صريخ البيبي كان مسمع في قاعة طيارة رجال بقلم شروق خالد
صريخ البيبي كان مسمع في قاعة طيارة رجال الأعمال الخاصة على ارتفاع ٣٥ ألف قدم.
مكاانش صريخ عادي بتاع عيل مأريف.. الصوت كان طالع ضعيف، مخنوق، ومليان وجع. النوع ده من العياط اللي أول ما تسمعه كمربّي تفهم فوراً إن فيه مصيبة.
أنا كنت قاعدة ورا، متبتة في مسند الكرسي، وحاسة بوجع مألوف قوي بدأ يسمّع في صدري.
أنا اسمي نور الشافعي.
من تلات شهور بس، حياتي كلها اتهدت.. خسرت جوزي، وخسرت ولادي في حادثة. بس جسمي لسة فاكر يعني إيه أمومة، حتى وقلبي بيحاول ينسى ويقفل على وجعه.
غمضت عيني وعصرتها جامد.. “مش ابنك يا نور.. مش مسؤوليتك”.
بس الصريخ مكنش راضي يقف، بالعكس، بدأ يضعف أكتر.. الصوت بقى هش، زي الهوا.. الصوت اللي أي أم وأب بيترعبوا أول ما يسمعوه.
فتحت عيني بسرعة.. البنت دي مش مأريفة، البنت دي بتموت من الجوع.
قدام خالص في أول الطيارة، كان قاعد مراد الألفي.
راجل مجرد اسمو بيهز سوق البيزنس والمقاولات في مصر، وملياردير حواليه إشاعات وقصص مرعبة عن نفوذه وعلاقاته السرية. راجل متعود يحل أي مشكلة في الدنيا بشيك، ما عدا المشكلة اللي شايلها بين إيديه دلوقتي.
بنته الرضيعة.
البنت كانت رافضة تماماً أي ببرونة يدوها لها. المضيفة واقفة جنبه وشها جايب ميت لون وبترتعش، ووراهم تلات حراس عمالقة مراقبين الوضع من بعيد. محدش فيهم عارف يتصرف.
#حكايات_شروق_خالد
لأول مرة، مراد الألفي كان باين عليه العجز التام.
أنا لقطت التعبيرات دي على وشه في ثانية.. الخوف.. القهر.. الصدمة بتاعة إن فلوسك كلها مش عارفة تشتري لقمة تسكت عيل.
من غير ما أفكر، وقفت من مكاني.
كل العيون في الطيارة لفت وبصت لي. واحد من الحراس خطى خطوة سريعة ناحيتي وقالي بنبرة ناشفة: “ارجعي مكانك يا فندم لو سمحتِ”.
بلعت ريقي وبصيت له بثبات: “البنت بتموت.. ومحتاجة مساعدة”.
وشه خشب أكتر: “ده مش موضوعك”.
وفجأة، جاله صوت هادي ورزين من قدام: “سيبها تتكلم”.
الحارس اتنحى على جنب، وأنا مشيت براحة لحد ما وصلت لأول صف. مراد رفع عينه وبص لي، عيونه كانت حمرا وطفح فيها التعب: “عايزة تقولي إيه؟”
ترددت ثانية.. الكلام كان تقيل وصعب يطلع على لساني قدام الناس دي كلها، بس البنت كانت بتفرفر بين إيديه ومفيش وقت للكسوف.
“أعتقد بنتك محتاجة ترضع طبيعي.. ومحتاجة أم”.
الهدوء حل على الطيارة كلها، لدرجة لو إبرة وقعت كانت هتسمع. مراد فضل متنح لي، وبعدين ملامحه اتغيرت كأنه فهم أنا أقصد إيه.
“أنتِ تقدرِ تساعديها؟” سألني وصوته فيه رجاء غريب على راجل بقوته.
بصيت للبنت.. وشها الصغير كان قالب أحمر دم من كتر العياط. غريزة الأمومة اللي جوايا هي اللي ردت بدالي: “آه.. أقدر”.
اللي مكنتش عارفاة وقتها، إن خطوتي دي هتفتح عليا طاقة جهنم.. وقبل ما عجل الطيارة يلمس أرض مطار القاهرة، مراد الألفي هيوعدني بوعد، هيخلي حياتي وحياته مربوطين ببعض بطريقة مكنتش أتخيلها في أقصى كوابيسي…
#حكايات_شروق_خالد
مراد الألفي سكت للحظة، وكأن الكلمة اللي خرجت مني علّقت الزمن كله في الطيارة.
“آه.. أقدر.”
الجملة كانت بسيطة… بس وقعت في المكان الغلط، وفي اللحظة الغلط، وعلى الناس الغلط.
البنت كانت بتنهج بين إيده، ووشها بدأ يبهت بطريقة تخوّف. مراد ما استناش تاني. بص للحارس اللي كان واقف وراه وقال بسرعة مش متعودة على نبرته الهادية:
“جهّزوا أي مكان هادي… حالًا.”
المضيفة اتحركت بسرعة، واحدة بتفتح باب صغير ناحية كابينة خاصة، والتانية بتفسح الطريق وهي متلخبطة.
أنا حسيت برجليا بتتقل، بس مشيت.
مشيت وأنا مش عارفة أنا داخلة على إيه بالظبط… كل اللي كنت حاسة بيه إن صوت العياط اللي كان بيقطع قلبي من شوية، بدأ يتحول لآخر أنفاس طفلة صغيرة.
دخلت الكابينة، وكانت أهدى شوية، بس الضغط فيها خانق. مراد دخل ورايا من غير ما يبص لحد. الحراس وقفوا برا.
“اعملي اللي هتعمليه بسرعة.” قالها وهو باصص للبنت.
مديت إيدي وأنا قلبي بيرتجف. لحظة ما شلتها، سكتت شوية كأنها أخدت نفسها لأول مرة من ساعة طويلة. جسمها كان خفيف بشكل يخوّف، كأنها مش قادرة تتمسك بالحياة.
