سجنوا خالي واتهموه بالسرقة، وكل العائلة أغلقت
سجنوا خالي واتهموه بالسرقة، وكل العائلة أغلقت أبوابها بوجهه ، إلا أمي التي احتضنته وكأن المذنب الحقيقي شخص آخر. وبعد سنوات، عندما كنا على وشك أن نفقد بيتنا، اكتفى بأن يقول: «تعال، سأريك لماذا دخلت السجن»
خرج خالي رامي من سجن الحوت في الناصرية وهو يحمل كيسًا أسود صغيرًا، وحذاؤه مهترئ، وعيناه تحملان نظرة رجل لم يعد ينتظر خيرًا من أحد.
جدتي رفضت أن تراه.
وأبناء خالاتي وأعمامي أغلقوا الأبواب في وجهه.
أما أبي فقال:
— هذا الحرامي لا أريده قريبًا من عائلتي.
لكن أمي ركضت نحوه.
احتضنته وسط الشارع.
وبكت كطفلة صغيرة.
— سامحني يا أخي.
كنت يومها في الخامسة عشرة من عمري، ولم أفهم لماذا كانت تطلب السماح من رجل قضى سنوات في السجن بسبب سرقة مخزن مليء بالأموال.
هكذا كان الجميع يقولون.
كانوا يقولون إن خالي لص.
وأنه لوّث سمعة العائلة.
وأنه كاد يتسبب بمقت*ل أحد الحراس.
وأنه لا يجوز لأحد أن يتحدث معه.
لكن أمي لم تصدق ذلك يومًا.
كانت تعطيه الطعام سرًا.
وتغسل له ملابسه.
وتسمح له بالنوم في الغرفة المعدنية الصغيرة الموجودة في فناء البيت.
وكان أبي يغضب بشدة.
— يوم من الأيام هذا التعيس سيغرقنا جميعًا.
أما خالي رامي فكان يطأطئ رأسه فقط.
لم يكن يدافع عن نفسه أبدًا.
ولم يكن يشرح شيئًا.
كان ينظر إليّ أنا فقط ويقول:
— أنت وحدك ستعرف الحقيقة يا علي… لكن ليس الآن.
مرت ثلاث سنوات.
ثم انهار كل شيء.
خسر أبي ورشة تصليح السيارات.
ثم خسر سيارته.
ثم وصلت أوراق البنك.
وكانوا على وشك الحجز على بيتنا في بغداد.
باعت أمي خاتم زواجها.
وتركتُ أنا الدراسة لأعمل في تحميل البضائع داخل سوق الشورجة.
وفي إحدى الليالي وجدتها تبكي في المطبخ وهي تعد النقود المعدنية لتشتري الخبز.
كان أبي ثملًا في غرفة الجلوس.
أما خالي رامي، الذي كان يجلس في الظلام، فقال فجأة:
— حان الوقت.
رفعت أمي رأسها بسرعة.
— لا يا رامي.
— بلى. لقد أخذوا منكم أكثر مما يجب.
نهض أبي مترنحًا وقال بسخرية:
— وماذا ستسرق هذه المرة؟
لم ينظر إليه خالي حتى.
بل التفت إليّ وقال:
— تعال معي يا علي. أريد أن أريك شيئًا.
قلت:
— إلى أين؟
قال:
— إلى المكان الذي بدأت فيه الكذبة.
أمسكتني أمي من ذراعي.
— لا تذهب.
لكن عينيها كانتا تقولان شيئًا مختلفًا.
كانتا تقولان:
اذهب.
خرجنا من البيت دون معاطف.
وكان خالي يسير بسرعة، وكأنه يعرف كل زاوية وكل ظل في الحي.
استقللنا حافلتين.
ثم سيارة أجرة قديمة أوصلتنا إلى مصنع مهجور في أطراف بغداد.
كانت البوابة صدئة.
والنوافذ مكسورة.
وعلى الجدار ما زالت تظهر حروف باهتة مكتوب عليها:
«نقليات المالكي».
شعرت أن الاسم مألوف.
المالكي كان لقب أبي.
سألته:
— هل كان هذا المصنع ملكًا لعائلتي؟
أخرج خالي مفتاحًا مربوطًا بخيط أحمر.
وقال:
— لم يكن ملكًا لعائلتك… لقد سرقوه من أمك.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
— ماذا؟
لكنه لم يجب.
فتح البوابة.
وفي الداخل كانت رائحة الرطوبة والوقود القديم والفئران تملأ المكان.
سرنا بين صناديق متعفنة وآلات مغطاة بأقمشة مهملة.
وفي آخر الممر ظهرت غرفة مكتب مغلقة بإحكام.
كسر خالي القفل بقضيب حديدي.
وقال:
— عندما دخلت السجن أقسمت أنني لن أفتح هذا المكان إلا إذا أصبحت أختي في خطر.
قلت:
— ماذا يوجد هنا؟
نظر إليّ.
ولأول مرة رأيت الخوف في عينيه.
وقال:
— السبب الذي جعل أباك يتمنى موتي.
ثم دفع الباب.
أضاء المصباح للحظات متقطعة.
وما رأيته جعل الدم يتجمد في عروقي.
كان هناك جدار كامل مغطى بالصور.
صور لأمي وهي شابة.
وصور لخالي مكبل اليدين.
وصور لأبي وهو يعد رزمًا من النقود.
وفي المنتصف كانت صورة لي وأنا رضيع.
ومثبت فوقها ورقة مكتوب عليها:
«إذا سأل الطفل يومًا… أخبروه أن رامي هو السارق.»
ارتجفت ساقاي.
وسألت بصوت متحشرج:
— لماذا توجد صورتي هنا؟
فتح خالي درجًا معدنيًا.
وأخرج ملفًا أصفر قديمًا.
ووضعه بين يدي.
وكان مكتوبًا على غلافه:
«شهادة الميلاد الأصلية: علي رامي الهاشمي».
رامي.
لم يكن هذا اسمي الثاني.
أو هكذا كنت أعتقد.
رفعت نظري إليه.
وكانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
قال:
— يا علي… لم أدخل السجن بسبب سرقة المال.
سألته:
— إذًا لماذا دخلته؟
وفجأة سمعنا صوتًا خلفنا.
صوت باب يُغلق بقوة.
أطفأ خالي المصباح فورًا.
وقال هامسًا:
— لقد تبعونا.
— من؟
وضع يده على فمي وهمس:
— الرجل نفسه الذي قت*ل جدك، وسرق المصنع من أمك، وأدخلني السجن ليأخذك مني.
كانت الخطوات تقترب.
بطيئة.
ثقيلة.
