جوزي استلف حكايات روماني مكرم

جوزى استلف من بابا مبلغ 850 الف جنيه علشان كان هيشترى ميراث اخوه واخوه باع وخد الفلوس وسافر

جوزى كان ميعاد سدد الفلوس لبابا خلال 6شهور

ودلوقتى فات سنه وجوزى حاله المديه كويسه ولسه مشترى عربيه جديده غاليه ولم كلمته عن فلوس بابا قال يبقا يخصمهم من ورثك

 

الحكاية بدأت من سنة بالتمام والكمال. “عاصم” جوزي، ابن سوق ورجل أعمال مالي مركزه، بس الطمع لما بيمشي في الدم بيعمي العينين. أخوه الكبير “مدحت” كان ناوي يبيع حقه في ورث أبوهم.. حتة أرض ومحلات تسوى ملايين في قلب البلد. عاصم قعد يفرك في إيديه أيام وليالي:

> “الميراث ده لو طلع برة العيلة، هتحسر عمري كله يا صفاء.. مدحت عارض حقه بمليون و850 ألف، وأنا معايا مليون كاش، وناقصني 850 ألف.. لو الأرض دي راحت، هبقى كأني خسرت هيبتي في السوق.”

>

أنا بطيبتي، وبأصلي اللي اتربيت عليه، قولتله: “يا عاصم، الغريب مياكلش خيرنا، وأنا ماليش بعد ربنا غيرك أنت وأبويا.. هكلم الحج شاكر، وهو مش هيتأخر عننا.”

وفعلاً، الحج شاكر.. أبويا.. راجل طول عمره شقيان، مقاول تقيل، كلمته في السوق توزن بلد، وفلوسه بفضل الله ماليها العد. لما عاصم دخل عليه ووشه في الأرض وعامل فيها الصعباني الحنين، أبويا مبصش للفلوس، بص لبنته وكرامة جوز بنتها. فتح الخزنة وطلعله الـ 850 ألف جنيه عَد ونَقد.. قاله كلمة واحدة مفيش غيرها، والرجالة بتربطها كلمتها:

> “بص يا عاصم، الفلوس دي فلوس شغل ومقاولات، وأنا مأمنك عليها.. قدامك 6 شهور بالتمام والكمال، تكون الشغلانة صفت وتردلي الأمانة.”

>

عاصم وطى على إيد أبويا يبوسها، وحلف بميت يمين إن الفلوس هتكون عنده قبل الست شهور ما يخلصوا.

لكن يا دنيـا يا غدارة.. مدحت أخوه طلع ألعن منه. خد المليون و850 ألف من هنا، ومفيش تالت يوم.. حزم الشنط، وباع كل اللي وراه وقدامه، وخد الفلوس وسافر أمريكا! لا ساب أرض، ولا مضى على تنازل، ولا عمل لعاصم أي اعتبار. عاصم لقى نفسه شرب المقلب، والفلوس طارت في الهوا، وأخوه فص ملح وداب.

 

الست شهور عدوا، وبقوا سنة.. والحال اتمطع.

في الأول عاصم كان بيمشي جنب الحيط، وشه في الأرض من أبويا، ويقولي: “اصبري عليا يا صفاء، السوق مريح.. اصبري عليا الشغلانة دي تخلص.”

وأنا أصبر، وأقول لأبويا: “معلش يا بابا، عاصم بيمر بظروف، وأنت عارف اللي حصله مع أخوه.” وأبويا يطبطب عليا ويقول: “عشان خاطرك يا بنتي، بس أصول الشغل أصول.”

لكن اللعبة اتكشفت لما “النحس” اتفك وعاصم ربنا كرمه كرم كبير.. دخل في مناقصة حديد وأسمنت، وضربت معاه في العالي، وبقى بيمشي يوزع فلوس يمين وشمال. وفي ليلة ودخلة، لقيت الجراج بيرن، وعاصم داخل عليا بضحكة لغاية ودانه، وفي إيده مفتاح العربية الجديدة اللي تمنها يعدي الملايين!

فرحت؟ لاء.. قلبي اتقبض.

قربت منه، والصوت كان هادي بس مليان لوم: “مبروك العربية يا عاصم.. تتربى في عزك.. بس مش كان الأولى والأحق، فلوس الحج شاكر اللي بقالها سنة؟ الراجل بيسألني ووشي بـقى في الأرض منه.. والفلوس دي كانت واقفه عليها مصلحة في شغل المقاولات بتاعه.”

