتف صغير قديم، هو اللي كان بيرن.
الشاشة كانت منورة.
والمتصل مكتوب باسمه:
“رقم خاص.”
استغرب رئيس الأمن.
ـ “إزاي بطاريته عايشة بعد سنة؟”
لكن زعيم المافيا مد إيده بسرعة، وسحب البطارية من مكانها.
اتضح إنها جديدة.
يعني…
حد فتح الصندوق قريب جدًا.
اتغيرت ملامحه.
ـ “إحنا مش أول ناس نوصل له.”
فتح الملف البني.
كان مليان صور.
أول صورة…
أنا وجوزي يوم الفرح.
التانية…
أنا شايلة ليلى وهي لسه مولودة.
التالتة…
بيتي من بره.
والرابعة…
المطعم اللي بشتغل فيه.
شهقت.
ـ “مين كان بيصورنا؟”
قلب الصفحة الأخيرة…
فوقع منها ظرف صغير.
فتح الظرف.
كان جواه فلاشة.
وصلها رئيس الأمن بالكمبيوتر.
اشتغل فيديو.
ظهر جوزي.
حي.
قاعد قدام الكاميرا.
كان مرهق، ودقنه طويلة، لكن مفيش شك إنه هو.
دموعي نزلت في لحظة.
مد إيده ناحية الكاميرا وقال:
“لو بتشوفي الفيديو ده يا سارة… يبقى أنا غالبًا مت.”
حبست أنفاسي.
كمل بصوت هادئ:
“لو موتي كان طبيعي… احرقي كل اللي في الصندوق.”
توقف لحظة.
“لكن لو حد وصلك الصندوق بعد فترة طويلة… يبقى اعرفي إنهم لقوا اللي كنت بخبيه.”
بص مباشرة للكاميرا.
“اسمعيني كويس… ليلى في خطر من يوم ما اتولدت.”
شهقت وأنا حضنت بنتي بقوة.
إيه اللي بيقوله؟
كمل:
“في ناس فاكرة إن معاها مفتاح حاجة أكبر من أي ثروة… والحقيقة إن المفتاح عمره ما كان معايا.”
ابتسم بحزن.
“المفتاح… مع ليلى.”
سقط الصمت على الغرفة.
نظرت إلى بنتي الصغيرة وهي نائمة بين ذراعي.
ثم قال جوزي في آخر الفيديو:
“ولو في يوم قابلتي راجل اسمه…”
وفجأة…
انقطع الفيديو.
الشاشة اسودت.
صرخ مسؤول التقنية:
ـ “حد مسح باقي الملف عن بُعد!”
في نفس اللحظة…
انطفأت الأنوار مرة أخرى.
ودوى انفجار عنيف في الطابق العلوي من المطعم، اهتزت له الجدران، بينما صاح أحد الحراس من جهاز الاتصال:
ـ “باشا… حد اقتحم المبنى!”
يتبع…اهتزت الأرض تحت أقدامنا.
وتساقط غبار خفيف من السقف.
بدأت صفارات الإنذار تدوي في كل أرجاء المطعم، وتحول الهدوء إلى فوضى كاملة.
ضغط زعيم المافيا على سماعة أذنه وقال بحدة:
ـ “تقرير.”
جاءه صوت متقطع وسط إطلاق نار:
ـ “ست عربيات سوداء… اقتحموا البوابة الرئيسية… ورجالنا بيحاولوا يوقفوهم.”
ثم انقطع الاتصال.
أدار وجهه نحوي بسرعة.
ـ “من اللحظة دي… إنتِ وليلى مش هتتحركوا من جنبي.”
اعترضت:
ـ “لكن…”
قاطعني وهو يسحب مس\دسه:
ـ “الناس دي مش جاية عشاني.”
نظر إلى ليلى.
ـ “جاية عشانها.”
في نفس اللحظة…
دوى انفجار ثانٍ.
وانفتح جزء من السقف الزجاجي للمطعم.
نزل أربعة رجال بالحبال.
كانوا ملثمين بالكامل.
بدأ إطلاق النار.
رد رجال الأمن فورًا.
تحولت القاعة الفاخرة إلى ساحة معركة.
حملني أحد الحراس بسرعة وهو يصرخ:
ـ “من هنا!”
لكن زعيم المافيا قال:
ـ “لا… هينتظرونا عند المخرج الخلفي.”
نظر حوله بسرعة، ثم ضغط زرًا مخفيًا أسفل الطاولة.
بدأت إحدى المكتبات الخشبية تتحرك ببطء.
وظهر خلفها ممر سري.
قال:
ـ “ادخلوا.”
دخلنا جميعًا.
وبمجرد أن أغلق الباب خلفنا…
سمعنا أصوات أقدام تقترب من الجهة الأخرى.
يعني…
المهاجمون كانوا عارفين بوجود الممر.
توقف زعيم المافيا فجأة.
همس:
ـ “في حد لسه بيسرب كل خطوة بنعملها.”
أكملنا الجري حتى وصلنا إلى باب فولاذي ضخم.
فتح رئيس الأمن الباب ببصمة إصبعه.
لكن الجهاز أصدر صوتًا أحمر.
تم إلغاء صلاحية الدخول.
نظر إليه الجميع بصدمة.
قال رئيس الأمن:
ـ “مستحيل… محدش يقدر يغير الصلاحيات غير…”
قاطعه زعيم المافيا:
ـ “غير الشخص اللي أسس النظام.”
وفجأة…
جاء صوت من السماعات المخفية داخل الممر.
صوت رجل هادئ.
ـ “مساء الخير يا أدريان.”
تجمد زعيم المافيا مكانه.
ابتسم الصوت وأكمل:
ـ “فاتت خمس عشرة سنة… ولسه بتجري بنفس الطريقة.”
همس أحد الحراس بخوف:
ـ “العقرب…”
ضحك الرجل.
ـ “أخيرًا… حد افتكر اسمي.”
ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:
ـ “أنت لسه فاكر إن ليلى هي المفتاح…”
صمت لثانية.
ثم أكمل:
ـ “لكن الحقيقة إن أمها هي اللي معاها السر.”
شعرت بأن كل الأنظار اتجهت نحوي.
قلت بارتباك:
ـ “أنا؟! أنا معرفش أي حاجة.”
رد العقرب بهدوء:
ـ “أبوكِ ما قالكيش قبل ما يموت؟”
اتسعت عيناي.
أبي؟
أبي مات وأنا عندي عشر سنين.
أو…
على الأقل…
هذا ما كنت أعتقده طوال حياتي.
يتبع…اتجمدت في مكاني.
حسيت إن صوت العقرب سحب الهوا من صدري.
همست من غير ما أحس:
ـ “إنت… إنت بتقول إيه؟”
ضحك ضحكة قصيرة.
ـ “واضح إنهم أخفوا عنك الحقيقة أحسن مما توقعت.”
صرخت بعصبية:
ـ “أبويا مات! حضرت جنازته وأنا طفلة!”
رد بهدوء غريب:
ـ “لا… حضرتي جنازة راجل تاني.”
ساد الصمت.
حتى زعيم المافيا كان مركز مع كل كلمة.
قال العقرب:
ـ “أبوك كان واحدًا من أمهر محققي الجرائم المالية في البلد. قبل عشرين سنة اكتشف شبكة غسيل أموال ضخمة، الشبكة دي كانت هتوقع أسماء كبيرة جدًا.”