المضيفة وقفت بتبصلي بارتباك:
“مفيش أي حليب مناسب، جربنا كل حاجة…”
بصيت لمراد: “في لبن صناعي؟ أو مية دافية؟ أي حاجة سكر خفيف؟”
هز راسه بسرعة، وفعلاً في ثواني كان فيه كل حاجة قدامي… بس البنت كانت رافضة أي زجاجة، بتبعد وشها وتصرخ تاني.
هنا حسيت بالقلق الحقيقي.
دي مش مجرد جوع عادي… دي حاجة أعمق.
قربت منها أكتر، وقلت بهدوء وأنا بلمس ضهرها:
“ششش… خلاص… أنا معاكي.”
مراد كان واقف، لأول مرة في حياته واضح عليه إنه مش قادر “يأمر” المشكلة تمشي. كان بيتفرج بس.
وفجأة… حصل اللي محدش كان متوقعه.
البنت مسكت في هدومي بإيد صغيرة ضعيفة، وسكتت.
سكوت كامل.
كأن صوتها اتسحب مرة واحدة.
المضيفة همست: “إيه اللي حصل؟”
بس أنا كنت فاهمة.
ده مش تهدئة… ده استسلام.
رفعت عيني لمراد، ولقيته باصصلي بنظرة غريبة، مش غضب… مش امتنان… حاجة بين الاتنين.
“اسمها إيه؟” سألني.
هزيت راسي: “مش عارفة.”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“من النهاردة اسمها ليان.”
الكلمة كانت عادية… بس الطريق اللي قالها بيه كان كأنه بيكتب قرار مش اسم.
أنا بصيت له: “لازم دكتور أطفال أول ما نوصل.”
هز راسه: “هيكون في دكتور في المطار مستني.”
سكت شوية، وبعدين قال جملة خلت قلبي يقع:
“وأنتِ… مش هتمشي من هنا غير لما أفهم إزاي بنتي سكتت في إيدك.”
الطيارة بدأت تهبط.
وأنا واقفة ماسكة الطفلة اللي لسه ماعرفش مصيرها… حاسة إن اللي بدأ على ارتفاع ٣٥ ألف قدم… مش هينتهي عند أرض المطار.
ده كان أول خيط في حاجة أكبر بكتير…
وحياتي أنا كمان كانت لسه بتبدأ من جديد.الهبوط كان بيزيد، والطيارة كلها بدأت تهتز اهتزاز خفيف، بس أنا كنت حاسة إن اللي بيهتز مش الطيارة… ده جوايا أنا.
ليان في حضني كانت هادية بشكل يخوف، كأنها نايمة… أو كأنها فقدت آخر طاقتها.
مراد ما كانش بيبص لحد غيرها.
كل شوية يقرب خطوة، وبعدين يرجع تاني كأنه مش عارف يقف ثابت في نفس المكان.
“هي كويسة؟” قالها بصوت منخفض، بس فيه حاجة مكسورة.
بلعت ريقي: “أحسن من شوية… بس لسه محتاجة رعاية بسرعة.”
المضيفة دخلت بسرعة: “وصلنا القاهرة خلال دقايق، والدكتور في الطريق للمدرج زي ما حضرتك طلبت يا فندم.”
مراد هز راسه من غير ما يرد.
بس أول ما سمعت “القاهرة”… حسيت بحاجة غريبة.
رجوعي للمكان ده ما كانش مجرد سفر… كان رجوع لوجع قديم أنا كنت فاكرة إني دفنته.
الطيارة لمست الأرض.
خبطة خفيفة، بس كانت كافية ترجّع كل اللي جوايا يصحى.
مراد وقف بسرعة: “مش هننزل من هنا غير لما الدكتور يشوفها.”
وفي لحظة، الباب اتفتح، وناس كتير دخلت—دكتور، مساعد، وحراس أكتر.
الدكتور قرب بسرعة، بدأ يفحص الطفلة وهي في حضني.
الدقايق دي كانت أطول دقايق في حياتي.
بص للدكتور، ووشه كان جاد:
“كانت على وشك الجفاف… مين كان بيرعاها؟”
مراد شد على إيده: “أنا.”
الدكتور رفع عينه له: “دي كانت هتحتاج تدخل أسرع من كده.”
سكت لحظة، وبعدين قال: “دلوقتي هي مستقرة، بس لازم تغذية ورعاية مستمرة.”
أنا أخدت نفس طويل لأول مرة من ساعة ما دخلت الطيارة.
مراد كان باصصلي، نظرة غريبة… كأنه لسه بيجمع ملامحي في دماغه.
وفجأة قال للدكتور:
“هي هتفضل مع مين؟”
الدكتور رد: “الأم أو أي حد يقدر يرضعها طبيعي أو بديل مناسب تحت متابعة.”
سكتت الطيارة كلها.
وبصيت لمراد.
هو بصلي.
ثانية… ثانيتين…
وبعدين قال جملة خلت كل اللي حوالينا يختفي:
“تبقى معاها.”
قلبي دق بسرعة: “إيه؟”
قرب خطوة:
“تبقى معاها لحد ما بنتي تبقى كويسة.”
صوتي اتكسر: “أنا مش…”
قاطعني بهدوء خطير:
“أنا مش بطلب… أنا بحدد.”
الحراس اتبادلوا نظرات.
والمضيفة بصت للأرض.
وأنا… حسيت إن الباب اللي كنت فاكرة إني قفلته على حياتي القديمة… اتفتح تاني بالعافية.
مسك ملف من إيد مساعده وفتحه بسرعة:
“اسمك نور الشافعي… صح؟”
اتجمدت.
“إنتِ كنتِ متجوزة من دكتور سليم الشافعي.”
جسمي كله برد.
“إنت تعرفه منين؟” طلعت مني بصعوبة.
مراد قفل الملف ببطء، وقال:
“لأن موت جوزك… مش حادثة زي ما إنتِ فاكرة.”