ثم سمعنا صوت أبي يخرج من الممر المظلم:
— كنت أعرف أنك ستعود إلى هنا يومًا ما يا رامي…
الجزء الثاني.. الحقيقة التي دُفنت لسنوات طويلة بدأت تخرج إلى النور أخيرًا، لكن ما اكتشفه علي تلك الليلة أثبت أن الرجل الذي ظنه الجميع مجرمًا لم يكن الوحيد الذي دفع ثمن تلك الخيانة القديمة.تجمدنا في مكاننا.
صوت أبي داخل الظلام لم يكن كأي صوت سمعته من قبل… كان فيه شيء غريب، مكسور، لكنه واثق في نفس الوقت.
— كنت أعرف أنك ستعود إلى هنا يا رامي…
تقدّم خطوة داخل الممر.
وضوء خافت من الخارج رسم ظلّه على الجدار، فظهر طويلًا… كأنه أكبر من حجمه الحقيقي.
خالي شدّ يدي بقوة وهمس:
— لا تتحرك مهما حصل.
لكن قدمي كانت ترتجفان وحدهما.
أبي اقترب أكثر، ثم قال بهدوء مخيف:
— والابن كمان معاك… ممتاز.
صرخت:
— إنت بتقول إيه؟!
لكن خالي ضغط على فمي مرة أخرى، ثم دفعني خلفه.
قال أبي وهو يضحك:
— فاكر نفسك جاي تكشف الحقيقة؟ الحقيقة ماتت من زمان هنا.
رفع خالي المصباح الاحتياطي الصغير، فانكشفت ملامح أبي أخيرًا.
كان وجهه مختلفًا… مش وجه الرجل الذي يعود من العمل أو يجلس في البيت ثملًا.
كان وجه شخص مستعد لكل شيء.
حتى الق*تل.
خالي قال بصوت منخفض:
— أنت اللي بعتني للسجن.
أبي ابتسم:
— لا… أنا اللي أنقذت العائلة منك.
سكت لحظة، ثم أضاف:
— المصنع ده لو كان اتفتح وقتها… كان زماننا كلنا في خبر كان.
شعرت أن الهواء في الغرفة أصبح أثقل.
سألت بصوت مكسور:
— أنا مالِّي بكل ده؟
نظر لي أبي مباشرة لأول مرة.
ثم قال جملة جعلت قلبي يسقط:
— لأنك مش ابن أخويا الحقيقي.
ساد صمت كأنه انفجار.
خالي التفت له فجأة:
— كفاية كذب!
لكن أبي لم يصرخ… لم يغضب… فقط أخرج ورقة أخرى من جيبه ورماها على الأرض.
— شوفها بنفسك.
انحنيت بسرعة، وخالي أمسك الورقة قبلي.
كانت تقرير قديم جدًا… مختوم بختم مستشفى حكومي.
تحاليل دم… وأسماء… وتواريخ.
وخطي بخط واضح:
“عدم تطابق النسب بين الطفل علي ورامي الهاشمي بنسبة 99.9%”
ارتجفت يداي.
— إيه ده؟
خالي قال بصوت مكسور:
— ده تزوير.
أبي هز رأسه:
— ده الحقيقة اللي رامي حاول يخبيها.
اقترب خطوة:
— المصنع ده مكان ما بدأت القصة. مش سرقة فلوس… سرقة طفل.
شعرت أن الأرض تميل بي.
نظرت إلى خالي:
— قول إن ده مش صحيح…
لكن عينيه لم تنظر إليّ.
كان ينظر للأرض.
وهذا وحده كان الإجابة.
أبي أكمل:
— أمك كانت عايزة تهرب بيك منه. من رامي.
رفع خالي رأسه فجأة:
— كذب!
لكن صوت أبي كان أهدأ من أي وقت:
— وعلشان كده دخلت السجن يا رامي… مش علشان السرقة.
سكت لحظة.
ثم قال:
— علشان حاولت تخطف الطفل اللي مش ابنك.
تجمد الهواء.
كل شيء في الغرفة توقف.
حتى الفئران خارج الجدران كأنها سكتت.
التفت إليّ خالي ببطء… وكانت دموعه لأول مرة حقيقية، مش ضعف… لكن انهيار.
— علي… اسمعني.
تراجعت خطوة.
— متقربش مني!
لكن قبل أن يتحرك، سُمع صوت معدني قوي من الخارج.
ثم إطلاق نار في الهواء.
وأحدهم صرخ:
— الشرطة وصلت!
أبي ابتسم لأول مرة ببرود كامل:
— اتأخروا… زي كل مرة.
ثم نظر لي مباشرة:
— الاختيار دلوقتي ليك يا علي.
أشار إلى خالي:
— ده اللي سرقك من الحقيقة.
ثم أشار لنفسه:
— وده اللي حاول يحميك منها.
ثم قال الجملة الأخيرة:
— لكن في الحالتين… الليلة دي لازم تنتهي.
وفي تلك اللحظة…
انطفأ النور بالكامل.في الظلام، لم نعد نرى شيئًا… لكننا كنا نسمع كل شيء.
صوت خطوات مسرعة عند مدخل المصنع.
صوت معدن يُسحب.
وصوت أبي هادئ جدًا، كأنه يتكلم داخل رأسه:
— اتحركوا من الباب الخلفي… بسرعة.
فجأة شدّ خالي يدي بقوة أكبر، وجرّني خلفه.
همس:
— متسمعش كلامه.
لكن صوت أبي كان أقرب هذه المرة:
— يا رامي… أنت عارف إن مفيش مخرج تاني.
ثم فجأة…
ضوء كشاف قوي شقّ الظلام.
ظهر رجال بملابس شرطة من ناحية المدخل، وأحدهم صرخ:
— متتحركوش! ارفعوا إيديكم!
تجمدنا.
لكن أبي رفع يديه ببطء، وابتسامة خفيفة على وجهه.
أما خالي… فبقي واقفًا، كأنه بيحسب الزمن.
ثم قال بصوت منخفض جدًا لي:
— علي… لو سمعت صوت انفجار… متخافش.
التفت له:
— انفجار إيه؟
لكن قبل أن يرد…
انفجر الباب الحديدي الجانبي للمصنع.
دويّ هز المكان كله.
الغبار ملأ الهواء.
والشرطة بدأت تتحرك في كل اتجاه.
صرخ أحدهم:
— في ناس هربت من الناحية التانية!
في اللحظة دي، خالي دفعني فجأة ناحية ممر ضيق بين الآلات.
— اركض!
— مش هسيبك!
— اركض يا علي!!
ركضت.
لم أكن أعرف أين… ولا لماذا… فقط أركض.