عاصم ضحك ببرود، وقعد على الكنبة، وفرد دراعاته بكل غطرسة، وبصلي من تحت لفوق وقال الكلمة اللي هدت السقف فوق دماغي:

> “جرى إيه يا صفاء؟ هو الحج شاكر غريب؟ ما الفلوس في قيد الحياة أهو.. وبعدين يا ستي، لما يجرى له حاجة، يبقي يخصم الـ 850 ألف دول من ورثك! إحنا هنقعد نوجع دماغنا بقا ونطلع كاش وندخل كاش؟!”

>

 

الدنيا لفت بيا. “يخصمهم من ورثك؟!”

يعني بيموّت أبويا بالحيا؟ وعايز ياكل فلوس الراجل اللي وقّفه على رجليه وسنده في زنقته؟ الراجل اللي لولا فلوسه، مكنش عاصم هيبقى له حس في السوق النهاردة!

بصيتله وعيني بتطلع شرار: “أنت بتقول إيه يا عاصم؟ أنت بتتحكم في ورث أبويا وهو عايش ووسطينا؟ بتتميلح بفلوسه وتشتري عربيات زيرو، وعايز تاكل حقه؟!”

وقف عاصم، وطوله بان، والوش الحنين المكسور بتاع زمان اختفى.. ظهر وش التمساح بتاع السوق:

“بقول اللي عندي يا بنت الحج.. وأعلى ما في خيلك وخيل أبوكي اركبوه.. الفلوس دي مش طالعة من جيبى دلوقتي، وعربيتي ماليش دعوة بيها.. وروحي قولي لأبوكي الكلمتين دول، خليه يشوف حِسبة ورثك كام ويشيل منهم الفلوس!”

سابني ودخل الأوضة ورزع الباب وراه.. وأنا وقفت في الصالة، باصة لمفتاح العربية، ودموع القهر والغل نازلة على خدي. التليفون في إيدي رن.. لقيت اسم “بابا” منور على الشاشة.

#الكاتب_رومانى_مكرم

حطيت إيدي على بوقي عشان ميعرفش إني بعيط.. فتحت الخط وصوتي بيترعش: “أيوة يا بابا.. حبيبي..”

جالي صوته التعبان بس المليان هيبة: “أيوة يا صفاء يا بنتي.. قوليلي، عاصم كلمك في الموضوع؟ أنا محتاج الفلوس دي الأسبوع ده ضروري عشان شحنة الإسمنت الجديدة، والشركاء واقفينلي على الوحدة.. قوليلي يا بنتي، جوزك قالك إيه؟”

سكت.. والكلمات وقفت في زوري.. هقول لأبويا إيه؟ أقوله جوزي مستني تموت عشان يخصمهم من الميراث؟ ولا أقوله إنه اشترى عربية جديدة وداير يتنطط بيها في السوق وضهرك أنت مكسور؟

فتحت “صفاء” الخط، وأنفاسها المتسارعة كانت تكاد تفضح كتمانها، وضعت يدها على فمها تمنع شهقة قهر كادت أن تخرج مدوية. صوت والدها، الحاج شاكر، كان يأت عبر الهاتف محملاً بوقار السنين، لكن نبرة التعب فيه كانت واضحة، نبرة رجل لم يعتد أن تضيق به الدنيا، ولم يعتد أن ينتظر حقاً له عند أحد.

“أيوة يا بابا.. حبيبي..” قالتها صفاء بصوت متحشرج، حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تبدو طبيعية.

رد الحاج شاكر، وصوت جلبة العمال والسيارات في موقع المقاولات يظهر في الخلفية: “أيوة يا بنتي، عاصم كلمك؟ أنا مش عايز أضغط عليه يا صفاء، بس السوق مبيرحمش، والموردين واقفين على الباب، وشحنة الإسمنت لازم تتدفع قيمتها قبل آخر الأسبوع.. قوليلي يا بنتي، جوزك جاهز؟”

ابتلعت صفاء غصتها، نظرت نحو باب الغرفة المغلق حيث يقبع “عاصم” ببروده وجبروته الجديد، ثم نظرت إلى مفتاح السيارة الفارهة الملقى على الطاولة كأنه طعنة في كبريائها وكبرياء أبيها. في تلك اللحظة، علمت صفاء أن قول الحقيقة كاملة للحاج شاكر في الهاتف قد يصيبه بجلطة، وأن الكذب سيعطي عاصم وقتاً أطول ليمارس نذالته.