السكوت اللي حصل بعدها كان أضخم من صوت أي طيارة في الدنيا.
ليان اتحركت في حضني حركة بسيطة…
كأنها هي كمان حسّت إننا دخلنا في حاجة أكبر بكتير من مجرد طفلة بتعيط… أو راجل غني مش عارف يهدّي بنته.
ده كان أول سر ينكشف.
واللي جاي… كان أخطر بكتير من كل اللي فات.الكلمة اللي قالها مراد ما وقفتش في الهوا… دي اتزرعت جوايا كرصاصة.
“مش حادثة زي ما إنتِ فاكرة.”
بصيت له، ومفيش في دماغي غير صدى الجملة دي.
كل حاجة حواليا بقت مشوشة: صوت الأجهزة، حركة الحراس، حتى نفس ليان الهادي.
“إنت بتقول إيه؟” صوتي طلع أضعف مما توقعت.
مراد ما ردّش بسرعة. كان باصص على الدكتور وهو بيخلص فحصه، كأنه بيختار اللحظة المناسبة يفتح باب كان مقفول بقاله سنين.
الدكتور قال بهدوء: “الطفلة تمام دلوقتي، بس لازم متابعة خلال 48 ساعة.”
مراد هز راسه: “تمام… تقدر تمشي.”
المساعد فهم الإشارة، والدكتور خرج بسرعة من غير أسئلة.
فضلنا لوحدنا.
أنا، وهو، وليان.
الحراس وقفوا بعيد شوية، بس واضح إنهم سامعين كل حاجة.
مراد قرب خطوة تانية، وصوته نزل أكتر:
“جوزك كان بيشتغل في حاجة ماكنش مفروض يدخلها.”
“طب كنتوا عارفين؟” قلتها بانفعال وأنا حضني بيشد على ليان أكتر.
هز راسه: “كان بيجمع أدلة على شبكة تحويلات فلوس… وشغل بيغطي على تهريب أبحاث طبية.”
سكت لحظة، وبعدين كمل:
“وقبل ما يكمل… مات.”
قلبت عيني في وشه: “حادث عربية.”
“اللي قالهولك كده كدب.” قالها ببساطة.
سكت.
مش لأن الكلام كان تقيل… لكن لأن جزء مني كان بيحاول يرفضه، وجزء تاني بدأ يركّب الصورة اللي عمرها ما كانت واضحة.
مراد طلع ملف صغير من شنطته، ورماه على الترابيزة اللي جنبنا.
“ده كان عنده نسخة منه.”
مديت إيدي ببطء.
فتحت الملف…
ورأيت صور، تقارير، وأسماء شركات… وكلها متشابكة بطريقة تخوف.
وفجأة… عيني وقعت على اسم مكرر في كل صفحة تقريبًا:
“الألفي جروب”
رفعت عيني له بسرعة.
“إنت… ليه اسمك هنا؟”
مراد ما تهزش.
بس لأول مرة، صوته اتغير:
“لأن اللي بيحصل ده مش بعيد عني زي ما الناس فاكرة.”
سكت لحظة، وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل حاجة:
“وبنتي… كانت الهدف الجاي.”
حضنت ليان تلقائيًا أكتر.
“تقصد إيه؟” همست.
مراد بص لها، وبعدين بص لي:
“اللي حاول يقتل الحقيقة… مش هيقف عند حد.”
وفجأة… الطيارة من بره اتملّت أصوات خطوات سريعة.
مش حراس مراد.
خطوات مختلفة.
أسرع.
أقسى.
والباب الخارجي اتخبط خبطة قوية خلت الإضاءة تهتز لحظة.
مراد رفع عينه ببطء.
“اتأخروا أقل مما توقعت.”
قلبي وقع.
“مين؟” سألت.
بس قبل ما يرد…
الصوت جه من بره:
“افتحوا الباب… باسم الأمن.”
مراد بصلي نظرة واحدة… نظرة ما كانش فيها أي تردد:
“خليكي ماسكة بنتي… ومهما حصل… متسبيهاش.”
والباب بدأ يتفتح…الباب بدأ يتفتح ببطء… كأنه بيتفكّ بمفتاح غلط.
الصوت اللي دخل كان رسمي… بس فيه برودة مش مطمّنة:
“الأمن الوطني. الكل يثبت مكانه.”
مراد ما اتحركش.
بس عينيه اتغيرت.
الهدوء اللي كان ماسكه من شوية اختفى، وظهر مكانه تركيز حاد كأنه بيحسب كل احتمال في ثانية واحدة.
أنا حضنت ليان أكتر. جسمها الصغير كان دافئ، لكن إيدي كانت بتترعش.
“اقعدي ورايا.” قالها مراد من غير ما يبصلي.
“مش فاهمة في إيه!” همست.
رد بصوت منخفض جدًا:
“لو حصل حاجة… متتكلميش.”
اللحظة دي، الباب اتفتح بالكامل.
دخلوا 3 رجال ببدلات رسمية، ووراهم واحد لابس سماعة أذن.
عينهم اتثبتت فورًا على مراد.
“مراد الألفي؟” قال واحد فيهم.
“أنا.”
“معانا أمر بتحفظ مؤقت عليك لحين التحقيق في قضايا تمويل غير مشروع مرتبطة بشبكتك.”
الطيارة كلها كأنها سكتت تاني.
مراد ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا… بس كانت غريبة، مش خوف.
“تحفظ مؤقت؟ في طيارة خاصة؟ بعد ما وصلت؟”
الرجل ما ردّش، بس إيده كانت قريبة من جهاز اللاسلكي.
أنا بصيت حواليّ، كل حاجة بتتحرك بسرعة زيادة عن الطبيعي… كأن في حاجة مش كاملة في الصورة.
وفجأة…
الحارس اللي كان واقف بعيد، اتقدم خطوة وقال:
“في طفل في الحالة دي… لازم نأمنها الأول.”