بلعت ريقي.
العقرب أكمل:
ـ “لما قرب يوصل للحقيقة… اختفى.”
قاطعته:
ـ “ليه أنا معرفش الكلام ده؟”
ـ “لأن أمك وافقت تمحي أي أثر لحياته… مقابل إنهم يسيبوكي تعيشي.”
لفيت أبص لزعيم المافيا.
كان باصص لي، لكن ملامحه كانت بتقول إنه هو كمان أول مرة يسمع التفاصيل دي.
وفجأة…
رن هاتف رئيس الأمن.
رد بسرعة.
بعد ثوانٍ، اتغير لون وشه.
بص لزعيم المافيا وقال:
ـ “باشا… فتشنا بيت والدتها.”
اتسعت عيناي.
ـ “أمي؟!”
هز رأسه.
ـ “لقينا صندوق صور قديم.”
مد لزعيم المافيا صورة.
أخدها… وسكت.
ثم سلمني الصورة.
بمجرد ما بصيت فيها…
وقعت من إيدي.
الصورة كانت قديمة جدًا.
فيها راجل واقف شايل طفلة صغيرة.
الطفلة كانت أنا.
لكن اللي صدمني…
إن الراجل اللي شايلني…
كان نفس الراجل اللي ظهر في كاميرات المستشفى يوم وفاة جوزي.
ونفس الدكتور.
همست وأنا أبكي:
ـ “مستحيل…”
قال العقرب عبر السماعة:
ـ “لأن الراجل ده ماكانش دكتور.”
ـ “أمال كان إيه؟”
ـ “أبوك.”
شعرت إن الدنيا بتلف بيا.
لو ده صحيح…
يبقى الرجل اللي أعلن وفاة جوزي…
كان والدي.
لكن ليه استخدم اسم دكتور؟
وليه اختفى؟
قبل ما حد ينطق…
انفتح الباب الفولاذي فجأة.
دخل رجل مسن، شعره أبيض، ووشه مليان جروح قديمة.
كل الحراس رفعوا أسلحتهم.
لكن العقرب صرخ من السماعة لأول مرة:
ـ “لاااا!”
ابتسم الرجل العجوز.
وبصلي مباشرة.
دموعه نزلت وهو قال بصوت مبحوح:
ـ “مريم…”
تجمدت.
أنا عمري ما قلت اسمي لأي حد موجود هنا.
مد إيده المرتعشة ناحيتي وقال:
ـ “أنا آسف… يا بنتي.”
وانتهت الجملة التي قلبت كل شيء…
ـ “أنا أبوكي.”
يتبع…وقفت أبص له…
مش قادرة أتحرك.
كل ذكرياتي عن أبويا كانت عبارة عن صور باهتة، وضحكة نسيتها، وجنازة قالوا لي بعدها إنه “راح عند ربنا”.
لكن الراجل اللي واقف قدامي…
كانت ملامحه شبه ملامحي.
نفس لون العينين.
ونفس الشامة الصغيرة جنب الحاجب.
همست وأنا ببكي:
ـ “لو… لو إنت أبويا… ليه سيبتني؟”
أغمض عينيه، وكأن السؤال ده كان مستنيه من عشرين سنة.
وقال بصوت مكسور:
ـ “أنا ما سبتكيش… أنا كنت بحاول أحافظ عليكي.”
قبل ما يكمل…
رفع زعيم المافيا إيده.
ـ “إثبات.”
هز الرجل العجوز رأسه.
طلع من جيبه سلسلة فضية قديمة.
كانت متعلقة فيها نصف قلب.
بصيت للسلسلة…
وقلبي دق بعنف.
لأن أمي كانت محتفظة بالنصف التاني في درجها، وكانت كل ما أسألها تقول:
“دي آخر حاجة أبوكي سابه.”
طلع الرجل النصف اللي معاه.
ولما قربته من النصف اللي كنت لابساه في رقبتي من سنين…
اتقفلوا على بعض كأنهم قطعة واحدة.
وقعت على ركبتي.
ما بقيتش قادرة أقاوم دموعي.
اقترب مني ببطء…
لكنه وقف قبل ما يلمسني.
وقال:
ـ “مش هطلب منك تسامحيني… لكن لازم تسمعي الحقيقة.”
جلس الجميع في صمت.
وقال:
ـ “من عشرين سنة، اكتشفت إن منظمة اسمها (العقرب) متغلغلة في كل مكان… شرطة… شركات… مستشفيات… وحتى القضاء.”
نظر إلى زعيم المافيا.
ـ “وقتها… كان أبوك لسه شاب صغير بيحاول يبني إمبراطوريته.”
رد زعيم المافيا بهدوء:
ـ “وأنت رفضت تشتغل معايا.”
ابتسم الرجل.
ـ “لأنك وقتها ماكنتش أحسن منهم.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
ـ “لكن لما عرفوا إني وصلت لأدلتهم… صدر أمر بقتلي وقتل عيلتي.”
التفت ناحيتي.
ـ “اضطريت أعلن وفاتي… وأخفي وجودي… وحتى أمك ما كانتش تعرف أنا فين إلا برسالة كل كام سنة.”
همست:
ـ “وجوزي؟”
اتغيرت ملامحه.
ـ “جوزك ما ماتش بسبب جلطة.”
حبست أنفاسي.
ـ “اتقتل.”
شهقت.
قال:
ـ “كان بيساعدني يجمع الأدلة… ولما قرب يعرف مكان الملف الأخير… سبقونا وقتلوه.”
دموعي نزلت بغزارة.
كل الوجع اللي عشته…
كان بسبب حرب ما أعرفش عنها أي حاجة.
لكن فجأة…
رفع زعيم المافيا رأسه.
كان مركز في صوت خافت جاي من جيب الرجل العجوز.
قال بسرعة:
ـ “متتحركش.”
استغرب الرجل.
أخرج زعيم المافيا جهازًا صغيرًا من جيبه، ومرره بالقرب من صدره.
الجهاز أصدر صفيرًا حادًا.
اتغير لون وجه زعيم المافيا.
صرخ:
ـ “ابعدوا عنه!”
في أقل من ثانية…
انتزع الحارس الرجل العجوز بعيدًا عني.
فتح زعيم المافيا جاكته…
ولقى تحت القميص…
حزامًا ناسفًا.
لكن المفاجأة الأكبر…
أن الرجل العجوز نفسه بص للحزام بصدمة.
وقال وهو يرتجف:
ـ “والله… والله ما أعرف ده جه إزاي!”
وفي نفس اللحظة…
اشتغل جهاز صغير مثبت في الحزام.
وخرج منه صوت العقرب وهو يضحك:
ـ “كنت عارف إنك هتوصل لبنتك في الآخر…”
ثم قال ببرود:
ـ “دلوقتي… اختار.”
“يا تنقذ بنتك…”
“يا تنقذ أبوها.”
يتبع…توقف الزمن.
ولا حد في الغرفة قدر يتنفس.
بصيت للحزام الناسف…
وبعدين لأبويا.
كان واقف مكانه، وشاحب، وعينيه مليانة خوف… مش على نفسه.
عليا.
همس بصوت مبحوح:
ـ “مريم… خدي ليلى وامشي.”
صرخت:
ـ “لأ!”
لكن زعيم المافيا كان مركز في شاشة صغيرة مثبتة على الحزام.
ظهر عليها عدّاد أحمر.
02:59
بدأ العد التنازلي.
