تظاهري بانك زوجتي
جاسم
إنت اللي قفلت البيت؟
أجاب
أنا.
صرخت سارة
ليه؟
نظر إليها.
لأنك لازم تسمعي الحقيقة كاملة قبل ما يخرج أي حد.
قال زوج سارة
أنت عارف إنهم هيقتلوا بعض لو فضلت تلعب بالطريقة دي.
أجاب نادر
أنا مش بلعب.
ثم أشار إلى الرسالة.
أنا أنفذ آخر وصية لإسماعيل.
قال جاسم
إذن اقرأ.
فتح نادر الرسالة.
بدأ يقرأ
يا من وصلت إلى هذه الكلمات… إذا كانت سارة معك، فلا تخبرها بالحقيقة كاملة قبل أن تتأكد من شيء واحد.
توقف.
سأل جاسم
إيه هو؟
أكمل نادر
تأكد أن الرجل الذي تزوجها لم يتزوجها طمعًا في الأرض.
ساد الصمت.
نظر الجميع إلى جاسم.
قالت سارة
إسماعيل كان بيشك فيك؟
أجاب جاسم
أبويا كان بيشك في الكل.
أكمل نادر
إذا كان جاسم قد تزوج سارة من أجل المال أو الأرض، فابعدوها عنه فورًا.
ثم رفع عينيه.
لكن إذا تزوجها لحمايتها، أعطوه الرسالة الثانية.
قالت سارة
والرسالة الثانية فين؟
أشار نادر إلى جاسم.
معه.
تجمد جاسم.
أنا؟
نعم.
فتش جاسم جيوبه.
ثم أخرج ظرفًا صغيرًا.
كان قديمًا، ومغلقًا بالشمع.
نظر إلى سارة.
أنا ما كنتش أعرف ده إيه.
أخذت الظرف منه.
فتحت الشمع.
خرجت ورقة واحدة.
وكان أول سطر فيها
إلى جاسم… إذا أصبحت سارة زوجتك، فاعرف أنني وثقت بك أكثر من ابني.
رفع جاسم رأسه.
ثم تابع القراءة.
لا تحاول أن تملكها، ولا أن تتحكم فيها، ولا أن تخبرها بما لا تريد معرفته. احمِ حقها فقط، واترك لها قرار حياتها.
توقفت سارة.
كانت الكلمات واضحة.
لم يكن الزواج في نظر إسماعيل مجرد حيلة.
كان يريد أن يضمن لها الأمان.
لكن الرسالة لم تنتهِ.
في أسفل الصفحة كان هناك سطر آخر
والأهم… لا تثق بنادر.
تغيرت ملامح الجميع.
نظر جاسم إلى نادر.
سمعت؟
ابتسم نادر.
كنت عارف إن الرسالة دي موجودة.
قالت سارة
إذن ليه ما قلتش؟
أجاب
لأن إسماعيل كتبها قبل أن يعرف الحقيقة الأخيرة.
وإيه الحقيقة الأخيرة؟
صمت نادر.
قال جاسم
اتكلم.
نظر نادر إلى والد سارة.
ثم إلى زوجها.
ثم قال
إسماعيل لم يكن يريد حماية سارة من عم جاسم.
توقفت سارة.
أمال كان بيحميها من مين؟
قال نادر
من زوجها.
ساد صمت كامل.
نظرت سارة إلى زوجها.
لم يتحرك.
قالت
إنت؟
أجاب بهدوء
اسمعيني قبل ما تحكمي.
قال نادر
هو كان الشخص الوحيد اللي عنده سبب يخفي الحقيقة.
سأل جاسم
أي حقيقة؟
قال نادر
زوج سارة لم يكن متورطًا في اختفائه فقط.
ثم أخرج صورة قديمة.
كانت لزوج سارة وهو يقف بجوار إسماعيل.
وفي الخلفية ظهر شيء جعل جاسم يتجمد.