أخذت نفساً عميقاً وقالت: “يا بابا.. عاصم لسه داخل البيت حالا، وعنده شغل مأخر عينه، والموضوع كبير.. أنا هجيلك بكرة الصبح بنفسي المكتب، ونتكلم يا حبيبي، متقلقش كل شيء هيبقى تمام.”

أقفل الحاج شاكر الخط وهو يشعر بنغزة في قلبه، فخبرته في الحياة علمتة أن نبرة ابنته وراءها ما وراءها.

في صباح اليوم التالي، نزلت صفاء من بيتها وعيناها لم تذق النوم. لم تنظر لعاصم الذي كان غارقاً في نومه، وركبت تاكسي متجهة إلى مكتب والدها. عندما دخلت، وجدته يجلس وراء مكتبه الخشبي الكبير، وتلال من الأوراق أمامه، ووجهه يكسوه الهم.

ارتمت في حضنه وبكت بحرقة، بكت كأنها تعتذر له عن اللحظة التي وثقت فيها بعاصم وأدخلته بيتهم. فزع الحاج شاكر وقيدها من كتفيها: “في إيه يا صفاء؟ عاصم جراله حاجة؟ الفلوس ضاعت تاني؟”

مسحت دموعها، واستجمعت شجاعتها، فالسكوت هنا لم يعد فضيلة، بل مشاركة في الجر*يمة. وقفت بقوة وقالت: “الفلوس مضاعتش يا بابا.. عاصم كسب في مناقصة الحديد والأسمنت، عاصم بقى معاه ملايين.”

استبشر وجه الحاج شاكر للحظة: “طب وليه العياط يا بنتي؟ الحمد لله إنه وقف على رجليه، كده الأمانة هترجع!”

نكست صفاء رأسها وقالت بصوت يملأه الخزي: “عاصم اشترى عربية زيرو بملايين امبارح.. ولما قولتله فين فلوس الحج شاكر.. قالي خليه يخصم الـ 850 ألف من ورثك لما يموت.. وقالي أعلى ما في خيلكم اركبوه.”

وقع الكلمات على الحاج شاكر كان كصاعقة نزلت من السماء. صمت تام ساد المكتب لثوانٍ بدت كالأعوام. تحول وجه الرجل الطيب الصبور إلى كتلة من الغضب المكبوت، وعروق جبهته برزت كحبال مشدودة. لم يتكلم، لم يصرخ، بل قام من وراء مكتبه وهيبته تمتد في أركان الغرفة.

أمسك هاتفه، وضغط على زر الاتصال، ووضع الهاتف على مكبر الصوت.

رن الهاتف ثلاث مرات قبل أن يأتي صوت عاصم متغطرساً، ومن خلفه صوت محرك سيارته الجديدة: “أيوة يا حج شاكر.. صباح الخير.”

رد الحاج شاكر بنبرة هادئة كالهدوء الذي يسبق العاصفة، نبرة جعلت ركب صفاء ترتجف: “صباح الخير يا عاصم.. صفاء حكتلي على فكرتك الذكية بتاعة خصم الفلوس من الميراث.. وعجبتني.”

فرمل عاصم سيارته فجأة على جانب الطريق، وضارت ضحكة مكتومة في صدره، وظن أن الشيخ الكبير قد استسلم للأمر الواقع: “أيوة كده يا حج.. أنت راجل سوق وتفهمها وهي طايرة، إحنا أهل، وفي الآخر كله رايح لصفاء، مفيش داعي للرجرجة في السيولة دلوقتي.”

تغيرت نبرة الحاج شاكر فجأة لتصبح حادة كالسيف، وضرب بقبضته على المكتب ضربة زلزلت المكان: “اسمع يا ابن سوق الندالة.. الميراث ده للي بيموت، وأنا بفضل الله حي، وكلمتي في السوق لسه بتهز جبال. الأرض والمحلات اللي أخوك ضحك عليك فيها وسافر؟ أنا اللي شاريها من صاحبي القديم، وعقودها الابتدائية لسه تحت إيدي وممضتش عليها لمدحت بالتنازل النهائي، يعني أخوك باعلك الهوا في قزازة وسافر!”