قال رئيس الأمن وهو يحاول يفحص الجهاز:
ـ “باشا… ده مش حزام عادي.”
ـ “عارف.”
ـ “فيه حساس نبض.”
ـ “يعني لو شيلناه… هينفجر.”
سكت الجميع.
وفجأة…
اتكلم أبويا.
ـ “افتحوا الجاكيت.”
اعترض رئيس الأمن.
ـ “خطر.”
قال بهدوء:
ـ “لو ما فتحتوش… هنموت كلنا.”
فتحوا الجاكيت بحذر شديد.
وكانت الصدمة…
الحزام ماكانش متوصل بجسمه.
كان مربوط فوق هدومه من الداخل بطريقة احترافية.
همس أبويا:
ـ “حد خبط فيا وأنا داخل.”
في اللحظة دي…
افتكرت.
قبل ما يدخل الممر…
كان فيه عامل اصطدم بيه وهو بيجري.
صرخت:
ـ “العامل!”
لف زعيم المافيا بسرعة.
ـ “أي عامل؟”
ـ “كان لابس يونيفورم المطعم… وقع على الأرض… واعتذر.”
ضغط زعيم المافيا على جهاز الاتصال.
ـ “راجعوا الكاميرات.”
جاء الرد بعد ثوانٍ:
ـ “باشا… مفيش عامل وقع.”
قطب حاجبيه.
ـ “إزاي؟”
ـ “لأن اللي وقع… ماكانش من العاملين.”
ظهر التسجيل.
الرجل كان متنكر في زي أحد الموظفين.
ولما اصطدم بأبويا…
ثبت الحزام في أقل من ثانيتين.
قال رئيس الأمن بإعجاب ممزوج بالقلق:
ـ “محترف.”
لكن الوقت كان بيجري.
01:41
وفجأة…
ابتسم أبويا.
كلنا بصينا له باستغراب.
قال:
ـ “افتكرت.”
ـ “إيه؟”
ـ “العقرب.”
نظر لزعيم المافيا.
ـ “زمان… كان بيستخدم نوع معين من المتفجرات.”
اقترب من الحزام بحذر.
وأشار إلى سلك أزرق رفيع جدًا.
ـ “ده مش للتفجير.”
استغرب رئيس الأمن.
ـ “أمال إيه؟”
ـ “ده سلك خداع.”
ثم أشار إلى قطعة معدنية صغيرة خلف البطارية.
ـ “المفتاح الحقيقي هنا.”
قال رئيس الأمن:
ـ “ولو غلطنا؟”
ابتسم أبويا.
ـ “يبقى هنموت.”
ساد الصمت.
نظر زعيم المافيا إلى العداد.
00:46
مد يده ببطء…
وأدخل مفكًا صغيرًا في الفتحة المعدنية.
أدارها ربع لفة.
توقف العداد.
ثم…
انطفأت الشاشة.
مرّت ثانية…
واتنين…
وثلاثة.
ولا حاجة حصلت.
تنفس الجميع أخيرًا.
لكن زعيم المافيا ما ابتسمش.
كان لسه باصص للحزام.
ثم قال بهدوء:
ـ “لا…”
استغربنا.
ضغط بإصبعه على ظهر الجهاز.
فانفتح غطاء صغير.
كان بداخله…
شريحة إلكترونية بحجم الظفر.
قال رئيس الأمن:
ـ “دي إيه؟”
رد زعيم المافيا:
ـ “دي مش قنبلة…”
رفع الشريحة بين أصابعه.
“…دي جهاز تتبع.”
في نفس اللحظة…
رن هاتفه.
فتح الرسالة.
كانت عبارة عن سطر واحد فقط:
“شكرًا لأنك أخدتني بنفسك للمكان اللي كنت بدور عليه من عشرين سنة.”
رفع زعيم المافيا رأسه ببطء.
ثم همس:
ـ “إحنا اتخدعنا…”
وقبل أن يسأله أحد ماذا يقصد…
دوّى انفجار هائل خارج المبنى…
في المكان الذي كان يُخفى فيه الملف السري الحقيقي.
يتبع…اهتزت الجدران بعنف.
وتكسرت نوافذ الممر السري.
تطاير الزجاج في كل اتجاه، بينما انطفأت الأنوار لثوانٍ قبل أن تعمل المولدات الاحتياطية.
أغلق زعيم المافيا عينيه للحظة.
ثم قال بصوت منخفض:
ـ “وصل.”
سأل رئيس الأمن بارتباك:
ـ “مين؟”
رد وهو ينظر إلى الشريحة الإلكترونية:
ـ “العقرب… كان مستني الإشارة دي.”
رن جهاز الاتصال.
جاء صوت أحد الحراس وهو يلهث:
ـ “باشا… المستودع القديم انفجر بالكامل!”
أغمض زعيم المافيا عينيه.
ـ “والملف؟”
ساد صمت لثوانٍ.
ثم جاء الرد:
ـ “اتحول لرماد.”
شعرت أن كل ما حدث كان بلا فائدة.
جوزي مات…
وأبويا عاش متخفيًا عشرين سنة…
وفي النهاية ضاعت الأدلة.
لكن…
أبويا ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
استغربت.
قلت له:
ـ “إحنا خسرنا… إنت بتبتسم ليه؟”
نظر إليّ بحنان لأول مرة منذ التقينا.
وقال:
ـ “لأن العقرب وقع في الفخ.”
كل الموجودين بصوا له باستغراب.
أخرج من جيبه مفتاحًا معدنيًا صغيرًا.
وقال:
ـ “الملف الحقيقي عمره ما كان في المستودع.”
نظر إليه زعيم المافيا… ثم بدأت ابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه.
ـ “كنت عامل مستودع وهمي.”
هز أبويا رأسه.
ـ “من خمسة عشر سنة.”
اتسعت عينا رئيس الأمن.
ـ “يعني الانفجار كان في مكان فاضي؟”
رد:
ـ “كان فيه نسخ مزيفة… ومستندات مضللة.”
تنفس زعيم المافيا لأول مرة براحة.
لكن الراحة دي ما كملتش.
دخل أحد الحراس يجري.
ـ “باشا… قبضنا على الراجل اللي ركب الحزام.”
وقف الجميع.
دخل الرجل مقيد اليدين.
كان يرتجف.
أول ما شاف أبويا…
صرخ:
ـ “أنا ماليش دعوة! أنا كنت بنفذ أوامر!”
اقترب منه زعيم المافيا.
ـ “مين العقرب؟”
بكى الرجل.
ـ “والله… عمري ما شفت وشه.”
ـ “إزاي؟”
ـ “كل أوامره كانت بتوصل برسائل صوتية.”
ـ “فين مكانه؟”
هز رأسه.
ـ “معرفش.”
ثم قال جملة أربكت الجميع.
ـ “حتى اسمه… مش العقرب.”
قطب زعيم المافيا حاجبيه.
ـ “تقصد إيه؟”
ابتلع الرجل ريقه.
ـ “العقرب… اسم منظمة.”
ساد صمت ثقيل.
أكمل الرجل:
ـ “كل خمس سنين بيختاروا قائد جديد.”
نظر إلى أبويا.
ـ “اللي كنتوا بتطاردوه زمان… مات من سنين.”
ثم أشار بإصبعه نحو الشاشة المعلقة على الحائط.
ـ “أما اللي بيدير المنظمة دلوقتي…”
اشتغلت الشاشة وحدها.