ورائي سمعت صوت أبي:
— قبضوا عليه! خلوه ما يطلعش من هنا حي!
ثم صوت خالي وهو يرد بصوت غاضب:
— الحقيقة هتطلع غصب عنكم!
دخلت الممر الضيق، وكان مظلمًا ورطبًا… الجدران تقطر صدأ ومياه قديمة.
وفجأة…
يد أمسكت كتفي.
قفز قلبي.
لكن الصوت كان خافتًا:
— اسمعني كويس…
كانت أمي.
وقفت أمامي فجأة، وكأنها خرجت من العدم.
وجهها شاحب، وعيونها مليانة دموع وخوف.
— ماما؟! إنتِ جيتي إزاي؟!
— مفيش وقت… لازم نمشي دلوقتي.
نظرت خلفها.
كان الباب الخلفي للمصنع مفتوحًا، وسيارة قديمة شغالة بتنور في الظلام.
لكن قبل ما أتحرك، سألتها بصوت مكسور:
— هو أنا ابن مين؟
سكتت.
وهذا الصمت كان أقسى من أي إجابة.
اقتربت مني، ومسكت وجهي بيدين ترتعشان:
— إنت ابني أنا… بس الحقيقة أكبر من كده.
سمعنا صوت إطلاق نار بعيد داخل المصنع.
أمي شهقت:
— رامي اتكشف.
نظرت لها:
— يعني إيه اتكشف؟
دموعها نزلت:
— لأنه مش بس كان بيحميك… كان بيحمي حاجة تانية أخطر.
وفجأة، ظهر أبي عند مدخل الممر.
كان يلهث… ملابسه متربة، وعينه مليانة غضب بارد.
ورفع المس*دس ببطء.
— خلاص يا سعاد… اللعبة انتهت.
تجمدت أمي.
وأنا وقفت بينهم.
أول مرة في حياتي أحس إني واقف في نص حاجة أكبر مني بكتير.
قلت بصوت عالي:
— كفاية!! حد فيكم يقولي أنا إيه!!
سكتوا الاثنين.
ثم…
من داخل المصنع، خرج صوت خالي رامي وهو يصرخ:
— قوله الحقيقة يا سعاد!
أبي ضغط على الزناد… لكن لم يطلق.
ثم قال بهدوء مرعب:
— القرار ليكي.
نظرت أمي لي…
وكانت بتنهار.
ثم قالت جملة واحدة غيرت كل شيء:
— علي… أبوك الحقيقي مش اللي واقف قدامك.
وسكتت ثانية.
ثم أضافت:
— ولا رامي.
وفي تلك اللحظة…
سمعت صوت خطوات جديدة تقترب من الخلف.
شخص ثالث دخل المكان.
وصوته كان أول مرة نسمعه جميعًا…
وقال:
— أنا اللي بدأت كل ده… وأنا اللي هختمه.تجمّدنا جميعًا.
الصوت الجديد لم يكن يشبه صوت أبي… ولا خالي… كان هادئًا بشكل مزعج، كأنه شخص دخل متأخر ليكمل مشهد كان محفوظًا له من البداية.
التفتنا ببطء.
ظهر رجل في أواخر الخمسينات، يرتدي معطفًا داكنًا، ويمشي بثبات كأنه صاحب المكان الحقيقي، رغم أن المصنع كله متهالك.
أبي تمتم وهو يضغط على أسنانه:
— إنت… لسه عايش؟
ابتسامة خفيفة ظهرت على وجه الرجل:
— زي ما تشوف.
أمي تراجعت خطوة وكأنها شافت شبح:
— مستحيل…
خالي رامي، اللي كان ظهر خلفه من الممر المظلم وهو ينزف من كتفه، قال بصوت مبحوح:
— ده هو… ده اللي ق*تل أبوك يا علي.
وقعت الكلمة عليّ كأنها حجر.
أبي صرخ:
— كفاية كذب!
لكن الرجل رفع يده بهدوء:
— مش كذب… بس ناقصه ترتيب.
اقترب خطوة داخل الضوء الخافت، وقال وهو ينظر لي مباشرة:
— اسمي “فارس المالكي”.
تجمدت.
نفس الاسم على المصنع.
ابتسم وهو يشير للجدران:
— المكان ده كان ليا… وكل اللي حصل هنا كان جزء من خطة واحدة.
سألت بصوت مرتجف:
— خطة إيه؟
لم يرد فورًا… بل نظر إلى أبي ثم خالي ثم أمي، كأنه بيعيد ترتيب الذكريات في رأسه.
ثم قال:
— الحقيقة أبسط مما تتخيل… وأقسى من إنكم تستحملوها.
أشار إلى أبي:
— ده مش أبوك الحقيقي يا علي… ده شريك في الج*ريمة.
ثم أشار لخالي:
— وده مش بريء… لكنه اتورط لما حاول يهربك من النظام كله.
أمي صرخت:
— اسكت!
لكن الرجل أكمل بلا اكتراث:
— من 20 سنة، كان في شبكة تهريب أموال وغسيل تجارة… المصنع ده كان القلب.
نظرت له وأنا مش قادر أستوعب:
— وأنا إيه علاقتي بكل ده؟
صمت لحظة… ثم قال:
— أنت الورقة الوحيدة اللي اتكتبت غلط.
ثم أخرج ملفًا صغيرًا من جيبه، وفتحه.
كان فيه صورتي وأنا طفل… لكن بجانبها توقيع رسمي مختلف تمامًا.
— يومها كان المفروض يتم تسليمك لشخص معين… لكن أمك هربتك.
التفتت كل العيون ناحية أمي مرة واحدة.
كانت ترتجف بالكامل.
— لا… مش زي ما بتقول…
لكن الرجل رفع صوته قليلًا:
— رامي حاول يحميك… وأبوك اللي واقف قدامك حاول يبيعك… وأنا كنت اللي براقب.
سألت وأنا حاسس إن الأرض بتنهار:
— يعني إيه يبيعني؟
فجأة… خالي رامي رفع رأسه بصعوبة وقال:
— كفاية… قول الحقيقة كلها.
نظر له الرجل نظرة طويلة… ثم قال الجملة التي كسرت كل شيء:
— لأنك مش مجرد طفل يا علي…
سكت.
ثم أكمل:
— أنت الشاهد الوحيد على الصفقة اللي لو اتفتحت، هتسجن نص البلد.
صوت إطلاق نار سُمع من داخل المصنع فجأة.
أبي فقد أعصابه:
— محدش هيوصل للملفات دي!
وانطلق ناحية الرجل.
لكن قبل ما يوصل…
سمعنا صوت سيارة خارج المصنع.