كانت هناك شاحنة تحمل شعار شركة قطع الأشجار.
قال نادر
في الليلة اللي مات فيها إسماعيل… كانت الشاحنة دي موجودة.
نظر جاسم إلى الصورة.
والشركة دي كانت ملك مين؟
ابتسم نادر.
ملك زوج سارة.
شهقت سارة.
لكن زوجها قال بسرعة
الشركة ما كانتش بتاعتي.
قال نادر
كانت باسمك.
لكن ما كانتش ملكي.
إذن ملك مين؟
لم يجب.
اقتربت سارة منه.
أنا عايزة أسمع منك.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال
كانت ملك شخص مات قبل ما تتجوزيني.
مين؟
خفض رأسه.
أخو جاسم.
تجمد جاسم.
أنا ما عنديش أخ.
رد نادر
كان عندك.
ثم أضاف
والحقيقة اللي أخفاها إسماعيل طوال السنين… إن أخاك لم يمت.
في اللحظة نفسها، جاء طرق على الباب الخارجي.
ثلاث طرقات.
ثم صوت رجل يقول
جاسم… افتح.
تغير وجه جاسم.
همست سارة
مين؟
أجاب بصوت منخفض
ما أعرفش.
لكن زوجها نظر إليه وقال
أنا أعرف.
سأله جاسم
مين؟
أجاب
أخوك ساد الصمت داخل البيت.
كانت سارة تنظر إلى جاسم، ثم إلى الباب.
أخوك؟
هز جاسم رأسه ببطء.
أنا طول عمري فاكر إن أخويا مات وهو صغير.
قال زوج سارة
إسماعيل أخفاه.
ليه؟
لأنه كان الشاهد الوحيد على اللي حصل في العائلة.
اقترب جاسم من الباب، لكنه لم يفتحه.
قال
لو أنت عارف إنه حي… ليه ما قلتليش؟
لأنني لم أكن متأكدًا من مكانه.
جاء الطرق من جديد.
هذه المرة كان أضعف.
ثم سمعوا صوت رجل
جاسم… أنا مش جاي أؤذيك.
نظر جاسم إلى أمه.
كانت تبكي.
قالت
افتح يا ابني.
فتح الباب بحذر.
دخل رجل في أواخر الثلاثينيات، متعبًا ومغطى بالغبار.
نظر إلى جاسم طويلًا.
ثم قال
أخويا.
لم يستطع جاسم الكلام.
اقترب الرجل منه، لكن جاسم بقي ثابتًا مكانه.
قال
أنت عايش كل السنين دي؟
أيوه.
وأبويا كان عارف؟
كان.
وأمي؟
نظر الرجل إليها.
كانت عارفة إني عايش.
انهارت دموعها.
قالت
سامحني.
رد
أنا مش زعلان منك.
ثم نظر إلى سارة.
وأنتِ سارة.
أومأت.
أبوكِ وإسماعيل أنقذوني من الناس اللي كانوا بيحاولوا يستولوا على الأراضي.
ثم أخرج دفترًا قديمًا.
وده آخر دليل.
فتحه أمام الجميع.
كان يحتوي على أسماء الأشخاص الذين زوروا العقود واستولوا على الأراضي.
وكان اسم عم جاسم بينهم.
تراجع الرجل العجوز.
أنا حاولت أحمي العائلة.
قال جاسم
إنت خنتها.
ثم التفت إلى فارس.
وأنت؟
قال فارس
أنا كنت أساعد إسماعيل في جمع الأدلة.
أما نادر، فظل صامتًا.
قال جاسم
وأنت كنت بتخدعنا طول الوقت.
أجاب نادر
كنت أنفذ وصية إسماعيل.
لكن الأخ أخرج ورقة.
دي وصيته الأخيرة.
قرأ جاسم
إذا ظهر نادر، فلا تثق به إلا إذا سلّم كل المستندات للجهات المختصة.
نظر جاسم إليه.