تجمد الدم في عروق عاصم، وسقطت هيبته في ثانية: “أنت.. أنت بتقول إيه يا حج؟!”

تابع الحاج شاكر وعيونه تطق شرراً: “بقولك إن الأرض دي لسه بتاعتي قانوناً، والـ 850 ألف جنيه بتوعي، وعربيتك الجديدة الزيرو دي، أنا هحجز عليها قسماً بالله وبقوة القانون وعقود البيع اللي معايا في ظرف 48 ساعة لو الفلوس مكنتش في حسابي.. وورث بنتي اللي بتتكلم عليه وهي واقفة في وسطيني؟ بنتي ملهاش جوز نذل زيك يورث فيها بالحيا.. ورقتها هتوصلها، وفلوسي هتدفعها وفوقيها كرامة بنتي اللي داست عليها رجلك!”

أغلق الحاج شاكر الهاتف في وجه عاصم، والتفت إلى ابنته صفاء التي كانت تنظر إليه بذهول وفخر، وقبل أن تنطق بكلمة، رن هاتف صفاء.. كان عاصم يتصل وهو يصرخ ويبكي ويلهث خلف خط الهاتف، وصوت فرامل سيارته يدوي في المكان وهو يتجه عائداً إليهم بأقصى سرعة.

 
لم تنتظر صفاء أن ينتهي رنين الهاتف، وبإشارة حازمة من يد والدها، ضغطت على زر الرفض، ثم أغلقته تماماً. نظرت إلى والدها والحيرة تمتزج بالخوف في عينيها: “بابا.. عاصم مش هيسكت، هو طماع وممكن يعمل أي حاجة لو حس إن فلوسه ومكانته في السوق هتضيع.”

جلس الحاج شاكر وراء مكتبه من جديد، وعادت إليه هيبته وثباته الشديد، وقال وهو يشعل سيجارته بهدوء: “عاصم ديله طويل يا بنتي، بس راسه خفيفة. ابن السوق الحقيقي ميبعش الراجل اللي سنده، وعاصم افتكر إن الفلوس بتعمل كبار.. متخافيش، الشبك شبكي وأنا اللي هلمه.”

لم تمر سوى نصف ساعة حتى دوت أصوات فرامل عنيفة أسفل عمارة المكتب، وتبعتها خطوات متسارعة ومرتبكة على السلم. انفتح باب المكتب بقوة، ودخل عاصم ووجهه شاحب كالموتى، وعرقه يتصبب بغزارة، وعيناه زائغتان تبحثان عن طوق نجاة.

لم يكن هذا عاصم المتغطرس الذي كان يجلس بالأمس على الكنبة ويفرد ذراعيه؛ بل كان عاصم الحقيقي عندما يُعرى أمام حقيقته.. مجرد صياد صغير وقع في شباك حوت كبير.

ارتمى عاصم على الكرسي أمام الحاج شاكر، وحاول أن يبتسم ابتسامة صفراء وهو يلهث: “يا حج شاكر.. صلي على النبي في قلبك، الكلام ميبقاش كده بين الأهل.. أنا كنت بهزر مع صفاء، ده أنا بفرفش معاها.. معقولة آكل حقك؟ ده أنت أبويا وبركتنا!”

لم يتحرك الحاج شاكر، ولم ترمش له عين، بل نفث دخان سيجارته في الهواء وقال برود قاتل: “والعربية الزيرو اللي تمنها ملايين يا عاصم؟ كنت بتهزر بيها برضه؟ وشحنة الإسمنت بتاعتي اللي واقفة في الميناء وشركائي اللي مستنيين السيولة؟”

ابتلع عاصم ريقه بصعوبة ونظر إلى صفاء يستعطفها: “يا صفاء.. قولي لأبوكي، إحنا عشرة عمر، أنا بس كنت مضغوط من اللي عمله مدحت أخويا.. أنا هتدبر، هصرف الفلوس.”

هنا وقفت صفاء، ولأول مرة تنظر إليه بنظرة خالية من أي مشاعر، نظرة صلبة استمدتها من قوة أبيها: “أنا مابقاش ليا كلام معاك يا عاصم.. أنت قولت أعلى ما في خيلنا نركبه، وإحنا ركبنا.. كلامك دلوقتي مع الحاج شاكر، وفي المحكمة لو الورقة بتاعتي مجتليش.”