وظهر وجه رجل أنيق في الخمسينات.
بمجرد ما شفته…
أبويا رجع خطوة للخلف.
وزعيم المافيا قبض على مس\دسه.
أما أنا…
فشهقت.
لأن الرجل ده كنت أعرفه جيدًا.
كان يظهر كل أسبوع في التلفزيون…
ويتكلم عن النزاهة ومحاربة الفساد.
قال بابتسامة هادئة وهو ينظر إلى الكاميرا:
ـ “مساء الخير جميعًا.”
ثم نظر مباشرة إليّ وقال:
ـ “مريم… آسف إننا اضطرينا ندخلك في اللعبة.”
تسارعت أنفاسي.
همست:
ـ “إنت… تعرفني؟”
ابتسم أكثر.
وقال الجملة التي جعلت الجميع يتجمد في مكانه:
ـ “أنا… عمّك.”
يتبع…اهتزت الجدران بعنف.
وتكسرت نوافذ الممر السري.
تطاير الزجاج في كل اتجاه، بينما انطفأت الأنوار لثوانٍ قبل أن تعمل المولدات الاحتياطية.
أغلق زعيم المافيا عينيه للحظة.
ثم قال بصوت منخفض:
ـ “وصل.”
سأل رئيس الأمن بارتباك:
ـ “مين؟”
رد وهو ينظر إلى الشريحة الإلكترونية:
ـ “العقرب… كان مستني الإشارة دي.”
رن جهاز الاتصال.
جاء صوت أحد الحراس وهو يلهث:
ـ “باشا… المستودع القديم انفجر بالكامل!”
أغمض زعيم المافيا عينيه.
ـ “والملف؟”
ساد صمت لثوانٍ.
ثم جاء الرد:
ـ “اتحول لرماد.”
شعرت أن كل ما حدث كان بلا فائدة.
جوزي مات…
وأبويا عاش متخفيًا عشرين سنة…
وفي النهاية ضاعت الأدلة.
لكن…
أبويا ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
استغربت.
قلت له:
ـ “إحنا خسرنا… إنت بتبتسم ليه؟”
نظر إليّ بحنان لأول مرة منذ التقينا.
وقال:
ـ “لأن العقرب وقع في الفخ.”
كل الموجودين بصوا له باستغراب.
أخرج من جيبه مفتاحًا معدنيًا صغيرًا.
وقال:
ـ “الملف الحقيقي عمره ما كان في المستودع.”
نظر إليه زعيم المافيا… ثم بدأت ابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه.
ـ “كنت عامل مستودع وهمي.”
هز أبويا رأسه.
ـ “من خمسة عشر سنة.”
اتسعت عينا رئيس الأمن.
ـ “يعني الانفجار كان في مكان فاضي؟”
رد:
ـ “كان فيه نسخ مزيفة… ومستندات مضللة.”
تنفس زعيم المافيا لأول مرة براحة.
لكن الراحة دي ما كملتش.
دخل أحد الحراس يجري.
ـ “باشا… قبضنا على الراجل اللي ركب الحزام.”
وقف الجميع.
دخل الرجل مقيد اليدين.
كان يرتجف.
أول ما شاف أبويا…
صرخ:
ـ “أنا ماليش دعوة! أنا كنت بنفذ أوامر!”
اقترب منه زعيم المافيا.
ـ “مين العقرب؟”
بكى الرجل.
ـ “والله… عمري ما شفت وشه.”
ـ “إزاي؟”
ـ “كل أوامره كانت بتوصل برسائل صوتية.”
ـ “فين مكانه؟”
هز رأسه.
ـ “معرفش.”
ثم قال جملة أربكت الجميع.
ـ “حتى اسمه… مش العقرب.”
قطب زعيم المافيا حاجبيه.
ـ “تقصد إيه؟”
ابتلع الرجل ريقه.
ـ “العقرب… اسم منظمة.”
ساد صمت ثقيل.
أكمل الرجل:
ـ “كل خمس سنين بيختاروا قائد جديد.”
نظر إلى أبويا.
ـ “اللي كنتوا بتطاردوه زمان… مات من سنين.”
ثم أشار بإصبعه نحو الشاشة المعلقة على الحائط.
ـ “أما اللي بيدير المنظمة دلوقتي…”
اشتغلت الشاشة وحدها.
وظهر وجه رجل أنيق في الخمسينات.
بمجرد ما شفته…
أبويا رجع خطوة للخلف.
وزعيم المافيا قبض على م\سدسه.
أما أنا…
فشهقت.
لأن الرجل ده كنت أعرفه جيدًا.
كان يظهر كل أسبوع في التلفزيون…
ويتكلم عن النزاهة ومحاربة الفساد.
قال بابتسامة هادئة وهو ينظر إلى الكاميرا:
ـ “مساء الخير جميعًا.”
ثم نظر مباشرة إليّ وقال:
ـ “مريم… آسف إننا اضطرينا ندخلك في اللعبة.”
تسارعت أنفاسي.
همست:
ـ “إنت… تعرفني؟”
ابتسم أكثر.
وقال الجملة التي جعلت الجميع يتجمد في مكانه:
ـ “أنا… عمّك.”
يتبع…اتسعت عيناي.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
همست:
ـ “عمي…؟”
ابتسم الرجل على الشاشة، لكن ابتسامته كانت باردة بشكل مخيف.
ـ “أيوه… أخو أبوكي الأصغر.”
لفيت ناحية أبويا.
كان باصص للشاشة، ووشه كله غضب.
قال من بين أسنانه:
ـ “كمال…”
هز الرجل رأسه.
ـ “لسه فاكر اسمي.”
صرخت:
ـ “يعني إيه؟! يعني طول عمري عندي عم ومحدش قالي؟”
رد أبويا بصوت مكسور:
ـ “لأنه من اليوم اللي اختار الفلوس والسلطة… ما بقاش أخويا.”
ضحك كمال.
ـ “وأنت اخترت تعيش هارب عشرين سنة.”
ثم نظر إليّ.
ـ “قوليلي يا مريم… مين فينا كسب؟”
ما ردتش.
أكمل:
ـ “إنتِ كبرتي من غير أب… وجوزك مات… وبنتك بقت مطاردة.”
ساد الصمت.
ثم قال ببرود:
ـ “أما أنا… فبقيت واحد من أقوى رجال البلد.”
قبض أبويا على يده.
ـ “كل ده هينتهي.”
ابتسم كمال.
ـ “بالعكس… ده لسه هيبدأ.”
وفجأة ظهرت على الشاشة صورة قديمة.
كانت لأمي.
شابّة… واقفة بين أبويا وكمال، وبتضحك.
قال كمال:
ـ “تعرفي مين اللي أنقذ أبوكي أول مرة؟”
بصيت للصورة.
قال:
ـ “أمك.”
اتجمد أبويا.
صرخ:
ـ “اسكت!”
لكن كمال أكمل:
ـ “أمك كانت شغالة معانا.”
شهقت.
ـ “كداب!”
رد بهدوء:
ـ “كانت بتنقل أخبار تحركات الشرطة… لحد ما وقعت في حب أبوكي.”
نزلت دموعي.
كل حاجة كنت مؤمنة بيها كانت بتنهار.
قال كمال:
ـ “ولما عرفت الحقيقة… خانتنا واختارت أبوكي.”
نظر إلى أخيه.
ـ “وأنت اخترت تصدقها.”