الرجل الرسمي بص له: “مين الطفل؟”
وقبل ما أجاوب… مراد قال بسرعة:
“دي مالهاش علاقة بأي حاجة.”
لكن أول مرة أحس إنه بيكدب.
الراجل قرب منّي.
“هاتِ الطفلة.”
جسمي كله اتجمد.
“لا.” قلتها بدون تفكير.
عينه ضاقت: “دي أوامر.”
وفي اللحظة دي…
مراد اتحرك فجأة.
مش ناحية الراجل… ناحيتي أنا.
حط إيده على كرسيّي، وبصلي بعين ثابتة:
“اسمعي كويس.”
قلبي كان بيخبط بسرعة.
“الناس دي مش أمن.”
سكت ثانية.
“دي نفس الجهة اللي قتلت أبوك.”
الكلمة الأخيرة ضربتني في دماغي كصفعة.
“إنت بتقول إيه؟” صوتي ارتفع من غير ما أحس.
بس قبل ما يكمل…
صوت اللاسلكي عند واحد من الرجالة رن فجأة.
“الهدف مع الطفلة… أكرر… الطفلة في إيد نور الشافعي.”
الراجل رفع عينه بسرعة.
وبص ناحيتي.
مش بصّة عادية.
بصّة صيد.
وفي نفس اللحظة…
مراد شدّني ناحيته بقوة، وقال:
“دلوقتي… اطلعي من الباب الخلفي.”
“وإنت؟”
بص لرجالة الأمن اللي بقوا بيقربوا:
“أنا هكسبلك كام ثانية بس.”
“ليه تعمل كده؟”
سكت لحظة…
وبعدين قال جملة واحدة:
“لأن بنتي… مش هي الهدف الوحيد.”
وقبل ما أفهم قصده…
نور الطيارة كلها اطفى فجأة.الظلام وقع فجأة… كأنه حد سحب زرار الحياة من الطيارة.
صوت صريخ مكتوم، حركة كراسي، وخطوات بتخبط في الأرض في كل اتجاه.
ليان اتشنجت في حضني، وبدأت تصدر صوت صغير مرعوب.
“ششش… أنا معاكي… أنا معاكي.” همست وأنا بضمّها لصدري.
إيد مراد كانت لسه ماسكاني.
“متطلعيش صوت.” قالها بسرعة.
في العتمة، مكنتش شايفة غير خيال قريب منه.
“إيه اللي حصل؟” همست.
“تشويش متعمد… قطع كهرباء مؤقت.” صوته كان ثابت بشكل يخوف. “ده معناه إنهم جوه الطيارة مش بره بس.”
قلبي نزل في رجليا.
“يعني إيه؟”
“يعني في حد ساعدهم يوصلوا هنا.”
سكت لحظة، وبعدين شدني أكتر ناحية الكرسي اللي ورا.
“انحني… وخدي الطفلة تحت صدرك.”
نفذت بسرعة.
وفي اللحظة دي… سمعت صوت الباب بيتقفل تاني، بس مش بنفس الهدوء.
كان بيتقفل بالعافية.
خبط.
خبط أقوى.
“افتحوا!” صوت جه من بره.
مراد بص ناحيتي في العتمة:
“الطريق الخلفي على يمين الصف الأخير… فيه ممر خدمة صغير.”
“وإنت جاي معايا؟” سألت بسرعة.
سكت.
سكوت طويل ثانية… بس كانت كفاية أفهم إن الإجابة مش مضمونة.
“مراد؟”
رد بصوت أخفض:
“أنا لو خرجت معاكِ، هيبقى أسهل عليهم يمسكوا الكل.”
“يعني إيه؟”
“أنا الهدف الأساسي.”
قبل ما أتكلم، فجأة… نور طفيف ظهر من شاشة صغيرة في الأرض.
واحد من الحراس كان فاتح جهاز احتياطي.
وفي نفس اللحظة… صوت جاي من اللاسلكي:
“الطفلة دلوقتي. أي تأخير = تصعيد.”
مراد شدّ أسنانه.
“سمعتي؟”
“أنا مش هسيبك هنا.” قلت بسرعة.
بص لي نظرة قصيرة… طويلة في نفس الوقت.
“مش اختيار.”
وفجأة… مد إيده وفتح باب جانبي صغير كان شبه مخفي.
هواء بارد دخل.
“امشي.”
“مراد—”
“امشي يا نور.”
أول مرة يقول اسمي كده بنبرة مش أمر… لكن رجاء مخفي.
حضنت ليان أكتر، وبدأت أزحف ناحية الممر الضيق.
وقبل ما أدخل بالكامل…
سمعت صوته من ورايا:
“لو خرجتي… ابقي عارفة إن اللي بدأ في الطيارة… لسه ما خلصش.”
وبعدها مباشرة…
صوت خبطة قوية، وصوت حد بيصرخ:
“لقيناهم!”
وانقطع كل شيء.
أنا دخلت الممر…
والباب اتقفل ورايا في لحظة سودا… كأن الطيارة كلها ابتلعتني.الممر كان ضيق بشكل يخنق النفس… جدرانه معدن بارد، ورائحة زيت وطيران قديم.
أنا كنت بزحف وأنا حاضنة ليان، كل حركة بحسها كأنها بتسحب مني آخر طاقة.
الصوت ورا الباب اللي اتقفل كان لسه بيتردد في وداني.
“لقيناهم!”
وبعده… خبطات عنيفة، وصوت خطوات بتجري في كل اتجاه.
أنا ما كنتش شايفة حاجة، بس كنت سامعة الدنيا كلها بتتحول لفوضى.
ليان بدأت تئن بصوت ضعيف.
“ششش… خلاص… خلاص.” كنت بكررها كأني بحاول أقنع نفسي مش هي.
الممر بدأ يفتح تدريجيًا لنقطة فيها نور خافت جدًا… علامة خروج طوارئ.
قلبي دق أسرع.
“فاضل شوية… فاضل شوية بس.”
وفجأة…
صوت معدني جه من ورايا في الممر نفسه.
خطوات.
قريبة.
مش خطوات جري… لأ… خطوات ثابتة.
حد ماشي واثق إنه هيلحقني.
وقفت لحظة، ضميت ليان أكتر لصدري، وبصيت ورايا في العتمة.
مفيش ملامح.
بس في ظل بيتحرك.
“نور الشافعي…” صوت رجل جه هادي جدًا، مخيف أكتر من أي صريخ.
اتجمدت.
“سيبي الطفلة… وإنتي هننهي الموضوع بهدوء.”
بلعت ريقي بصعوبة.
“إنت مين؟” صوتي طلع مبحوح.
سكت لحظة… وبعدين رد:
“حد مراد كان مفروض ما يثقش فيه.”
قلبي وقع.
“يعني إيه؟”
الظل قرب خطوة.
وبقى النور الخافت يلمح جزء من وشه… سماعة في أذنه، وهدوء مريب.
“يعني هو لعب عليكي من الأول.”
دماغي بدأت تلف.
“كداب…” همست.
ضحك ضحكة قصيرة:
“لو كداب… ليه سابك تهربي لوحدك؟”
سكت.
السؤال دخل جوايا زي السم.
قبل ما أجاوب… ليان فجأة بدأت تعيط بصوت أعلى.
وكأن صوتها فضح مكاننا.
الرجل رفع إيده في السماعة:
“هي هنا. الممر الخلفي.”
وفي نفس اللحظة…
صوت انفجار مكتوم جاي من ناحية الكابينة الرئيسية هز الممر كله.
الإضاءة الخافتة يومضت.
والرجل اللي قدامي اتحرك بسرعة ناحيتي.
“خلصيها.”
جريت.
لأول مرة ما فكرتش.
بس الممر كان نهايته أقرب مما توقعت…
باب صغير مكتوب عليه:
EXIT
مديت إيدي له.
بس قبل ما ألمسه…
إيد شدتني من ورا بقوة.
صرخت.
واتسحبت للخلف في الظلام.
وصوت مراد جه قريب جدًا من ودني:
“كنت عارف إنك هتيجي هنا…”
سكت لحظة…
وبصوت مكسور لأول مرة قال:
“بس مش كنت عايزك تشوفي ده.”الظلمة كانت لسه حاضنة الممر، وإيده ماسكاني بقوة كأنها آخر خط دفاع بيني وبين اللي جاي.
“كنت عارف إنك هتيجي هنا…” صوته كان قريب ومخنوق.
“بس مش كنت عايزك تشوفي ده.”
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أفهم أي حاجة:
“تشوف إيه؟ إنت بتعمل إيه؟!”
قبل ما يرد، صوت خطوات سريعة رجعت تاني من ناحية الباب الخلفي… والباب الحديدي بتاع الطوارئ بدأ يتخبط من بره.
الخطر كان راجع في كل اتجاه.
مراد شدني خطوة لورا، وبص ناحية الظلام كأنه شايفه بوضوح أكتر مني.
“مفيش وقت أشرح.” قالها بسرعة.
“في ناس جوه الطيارة مش بس عايزين الطفلة… دول عايزين حاجة كانت مع أبوك.”
قلبي اتقبض.
“ملف…؟” همست.
هز راسه بسرعة: “أيوه. والملف ده مش ورق بس.”
قبل ما أكمل سؤال، ليان صرخت تاني في حضني، صوتها كان أعلى، كأنها بتحذرنا من حاجة جاية.
وفي نفس اللحظة… نور خفيف ظهر من آخر الممر.
مش نور الطوارئ.
نور كشاف.
حد بيقرب.
“لقيتها!” صوت جه من بعيد.
مراد شدّني أكتر ناحية الحائط، وفتح باب معدني صغير جنبنا كان شبه مخفي، وقال بسرعة:
“ادخلي… دلوقتي.”
“مش هسيبك!” قلت بانفعال.
بصلي لأول مرة بنظرة مختلفة… مش أمر، ولا خوف… قرار.
“لو فضلتِ هنا، هنموت كلنا.”
سكت ثانية.
“ولو مشيتي… عندك فرصة.”
قبل ما أقدر أرد، دفعني جوه الفتحة المعدنية الصغيرة.
دخلت غصب عني، ووقعت جوا مساحة أوسع شوية، شبه غرفة صيانة ضيقة.
والباب اتقفل ورايا.
ومن بره… سمعت صوته للمرة الأخيرة قريب:
“نور… لو خرجتي من هنا، متروحيش لأي حد في المطار.”
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي كسرتني من جوه:
“حتى لو كان أنا.”
وبعدها مباشرة…
صوت خبط قوي جدًا.
وصوت حد بيصرخ باسم مراد.
وبعدين…
صمت.
الصمت كان أسوأ من أي حاجة سمعتها من قبل.
ليان بدأت تهدأ شوية، كأنها حست إن كل حاجة وقفت.
لكن أنا… كنت سامعة حاجة تانية.
جوه الغرفة دي، في ضلمة أهدى… كان فيه شاشة صغيرة قديمة بتنوّر لوحدها.
وش عليها ملف مفتوح.
نفس اسم الملف اللي شوفته قبل كده.
لكن المرة دي…
كان مكتوب تحتها سطر واحد جديد اتكتب من ثواني:
“تم تفعيل المرحلة الثانية.”
وساعتها بس فهمت…
اللي حصل في الطيارة… ما كانش نهاية المطاردة.
ده كان بدايتها الحقيقية.وقفت لحظة قدام الشاشة، عيني مش قادرة تستوعب الجملة اللي قدامي.
“تم تفعيل المرحلة الثانية.”
إيدي كانت بتترعش، وليان في حضني هادية بشكل يخوف بعد العياط اللي كان من شوية، كأنها هي كمان حاسة إن فيه حاجة اتغيرت.
الغرفة اللي أنا فيها كانت ضيقة، معدن من كل ناحية، وفيها ريحة كهربا قديمة.
مفيش صوت برا… ولا خبط… ولا صريخ.
سكون كامل.
وده اللي كان مرعب أكتر.
قربت خطوة من الشاشة، ولمستها بإيدي المرتعشة.
الملف اتفتح أكتر لوحده.
صور… خرائط… أسماء… وكلها مرتبطة بحاجة واحدة:
نقل شحنة حساسة من القاهرة خلال ساعات.
وشحنة إيه؟
مش مكتوب.
بس في خانة متكررة تحت كل صفحة:
“الطفل – العينة”
جسمي كله اتجمد.
“إيه ده…” همست لنفسي.
وفجأة… شاشة تانية نورت جنبها، وظهر تسجيل صوتي قديم.
ضغطت من غير تفكير.
صوت رجل.
صوت مراد.
بس مختلف… أهدى… وأصغر شوية:
“لو الملف ده اتفتح، يبقى أنا فشلت…”
اتسمرت.
الصوت كمل:
“…وآسف يا نور، لأنك دخلتي في حاجة ماكنتيش طرف فيها من البداية.”
قلبي دق بسرعة.
“أنا؟” همست.
التسجيل كمل:
“الطفلة مش بنتي بس… دي نتيجة التجربة اللي حاولنا نوقفها… ولو وقعت في إيدهم، مش هيبقى فيه رجوع.”
الصوت اتقطع فجأة.
وفي نفس اللحظة… الباب الحديدي بتاع الغرفة اتخبط من بره.
خبطة واحدة.
قوية.
بعدها صوت رجالة بيتكلموا:
“هي جوه. افتحوا.”
حضنت ليان بسرعة، ورجعت لورا.
الغرفة ما فيهاش مخرج تاني… غير فتحة تهوية صغيرة فوق السقف.
بس مستحيل أوصلها.
الخبط زاد.
المعدن بدأ يئن.
“افتحي الباب يا نور… مش هنأذيكي.” صوت راجل جه من بره.
بس في نبرة صوته… مكنش فيها أمان.
كان فيها استعجال.
كأنهم مش خايفين عليا… خايفين من حاجة معايا.
ليان بدأت تتحرك في حضني تاني.
وفجأة… حصل شيء غريب.
شاشة الملف انطفأت.
وبدلها ظهرت كلمة واحدة كبيرة:
“الهروب”
وبعدها مباشرة… جزء من الحائط في الجهة اليمين فتح لوحده بصوت ميكانيكي خافت.
باب سري.
ممر صغير مظلم.
كأنه اتعمل مخصوص للي زيي دلوقتي.
الخبط على الباب الأساسي زاد بعنف.
“افتحي!”
نظرت للممر… وبصيت لليان.
ومشيت.
دخلت جوه بسرعة، والباب ورايا اتقفل تلقائيًا.
وفي نفس اللحظة… سمعت صوت الباب الأساسي وهو بيتكسر.
وصوت حد بيقول:
“ملقيناش الطفلة…”
سكت لحظة.
وبعدين:
“لكن لقينا حاجة أهم.”
أنا مشيت في الممر الضيق، والنور كان بيختفي تدريجيًا.
بس في آخره… كان فيه باب تاني.
وعليه علامة واحدة بس:
“الخروج – B”
وقبل ما ألمسه…
سمعت صوت مراد في ودني.
مش حقيقي.
كأنه جاي من التسجيل… أو من جوايا:
“لو خرجتي من هنا… اعرفي إنهم مش هيسيبوا ليكي حياة عادية بعد النهاردة.”
وقفت لحظة.
بصيت لليان.
وبعدين مديت إيدي للباب.
وفتحته…فتحت الباب… وخرجت.
بس اللي استقبلني ماكانش هواء حر ولا ضوء نهار زي ما كنت متخيلة.
كان ممر خدمة طويل تحت أرض المطار، إضاءته ضعيفة ومكسورة، وأصوات بعيدة لمراوح ضخمة بتغطي على أي إحساس بالهدوء.
وقفت لحظة أستوعب.
أنا جوه المطار… بس في مكان مفيهوش ركاب، ولا كاميرات واضحة، ولا أي حياة طبيعية.
ليان كانت في حضني، هادية بشكل غريب كأنها استسلمت للنوم.
بدأت أمشي بسرعة، وكل خطوة كانت بتعمل صدى في المكان الفاضي.
“أمشي فين دلوقتي…” همست لنفسي.
وفجأة… سمعت صوت خطوات ورايا.
مش جري.
لا… خطوات منتظمة.
واحد بيقفل المسافة بهدوء.
اتجمدت.
لفّيت نص لفة ببطء.
مافيش حد.
لكن الصوت أقرب.
“نور…”
الصوت جه من ورا الحيطة.
مش قدامي.
كأنه في كل مكان.
“ما تضيعيش وقتك…”
رجليا اتقلوا.
الصوت كمل:
“إنتي مفتاح حاجة أكبر مما تتخيلي… والطفلة هي المفتاح التاني.”
حضنت ليان أكتر:
“أنا مش فاهمة حاجة! سيبوني!”
ضحكة خفيفة جت من بعيد، كأنها جاية من سماعة مش من إنسان.
“فاهمة… بس لسه مش عايزة تصدقي.”
وفجأة… لمبة في السقف فوقي نورت لحظة، ووراها انطفأت.
وفي اللحظة دي… الباب اللي خرجت منه اتقفل بقوة لوحده.
بصيت ورايا بسرعة.
الممر اللي كنت خارجة منه… اختفى جزء منه كأنه اتسحب.
اتقفل عليا.
“لأ…” همست.
وبدأت أسمع صوت إنذار بعيد.
مش إنذار طيران.
إنذار أمني.
جاي من كل الاتجاهات.
وفي نفس اللحظة… شاشة صغيرة في الحائط قدامي نورت لوحدها.
وظهرت رسالة جديدة:
“تم تحديد موقعك.”
قلبي وقع.
وفجأة… الباب اللي قدامي على بعد خطوات اتفتح من نفسه.
ومش حد واحد اللي دخل.
كانوا اتنين.
بس اللي في النص… ما كانش لابس زي أمن عادي.
كان لابس بدلة رسمية.
وبص لي مباشرة وقال بهدوء مرعب:
“مراد كان محق… إنتي فعلًا أهم من الطفلة.”
سكت لحظة.
وبعدين أضاف:
“بس للأسف… متأخر شوية.”
وفي نفس اللحظة… كل الإضاءة في الممر انطفت مرة واحدة.
والصوت الوحيد اللي فضل…
كان صوت خطواتهم وهي بتقرب مني.الظلام كان كامل… لدرجة إنك تحس إنك فقدت الاتجاه نفسه، مش بس النور.
خطواتهم كانت بتقرب… ثابتة… واثقة… كأنهم شايفيني وأنا مش شايفاهم.
حضنت ليان بقوة، وحسيت لأول مرة بخوف مش بس عليها… عليا أنا كمان.
“مفيش مخرج.” صوت الرجل جه قريب جدًا.
بس قبل ما أتحرك… سمعت صوت تاني.
مش جاي من قدامي.
جاي من فوق.
“طفيوا الإضاءة التانية.” صوت مراد.
اتجمدت.
“مراد؟” همست من غير ما أحس.
وفجأة… لمبة صغيرة فوقي نورت، كاشفة جزء من الممر.
وشفت ظلّه.
واقف على منصة معدنية أعلى الممر، إيده فيها حاجة شبه جهاز صغير.
بس شكله… مختلف.
وشه عليه خدوش، ونَفَسه سريع، لكن عينيه ثابتة عليا.
“قلت لكِ ما تروحيش لأي مخرج لوحدك.” قالها بصوت منخفض.
الرجل اللي كان قدامي لف بسرعة ناحية الصوت:
“هو لسه عايش؟!”
مراد ابتسم ابتسامة قصيرة:
“مش زي ما كنتوا متوقعين.”
وفي ثانية واحدة… ضغط على الجهاز.
صوت صفارة عالي جدًا ضرب المكان، والأنوار بدأت ترجع تاني واحدة واحدة… بس بشكل متقطع ومربك.
الرجالة فقدوا توازنهم لحظة.
“اركضي!” صرخ مراد.
من غير تفكير… جريت.
الممر اتفتح قدامي كأن مراد بيرسمه بالنور خطوة خطوة.
“يمين!” صوته.
“شمال!”
“تحت السلم!”
كنت بجري وأنا مش شايفة غير لمحات من ضوء ونور وظل مراد اللي بيظهر ويختفي فوقي.
وراءي صوت صراخ:
“اقفلوه عليها!”
وفجأة… طلقة.
صوتها فرقع في المكان.
اتجمدت لحظة، بس مراد صرخ تاني:
“ما توقفيش!”
حضنت ليان أكتر، وكملت جري لحد ما لقيت باب حديدي صغير مفتوح على شارع جانبي.
هواء حقيقي.
ليل القاهرة.
وقفت لحظة على العتبة… مش مصدقة.
بس قبل ما أخرج…
إيد شدتني من ورا.
مش بعنف.
لكن بقوة تمنعني أتحرك.
لفيت بسرعة.
مراد.
كان واقف، نفسه عالي، ووشه أقرب للإنهاك من أي وقت شوفته فيه.
“لسه مش آمن.” قالها بصوت منخفض.
“إنت جاي معايا؟” سألت.
سكت لحظة طويلة.
وبعدين قال جملة خلت قلبي يقف:
“لو خرجت معاكي… هيعرفوا مكانها فورًا.”
بص على ليان.
“وهي مش هتفضل هدف… هتبقى مفتاح كامل.”
سكت.
وبعدين مد إيده ناحية الباب وفتحه أكتر:
“إخرجي إنتي… وأنا هبقى خلفك.”
“مراد…”
“مش وقت نقاش.”
بس قبل ما أتحرك…
صوت صفارة عالي رجع من جوه الممر.
أقوى من الأول.
وبعده صوت جهاز:
“تم إعادة التتبع… الهدفين في نقطة الخروج.”
مراد بصلي بسرعة:
“دلوقتي.”
وفي اللحظة دي… مسكت ليان بقوة، وخرجت لأول مرة لليل القاهرة الحقيقي.
بس وأنا خارجة…
سمعت مراد ورايا بيهمس:
“خلي بالك… اللي جاي مش مطاردة بس… ده إعلان حرب.”الليل في القاهرة كان مختلف تمامًا عن أي لحظة عدت عليّا في الطيارة أو الممرات تحت الأرض.
هواء بارد، أصوات عربيات بعيدة، ونور شوارع عادي جدًا… كأنه عالم تاني مش داخل في اللي حصل من دقايق.
بس أنا ما كنتش حاسة بأي “عادي”.
حضنت ليان أكتر ووقفت عند أول رصيف، نفسي بيتقطع، وقلبي بيحاول يفهم أنا خرجت ولا لسه جوه الكابوس.
ووراي… الباب الحديدي اللي خرجت منه اتقفل بهدوء.
من غير صريخ.
من غير صوت.
كأن حاجة اتقفلت عليّا عمدًا.
مراد ما خرجش.
اتجمدت.
“مراد؟” همست وأنا ببص على الباب.
مفيش رد.
ثانية… اتنين…
وبعدين صوت خفيف جاي من جهاز صغير في إيدي كان وقع منه قبل ما يقفل الباب.
اتحرك لوحده.
صوت مراد طلع متقطع:
“نور… اسمعيني.”
قلبي دق بسرعة.
“إنت فين؟!” قلت بانفعال.
“مفيش وقت.” صوته كان ضعيف لأول مرة. “خدي الطفلة وامشي… أي مكان مزدحم… أي مكان فيه ناس كتير.”
“أنا مش هسيبك!”
سكت لحظة.
وبعدين قال جملة خلت صوتي يختنق:
“لو فضلتِ واقفة… هتموتي وهي في إيدك.”
صوت انفجار خفيف جه من بعيد… من جوه المبنى.
الأرض تحت رجليا كأنها اهتزت.
رجعت خطوة لورا.
“مراد!”
لكن الصوت رجع تاني:
“اللي عندك مش طفل عادي يا نور… خلي بالك… هي مش زي ما قالوا لك.”
التشويش بدأ يزيد.
وصوته بدأ يختفي.
“مراد؟! رد!”
لكن الصوت انقطع.
والجهاز سكت.
الشارع حواليا كان مليان ناس ما تعرفش حاجة… سواقين، عربيات، حياة ماشية طبيعي.
بس أنا واقفة في النص، شايلة طفلة… ومعايا رسالة واحدة بس:
“هي مش طفل عادي.”
في اللحظة دي… ليان فتحت عينيها لأول مرة من ساعة ما خرجنا.
وبصّتلي.
نظرة طويلة… هادية جدًا.
مش عياط.
مش خوف.
وعي.
كأنها شايفة كل اللي حصل.
وفي نفس اللحظة… عربية سوداء وقفت على بعد خطوات مني فجأة.
بابها اتفتح.
وحد قال بصوت هادي جدًا:
“نور الشافعي… اركبي.”
وقبل ما أتحرك… ليان مسكت في هدومي بإيدها الصغيرة.
بس المرة دي… مش كانت بتطلب أمان.
كانت كأنها بتختار.
والهواء حواليّا اتقل تاني… كأن المطاردة لسه مخلصتش… بس غيرت شكلها.
ونهاية اللحظة دي كانت واضحة:
أنا خرجت من الممر…
بس الممر لسه ما خرجش مني.وقفت مكاني لحظة قدام العربية السودا… الباب مفتوح، واللي جواها مش باين غير ظل واحد قاعد في الخلف.
“نور الشافعي… اركبي.” نفس الصوت الهادئ اتكرر.
إيدي اتشدّت حوالين ليان أكتر.
“مين إنت؟” سؤالي خرج حاد رغم خوفي.
مفيش رد مباشر… بس الرجل اللي جوه العربية ميّل شوية لقدام، والنور وقع على وشه أخيرًا.
مش غريب.
بس مش مريح.
“أنا اللي كنت مراد بيحاول يوصل له من سنين.” قالها بهدوء.
قلبي اتلخبط.
“إنت تبعهم؟”
هز راسه: “كنت تبعهم… قبل ما أفهم الحقيقة.”
ليان في حضني اتحركت حركة خفيفة، كأنها مش مرتاحة لصوته.
أنا رجعت خطوة لورا: “أنا مش داخلة في أي عربية مع أي حد.”
الرجل نزل من العربية ببطء، وإيده فاضية، مفيهاش سلا..ح.
“لو كنت عايز أأذيكِ… كنت خلصت الموضوع من بدري.” قالها بهدوء. “بس أنا جاي أكمّل اللي مراد بدأه.”
سكت لحظة، وبعدين قال الجملة اللي شدّتني رغم خوفي:
“هو ساب لكِ رسالة مش كاملة.”
اتجمدت.
“إيه الرسالة؟”
مد إيده بورقة صغيرة مطوية.
“قال: لو خرجتِ من الممر، متصدقيش أول باب يتفتح لكِ… ولا أول حد يناديكِ باسمك.”
بصيت له… وبعدين بصيت للورقة.
وبعدين بصيت للشارع حواليا.
كل حاجة كانت عادية زيادة عن اللازم… لدرجة تخوف.
أخدت نفس ببطء.
“ولو ركبت؟” سألت.
“هتفهمي ليه إنتي موجودة في النص ده كله.”
ليان مسكت في هدومي أقوى.
كأنها هي كمان بتقول “لا”.
ثانية صمت عدّت.
وبعدين… صوت صفارة بعيدة في الشارع.
مش إنذار كبير… بس كفاية يخلي الناس تلف تبص.
وفي نفس اللحظة… الرجل قال بسرعة لأول مرة:
“مفيش وقت تفكري… هما لقونا.”
بصيت ورايا.
سيارتين سودا تانيين داخلين بسرعة من آخر الشارع.
مش شرطة.
مش إسعاف.
نفس النوع اللي بيطاردنا من الأول.
الرجل فتح باب العربية بسرعة:
“قرارك دلوقتي.”
أنا بصيت لليان.
وبعدين للشارع اللي بدأ يتحول لفوضى خفيفة.
وبعدين للورقة في إيدي.
وفجأة… ليان بصت ناحيتي تاني.
بس المرة دي… ما كانتش بتعيط ولا ساكتة.
كانت بتهمس بصوت صغير جدًا، شبه النفس:
“روحي…”
اتجمدت.
الرجل بصلي بسرعة: “هي قالت إيه؟”
لكن أنا ما رديتش.
لأني لأول مرة حسّيت إن القرار مش قراري لوحدي.
فتحت باب العربية وركبت.
والباب اتقفل بسرعة.
والعربية اتحركت قبل ما أي حد يقرب.
وفي اللحظة اللي بدأنا نمشي فيها…
بصيت من الشباك لورا.
ولقيت العربيات التانية واقفة.
واللي نزل منها…
كانوا مش بيبصوا للعربية اللي أنا فيها.
كانوا بيبصوا لليان.
وكأنها مش راكبة معايا…
كأنها لسه واقفة في الشارع لوحدها.
وفي ودني… صوت مراد رجع تاني، أضعف من الأول:
“قلت لكِ… هي مش زي ما قالوا لك…”
وساعتها بس… فهمت إن اللي دخلته مش إنقاذ.
ده فصل جديد من اللعبة.