جن جنون عاصم لما سمع كلمة “الطلاق”، فالأمر لم يعد مجرد 850 ألف جنيه، بل أصبح فضيحة في السوق ستدمر سمعته كرجل أعمال، بالإضافة إلى خسارته للأرض والمحلات التي اكتشف للتو أن عقودها النهائية ما زالت في يد الحاج شاكر.

وقف عاصم وصرخ بنبرة تحولت فجأة من الاستعطاف إلى التهديد اليائس: “جرى إيه يا حج شاكر؟! ه تخرب بيت بنتك عشان قرشين؟ أنا مش دافع، وأعلى ما في خيلكم اركبوه تاني! الأرض دي أنا واضع إيدي عليها، ومحدش يقدر يخرجني منها، وعربيتي ماليش دعوة بيها دي كاش.. والفلوس مش هتشوفوا منها مليم دلوقتي وروني هتعملوا إيه!”

لم يهتز الحاج شاكر، بل ابتسم ابتسامة ساخرة هزت ثقة عاصم في نفسه، وأمسك بالهاتف الأرضي للمكتب، وطلب رقماً يعلمه عاصم جيداً.. رقم “المعلم غريب”، أكبر تاجر حديد في السوق، والشرير الذي يخشاه الجميع، والذي يعلم عاصم أنه مديون له أيضاً بمبالغ للشغل.

“أيوة يا معلم غريب.. معاك شاكر.. كنت عايز أقولك إن الواد عاصم اللي شغال معاك في مناقصة الحديد، لسه شاري عربية زيرو بملايين، وفلوس الناس اللي عليه مش عايز يدفعها، وبيقول السوق مريح.. وأنا برفع إيدي عن أي ضمانة ليه في السوق من النهاردة.”

تسمر عاصم في مكانه، وبدأ جسده يرتجف فعلياً. سحب الحاج شاكر ورقة بيضاء من مكتبه، ورماها أمام عاصم مع قلم:

“قدامك حل من التنين يا ابن سوق الندالة.. يا تمضي على شيك بمبلغ المليون و850 ألف جنيه (حق الأمانة وفوقيها تعويض عن التعطيل) وتكتب تنازل عن أي حق ليك في المحلات، وتطلع ورقة بنتي بالمعروف.. يا إما هقفل عليك السوق من بكرة، والمعلم غريب ورجالته هيتصرفوا معاك بمعرفتهم، وعربيتك الجديدة دي مش هتلحق تركبها أسبوع على بعضه.”

نظر عاصم إلى الورقة والقلم، ثم إلى وجه الحاج شاكر الصارم، وإلى صفاء التي أدارت ظهرها له تماماً.. شعر عاصم بأن الأرض تدور به، وأن فخ الطمع الذي حفره لأبيها، قد وقع فيه هو بكامل إرادته.

أمسك عاصم القلم بيده المرتعشة، وبدأ يكتب.. لكن عينيه كانت تلمع بشرارة انتقام غادرة، شرارة توحي بأن الاستسلام الحالي ما هو إلا هدوء مؤقت لتدبير مصيبة أكبر!

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

ضغط عاصم بالقلم على الورقة بقوة كادت تقطعها، ووقع الشيك والتنازل وهو يلهث، كأنه يوقع على وثيقة إعدامه في السوق. رمى القلم من يده، ووقف ينظر للحاج شاكر وعيونه حمراء من الغل والغضب المكبوت: “أهو.. مضيت يا حج.. والتنازل والشيك عندك أهو.. وبنتك ورقتها هتوصلها للمأذون. بس حط في بالك.. عاصم مش الراجل اللي يتلوي دراعه ويقف يتفرج.. والسوق ياما فيه جولات.”

لم يرد عليه الحاج شاكر، بل أشار له بيده نحو الباب بكل برود واستهانة، كأنه يطرد ذبابة حطت على مكتبه.

خرج عاصم ورزع الباب خلفه بقوة هزت جدران المكتب. التفت الحاج شاكر لصفاء، وطبطب على كتفها وهو يسحب الشيك والأوراق: “متعيطيش يا بنتي.. دموعك غالية، والراجل اللي يبيع أصله عشان قرشين، خسارته مكسب.. الفلوس دي هترجع، والكرامة رجعت، والورقة دي هكسر بيها مناخيره في السوق.”