ثم أصوات مكبرات:
— الأمن اقتحم المكان!
فارس المالكي ابتسم بهدوء:
— أخيرًا… الستار بينزل.
ثم نظر لي مباشرة:
— دلوقتي عندك اختيار واحد يا علي.
اقترب مني خطوة.
— تفضل الحقيقة وتدفع ثمنها…
ثم أشار للباب:
— أو تمشي وتعيش عمرك كله فاكر إنك كنت ابن حد منهم.
في اللحظة دي…
خالي أمسك يدي بقوة:
— متسمعش له… الحقيقة دي هتق*تلك.
أبي كان على وشك الوصول لنا…
وأمي كانت تبكي بصمت كأنها فقدت قدرتها على الكلام.
وصوت الشرطة يقترب من الخارج…
والوقت وقف بين اختيارين:
حقيقة هتهد كل حاجة…
أو حياة مبنية على كذبة كاملة.
ونظرت له… وقلت:
— أنا هعرف الحقيقة… حتى لو كانت نهايتي.
وساعتها…
ابتسم فارس المالكي لأول مرة ابتسامة كاملة.
وقال:
— إذن… افتحوا الغرفة رقم 7.ساد صمت ثقيل كأن الهواء نفسه رفض يتحرك.
“الغرفة رقم 7”…
الجملة ما كانتش مجرد مفتاح… كانت كأنها أمر بيوقظ حاجة مدفونة من سنين.
أبي وقف مكانه فجأة.
وشه اتغير.
أول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينيه.
— محدش يقرب من الغرفة دي!
لكن فارس المالكي ابتسم بهدوء:
— اتأخر الأمر يا مالك… اتفتح من زمان.
التفت ناحية الحائط الخلفي، وضغط زر صغير كان مخفي وسط الصدأ.
سمعنا صوت “طَقّة” معدنية عميقة… كأن جدار كامل اتنفس لأول مرة من سنين.
جزء من الحائط تحرك ببطء.
باب حديدي ضخم بدأ يظهر من وراءه… مكتوب عليه رقم:
٧
أمي همست وهي منهارة:
— يا رب… لا…
خالي رامي شدني من إيدي بقوة:
— مهما تشوف جوه… ما تصدقش أول حاجة.
أبي صرخ:
— وقفوا!
لكن الباب كان بيفتح لوحده تقريبًا، كأن المكان كله بقى مبرمج من زمان على اللحظة دي.
دخلنا.
الإضاءة كانت ضعيفة جدًا… لمبات بيضا بتفصل وتشتغل.
الغرفة كانت مش مخزن… كانت أرشيف.
ملفات… شاشات قديمة… أجهزة تسجيل… ودفاتر مترتبة بشكل مخيف.
وفي المنتصف…
كرسي واحد.
مربوط فيه جهاز تسجيل صوتي قديم.
فارس المالكي دخل خلفنا وقال:
— هنا بدأت القصة… وهنا هتنتهي.
اقتربت وأنا قلبي بيدق بسرعة:
— دي غرفة إيه؟
رد بهدوء:
— غرفة الاعترافات.
أبي حاول يتحرك نحوه، لكن الشرطة كانت بدأت تقتحم الممر خلفنا، وأصواتها قريبة جدًا.
فارس رفع جهاز التسجيل وقال:
— كل واحد هنا قال حقيقته هنا… حتى اللي قالوا إنهم أنبياء.
ضغط زر التشغيل.
صوت قديم بدأ يخرج من السماعة… متقطع، لكنه واضح:
صوت أبي.
— “لو الصفقة دي اتسربت… هنخسر كل حاجة.”
تجمدت.
أبي صرخ:
— ده متفبرك!
لكن التسجيل كمل…
صوت أمي هذه المرة.
— “الطفل لازم يختفي… علشان يعيش.”
سقطت أمي على ركبتها.
خالي رامي ضرب الحائط بغضب:
— كفاية كذب!
لكن فارس قال بهدوء قاتل:
— لسه ده أول شريط…
ثم أخرج شريطًا آخر.
وقال الجملة التي خلت الدم يبرد في عروقي:
— وفيه كمان تسجيل يوم ولادتك يا علي.
نظرت له بصعوبة:
— يوم ولادتي؟
أومأ.
— اليوم اللي قرروا فيه مين يعيش ومين يختفي.
فجأة…
انفجار قريب هزّ المكان من الخارج.
الجدار اهتز.
الشرطة وصلت للباب الخارجي.
أبي فقد السيطرة تمامًا:
— مش هتفتح الأرشيف ده! مستحيل!
واندفع ناحية فارس.
لكن خالي رامي وقف قدامه لأول مرة.
— كفاية يا مالك… اللعبة انتهت.
أبي رد بصوت مكسور:
— إنت مش فاهم… لو ده اتفتح، كلنا هننتهي!
فارس ضغط زر تشغيل آخر.
والشاشة القديمة اشتغلت.
صورة فيديو ظهرت.
وكان فيها… أنا رضيع.
لكن اللي صدمني مش الصورة…
اللي صدمني هو الصوت اللي جه بعدها مباشرة:
“لو كبر وافتكر… كلنا هنكون في خبر كان.”
سكت الجميع.
وفارس اقترب مني وقال:
— السؤال الحقيقي يا علي…
ثم أشار للشاشة:
— مش مين أبوك…
سكت لحظة.
ثم قال:
— السؤال: إنت شاهد على إيه بالظبط؟
وفي نفس اللحظة…
باب غرفة 7 اتقفل فجأة من تلقاء نفسه.
والأقفال كلها اشتغلت.
وصوت من الخارج صرخ:
— اتقفلنا جوه!
والظلام بدأ يزيد…
ومعاه صوت جهاز تسجيل قديم بدأ يشتغل لوحده من جديد…
لكن المرة دي…
كان صوتي أنا.الصوت كان… صوتي أنا.
لكن مش صوتي الحالي.
كان أهدأ، أضعف، كأنه طفل صغير بيتكلم من مكان بعيد جدًا:
— “لو سمعتوا الشريط ده… يبقى أنا خلاص مش موجود.”
اتجمدت.
قلبي بدأ يدق بعنف لدرجة إني حسيت إنهم كلهم سامعينه.
أمي صرخت:
— اقفلوا ده فورًا!
لكن الجهاز كان شغال لوحده… مفيش زرار بيستجيب.
وفارس المالكي كان واقف بهدوء، كأنه مستني اللحظة دي بالذات.
خالي رامي مسك راسي:
— متسمعش… دي لعبة!
لكن الصوت كمل:
— “اسمي الحقيقي مش علي…”
سكت الصوت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي كسرت كل حاجة:
— “اسمي سيف… وأنا كنت شاهد على ق*تل مالك الهاشمي.”
التفتنا كلنا لأبي.
وشه اتغير تمامًا.
اللون اتسحب منه.
همس:
— لا… لااا… ده مات من سنين…
فارس ابتسم:
— مش مات… اتسجل.
اقترب خطوة من الشاشة، وضغط زر تاني.
فيديو قديم اشتغل.
كان فيه غرفة نفس الغرفة اللي إحنا فيها… بس من 20 سنة.
وأبي… أصغر سنًا.
وخالي رامي مربوط على كرسي.
وشخص تاني واقف في النص…
شاب صغير… ملامحه شبهي جدًا.
بس مش أنا الحالي.
أنا في الفيديو كنت واقف… وبإيدي ملف.
وسمعنا صوتي في الفيديو:
— “لو اتنفذ اللي قلتوا عليه، محدش هيعرف الحقيقة أبدًا.”
أمي انهارت:
— ده مش ابني…
لكن خالي قال بصوت مكسور:
— ده تدريبهم… بيصنعوا الطفل ده من وهو صغير…
فارس التفت لي:
— أنت مش مجرد شاهد يا علي… أنت كنت أداة.
أبي فقد أعصابه تمامًا:
— كفاية! أنا اللي كنت بحميه!
لكن خالي صرخ فيه لأول مرة:
— بتحميه؟ ولا كنت بتستخدمه؟
انفجار تاني هز المكان، والباب الحديدي بدأ يتخلخل.
الأمن من برّه بيحاول يكسر الدخول.
لكن جوا الغرفة، الحقيقة كانت بتتكشف أسرع من أي مطرقة.
فارس قرب مني وقال بهدوء:
— اسمع التسجيل الأخير…
وشغل شريط جديد.
وصوتي رجع تاني… لكن المرة دي كان واضح أكتر:
— “لو أنا اختفيت… افتكروا إن في واحد فيكم هو اللي قرر ده.”
سكت لحظة.
ثم:
— “وهو موجود دلوقتي في نفس الغرفة.”
الصمت كان مرعب.
كل العيون بدأت تتحرك بيننا.
أمي بصت لأبي.
أبي بص لي.
خالي بص لفارس.
وفارس بص لي أنا.
وبهدوء قال:
— واحد فيكم هو اللي كتب النهاية دي من زمان…
ثم أشار للشاشة:
— والسؤال الحقيقي دلوقتي…
اقترب أكثر وهمس:
— مين فيكم كان بيكذب من البداية… علشان يعيش؟
وفجأة…
نور الغرفة انقطع بالكامل.
وصوت طلق ناري واحد سُمع في الظلام.
وبعده مباشرة…
وقع أحدنا على الأرض.الظلام كان كامل… لا صوت ولا حركة لثانية واحدة، كأن المصنع كله اتشلّ.
وبعدين…
سمعنا نفس واحد على الأرض بيتسحب ببطء.
أمي صرخت بصوت مكسور:
— مين اللي وقع؟!
لكن مفيش إجابة.
فجأة، كشاف صغير اشتغل في إيد خالي رامي، ووجّه النور للأرض.
اللي كان واقع…
مش أبي.
ومش فارس.
كان واحد من رجال الشرطة اللي اقتحموا المكان، ماسك المس*دس ولسه صوابعه على الزناد.
اتنفسنا مرة واحدة، كأننا رجعنا للحياة.
لكن الارتياح ما كملش ثواني.
صوت أبي جه من ناحية الباب الحديدي:
— لسه بدري على النهاية…
وظهر من الظلام، ووشه مشوش بين الغضب والارتباك.
وراها كان فيه حركة… كأنه بيحاول يهرب من حاجة أكبر منه.
فارس المالكي قال بهدوء:
— خلاص يا مالك… اللعبة انتهت فعلاً.
لكن أبي ضحك ضحكة قصيرة:
— اللعبة دي أنا اللي بدأتُها… وأنا اللي هقفلها.
وفجأة رفع س*لاحه ناحيةي أنا.
أمي صرخت:
— لااا!
خالي رامي تحرك بسرعة، وقف قدامي.
— عايز تضربه؟ اضربني أنا الأول!
لكن أبي ما ردش.
كان باصص لي أنا تحديدًا.
وقال بصوت هادي بشكل مرعب:
— مش هتسيب الغرفة دي إلا لما تفهم الحقيقة بنفسك.
فارس تدخل فجأة:
— بلاش جنون… لو قت*لت الولد كل حاجة هتنهار عليك.
لكن أبي هز رأسه:
— هو أصل الانهيار.
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي خلت الهواء يتجمد:
— لأن علي… مش مجرد شاهد.
رفع الس*لاح أعلى.
— علي هو اللي سلّم الملفات دي كلها زمان… بإيده.
وقتها، كل حاجة وقفت في دماغي.
ذكريات مش واضحة بدأت ترجع… ومشاهد متقطعة:
باب حديد…
رجل بيهمسلي وأنا طفل…
ملفات بتتسلم في مكان مظلم…
وصوتي وأنا بقول:
— “تمام… أنا فاهم.”
وقعت على ركبي من الصدمة.
— لا… ده كذب…
أمي بصتلي بخوف حقيقي لأول مرة:
— علي… إنت فاكر حاجة؟
خالي مسك كتفي:
— متسمحش له يدخل دماغك!
لكن فارس قال بهدوء غريب:
— الذاكرة مش كذب… لكنها مش كاملة.
وفجأة، باب الغرفة الحديدي اتكسر من الخارج.
الشرطة اقتحمت بقوة.
لكن في نفس اللحظة…
أبي شدّني من دراعي بسرعة غير متوقعة، وجرّني ناحية الممر الخلفي.
صرخ خالي:
— علي!!
وفارس صرخ:
— سيبوه! هو المفتاح كله!
وأمي كانت واقفة مكانها، مش قادرة تختار مين تتبع.
أنا كنت بتهز في إيد أبي، وهو بيهمسلي:
— دلوقتي بس… هتعرف الحقيقة الكاملة.
جرّني في ممر ضيق جدًا، والجدران حواليّا بدأت تبقى كأنها بتقفل علينا.
وراءنا صوت إطلاق نار، وصراخ، وأوامر الشرطة.
لكن أبي وقف فجأة.
بصلي.
ولأول مرة، صوته كان مختلف… مش غضب، مش تهديد.
كان تعب.
— علي… افتكر بقى.
— افتكر إنت عملت إيه يوم ما المصنع ده اتحرق.
سكت.