أبويا رد لأول مرة بثقة:
ـ “لأنها ضحت بحياتها علشان بنتها.”
ابتسم كمال ابتسامة ساخرة.
ـ “ودي كانت أكبر غلطة.”
ثم أخرج من جيبه ورقة.
ـ “عارف الورقة دي؟”
اتغير لون وش أبويا.
ـ “مستحيل…”
رفع كمال الورقة أمام الكاميرا.
كانت شهادة ميلاد.
لكن الاسم المكتوب عليها…
لم يكن ليلى.
ولا حتى اسمي أنا.
قال كمال:
ـ “واضح إن الوقت جه تعرفوا الحقيقة.”
قرب الورقة من الكاميرا أكثر.
وقال ببطء:
ـ “الطفلة اللي شايلينها…”
توقف لحظة.
“…اسمها الحقيقي مش ليلى.”
سقطت الكلمات على رأسي كالصاعقة.
حضنت بنتي بقوة.
صرخت:
ـ “إنت مجنون! دي بنتي!”
ابتسم كمال.
وقال آخر جملة قبل أن تنقطع الشاشة:
ـ “لا يا مريم…”
“…دي حفيدتي.”
وانقطع البث.
ساد الصمت…
ولأول مرة، لم يعرف أحد في الغرفة من يقول الحقيقة… ومن يبني أكاذيبه بعناية.
يتبع…الجزء الثاني
مرّت ثلاثة أشهر…
ولأول مرة من سنين…
نمت ليلة كاملة من غير ما أصحى على كابوس.
كنت أنا وليلى عايشين في بيت صغير على أطراف المدينة، تحت حراسة مشددة.
زعيم المافيا نفذ وعده.
وفر لنا مكان محدش يعرفه.
حتى أمي…
ما كانتش تعرف عنوانه.
لكن في صباح هادئ…
صحيت على صوت جرس الباب.
فتحت الكاميرا.
كان ساعي بريد.
قال:
ـ “طرد باسم الآنسة مريم.”
استغربت.
ما حدش يعرف مكاني.
وقّعت واستلمت الصندوق.
كان صغيرًا…
ومفيش عليه اسم المرسل.
أول ما فتحته…
وقعت منه خشخيشة صفراء.
نفس الخشخيشة…
اللي كانت مع ليلى يوم اختفت من المخزن.
لكن دي كنت محتفظة بيها في درج أوضتها.
جريت للأوضة.
فتحت الدرج.
مكان الخشخيشة…
كان فاضي.
حد دخل البيت.
حملت ليلى بسرعة.
وبصيت حواليا برعب.
وفجأة…
لقيت ظرفًا أبيض تحت الصندوق.
فتحته.
كان مكتوب فيه بخط واحد:
“لو قدرت أوصل للخشخيشة… أقدر أوصل لليلى.”
سقط الظرف من إيدي.
في نفس اللحظة…
رن هاتفي.
المتصل…
رقم مجهول.
رديت بإيد مرتعشة.
جالي نفس الصوت.
صوت كمال.
ـ “صباح الخير يا بنت أخويا.”
صرخت:
ـ “إنت فين؟!”
ضحك.
ـ “أقرب مما تتخيلي.”
قفلت المكالمة فورًا.
واتصلت بزعيم المافيا.
رد من أول رنة.
ـ “في إيه؟”
قلت وأنا ببكي:
ـ “هو دخل البيت.”
سكت ثانية.
ثم قال:
ـ “ما تخرجيش من مكانك.”
بعد أقل من خمس دقائق…
وصلت أربع سيارات سوداء.
نزل منها رجال الأمن.
فتشوا البيت كله.
مفيش أثر لحد.
لكن رئيس الأمن وقف قدام شباك المطبخ.
وقال:
ـ “باشا…”
أشار إلى الزجاج.
كان مرسوم عليه من الخارج…
علامة عقرب صغيرة باللون الأسود.
اقترب زعيم المافيا.
ولمسها بإصبعه.
ثم قال:
ـ “دي اتحطت من أقل من ساعة.”
شعرت بقشعريرة.
يعني…
كمال كان واقف قدام بيتي.
يمكن وأنا نايمة.
أو…
يمكن وهو كان بيبص علينا من الشباك.
وفي أثناء التفتيش…
صرخت إحدى الحارسات:
ـ “لقينا حاجة!”
جريت ناحيتها.
كانت ماسكة دبدوب ليلى.
شقته من الجنب…
وطلعت منه شريحة إلكترونية صغيرة.
جهاز تتبع.
تجمد الدم في عروقي.
قال زعيم المافيا بهدوء:
ـ “هو ما كانش بيتتبع البيت…”
ثم نظر إلى ليلى.
“…كان بيتتبعها هي.”
وفي تلك اللحظة…
رفعت ليلى رأسها الصغيرة، وأشارت بإصبعها نحو الشباك.
وقالت أول كلمة واضحة في حياتها…
“بابا.”
لففنا كلنا ناحية الشباك بسرعة…
وكان فيه رجل واقف في آخر الشارع…
يراقب البيت…
ثم ابتسم…
واختفى بين الضباب.
يتبع…تجمدت مكاني.
ليلى عمرها لسه ما كملش السنة…
وأول كلمة نطقتها كانت:
“بابا.”
بصيت ناحية آخر الشارع.
لكن الرجل كان اختفى.
انطلق رجال الأمن يجروا وراه.
بعد عشر دقائق رجعوا.
واحد منهم هز رأسه بأسف.
ـ “اختفى كأنه كان عارف المنطقة.”
أغلق زعيم المافيا الستارة بنفسه.
ثم بص لليلى.
كانت لسه بتبص ناحية الشباك وتضحك.
قال بهدوء:
ـ “الأطفال أوقات بيلاحظوا حاجات إحنا ما بناخدش بالنا منها.”
وفي المساء…
وصل تقرير المعمل عن شريحة التتبع.
قال رئيس الأمن:
ـ “الغريب إنها متصنعتش جديد.”
ـ “يعني؟”
ـ “الشريحة دي بقالها حوالي ثماني شهور.”
شهقت.
ـ “يعني من وقت ما ليلى اتولدت؟”
هز رأسه.
ـ “تقريبًا.”
ساد صمت ثقيل.
ثم دخل أحد الحراس يحمل ظرفًا قديمًا.
قال:
ـ “باشا… لقيناه مخبّي تحت أرضية أوضة النوم.”
فتحت الظرف بإيدي.
كان فيه خطاب مكتوب بخط جوزي.
دموعي نزلت أول ما شفت خطه.
فتحت الورقة.
وقريت:
> “مريم… لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا غالبًا ما قدرتش أكمل. لو حد حاول يقنعك إن ليلى هي الهدف… ما تصدقيهوش. ليلى مجرد الطريق. الهدف الحقيقي… إنتِ.”
اتجمدت.
كملت القراءة.
> “في يوم من الأيام، من غير ما تعرفي، حطيت حاجة في مكان محدش غيرك يقدر يوصل له. حتى إنتِ نسيتيه.”
رفعت عيني بدهشة.
همست:
ـ “أنا؟!”
زعيم المافيا أخد الخطاب وكمّل.
> “لو افتكرتي المكان… هتعرفي ليه العقرب مستعد يحرق البلد كلها علشان يوصلك.”
انتهى الخطاب.
لكن في آخر الصفحة…
كان مرسوم بيت صغير.
وجنبه…
شجرة كبيرة.
وبئر.
صرخت فجأة.
افتكرت.
ـ “بيت جدي!”
التفت الجميع ناحيتي.
قلت بسرعة:
ـ “وأنا صغيرة كنت بلعب هناك… وجوزي خدني بعد الجواز مرة واحدة بس.”
أبويا اتغير لون وشه.
ـ “البئر…”
بصله زعيم المافيا.
ـ “إيه البئر؟”
قال وهو يجري ناحية الباب:
ـ “هو عرف.”
سألته:
ـ “مين؟”
رد وهو يفتح الباب:
ـ “كمال… كان عايزك تفتكري المكان بنفسك.”
خلال أقل من ساعة…
وصلنا لبيت جدي المهجور.
كان البيت مكسور الأبواب…
وكأن حد فتشه قبلنا.
جرينا ناحية البئر.
لكن أول ما بصينا جواه…
لقينا صندوقًا حديديًا مفتوحًا.
وفاضي.
تأخّرنا.
لكن زعيم المافيا انحنى بجوار الصندوق.
ثم رفع قطعة ورق صغيرة كانت عالقة في الغطاء.
فتحها…
وابتسم.
سألته بلهفة:
ـ “في إيه؟”
ناولني الورقة.
كان مكتوب فيها بخط كمال:
“عارف إنكم هتوصلوا… لكن اللي كنت بدور عليه مش هنا من زمان.”
وتحتها سطر واحد فقط:
“اسألوا أم مريم.”
في تلك اللحظة…
نظرت إلى أبي.
كان وجهه شاحبًا.
وهمس بكلمة جعلت قلبي ينقبض:
ـ “أمك… كانت تعرف أكثر مما قالت لنا.”
يتبع…رجعنا البيت…
ولا واحد فينا نطق بكلمة.
كل واحد كان غرقان في أفكاره.
أمي…
الست البسيطة اللي عمرها ما خرجت من بيتها إلا للسوق أو زيارة قرايبنا…
إزاي تكون مخبية سر بالحجم ده؟
بص أبويا من شباك العربية وهمس:
ـ “لو كمال كتب اسمها… يبقى هو متأكد إنها لسه محتفظة بالحقيقة.”
وصلنا البيت بعد منتصف الليل.
فتحت أمي الباب وهي مستغربة.
أول ما شافت أبويا…
وقع فنجان الشاي من إيديها واتكسر على الأرض.
فضلت تبص له كأنها شافت شبح.
ثم همست:
ـ “إنت… رجعت؟”
قال بصوت هادئ:
ـ “آه يا هدى… رجعت.”
بدأت دموعها تنزل.
لكنها ما قربتش منه.
قالت وهي ترتجف:
ـ “كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.”
صرخت فيها:
ـ “إيه اللي كنتِ عارفاه؟!”
بصت لي بحزن.
ـ “اقفلي الباب الأول.”
دخلنا كلنا الصالون.
أمي فتحت دولابًا خشبيًا قديمًا.
طلعت منه علبة صفيح صغيرة.
كانت مغبرة…
واضح إنها متفتحتش من سنين.
حطتها على الترابيزة.
وقالت:
ـ “أبوك سلّمهالي يوم اختفى.”
فتحها أبويا بنفسه.
كان جواها…
مفتاح نحاسي قديم…
وصورة.
أخد الصورة…
واتغير لون وشه.
مدهالي.
شهقت.
الصورة كانت ليا…
وأنا عندي حوالي خمس سنين.
واقفـة قدام بيت جدي.
وفي إيدي…
دبدوب أبيض صغير.
قالت أمي:
ـ “فاكرة الدبدوب؟”
هززت رأسي.
ـ “ضاع وأنا صغيرة.”
قالت بهدوء:
ـ “لا…”
وسكتت ثواني.
“…أبوك هو اللي خبّاه.”
التفت إليها الجميع.
أبويا همس:
ـ “إنتِ قلتي لها؟”
هزت رأسها بالنفي.
ثم قالت:
ـ “الدبدوب ما كانش لعبة.”
اتسعت عيناي.
ـ “أمال كان إيه؟”
ردت:
ـ “كان جواه مفتاح.”
أخرجت المفتاح النحاسي من العلبة.
ثم وضعته فوق الصورة.
كان نفس شكل القفل المرسوم خلف الصورة.
قلب أبويا الصورة.
وكانت المفاجأة…
على ظهرها خريطة صغيرة مرسومة بالقلم.
تؤدي إلى غرفة سرية…
أسفل بيت جدي.
همس زعيم المافيا:
ـ “إذن البئر كان مجرد تمويه.”
ابتسم أبويا لأول مرة.
ـ “وده اللي كنت عايزه.”
لكن قبل أن يشرح…
رن هاتف أمي.
نظرت إلى الشاشة…
وشحب وجهها.
سألتها:
ـ “مين؟”
أغلقت الهاتف بسرعة.
لكن زعيم المافيا كان أسرع.
أخذ الهاتف من يدها.
كانت المكالمة من رقم مجهول.
وبعد ثوانٍ…
وصلت رسالة صوتية.
ضغط على تشغيلها.
وجاء صوت كمال هادئًا:
“أحسنتِ يا هدى… عرفتي توصليهم للمكان الصح.”
تجمدنا جميعًا.
وأكمل صوته:
“بس للأسف… كنت متوقع إنك في الآخر هتختاري بنتك.”
ثم ضحك.
وأضاف:
“بصّي من الشباك.”
جرينا كلنا ناحية الشباك.
وفي الناحية المقابلة من الشارع…
كانت عربية سوداء واقفة.
ولما فتحت بابها…
نزل منها رجل يحمل حقيبة صغيرة.
رفعها في الهوا…
وابتسم.
ثم ضغط زرًا في جهاز كان في إيده.
وفي اللحظة نفسها…
بدأت الحقيبة تصدر صوت بيب… بيب… بيب…
يتبع…تجمد الدم في عروقي.
الصوت كان بيزيد سرعة.
بيب… بيب… بيب…
صرخت أمي:
ـ “قنبلة!”
لكن زعيم المافيا مد إيده بسرعة يمنع أي حد يفتح الباب.
قال بحزم:
ـ “محدش يتحرك.”
بص لرئيس الأمن.
ـ “الكاميرات.”
بعد ثوانٍ ظهر بث الشارع على الشاشة.
الرجل اللي كان ماسك الحقيبة…
ابتسم للكاميرا.
وحط الحقيبة بهدوء على الرصيف.
وبعدين استدار…
وركب العربية.
وانطلقت بسرعة.
أما الحقيبة…
فظلت مكانها.
بدأ العد التنازلي على شاشتها.
00:30
صرخت:
ـ “لازم نهرب!”
لكن أبويا وقف قدام الباب.
وقال:
ـ “لو خرجنا دلوقتي… هنمشي ناحية الحقيبة.”
كان معاه حق.
البيت كله بقى محاصر.
في اللحظة دي…
رن هاتف زعيم المافيا.
المتصل…
كمال.
فتح السماعة على مكبر الصوت.
قال كمال بابتسامة واضحة في صوته:
ـ “ها… عجبكوا الاستقبال؟”
رد زعيم المافيا ببرود:
ـ “لو كنت عايز تقتلنا… كنت عملتها.”
ضحك كمال.
ـ “بالضبط.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
ـ “الحقيبة دي مش فيها متفجرات.”
نظرنا لبعض باستغراب.
قال:
ـ “افتحوها.”
صرخت:
ـ “ممكن يكون بيكدب!”
لكن زعيم المافيا ظل ينظر إلى الشاشة.
ثم قال لرئيس الأمن:
ـ “هات روبوت التفكيك.”
بعد دقائق…
تحرك الروبوت الصغير ناحية الحقيبة.
فتحها بحذر.
الجميع كان يحبس أنفاسه.
ولما انفتح الغطاء…
ما كانش فيها قنبلة.
كان فيها…
ألبوم صور قديم.
وملف أصفر.
وفوقهم رسالة.
طلب زعيم المافيا من الروبوت يسحب الرسالة.
فتحها.
وكان مكتوب فيها:
“كل اللي حصل لحد النهارده كان مجرد اختبار.”
ثم سطر آخر:
“لو كنتوا فتحتوا الباب وخرجتوا… كان القناص اللي فوق العمارة خلص عليكم.”
رفع رجال الأمن أسلحتهم بسرعة وبصوا لسطح العمارة المقابلة.
وفعلًا…
لقوا منظار بندقية بيلمع تحت ضوء القمر.
لكن أول ما شعر القناص إنه اتكشف…
اختفى.
همس رئيس الأمن:
ـ “أنقذنا بنفسه…”
رد أبويا وهو يهز رأسه:
ـ “لا… هو بيستمتع باللعبة.”
فتح زعيم المافيا الملف الأصفر.
كانت فيه عشرات الصور.
كلها لنفس الشخص.
لكن بأعمار مختلفة.
مرة طفل.
مرة شاب.
مرة رجل كبير.
سألت:
ـ “مين ده؟”
نظر أبويا للصورة الأخيرة…
وشحب وجهه.
قال بصوت مرتجف:
ـ “مستحيل…”
ـ “إيه؟”
أشار إلى الصورة.
ـ “ده كمال.”
استغربت.
ـ “يعني إيه؟”
قال:
ـ “الصور دي كلها اتصورت على مدار ثلاثين سنة…”
ثم رفع الصورة الأخيرة.
وأضاف:
ـ “لكن وشه…”
ابتلع ريقه.
“…ما اتغيرش.”
ساد صمت مرعب.
وقبل أن ينطق أحد…
كانت هناك ورقة صغيرة في آخر الملف.
فتحها زعيم المافيا.
وقرأها بصوت منخفض:
“لو عرفتوا سر كمال… هتعرفوا ليه كل اللي حاولوا يقتلوه… ماتوا قبله.”
وفي أسفل الورقة…
كان عنوان واحد فقط.
“مقبرة القديس ميخائيل… الساعة الثانية فجرًا.”
نظر زعيم المافيا إلى ساعته.
كانت…
1:34 بعد منتصف الليل.
ولم يكن أمامهم سوى 26 دقيقة للوصول إلى المكان… قبل أن تبدأ الحقيقة الأخطر في حياتهم.
يتبع…انطلقت أربع سيارات سوداء في شوارع المدينة الخالية.
ولا واحد فينا كان بيتكلم.
كل واحد كان بيفكر في الجملة الأخيرة…
“مقبرة القديس ميخائيل… الساعة الثانية فجرًا.”
وصلنا قبل الموعد بدقيقتين.
المقبرة كانت قديمة جدًا.
بوابتها الحديدية مغطاة بالصدأ، والضباب مالي المكان.
أول ما نزلنا…
قال أبويا بهدوء:
ـ “خدوا بالكم… دي مش دعوة.”
بص له زعيم المافيا.
ـ “أمال إيه؟”
ـ “فخ.”
لكننا دخلنا.
كل واحد ماسك كشاف.
وأصوات خطواتنا كانت بترتد بين القبور.
وفجأة…
سمعنا صوت ساعة الكنيسة تدق.
دونج… دونج…
الساعة بقت الثانية تمامًا.
وفي اللحظة نفسها…
اشتغلت شاشة كبيرة كانت متخبية بين الأشجار.
ظهر عليها كمال.
كان لابس بدلة سوداء، وواقف قدام قبر رخامي ضخم.
ابتسم وقال:
ـ “أهلًا بيكم.”
لفينا نبص حوالينا.
مكانش موجود.
كان بث مباشر.
قال:
ـ “قدامكم خمس دقايق.”
وأشار إلى القبر اللي وراه.
ـ “لو فتحتوه… هتعرفوا الحقيقة.”
ثم اختفى.
اقترب رئيس الأمن من القبر.
كان مكتوب عليه اسم واحد:
يوسف الشاذلي.
شهقت أمي.
ـ “يوسف…”
بص لها أبويا بسرعة.
ـ “إنتِ تعرفيه؟”
هزت رأسها ببطء.
ـ “ده اسم جد مريم.”
اتجمدت.
ـ “جدي؟”
أنا طول عمري كنت فاكرة إن جدي اسمه محمود.
قالت أمي وهي تبكي:
ـ “ده الاسم اللي اضطرينا نستخدمه بعد اللي حصل.”
بدأت الأسئلة تزيد.
لكن الوقت كان بيجري.
كسر الحراس غطاء القبر بحذر.
ولما فتحوه…
الكل اتراجع خطوة.
القبر…
كان فاضي.
مافيش ج\ثة.
كان فيه صندوق خشبي صغير بس.
أخرجه أبويا.
فتح الغطاء.
كان جواه دفتر جلد قديم.
وفوقه…
مظروف مختوم بالشمع الأحمر.
فتح أبويا المظروف.
بدأ يقرأ.
ثم سكت.
سألته:
ـ “إيه المكتوب؟”
ناولني الورقة.
كانت رسالة بخط جدي.
> “لو وصلتوا للرسالة دي… يبقى العقرب لسه عايش. ولو العقرب لسه عايش… يبقى الخيانة كانت من داخل عيلتنا.”
حسيت بقشعريرة.
كملت القراءة.
> “أنا ما سلمتش السر لابني… ولا لحفيدي… سلمته لحفيدتي.”
بصيت لنفسي بعدم تصديق.
ثم قرأت السطر الأخير…
> “مريم… من يوم ولادتك، السر باسمك… من غير ما تعرفي.”
في اللحظة دي…
سمعنا صوت تصفيق بطيء.
لفينا كلنا.
كان فيه راجل واقف بين القبور.
لابس معطف أسود طويل.
وشه كان في الضل.
قال بهدوء:
ـ “برافو…”
رفع رأسه ببطء.
ولأول مرة…
شفنا وجه كمال الحقيقي.
ابتسم وقال:
ـ “دلوقتي… نبدأ اللعبة بجد.”
يتبع…انطلقت أربع سيارات سوداء في شوارع المدينة الخالية.
ولا واحد فينا كان بيتكلم.
كل واحد كان بيفكر في الجملة الأخيرة…
“مقبرة القديس ميخائيل… الساعة الثانية فجرًا.”
وصلنا قبل الموعد بدقيقتين.
المقبرة كانت قديمة جدًا.
بوابتها الحديدية مغطاة بالصدأ، والضباب مالي المكان.
أول ما نزلنا…
قال أبويا بهدوء:
ـ “خدوا بالكم… دي مش دعوة.”
بص له زعيم المافيا.
ـ “أمال إيه؟”
ـ “فخ.”
لكننا دخلنا.
كل واحد ماسك كشاف.
وأصوات خطواتنا كانت بترتد بين القبور.
وفجأة…
سمعنا صوت ساعة الكنيسة تدق.
دونج… دونج…
الساعة بقت الثانية تمامًا.
وفي اللحظة نفسها…
اشتغلت شاشة كبيرة كانت متخبية بين الأشجار.
ظهر عليها كمال.
كان لابس بدلة سوداء، وواقف قدام قبر رخامي ضخم.
ابتسم وقال:
ـ “أهلًا بيكم.”
لفينا نبص حوالينا.
مكانش موجود.
كان بث مباشر.
قال:
ـ “قدامكم خمس دقايق.”
وأشار إلى القبر اللي وراه.
ـ “لو فتحتوه… هتعرفوا الحقيقة.”
ثم اختفى.
اقترب رئيس الأمن من القبر.
كان مكتوب عليه اسم واحد:
يوسف الشاذلي.
شهقت أمي.
ـ “يوسف…”
بص لها أبويا بسرعة.
ـ “إنتِ تعرفيه؟”
هزت رأسها ببطء.
ـ “ده اسم جد مريم.”
اتجمدت.
ـ “جدي؟”
أنا طول عمري كنت فاكرة إن جدي اسمه محمود.
قالت أمي وهي تبكي:
ـ “ده الاسم اللي اضطرينا نستخدمه بعد اللي حصل.”
بدأت الأسئلة تزيد.
لكن الوقت كان بيجري.
كسر الحراس غطاء القبر بحذر.
ولما فتحوه…
الكل اتراجع خطوة.
القبر…
كان فاضي.
مافيش ج\ثة.
كان فيه صندوق خشبي صغير بس.
أخرجه أبويا.
فتح الغطاء.
كان جواه دفتر جلد قديم.
وفوقه…
مظروف مختوم بالشمع الأحمر.
فتح أبويا المظروف.
بدأ يقرأ.
ثم سكت.
سألته:
ـ “إيه المكتوب؟”
ناولني الورقة.
كانت رسالة بخط جدي.
> “لو وصلتوا للرسالة دي… يبقى العقرب لسه عايش. ولو العقرب لسه عايش… يبقى الخيانة كانت من داخل عيلتنا.”
حسيت بقشعريرة.
كملت القراءة.
> “أنا ما سلمتش السر لابني… ولا لحفيدي… سلمته لحفيدتي.”
بصيت لنفسي بعدم تصديق.
ثم قرأت السطر الأخير…
> “مريم… من يوم ولادتك، السر باسمك… من غير ما تعرفي.”
في اللحظة دي…
سمعنا صوت تصفيق بطيء.
لفينا كلنا.
كان فيه راجل واقف بين القبور.
لابس معطف أسود طويل.
وشه كان في الضل.
قال بهدوء:
ـ “برافو…”
رفع رأسه ببطء.
ولأول مرة…
شفنا وجه كمال الحقيقي.
ابتسم وقال:
ـ “دلوقتي… نبدأ اللعبة بجد.”
يتبع…تجمد الدم في عروقي.
الصوت كان بيزيد سرعة.
بيب… بيب… بيب…
صرخت أمي:
ـ “قنبلة!”
لكن زعيم المافيا مد إيده بسرعة يمنع أي حد يفتح الباب.
قال بحزم:
ـ “محدش يتحرك.”
بص لرئيس الأمن.
ـ “الكاميرات.”
بعد ثوانٍ ظهر بث الشارع على الشاشة.
الرجل اللي كان ماسك الحقيبة…
ابتسم للكاميرا.
وحط الحقيبة بهدوء على الرصيف.
وبعدين استدار…
وركب العربية.
وانطلقت بسرعة.
أما الحقيبة…
فظلت مكانها.
بدأ العد التنازلي على شاشتها.
00:30
صرخت:
ـ “لازم نهرب!”
لكن أبويا وقف قدام الباب.
وقال:
ـ “لو خرجنا دلوقتي… هنمشي ناحية الحقيبة.”
كان معاه حق.
البيت كله بقى محاصر.
في اللحظة دي…
رن هاتف زعيم المافيا.
المتصل…
كمال.
فتح السماعة على مكبر الصوت.
قال كمال بابتسامة واضحة في صوته:
ـ “ها… عجبكوا الاستقبال؟”
رد زعيم المافيا ببرود:
ـ “لو كنت عايز تقتلنا… كنت عملتها.”
ضحك كمال.
ـ “بالضبط.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
ـ “الحقيبة دي مش فيها متفجرات.”
نظرنا لبعض باستغراب.
قال:
ـ “افتحوها.”
صرخت:
ـ “ممكن يكون بيكدب!”
لكن زعيم المافيا ظل ينظر إلى الشاشة.
ثم قال لرئيس الأمن:
ـ “هات روبوت التفكيك.”
بعد دقائق…
تحرك الروبوت الصغير ناحية الحقيبة.
فتحها بحذر.
الجميع كان يحبس أنفاسه.
ولما انفتح الغطاء…
ما كانش فيها قنبلة.
كان فيها…
ألبوم صور قديم.
وملف أصفر.
وفوقهم رسالة.
طلب زعيم المافيا من الروبوت يسحب الرسالة.
فتحها.
وكان مكتوب فيها:
“كل اللي حصل لحد النهارده كان مجرد اختبار.”
ثم سطر آخر:
“لو كنتوا فتحتوا الباب وخرجتوا… كان القناص اللي فوق العمارة خلص عليكم.”
رفع رجال الأمن أسلحتهم بسرعة وبصوا لسطح العمارة المقابلة.
وفعلًا…
لقوا منظار بندقية بيلمع تحت ضوء القمر.
لكن أول ما شعر القناص إنه اتكشف…
اختفى.
همس رئيس الأمن:
ـ “أنقذنا بنفسه…”
رد أبويا وهو يهز رأسه:
ـ “لا… هو بيستمتع باللعبة.”
فتح زعيم المافيا الملف الأصفر.
كانت فيه عشرات الصور.
كلها لنفس الشخص.
لكن بأعمار مختلفة.
مرة طفل.
مرة شاب.
مرة رجل كبير.
سألت:
ـ “مين ده؟”
نظر أبويا للصورة الأخيرة…
وشحب وجهه.
قال بصوت مرتجف:
ـ “مستحيل…”
ـ “إيه؟”
أشار إلى الصورة.
ـ “ده كمال.”
استغربت.
ـ “يعني إيه؟”
قال:
ـ “الصور دي كلها اتصورت على مدار ثلاثين سنة…”
ثم رفع الصورة الأخيرة.
وأضاف:
ـ “لكن وشه…”
ابتلع ريقه.
“…ما اتغيرش.”
ساد صمت مرعب.
وقبل أن ينطق أحد…
كانت هناك ورقة صغيرة في آخر الملف.
فتحها زعيم المافيا.
وقرأها بصوت منخفض:
“لو عرفتوا سر كمال… هتعرفوا ليه كل اللي حاولوا يقتلوه… ماتوا قبله.”
وفي أسفل الورقة…
كان عنوان واحد فقط.
“مقبرة القديس ميخائيل… الساعة الثانية فجرًا.”
نظر زعيم المافيا إلى ساعته.
كانت…
1:34 بعد منتصف الليل.
ولم يكن أمامهم سوى 26 دقيقة للوصول إلى المكان… قبل أن تبدأ الحقيقة الأخطر في حياتهم.
يتبع…