مرت ثلاثة أيام.. صفاء قاعدة في بيتها القديم مع والدتها، محاطة بحضن عيلتها اللي صانها، لكن قلبها مكنش مطمن. عاصم مش من النوع اللي ينسحب بالسهولة دي، عاصم “ابن سوق” وثعلب، والضربة اللي أخدها من الحاج شاكر جرحت كبريائه قبل جيبه.

وفي ليلة اليوم الرابع، رن تليفون الحاج شاكر.. كان المتصل “المعلم غريب”.

فتح الحاج شاكر الخط: “أيوة يا معلم غريب.. خير؟”

جاء صوت المعلم غريب مخنوقاً وملياناً بالتوتر: “الحق يا حاج شاكر.. عاصم مجنون وعملها! الواد من ساعة ما خرج من عندك وهو قالب الدنيا.. راح لمجموعة من “المطاريد” والمسجلين اللي شغالين في الجبل، وباع ليهم شحنة الحديد والأسمنت اللي كانت في المخازن لحسابه النص بالنص كاش، ولم الفلوس وهرب!”

وقف الحاج شاكر والصدمة لجمت لسانه: “هرب؟! هرب فين؟ والفلوس اللي عليه؟!”

رد غريب: “الواد صفى كل حساباته في البنوك في ثانية، والعربية الجديدة باعها لتجار كسر في نفس اليوم بنص تمنها عشان ياخد كاش.. والأنقح من كده يا حاج.. الواد مسبش البلد.. الواد باعت ناس يراقبوا مكتبك وبيتك، وعرفت من عيل من صبيانه إنه ناوي على مصيبة.. قالي نصاً: (عاصم حلف لو مش هيعرف ياخد الفلوس، هيحرق قلب الحاج شاكر على أغلى ما يملك)!”

نزلت الكلمات على الحاج شاكر كالصاعقة. التفت لصفاء التي كانت تجلس قبالته، واهتزت نبرة صوته لأول مرة: “صفاء.. عاصم هرب وصفى كل حاجة.. وناوي على غدر.”

وقبل أن تستوعب صفاء الكلمات، انقطعت الكهرباء فجأة عن الشقة بالكامل، وساد الظلام الدامس.

ساد صمت مرعب لثوانٍ.. وفجأة، سمعوا صوت تحطم زجاج شباك الصالون، وتبعه صوت اشتعال نيران قوي، ورائحة بنزين نفاذة بدأت تتسرب بسرعة البرق في أركان البيت!

صرخت والدة صفاء، وتشبثت صفاء بوالدها وهي تسمع صوت خطوات ثقيلة تجري على السلم الخارجي، وصوت ضحكة جنونية مكتومة من بعيد تشبه ضحكة عاصم!

النيران بدأت تحاصر باب الشقة ومخارجها، والدخان الأسود يعمي العيون.. والحاج شاكر يحاول تحريك جسده المتعب لإنقاذ ابنته وزوجته، بينما النيران تأكل كل شيء خلفهم.

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الدخان الأسود كان يملأ المكان، والنيران تتصاعد عند مدخل الشقة كوحش يلتهم كل ما يقابله. صراخ والدة صفاء لم ينقطع، وجسد الحاج شاكر بدأ يترنح من أثر الدخان وضيق التنفس، لكن هيبته وعزيمته لم تسقط.

أمسك الحاج شاكر بقميص صفاء وبصوت متحشرج قال: “على المطبخ يا صفاء.. المطبخ شباكه على المنور والحديد بتاعه قديم.. اخلصي يا بنتي!”

تحركت صفاء بسرعة تسبقها دموعها، سحبت والدتها التي شلها الخوف، وتبعهم الحاج شاكر وهو يسعل بشدة. كسروا زجاج شباك المطبخ، وبأعجوبة وبمساعدة الجيران الذين تلمموا على صراخهم ورائحة الحريق، استطاعوا الخروج إلى المنور ومنه إلى الشارع قبل أن تأكل النار الشقة بالكامل.

وقف الحاج شاكر في الشارع ينظر إلى بيته وشقى عمره وهو يحترق، وصفاء تحتضنه وتبكي بقهر. في تلك اللحظة، رن هاتف الحاج شاكر الذي كان في جيبه.. رقم مجهول.