ليه؟
أجاب
لأنه كان يحاول استخدام الوصاية لصالحه.
لم ينكر نادر.
جلس على الكرسي.
أنا خسرت.
قالت سارة
وأنا؟
نظر إليها.
أنتِ كسبتِ حقك.
بعد أيام،
وصلت الجهات الرسمية إلى الجبل.
تمت مراجعة العقود والوصايا والسجلات القديمة.
وأثبتت المستندات أن أراضي كثيرة تم الاستيلاء عليها بالتزوير.
استعاد أصحابها حقوقهم.
أما أملاك سارة، فأصبحت تحت إدارتها القانونية.
ورفضت أن تبيع أي جزء منها.
قالت
الأرض دي اتدفن فيها ناس كتير وهي شاهدة على ظلمهم. مش هبيعها علشان أبدأ ظلم جديد.
أما عم جاسم، فاعترف بما فعله أمام الجميع، وانتهت سلطته على العائلة والأراضي.
وفارس سلّم كل الأدلة التي جمعها طوال السنوات الماضية.
أما جاسم…
فجلس ذات مساء أمام الموقد، ووضع عقد الزواج على الطاولة.
قال لسارة
اتفاقنا انتهى.
نظرت إليه.
عارفة.
الفلوس اللي أخدتيها حقك، والجزء الثاني هيوصلك كامل.
سألته
وهتعمل إيه أنت؟
ابتسم للمرة الأولى دون تكلف.
هرجع أعيش في البيت ده.
سكتت قليلًا.
ثم قالت
وأنا؟
نظر إليها.
أنتِ حرة.
أخذت سارة العقد.
ظلت تنظر إليه طويلًا.
ثم قالت
لأ.
رفع جاسم عينيه.
لأ إيه؟
وضعت العقد أمامه.
أنا مش هكمل معاك لأن الوصية قالت كده، ولا لأن الأرض بتقول كده.
ثم أضافت
هكمل لأنك طول الوقت احترمتني، وما طلبتش مني حاجة مش عايزاها، ووقفت جنبي وأنا ما كانش عندي حد.
ظل جاسم صامتًا.
قالت
المرة دي، لو هنعيش سوا… يبقى من غير اتفاق.
ابتسم جاسم.
موافقة؟
أجابته
موافقة.
وبعد أشهر، تحولت الأرض التي كانت سببًا في كل تلك المؤامرات إلى مشروع كبير لأهل المنطقة.
أعيد بناء البيوت القديمة، وافتتح جاسم مركزًا للعمل، بينما تولت سارة إدارة الأراضي التي أصبحت مسؤولة عنها.
أما زوجها الأول، فقد اختار أن يبدأ حياة جديدة بعيدًا عن كل الأسرار، بعد أن ظهرت حقيقة اختفائه للجميع.
وفي آخر يوم من الشتاء، وقفت سارة أمام البيت الخشبي الذي بدأت فيه قصتها.
نظرت إلى خط الفحم القديم الذي رسمه جاسم ذات يوم على الأرض.
كان الخط قد اختفى تقريبًا.
مسحت بقدمها آخر جزء منه.
دخل جاسم الغرفة وقال
بتعملي إيه؟
ابتسمت.
بمحي آخر حاجة فكرّتني إننا كنا غرب عن بعض.
نظر إلى الأرض.
ثم قال
وأهو الخط اختفى.
رفعت سارة رأسها.
أيوه.
جلس الاثنان أمام الموقد، بينما كانت الثلوج تذوب فوق الأشجار.
ولأول مرة…
لم يكن زواجهما اتفاقًا.
ولم تكن حياتهما مبنية على وصية.
ولا على أرض.
ولا على سر.
كانت مجرد حياة اختاراها معًا.
وهكذا انتهت حكاية سارة ورجل الجبل… بعدما بدأت بزواج من أجل المال، وانتهت باختيار حر لا يملكه أي شخص سواهما.