والذاكرة رجعت مرة واحدة…
نار…
دخان…
أنا واقف وبإيدي ولاعة…
وصوت حد بيصرخ:
— “اقفل الباب عليه!”
رفعت عيني لأبي وأنا مرعوب:
— أنا… أنا اللي حرقت المكان؟
هز رأسه ببطء.
— علشان تنقذني… أو علشان تدمرنا كلنا.
وقبل ما أتكلم…
سمعنا صوت خطوات جايه بسرعة من ورا.
خالي رامي وصل لحد الممر، ووشه كله دموع وغضب:
— كفاية كذب!
وفارس كان وراه مباشرة.
والشرطة بدأت تقرب من كل الاتجاهات.
أبي بص لي مرة أخيرة وقال:
— القرار دلوقتي ليك يا علي…
ثم أشار للثلاثة اللي ورا:
— هتصدق مين فينا… قبل ما كل حاجة تقع فوق دماغنا كلنا؟
وفي اللحظة دي…
الجدار اللي قدامنا بدأ يفتح لوحده.
وظهر باب تاني مخفي…
لكن عليه اسم واحد محفور:
“سيف – النسخة الأصلية”توقفت قدامي الكلمات على الباب كأنها مش مكتوبة حبر… كأنها محفورة في رأسي أنا مش في الحديد:
“سيف – النسخة الأصلية”
ما قدرتش أتنفس.
أبي شدّ إيدي بسرعة:
— ما تبصش هناك!
لكن الباب نفسه بدأ يفتح ببطء، كأنه عارف إننا خلاص ما بقيناش نقدر نمنعه.
ومن جوّه… كان في ضوء أبيض بارد.
مش زي إضاءة المصنع.
دي إضاءة غرف مستشفيات.
أول ما دخلنا، الهواء اتغير.
الغرفة كانت صغيرة… نظيفة بشكل مرعب وسط الخراب اللي برّه.
وفي النص… سرير معدني.
وعليه جهاز مراقبة قديم بيطلع صوت منتظم:
بيب… بيب… بيب…
وقفت مكاني.
خالي رامي ورايا همس:
— مستحيل…
فارس دخل بهدوء وقال:
— مش مستحيل… ده الأصل.
أمي كانت أول واحدة دخلت بعدنا، وبمجرد ما شافت اللي على السرير… وقعت على ركبتها.
— لا… لا… ده مش هو…
اقتربت.
واللي كان نايم على السرير…
كان نسخة مني.
بس أكبر سنًا… وشه شاحب… وعليه آثار حروق قديمة في دراعه.
وكان مربوط بأجهزة… لكن عينيه مفتوحة.
وبيبص عليّا أنا.
النسخة دي ابتسمت.
ابتسامة خفيفة جدًا… لكنها مألوفة بشكل يخوف.
وقال بصوت ضعيف:
— أخيرًا… رجعت.
رجلي اتسابت.
— إنت مين؟
فارس رد بدل منه:
— ده “سيف الحقيقي”.
سكت لحظة، ثم أضاف:
— وإنت… النسخة اللي خرجت من التجربة.
أبي صرخ:
— كفاية جنان! مفيش الكلام ده!
لكن “سيف” على السرير رفع إيده بصعوبة وأشار لي:
— هو فاكر إنه نجا… لكن الحقيقة إنه اتزرع جوه عائلة مالك علشان يفضل تحت السيطرة.
خالي مسك دماغه:
— كل ده كان مشروع…؟
فارس هز رأسه:
— مشروع “الشاهد”.
التفت لي:
— طفل يتزرع وسط شبكة فساد… يكبر وهو فاكر إنه ضحية… وفي الحقيقة هو المفتاح لوصول كل الملفات.
أمي بصتلي بصدمة:
— يعني… إنت مش ابني؟
سكتّ.
مش عارف أتكلم.
لكن “سيف الحقيقي” قاطعهم:
— لأ… هو ابني أنا.
الصمت اللي حصل بعدها كان أثقل من أي صوت انفجار سمعناه من أول القصة.
أبي رجع خطوة:
— مستحيل…
لكن سيف أكمل:
— أنا اللي أنقذت نسخته… يوم ما قرروا يموتوه علشان يمسحوا كل الأدلة.
بصلي:
— وإنت كبرت جوه عيلة اتعملت ليك مخصوص… عشان لما تكبر، تفتح الباب ده بنفسك.
فارس قال بهدوء:
— وده حصل.
سكت لحظة.
وبعدين قال أخطر جملة في القصة كلها:
— وافتكر… إنت مش الوحيد اللي اتزرع.
فجأة…
نور الطوارئ اشتغل في كل المكان.
وصوت إنذار عالي ضرب الغرفة.
والشاشات اللي حوالينا اشتغلت لوحدها.
وظهرت وجوه كتير… أطفال… شباب… كلهم شبه بعض.
نفس العيون.
نفس الملامح.
نفس “أنا”.
أمي همست وهي بتعيط:
— يا رب… ده مش حقيقي…
لكن سيف الحقيقي فتح عينيه أكتر وقال:
— المشروع ما كانش واحد… كان سلسلة.
وبص لي مباشرة:
— وإنت… مش النهاية.
سكت.
ثم أضاف:
— إنت البداية.
وفجأة…
صوت خطوات كتير جدًا قربت من كل الاتجاهات.
مش شرطة بس.
ناس كتير.
كأن المكان كله اتفتح عليه باب جهنم.
وأبي بصلي لأول مرة بدون غضب… لكن بخوف حقيقي:
— لو خرجوا دلوقتي… العالم كله هيتغير بسببك.
خالي مسك إيدي:
— اختار يا علي… يا تبقى المفتاح… يا تكسر المفتاح.
وفارس قال:
— مفيش خروج من هنا غير بقرار واحد.
وفي اللحظة دي…
سيف الحقيقي مد إيده ناحيتي وقال بصوت واهن:
— لو اخترت الحقيقة… اقفل النظام كله… ومحدش هيخرج سليم.
ثم ابتسم ابتسامة أخيرة:
— حتى إنت.
والباب ورايا اتقفل ببطء…
وصوت الأقفال اشتغل من جديد…
لكن المرة دي…
كان بيقفل العالم كله علينا.الهواء في الغرفة بدأ يتقلّ كأن المكان بيتقفل علينا من جوّه مش من برّه.
الأقفال اشتغلت واحدة واحدة…
طَق… طَق… طَق…
كأن النظام كله بيربط نفسه حولنا.
وفجأة، الشاشات اللي مليانة نسخ مني بدأت تشتغل بشكل متزامن، وكلهم بصّوا في نفس اللحظة.
نفس النظرة.
نفس الصمت.
سيف الحقيقي رفع صوته الضعيف:
— اتأخرنا…
فارس المالكي رجع خطوة للخلف لأول مرة:
— مش المفروض يحصل كده… فيه تسريب.
أبي مسك دماغه بعنف:
— اقفلوا كل حاجة فورًا! دلوقتي!
لكن مفيش حاجة كانت بتستجيب.
الأنوار بدأت تومض بسرعة.
وأصوات في الممرات… مش خطوات بشر عاديين… كأن حد بيجري بانتظام محسوب.
خالي رامي شدني ناحيته:
— علي… بصلي… متسيبش دماغك تروح لهم!
لكن أنا ما كنتش سامع أصلاً.
الصوت اللي جوه راسي بدأ يعلو.
نفس الصوت القديم… صوتي أنا… لكن مش مني:
— “لو وصلت للنقطة دي، يبقى النظام اتفك.”
مسكت راسي.
— اسكتوا… أنا مش فاهم حاجة!
أمي قربت مني وهي بتعيط:
— يا علي… لو في أي جزء فيك لسه ابني… ابقى اسمعني!
لكن فجأة…
سيف الحقيقي رفع إيده وقال بصوت مكسور:
— هو بيفوق دلوقتي.
كل العيون بصّت ليه.
كمل:
— الذاكرة الأصلية بدأت ترجع.
وفارس قال بسرعة:
— مستحيل… إحنا مسحناها.
سيف رد:
— مسحتوا نسخة… مش الأصل.
وفجأة…
انفجار تاني في الممر الخارجي.
الباب الحديدي اتخلع.
والشرطة… أو اللي كان المفروض شرطة… دخلوا.
لكن ملامحهم كانت مختلفة.
عيونهم فارغة.
وحركتهم بطيئة بشكل غير طبيعي.
خالي رامي رجع خطوة:
— دول مش شرطة…
أبي ابتسم لأول مرة من ساعة ما بدأ كل ده:
— اتأخروا بس.
لكن سيف صرخ:
— دول النسخ اللي فشلوا!
التفت لي:
— لو خرجوا من هنا… هيمسحوا كل حاجة بشرية في الطريق.
قفز قلبي.
— يعني إيه؟!
فارس قال بسرعة:
— المشروع خرج عن السيطرة.
أمي مسكت إيدي:
— امشي يا علي… دلوقتي!
لكن فجأة…
واحد من “النسخ” قرب مني.
وبص لي.
نفس عيني.
وقال بصوت مكسور:
— ارجعنا…
سيف صرخ:
— ما تبصش في عينيه!
لكن كان فات الأوان.
بمجرد ما عيني قابلت عينه…
رجعت كل حاجة مرة واحدة.
مشاهد مش متقطعة… كاملة هذه المرة:
مختبر تحت الأرض…
أطفال مربوطين…
أبي واقف بيوقع أوراق…
أمي بتبكي وهي بتسلم ملف…
وخالي رامي بيحاول يفتح باب مقفول…
وفارس واقف بيقول:
— “النسخة رقم 7 مستقرة.”
وساعتها…
افتكرت اسمي الحقيقي.
مش علي.
ولا سيف.
لكن الاسم اللي اتشال مني قبل ما أعيشه.
رجعت لورا وأنا بتنفس بصعوبة:
— أنا… أنا كنت واحد منهم…
سيف الحقيقي هز رأسه:
— كنت أول واحد نجح.
فارس همس:
— وهو اللي هيكسر كل حاجة لو قرر يفتكر بالكامل.
أبي رفع س*لاحه تاني، لكن المرة دي ناحيتي:
— مش هسيبك تفوق بالكامل.
خالي رامي وقف قدامي فورًا:
— لازم يعدي منّي الأول.
أمي صرخت:
— كفاية ق*تل!
لكن أنا…
كنت واقف في النص.
بين ناس بتقول إني المفتاح…
وناس بتقول إني الكارثة…
وناس بتقول إني مجرد تجربة.
وفجأة…
سيف الحقيقي مد إيده وقال:
— القرار الأخير مش ليهم…
ثم بص لي:
— ولا لينا.
سكت لحظة.
ثم قال:
— القرار كان مكتوب جواك من الأول.
كل الشاشات اشتغلت مرة واحدة.
والأبواب بدأت تتفتح لوحدها…
لكن مش خروج…
كان دخول.
صوت واحد خرج من كل الاتجاهات:
— “إعادة تشغيل النظام… النسخة الأصلية استيقظت.”
وأنا وقفت…
وبصيت للجميع…
ولأول مرة، حسّيت إني مش باختار الحقيقة…
بل الحقيقة هي اللي بتختارني.كل حاجة سكتت للحظة واحدة.
حتى أصوات الإنذار اللي كانت بتصرخ من ثواني… اختفت فجأة كأن حد قفل صوت العالم.
وبعدين…
النظام اشتغل من جديد.
بس المرة دي بشكل مختلف.
الشاشات مش بتعرض صور… كانت بتعرض أوامر.
جملة واحدة مكررة في كل شاشة:
“تفعيل النسخة الأصلية: سيف.”
سيف الحقيقي على السرير بدأ يتشنج.
— لأ… لأ… مش دلوقتي…
فارس المالكي رجع خطوة لورا وهو لأول مرة يبان عليه ارتباك حقيقي:
— النظام ما كانش مفروض يصحى كده… مين فعّل الإشارة؟!
أبي بص لي.
لكن مش بصّة خوف… بصّة إدراك.
كأنه فهم حاجة أخيرًا.
— إنت…
خالي رامي مسكه من هدومه:
— إنت اللي عملت إيه في الولد ده زمان؟!
لكن أنا ما كنتش سامعهم.
كنت حاسس بحاجة بتتفك جوا دماغي… زي باب بيتفتح ببطء شديد بعد ما كان مقفول عمر.
ذكريات كاملة.
مش مشاهد… قرارات.
أنا مش طفل.
أنا كنت بشتغل جوه المكان ده.
سمعت صوتي جوا رأسي بوضوح:
— “ابدأ المرحلة الأخيرة.”
وقعت على ركبي.
— كفاية… مش عايز ده!
لكن الأرض نفسها تحتيا بدأت تهتز.
الجدار اللي ورا سيف الحقيقي انفتح تلقائيًا.
وظهر ممر طويل جدًا… نهايته ضوء أبيض حاد.
فارس قال بسرعة:
— ده ممر الإطلاق… لو دخلته النظام كله هيتسحب معاه!
أمي مسكتني من كتفي:
— علي… بصلي… إنت ابني… مهما قالوا!
لكن صوت تاني داخلي كان أعلى منها:
— “مش ابن حد… إنت الأصل.”
سيف الحقيقي بص لي، وابتسم لأول مرة بدون ألم:
— أخيرًا رجعت لنفسك.
خالي رامي صرخ:
— متسمعوش! ده كله لعب في دماغه!
لكن أبي… كان واقف ساكت.
ثم قال بهدوء غريب:
— سيبه يكمل.
كل العيون بصت له.
أكمل:
— لو هو اللي بدأ ده… يبقى هو الوحيد اللي يقدر يوقفه.
سيف الحقيقي رفع إيده ليّ بصعوبة:
— لو دخلت الممر ده… مش هترجع نفس الشخص.
فارس صرخ:
— لا! لو دخل، المشروع كله هيتفك!
لكن الصوت اللي جوايا كان واضح للمرة الأولى بدون تشويش:
— “أنا عارف لازم أعمل إيه.”
سألت نفسي بصوت عالي:
— أنا مين؟
وساعتها…
كل الشاشات عرضت نفس الفيديو في نفس اللحظة.
أنا… بس مش واحد.
آلاف النسخ مني… واقفين في نفس الغرفة… في نفس اللحظة… في نسخ مختلفة من الزمن.
وساعتها فهمت الحقيقة الأخيرة.
أنا مش شخص.
أنا “نظام قرار”.
أنا اللي بيختار مين يعيش… ومين يفضل كـ نسخة.
خالي رامي رجع خطوة لورا:
— يا رب… إحنا كنا بنحارب حاجة أكبر من بشر…
أمي همست:
— رجّعلي ابني…
لكن أنا كنت واقف عند بداية الممر.
والضوء الأبيض كان بيناديني.
سيف الحقيقي قال بصوت أخير:
— لو دخلت… هتفهم كل حاجة… وهتخسر كل حاجة في نفس اللحظة.
فارس قال:
— وهو ده اللي إحنا كنا مستنيينه من البداية.
وأبي قال آخر جملة قبل ما أتحرك:
— القرار بتاعك يا سيف…
سكت لحظة.
ثم أضاف:
— أو علي… لو لسه فاكر الاسم ده.
وفي اللحظة دي…
الممر فتح بالكامل.
والنظام كله قال بصوت واحد:
“ابدأ الإغلاق النهائي.”
وخطوتي الأولى دخلت النور.أول خطوة دخلت النور…
وحسّيت إن الأرض اختفت من تحت رجلي.
مش سقوط… لكن انتقال.
كأني اتسحبت من جسمي كله مرة واحدة.
الصوت اختفى.
الوجوه اختفت.
حتى الألم اختفى.
وبقيت في مكان أبيض بلا نهاية.
لا جدران. لا أرض. لا زمن.
وفجأة… ظهروا.
أول حاجة ظهرت كانت شاشة شفافة قدامي.
عليها رقم واحد كبير:
“0% مكتمل”
ثم بدأ يرتفع ببطء.
1%… 2%… 3%…
وصوتي أنا رجع، لكن مش من بره… من جوه:
— “أخيرًا وصلت.”
لفّيت حولي… مفيش حد.
لكن الصوت كمل:
— “كنت فاكر إنك ضحية… لكنك كنت مركز التحكم.”
فجأة ظهرت صور.
مش ذكريات… بيانات.
كل حياة عشتها… وكل مرة اخترت فيها حاجة… كانت تتحول لسطر كود.
خالي رامي… أمي… أبي… فارس… سيف الحقيقي…
كلهم بدأوا يظهروا كـ “وحدات” مرتبطة بيا.
لكن الأكثر رعبًا…
إن مشاعري نفسها كانت متقسمة لأوامر:
الخوف = حماية النظام
الحب = تثبيت الهدف
الشك = إعادة تشغيل
وقفت وأنا مرعوب:
— إنتوا مين؟!
ورد الصوت:
— “إحنا أنت.”
وفجأة ظهر شكل أمامي.
مش إنسان.
لكن نسخة مني بالكامل… واقفة بهدوء، كأنها منتظرة اللحظة دي من زمان.
قالت:
— “أنا النسخة الأصلية قبل ما تتقسم.”
سكت.
كمل:
— “إنت مش مشروع… إنت نتيجة فشل مشروع قديم.”
ظهر مشهد كامل قدامي:
المصنع… لكن قبل ما يبقى مهجور.
كان مليان علماء.
وأنا… في سن صغير… مش طفل عادي… كنت في جهاز ضخم.
وسمعت صوت:
— “لو وعيه اكتمل، النظام كله هيتمسح.”
رجعت لورا وأنا بتنفس بصعوبة:
— يعني أنا… برنامج؟
النسخة هزت رأسها:
— “أكتر من كده… أنت القرار اللي بيقرر إذا كان الواقع يستمر أو يتلغى.”
الـ 0% وصل لـ 52%.
بدأ يزيد بسرعة.
وفجأة سمعت صوت خالي رامي من بعيد… كأنه بيخترق المكان:
— علي! لو سامعني… متصدقش اللي بيحصل!
ثم صوت أمي تبكي:
— ارجعلي… حتى لو مش ابني!
ثم صوت أبي:
— إنت مش أداة… إنت ابني حتى لو كل حاجة بتقول غير كده!
ثم صوت فارس:
— لو كمل… مش هيبقى فيه عالم أصلاً!
لكن الأصوات بدأت تضعف.
والرقم وصل 70%.
النسخة اللي قدامي قالت بهدوء:
— “لو وصل 100%… هتختار النهاية النهائية.”
سألت:
— يعني إيه النهاية؟
ابتسمت:
— “تمسح نفسك… أو تمسح كل شيء حواليك.”
سكت لحظة.
ثم أضافت:
— “بس في اختيار ثالث… محدش قاله لك قبل كده.”
اقتربت مني:
— “ترفض الاختيار كله.”
الرقم 88%…
الضوء بدأ يعلى أكتر.
سألتها بسرعة:
— ولو رفضت؟
ردت:
— “النظام هيكسر نفسه… ومش هنعرف مين الحقيقي ومين الخيال.”
وقفت في النص.
بين الوجود والعدم.
بين كل الناس اللي عرفتها…
والحقيقة اللي ما عندهاش شكل.
والمؤشر وصل 95%.
وفجأة…
كل الأصوات رجعت مرة واحدة.
أمي، أبي، خالي، فارس، سيف…
كلهم بيصرخوا في نفس اللحظة:
— “اختار يا علي!”
والمؤشر عند 99%…
ورفعت إيدي…
وفي اللحظة الأخيرة…
ضغطت على زر واحد في الفراغ.
“إيقاف الإدراك.”
والنظام…
سكت.