فتح الخط، فجاءه صوت عاصم من بعيد، صوت مليء بالغل والجنون والتشفي: “أهو البيت راح يا حاج شاكر.. والنار اللي حرقت قلبي على فلوسي ومكانتي حرقت بيتك.. وأعلى ما في خيلكم اركبوه بقا!”

رد الحاج شاكر، ورغم التعب والدخان، كان صوته كالرعد الذي هبط على أنفاس عاصم: “البيوت بتتبني يا ابن سوق الندالة.. والشقا بيرجع.. بس اللي زيك، ركب خيل الشيطان، ونهايتك هتكون تحت حوافره.. قسماً بجلال الله ما هسيبك.”

لم ينم الحاج شاكر ولا صفاء تلك الليلة. لم يقف الرجل الكبير باكياً على الأطلال، بل تحركت “كلمته” وهيبته في السوق. في غضون ساعات، كانت الشرطة تحاصر مخارج المحافظة بناءً على البلاغ الذي قدمه الحاج شاكر والمعلم غريب بتهمة الحرق العمد، والنصب، وسرقة بضائع الشركاء.

عاصم، بطمعه وغبائه، ظن أن المال الكاش الذي معه سيحميه، وتوجه إلى منطقة جبلية مقطوعة ليختبئ عند المطاريد الذين اشتروا منه البضاعة المسروقة. لكن “ابن السوق” الحقيقي يعرف أن الندل لا أمان له؛ المطاريد الذين لجأ إليهم عاصم، لما علموا أن الشرطة تقلب البلد بحثاً عنه، وأن الحاج شاكر وضع مكافأة مالية ضخمة لمن يدلي بمعلومات عنه، لم يترددوا لحظة واحدة.

وفي الفجر، بينما كان عاصم يظن أنه أمن مكر الدنيا، استيقظ على فوهات البنادق تحاصره، وليس من الشرطة فقط، بل من المطاريد أنفسهم الذين قيدوه وسلموه كالفأر المذعور لرجال المباحث ليقبضوا الثمن.

بعد مرور شهر..

داخل قاعة المحكمة، كان عاصم يقف خلف القضبان، وجهه شاحب، وملابسه ممزقة، وكبرياؤه مدعوس في التراب. لم يعد هناك رجل الأعمال “عاصم”، بل مجرد مجرم ينتظر حكم القضاء بالجرائم المنسوبة إليه والتي ثبتت عليه بالدليل القاطع وشهادة الشهود.

وفي الصفوف الأولى، كانت تقف صفاء، وبجوارها والدها الحاج شاكر، بكامل وقاره وهيبته، ممسكاً بيد ابنته يشد عليها. نظرت صفاء إلى عاصم خلف القضبان، ولم تجد في قلبها له سوى الشفقة والاشمئزاز.

نطق القاضي بالحكم: “حكمت المحكمة حضورياً على المتهم عاصم بالأشغال الشاقة المؤبدة لارتكابه جرائم الحرق العمد مع سبق الإصرار والترصد، والنصب والاحتيال.”

دوت القاعة بالصمت، وسقط عاصم على ركبتيه داخل القفص يبكي وويول، ينظر إلى صفاء ويصرخ: “سامحيني يا صفاء.. قولي لأبوكي يسامحني!” لكن صفاء أدارت وجهها عنه، وأمسكت بذراع والدها وخرجوا إلى النور، تاركين الندل يدفع ثمن نذالته.

### الحكمة من الحكاية:

> **”الأصول مبتتشريش بفلوس، والرجالة بتربطها كلمتها مش جيوبها.”**

> إن المال الذي يأتي على حساب كرامة الناس وأكل حقوقهم هو مال ملعون، يذهب بصاحبه إلى الهلاك. الطمع يعمي البصيرة، ومن استحل أموال من ساندوه ووظفوا “الميراث” وهم أحياء، أماته الله بالحيا وخسر الدنيا والآخرة.

> الزوج النذل لا يؤمن جانبه، والبيت الذي يبنى على الطمع يهدمه الجشع. وفي النهاية.. يظل “ابن الأصول” ثابتاً بأصله وكبريائه، وتذهب زبد أموال الندالة جفاءً، ولا يصح في النهاية إلا الصحيح.

>

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *