عشان اشتريت لاختي بقلم زهره الربيع
عشان اشتريت لأختي تليفون جديد من مرتبي، جوزي وقف عني مصروف البيت وقالي: “اصرفي من اللي بتبعزقيه على الناس!”.. كان فاكر إني هتناقش معاه، أو هغلطه بس أنا سكت خالص..وتاني يوم، عزمت أهلي وأهله كلهم على الغدا، وعملت حاجة مخطرتش على باله، حاجة طيرت برج من دماغه من الصدمة والذهول!
الحكاية مش حكاية تليفون، الحكاية تبدأ من أربعين يوم عشتهم في بيت أهلي بعد ما ولدت ابني مروان. اللي جربت الولادة والنفاس عارفة يعني إيه تكوني مش قادرة ترفعي ضهرك، والوجع هادد حيلك، والطفل الصغير مبيفصلش عياط طول الليل. في الأيام دي، الدنيا كلها كانت كوم، وأختي “هنا” كانت كوم تاني خالص.
”هنا” سابت كليتها، وسابت صحابها، وسابت كل حاجة وراها وجت قعدت تحت رجلي. كانت بتنام صاحية عشان تريحني، تشيل الواد، تغيرله، تعملي المغات والأكل، وتطبطب عليا وأنا مخنوقة من كآبة ما بعد الولادة. كانت بتخدم بمحبة صافية، من غير ما تشتكي ولا تبين إنها تعبانة. أختي دي هي سندي اللي مالتش عليا في يوم، ولما قمت بالسلامة ورجعت بيتي، كنت حاسة إن أي حاجة هعملها مش هتكفي رد الجميل.
أنا بشتغل، وعندي مرتبي الخاص اللي بتعب فيه كل شهر. قعدت أفكر أفرحها بإيه؟ افتكرت إن تليفونها قديم وبيقفل لوحده والشاشة مكسورة، فقلت بس.. هي دي! نزلت من وراها، جبت أحدث موديل تليفون كانت بتموت عليه، ولفيته لفة هدايا شيك، وبعتهولها مع دليفري على البيت عشان تفاجأ بيه.
الدنيا مكنتش سيعاها من الفرحة، كلمتني وهي بتعيط وتضحك في نفس الوقت، ومن كتر فرحتها وعفويتها، صورت التليفون ونشرت الصورة على صفحتها على الفيس بوك وكتبت: “أحلى فون هدية من أحلى وأجمل أخت في الدنيا.. ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك أبدًا”.
كنت قاعدة في الصالة بهز سرير مروان ومستنية “عصام” جوزي يرجع من الشغل عشان أوريله العشا اللي عملته، وأنا جوايا حماس أقوله على المفاجأة اللي عملتها لهنا. فجأة، الباب اترزع رزع ودخل عصام وعينيه بتقدح شرار، مالحقتش أقوله “حمد الله على السلامة”، لقيت صوته بيزلزل الحيطان:
”انتي صحيح يا هانم روحتي اشتريتي تليفون غالي لست هنا أختك من ورايا ومخبيّة عليا؟!”
قمت وقفت مذهولة من طريقته، وقولتله باستغراب:
”إيه يا عصام في إيه؟ داخل حامي كده ليه؟ أنا كنت مستنياك أصلًا عشان أقولك، بس انت عرفت إزاي بالسرعة دي؟”
ضحك ضحكة صفرا كلها تريقة وزعق:
”عرفت من أختك المحترمة اللي بتتمنظر بيه على الفيس ! وعايزة تقوليلي كنتي مستنياني عشان تقوليلي بعد ما جبتيه؟ كان المفروض تاخدي رأيي الأول يا هانم! الفلوس بتاعتك دي مش ملكك لوحدك عشان تبعزقيها يمين وشمال، دي تشاركي بيها في مصروف البيت اللي بقيتي جزء منه.. وانسيلي أهلك دول خالص بقى!”
برقت عيني وقولتله بذهول:
”أنسى أهلي؟ وأنت مالك بمرتبي يا عصام؟ أنا بقصر في بيتي؟ وبعدين دي أختي اللي شالتني وشالت ابنك أربعين يوم!”
ما سابنيش أكمل، وشوح بإيده وقالي بنبرة لؤم:
”بلا شالتك بلا مشالتكيش! ده واجبهم دول اهلك وولادتك من واجباتهم … بدل ما تروحي تجيبيلها تليفون جديد، كان أولى تجيبيه لأختي أنا! مش اختي تليفونها اتكسر من شهر وقاعدة من غير تليفون ومش عارفة تجيب غيره؟ وانتي عارفة ده كويس ولا عينك خلاص مابتشوفش غير أهلك؟”
هنا أنا مكنتش مصدقة وداني، الرد طلع مني تلقائي ومن صدمتي:
”واجيب لأختك أنا ليه إن شاء الله؟! أنت أخوها وأولى تجيب لها من مالك، أنا مالي ومال أختك!”
وكأن كلامي داس له على طرف، ولقيته بيقرب مني وبيبصلي بتحدي وعينيه ضيقة:
”كده يعني؟ بتقسميها بينا؟ طب تمام قوي.. انهارده ١٥ في الشهر، تعملي حسابك بقى إن الخمستاشر يوم اللي فاضلين دول انتي اللي هتصرفي على البيت فيهم من ألالف للياء.. ومن هنا ورايح، الشغل هيبقى بالنص.. أنا نص الشهر وانتي النص، تصرفي على نفسك وعلى بيتك وعلى ابنك يا هانم، أولى ليكي من إنك توزعي على الغريب وتبعزقي فلوسك على الناس!”
الكلام نزق عليا زي الميّة الساقعة. في ثواني، شريط حياتي معاه عدا قدام عيني.. افتكرت إزاي كنت بحوش قرشي على قرش، وإزاي عمري ما طلبت زيادة، وكنت بصرف كل مرتبي على البيت علشان اساعده هو دلوقت اعتبر ان ده بقى فرض عليا لدرجة اني ميحقليش اشتري حاجه لاي حد غيره هو واهله….حسيت بغصة في حلقي، بس فجأة الغصة دي اتحولت لبرود غريب.. برود قاتل.
بصيت في عينيه بثبات، ومفيش ولا دمعة نزلت من عيني، وقولتله بكل هدوء:
”تمام.. اللي تشوفه يا عصام.”
سابني ودخل الأوضة ورزع الباب وهو فاكر إني هروح أتحايل عليه وأعتذر وأقوله “خلاص توبة مش هعمل كده تاني وهات المصروف”. مكنش يعرف إن السكوت ده كان الهدوء الذي يسبق العاصفة، وإني في اللحظة دي بالذات، كنت برتب لحاجة تانية خالص.
تاني يوم الصبح، صحيت وعصام في الشغل، مسكت التليفون وكلمت والدتي وأخواتي، وكلمت حماتي وحمايا وأخوات عصام كلهم.. عزمتهم كلهم، بلا استثناء، على الغدا عندي في البيت. قولتيلهم: “عاملة لكم مفاجأة بمناسبة إني قمت بالسلامة ومروان نور الدنيا”. الكل فرح ورحب وأكدوا الحضور.
نزلت السوق، اشتريت أحسن خضار وأفخم لحوم وفراخ، ودخلت المطبخ وكأني داخلة معركة. طبخت وعملت صواني وأصناف تشرف، وروقت الشقة وخليتها بتبرق، ولبست أشيك فستان عندي، ولبست ابني مروان هدوم جديدة.
وبعد الظهر، الباب بدأ يخبط. وصل أهلي كلهم، وبعدهم بدقائق وصل أهله، وطبعًا عصام رجع من الشغل تفاجأ بالبيت مليان لمة وصوت ضحك. دخل المطبخ وعينيه هتطلع من مكانها وهو شايف الأصناف والخير اللي محطوط، وشايفني واقفة ببتسم وبوزع ترحيب على الكل، همسلي بغيظ وهو بيموت من الحيرة:
”إيه الهرجلة دي؟ ومين سمحلك تعزمي؟ وجبتي الفلوس دي كلها منين؟”
ابتسمتله ببرود وثقة وقولتله:
”مش وقت كلام يا أبو مروان، .. انت مش بتقول باقي الشهر عليا ..خلاص متشلش هم حاجه…يلا بقى الناس مستنيانا بره يلا نطلع نضايفهم.”
قعدنا كلنا على السفرة، الأكل كان يبهر، وحماتي عمالة تشكر فيا وفي أكلي، وأهلي فرحانين بيا، وعصام قاعد على نار، عينه عليا وعايز يفهم أنا ناوية على إيه، وكان مفكر إن العزومة دي عشان أصالحه او علشان اترجاه يتراجع عن قراره.
أول ما الكل خلص أكل، وشيلنا الصواني، وروحت والكل كان مستني الشاي
، وعصام حاطط رجل على رجل ومستني اخلص واقول الكلمتين اللي هقولهم واعتذرله..
بس انا طلعت من المطبخ وفي ايدي صينيه كبيره بس مكانش عليها شاي كان عليها الكارت الرابح اللي حرق غروره وطير برج من دماغه ، وصدم كل اللي قاعدين صدمة عمرهم ما تخيلوها!!!
أنا طلعت من المطبخ وفي إيدي صينية كبيرة، بس مكانش عليها شاي.. كان عليها علبة هدايا تانية، نفس اللفة الشيك اللي لفيت بيها تليفون “هنا”، وجنبها علبة تانية مستطيلة ورفيعة، وعليها ظرف مقفول.
نظرات الكل اتمسمرت على الصينية، وعصام رجله اللي كان حاططها على رجل نزلت الأرض تلقائي، ووشه اتخطف وبدأ لون دمه يهرب وهو شايف ملامح الثقة والبرود اللي على وشي.
مشيت بخطوات ثابتة وابتسامة عريضة لحد ما وقفت قدام “شيماء” أخت عصام. شيماء كانت قاعدة مكسوفة، وتليفونها القديم اللي شاشته مكسورة ومطفي محطوط جنبها على الكنبة. حطيت الصينية قدامها، ورفعت العلبة الكبيرة وقدمتهالها وأنا بقول بصوت عالي وواضح سمّع الصالة كلها:
“ألف مبروك يا شوشو التليفون الجديد.. أحدث موديل برضه زي بتاع هنا بالظبط، عشان متبقيش قاعدة من غير تليفون وزعلانه، وعشان مفيش حد غالي عندنا في العيلة دي، وكلنا واحد.”
الصالة كلها اتملت بصوت شهقات وذهول. شيماء عينيها لمعت بدموع الفرحة وبقت مش مصدقة، وبصت لأخوها عصام اللي كان وشه بيجيب ألوان، وعروق رقبته بدأت تنفر من كتر الصدمة والغيظ. هو كان فاكر إني هعاند، أو إني هبخل على أهله، أو إني جاية أشتكيه قدامهم.. مكنش يتخيل أبدًا إني هحرج بخله بكرمي، وأخليه يبان صغير قدام نفسه وقدام أهله!
حماتي لوت بوزها من المفاجأة بس ملقيتش حاجة تقولها غير: ” كتر خيرك يا بنتي.. أصيلة والله.. بس ده غالي قوي!”
رديت عليها وأنا عيني في عين عصام اللي كان هينفجر: “مفيش حاجة تغلى عليكم يا ماما.. وبعدين عصام لسه قايلي امبارح بالظبط إن الفلوس دي مش بتاعتي لوحدي، دي لبيتي ولأهلي وأهله، وإن أخت عصام أولى بيا من أي حد.. وأنا نفذت كلامه بالحرف!”
عصام اتصلب في مكانه، الكلام نزل عليه زي الصاعقة، مكنش قادر يتكلم ولا يفتح بقه يغلطني، لأن لو اعترض أو زعق هيبقى بيعترض على هدية لأخته قدام أبوه وأمه وأخواته!
بس الصدمة الكبيرة مكانتش في التليفون.. الصدمة الحقيقية كانت في الحاجة التانية اللي باقية على الصينية.
مديت إيدي وأخدت العلبة المستطيلة الرفيعة والظرف المقفول، واتجهت بيهم لعصام مباشرة. انحنيت عليه ودموعي المحبوسة من امبارح بتتحول لضحكة سخرية مكتومة، وحطيت العلبة والظرف في حِجره وقولتله بنبرة هادية بس قوية هزت كيانه:
“وده نصيبك أنت كمان يا أبو مروان من المفاجأة.. افتح هديتك قدام الكل عشان يفرحوا معاك باللي جاي.”
عصام إيده كانت بترعش وهو بيفتح العلبة المستطيلة.. ولما فتحها، وشه اسودّ تمامًا والجمود حل على ملامحه. العلبة كان فيها “دفتر شيكات” جديد باسمي أنا، وتحته عقد..
أبوه (حمايا) قلق من منظره وقال: “في إيه يا عصام؟ ورق إيه ده يا بنتي؟”
عصام مكنش قادر ينطق، فخدت أنا الورقة من إيده وفتحتها وقرأت للكل بصوت جهوري:
“ده عقد تنازل وإيجار لشركتي الخاصة وحسابي البنكي.. من انهارده يا جماعة، وبناءً على طلب عصام امبارح لما قالي (انسي أهلك والشغل بالنص من انهارده ومن ١٥ في الشهر انتي اللي هتصرفي).. أنا قررت أريحه خالص. أنا نقلت كل شغلي الخاص وعيادتي/مكتبي باسمي أنا لوحدي بشكل قانوني منفصل تمامًا، وبقيت بمتلك ذمتي المالية المستقلة اللي القانون بيحميها.. والظرف ده فيه طلب (إجازة بدون مرتب) من وظيفتي الحكومية اللي كان عصام بياخد مرتبها عشان يساعده في البيت!”
الحاضرين كلهم سكتوا سكوت القبور، الصدمة لجمت الكل.
بصيت لعصام وقولتله بابتسامة نصر: “من انهارده يا عصام، النص التاني من الشهر عليك وعليا، بس أنا معنديش مرتب حكومي خلاص يدخل البيت.. أنا عندي شغلي الخاص اللي هكبره لنفسي ولابني مروان وبس، والخمستاشر يوم اللي فاضلين في الشهر ده، أنا صرفت فيهم كل السيولة اللي معايا في العزومة وفي تليفون أختك.. يعني البيت من انهارده مفيهوش جنيه واحد، ومصروف البيت واللبن والحفاضات بتوع ابنك.. من اللحظة دي بقوا عليك أنت لوحدك.. وريني بقى هتمشي النص التاني من الشهر إزاي!”
عصام وقف فجأة وطير الكرسي وراه، وعينيه طالع منها شرار وهو شايف أهله وأهلي بيبصوا له بنظرات لوم وعتاب، وهو مش قادر ينطق بكلمة واحدة يدافع بيها عن رجولته اللي اتهزت قدام الكل..
عصام وقف في نص الصالة، الكرسي مقلوب وراه، ووشه اتخطف وبقى لونه زي الدم من كتر الغيظ والإحراج. نظرات اللوم اللي في عيون أبوه وأمه كانت بتدبحه، وهمسات أهلي وبصاتهم لبعض كانت بتخليه يغلي. كان شكل برستيجُه وصورته اللي اتهزت قدام الكل فوق احتماله، خصوصًا إنه هو اللي بدأ اللعبة وهو اللي حط القواعد، ومكنش يتخيل إن القواعد دي هتلف وتتطوق حوالين رقبته بالشكل ده!
شيماء أخته كانت قاعدة ماسكة علبة التليفون الجديد، مكسوفة وفرحانة ومصدومة في نفس الوقت، بصت لأخوها وقالت بنبرة عتاب حقيقية: “جرى إيه يا عصام؟ هو ده الكلام اللي بتقوله لمرأتك في السر؟ تقسم معاها البيت والشغل بالنص عشان جابت هدية لأختها اللي شالتها في تعبها؟”
عصام حاول يلم الباقي من كرامته، وبص لأخته بزجر وقام مزعق بصوت مخنوق: “انتي تسكتي خالص يا شيماء! ومحدش يتدخل بيني وبين مراتي.. الحكاية مش حكاية مصروف، الحكاية إن الهانم بتتصرف من ورا ضهري وبتلوي دراعي قدامكم!”
في اللحظة دي، حمايا (والد عصام) خبط عصايرته في الأرض خبطة قوية هزت المكان، وبص لعصام بنظرة حادة وقاله بصوت جهوري: “اقعد يا ولد ولم الدور! مرأتك مغلطتش.. لما تقولها انسي أهلك وقسمي الشغل والمصروف، يبقى هي ردت عليك باللي يرضي ربنا ويرضيك. شيل شيلتك بقى يا بطل، ووريني ورقتك اللي بتقول فيها الشغل بالنص هتعملك إيه والبيت منهارده مفيهوش جنيه!”
والدتي وأخواتي مكانوش بيتكلموا، كانوا قاعدين بيبصولي بفخر وثقة، عارفين إن بنتهم مابتتكسرش، وإن السكوت اللي سكته امبارح كان وراه تدبير يرجعلي حقي تالت ومتلت من غير ما أغلط بغلطة واحدة.
عصام لما لقى الكل ضده، حتى أبوه وأمه، ساب الصالة كلها ودخل الأوضة ورزع الباب وراه روعة هزت الحيطان.
الناس بدأت تقشر وتمشي بعد العزومة اللي اتقلبت لدرس قاسي لعصام. حماتي وهي ماشية طبطبت على كتفي وقالتلي: “متزعليش يا بنتي، هو عصام طبعه حامي بس ابن أصول، معلش استحمليه، بس انتي برضه نشفتي دماغك قوي!”
ابتسمت لها وقولت ببرود: “أنا منفذة كلام ابنك بالحرف يا ماما، هو اللي اختار يمشّيها أصول، وأنا مشيت على أصوله.”
أهلي أخدوني بالأحضان قبل ما يمشوا، وأختي “هنا” دمعت وقالتلي: “أنا أسفة يا حبيبتي إن الصورة اللي نزلتها سببتلك كل ده.”
بست راسها وقولتلها: “بالعكس يا هنا، صورتك دي هي اللي كشفتلي الغُمة وفوقتني قبل ما العمر يسرقني وأنا بفرّم في نفسي عشان أساعد واحد مش مقدر.. تليفونك وتليفون شيماء هما أحسن قرشين أنا صرفتهم في حياتي.”
قفل الباب ورا أخر واحد من الضيوف.. والبيت فجأة هدي.
هدوء غريب، مكنش فيه غير صوت مروان الصغير وهو بيناغي في سريره. دخلت غيرت فستان الشياكة، ولبست ترينج مريح، ولميت باقي الأكل وشيلت السفرة ونضفت المطبخ وكأن مفيش أي حاجة حصلت. كنت حاسة براحة نفسية عمري ما حسيتها من يوم ما اتجوزت، إحساس إن ذمتك المالية حرة، وإن تعبك وشقاكي في شغلك الخاص بقى ليكي ولوالدك ولابنك، ومش فرض عين عليكي تديه لراجل بيعايرك بأهلك.
الساعة بقت ١١ بالليل، والبيت ضلمة، ومفيش غير النور الصغير اللي قايد في الصالة.
فجأة باب الأوضة اتفتح، وخرج عصام. مكنش لابس لبس البيت، كان لابس وعامل شعره، وماسك في إيده مفاتيح العربية ومحفظته. ملامحه كانت جامدة، وحاول يظهر إنه مش هامّه حاجة وإن خطتي مأثرتش فيه.
وقف قدامي وأنا قاعدة على الكنبة بقرأ كتاب، وبصلي بنظرة كلها تحدي وقالي:
“انتي فاكرة إن الحركة دي ه تكسرني؟ ولا فاكرة إني هقعد أعيط عشان الفلوس؟ أنا رايح أسهر مع صحابي، والبيت اللي بتقولي مفيهوش جنيه، هجيبله أحسن أكل وشرب وعلاج لمروان من مالي الخاص.. بس اعملي حسابك يا هانم.. من اللحظة دي، طالما قسّمتيها ذمة مالية منفصلة وشغل خاص، يبقى مفيش بيني وبينك غير مروان وبس! لبسك، مكياجك، خروجك، مواصلاتك لعيادتك.. ماليش دعوة بيهم مليم واحد! والشقة دي اللي احنا قاعدين فيها، إيجارها والنور والمياه من الشهر الجاي هيدخلوا الحسبة بالنص بالحرف.. وهشوف هتقدري تكملي في العند ده لحد فين!”
بصيتله من فوق النضارة، وقلبت الصفحة في الكتاب بكل برود، وقولتله بابتسامة خفيفة: “توصل بالسلامة يا أبو مروان.. سهرة سعيدة.. ومتنساش وانت راجع تجيب معاك علبتين لبن صناعي رقم ١ عشان العلبة اللي جوه تخلص الصبح، والعلبة بـ ٤٥٠ جنيه.. وطبعًا دي مسئوليتك الكاملة زي ما اتفقنا.”
وشه اتشنج تاني، وسابني وخرج ورزع باب الشقة وراه.
أنا قمت، قفلت الترباس بتاع الباب ورا منه، ودخلت أوضتي، أخدت مروان في حضني ونمت نوم عميق من غير تفكير ولا قلق. كنت عارفة إن اللعبة الحقيقية لسه بتبدأ، وإن الـ ١٥ يوم اللي فاضلين في الشهر دول هيكونوا أطول وأصعب ١٥ يوم في حياة عصام.. وهو لسه مش مستوعب حجم المصاريف اللي كانت بتتدفع من وراه ومن ورا مرتبه وهو مش حاسس!
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت تليفوني بيرن.. كان رقم غريب، فتحت الخط، ولقيت صوت محامي بيقولي: “يا فندم، أنا بكلمك بخصوص الإجراءات القانونية اللي طلبتيها بخصوص فصل أصول العيادة وتوثيق العقد الجديد.. الأوراق جاهزة ومحتاجين إمضاء حضرتك انهارده.”
ابتسمت وقولتله: “أنا جاية لحضرتك حالا.”
لبست ونزلت، وأنا في طريقي للعيادة، جالي رسالة على الواتساب من عصام.. كاتب فيها جملة واحدة بس، جملة عرفتني إن الصدمة التانية بدأت تشتغل مفعولها من أول دقيقة في اليوم الجديد.. الجملة كانت بتقول…
الرسالة كانت قصيرة ومكتوبة بلهجة حادة، بس ملامح القلق والورطة كانت باينة بين الحروف: “أنا جيت الصيدلية أجيب اللبن والعلبة بقت بـ 520 جنيه مش 450! وبتاع الحفاضات عايز 600 جنيه في الباكتة الكبيرة.. إيه الأسعار دي؟ وإزاي كنتي بتجيبي الحاجات دي كلها كل شهر ومبتشتكيش؟”
قريت الرسالة وأنا راكبة التاكسي في طريقي لمكتب المحامي، ومقدرتش أمنع نفسي من إني أبتسم ابتسامة شمتانة بس مرتاحة. مردتش عليه، سبت الرسالة مقروءة وعملت “سين” وقيدت التليفون خالص. كنت عايزاه يغلي في أفكاره، وعايزاه يدوق بنفسه النار اللي كان سايبني شايلاها لوحدي طول السنين اللي فاتت وهو فاكر إن المرتب الحكومي بتاعي ده “فلوس زيادة بتبعزقها الهانم يمين وشمال”.
وصلت مكتب المحامي، ومضيت على كل الأوراق اللي تضمن فصلي التام عن أي التزام مالي مع عصام، ووثقت عقود العيادة والشغل الخاص باسمي وباسم ابني مروان كحمايا قانونية ومستقبلية ليه. المحامي بصلي وقال بتقدير: “برافو عليكي يا دكتورة، الخطوة دي كان لازم تتعمل من زمان.. الذمة المالية المستقلة للست مش عيب ولا حرام، دي أمان ليها ولعيالها في الزمن ده.”
رجعت على عيادتي، وبدأت أركز في شغلي وبس. الطاقة الإيجابية اللي كانت جوايا خلتني أستقبل الحالات بابتسامة وراحة نفسية انعكست على كل اللي حواليا. كلمت والدتي اطمنتها عليا، وقالتلي بلهجة حكيمة: “اثبتي يا بنتي ولا تتهزي.. الراجل لما بيتعود إن مراته شايلة عنه كل حاجة، بيفتكر إن ده حق مكتسب، ولما بتفوقيه بالصدمة، بيبدأ يعرف قيمتها وقيمة القرش اللي كانت بتدفعه من سكات.”
على الساعة 7 بالليل، رجعت البيت. فتحت الباب بالمفتاح، ولقيت الشقة هادية تمامًا. عصام كان قاعد في الصالة، بس المرة دي مكانش حاطط رجل على رجل ولا لابس هدوم الخروج. كان قاعد بالجلابية، ووشه باين عليه الإرهاق، وجنبه على التربيزة علبة اللبن وباكتة الحفاضات وكأنه عارض غنائم حرب خسران فيها!
دخلت من غير ما أبص لله، شيلت مروان وبوسته، ودخلت المطبخ أعمل لنفسي كاس أعشاب دافي. خرجت وقعدت في الصالة، وبدأت ألاعب ابني ولا كأن عصام موجود في الأوضة.
عصام فضل يبصلي كتير، عروق جبهته مشدودة، وبعدين اتنحنح وقال بصوت حاول يخليه خشن وثابت: “أنا جبت طلبات الواد زي ما انتي شايفة.. ومبخلتش عليه بحاجة.. بس ده مغيرش كلامي في أي حاجة.. من أول الشهر الجاي، الفواتير هتنزل بالنص.. إيجار الشقة 4000 جنيه، يعني عليكي 2000، والكهربا والمياه والنت مش هيدخل فيهم مليم من جيبتي إلا لما تدفعي نصك!”
حطيت مروان في سريره بالراحة، وبصيت لعصام بكل برود وثبات، وقولتله: “تمام يا عصام.. وأنا موافقة جدًا.. بس بما إننا بقينا شركاء سكن وبندير بيت بالنص، يبقى من حقي أحط شروطي أنا كمان في الشراكة دي عشان ميبقاش حد مظلوم.”
عصام عقد حواجبه باستغراب وقالي بلهجة تريقة: “وشروط إيه بقى يا هانم إن شاء الله؟”
وقفت بكل طول ثقتي، وربعت إيدي وقولتله بصوت حاسم طير اللي باقي من برجه: “بما إن المصاريف بالنص، يبقى المجهود جوه البيت بالنص بالحرف! من أول الشهر الجاي، الغسيل بالنص، الطبيخ بالنص، ترويق الشقة ومسحها بالنص، وصحيان الليل مع مروان وتغيير الحفاضات وتقسيم أيام الأسبوع عليه بالنص! اليوم اللي هكون أنا سهرانه فيه مع الواد، انت هتنام، واليوم اللي بعده العكس.. واليوم اللي مش هتقدر تطبخ فيه أو تنضف، هتدفعلي تمن (شغالة وطباخة) تخلص نصيبك من الشغل.. طالما قسّمتها مادية جافة، يبقى نقسمها خدمات جافة برضه.. ولا أنت عايزني أدفع النص بفلوسي وشقايا في عيادتي، وأخدمك ببلاش في بيتك كأني جارية؟!”
ملامح عصام اتغيرت 180 درجة، والذهول صدمه لدرجة إنه قام وقف من على الكنبة وهو مش مصدق الرد القاتل اللي نزل فوق دماغه، ومكنش عارف إن المفاجأة الجاية اللي هتحصل بعد ثواني معدودة، هتقلب التربيزة عليه وعليّا وعلى البيت كله في لحظة…
عصام فضل واقف مكانه مبرق، بيبصلي بذهول وهو مش مستوعب إن الست الهادية والمطيعة، اللي كانت بتشيل وتستحمل من سكات وتدفع من جيبها عشان المركب تسير، هي نفسها الست اللي واقفة قدامه دلوقتي وبتحاصره بقوانين جافة مبتدّيش فرصة للهروب.
كان لسه هيفتح بقه عشان يزعق ويقولي “انتي اتجننتي؟ عايزاني أنا اطبخ وأمسح وأغير حفاضات؟!”، لكن قبل ما ينطق بحرف واحد، جرس الباب رن رنتين ورا بعض بقوة واستعجال.
عصام اتنفض وبص للباب بغيظ، وكأنه كان مستني أي حاجة تخلصه من المواجهة دي. مشي بخطوات واسعة ورزع الباب وهو بيفتحه، وقال بنبرة عصبية: “مين على السير ده دلوقتي؟!”
لكن ملامح وشه اتغيرت تماماً أول ما شاف اللي واقف على الباب. مكانش دليفري، ولا كان حد من أهله أو أهلي.. اللي كان واقف ورا الباب كان “الحاج فوزي”، صاحب العمارة اللي احنا مأجرين فيها الشقة، ومعاه راجل تاني غريب لابس بدلة وباصص في الأرض.
الحاج فوزي دخل خطوتين جوه الصالة وعلامات الضيق والجدية باينة على وشه، وقال بصوت جهوري: “السلام عليكم يا أبو مروان.. معلش جينا في وقت متأخر، بس الموضوع ميتأجلش للصبح.”
عصام اتلخبط، وحاول يبتسم ويغير نبرة صوته وقال: “وعليكم السلام يا حاج فوزي.. اتفضل، اتفضل جوه.. خير في حاجة؟”
الحاج فوزي مبصش للصالون حتى، وفضل واقف عند الباب وشاور على الراجل اللي معاه وقال: “ده الأستاذ مدحت المحامي بتاعي.. يا عصام يا ابني، انت عارف إن عقد إيجار الشقة بتاعكم مدته خمس سنين، والمدة دي انتهت من شهرين، واحنا مشيناها بالحب والأصول عشان ظروف ولادة الدكتورة وقيامها بالسلامة.. بس أنا جالي مشتري عايز يشتري الشقة دي تمليك كاش، وعارض رقم ميرفضوش عاقل.. وأنا جيت أبلغك إن العقد مش هينفع يتجدد، ومعاكم مهلة شهر واحد بس من انهارده عشان تخلوا الشقة وتشوفوا مكان تاني!”
الكلمات نزلت فوق دماغ عصام زي الصاعقة اللي طيرت اللي باقي من عقلُه. وشّه اتقلب ألوان، وبص للحاج فوزي بقلة حيلة وذهول وقاله: “شهر إيه يا حاج فوزي؟ انت بتقول إيه؟ أنا لسه مراتي والدة والواد صغير، ومقدرش أنقل في شهر، وبعدين الأسعار بره بقت نار، والإيجارات والتأمينات الجديدة محتاجة مبالغ وقدرها!”
الحاج فوزي هز راسه بأسف وقال: “والله يا ابني ده حقي، والقانون معايا، والمهلة دي قانونية وزيادة.. الأستاذ مدحت جهز الإخطار الرسمي بالإخلاء عشان تمضي عليه بالعلم.. اتفضل امضي هنا يا أبو مروان عشان نخلص الأصول.”
عصام إيده كانت بترعش وهو بيمسك القلم، وبصلي نظرة كلها انكسار ورعب.. نظرة راجل فجأة لقى نفسه مهدد يترمي في الشارع هو وعياله، وهو معندوش السيولة الكافية في البنك عشان يدفع مقدم شقة جديدة وتأمين وعمولة ومصاريف نقل وعفش، خصوصاً بعد ما خسر مرتب مرأته الحكومي اللي كان ساند ضهره بيه وهو مش داري.
مضى عصام وهو مغمض عينيه من القهر، والحاج فوزي أخد الورقة ومشي وقفل الباب وراه.
البيت رجع هادي تاني.. بس المرة دي، الهدوء كان مرعب. عصام فضل واقف ضهره للباب، وراسه ساندة على الخشب، ونفسه عالي وخارج بـ حشرجة مكتومة.
لف وشه وبصلي.. كانت عينه مكسورة، وكل الغرور والتحدي اللي كان بيتنطط بيهم من شوية اتمسحوا تماماً. قرب مني بخطوات بطيئة، وقعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه وقال بصوت مخنوق وقريب من العياط: “خراب ديار.. خراب ديار يا رب.. هجيب منين مقدم شقة جديدة دلوقتي؟ الإيجارات الجديدة بره أقل شقة بـ 7 و 8 آلاف جنيه، وعايزين تلات شهور مقدم وتأمين.. أنا معنديش المبلغ ده جاهز في البنك يا دكتورة.. الشغل والعيشة هدت حيلي.. هنعمل إيه في المصيبة دي؟”
قعدت مكاني بكل برود، ورفعت كاس الأعشاب وشربت منه ببطء، وبصيتله وعيني مفيهاش أي ذرة تعاطف، وقولتله بنبرة هادية وقاتلة:
“مش انت اللي قولت يا أبو مروان إن من أول الشهر الجاي المصاريف بالنص؟ خلاص.. شوف الشقة اللي هتعجبك، وتمن المقدم والتأمين والنقل احسبه كام، واقسمه على اتنين.. أنا هدفع نصي من شقايا وشغلي الخاص في عيادتي.. وانت عليك تدبر نصك التاني من مالك الخاص.. وريني بقى يا بطل النص بتاعك هتدبره إزاي، ولا هتروح تطلب مساعدة من أختك اللي كنت عايزني أجيبلها تليفون جديد على حساب تعبي؟!”
عصام رفع راسه وبصلي بصدمة وكأنه مش مصدق إن دي مراته اللي واقفة قدامه، ولسه هيتكلم ويترجاني، لقيت تليفوني بيرن برقم والدتي.. فتحت الخط، ولقيت أمي بتقولي بصوت مرعوب: “الحقي يا بنتي.. أختك هنا تعبت فجأة ونقلناها المستشفى والدكاترة بيقولوا…”
“الحقي يا بنتي.. أختك هنا تعبت فجأة ونقلناها المستشفى والدكاترة بيقولوا لازم تدخل العمليات حالا.. الزايدة هتنفرجر في بطنها!”
صوت أمي كان بيرعش والدموع مغرقاه، والكلام نزل عليا خلاني أنسى برودي وجفافي مع عصام في ثانية. “هنا” دي مش مجرد أخت، دي حتة من قلبي، دي اللي سهرت تحت رجلي وأنا عاجزة، ومستحيل هسيبها في محنة زي دي. وقفت فجأة، التليفون كاد يقع من إيدي، وقولت لأمي بصوت سريع: “أنا جاية حالًا يا ماما.. مستشفى إيه؟” أول ما قالتلي اسم المستشفى، قفلت الخط وبصيت لعصام اللي كان قاعد مبرق وبيسمع المكالمة.
مقولتلوش ولا كلمة، دخلت الأوضة طيران، لبست عبايتي وطرحتي، وشيلت مروان في حضني وأخدت شنطتي. عصام وقف على باب الأوضة وقال بنبرة مكسورة ومستغربة: “أنا هاجي معاكي.. دي هنا برضه مهما كان، والوقت متأخر ومش هتعرفي تتحركي بالواد لوحدك.”
بصيتله نظرة سريعة وخاطفة، وقولتله: “يلا.”
نزلنا بسرعة الصاروخ، ركبنا عربية عصام اللي كان بيسوق وهو ساكت، وعينيه على الطريق وعيني على مروان اللي بدأ يعيط من الخضة. وصلنا المستشفى، جريت على الطوارئ، ولقيت أمي وأخويا واقفين قدام باب العمليات، وأمي بتبكي بحرقة. أول ما شافتني أخدتني في حضنها: “الدكاترة قالوا لو كنا تأخرنا ساعة كمان كانت هتبقى كارثة يا بنتي.. الحمد لله لحقناها، بس طالبين مصاريف المستشفى والعملية تحت الحساب دلوقتي عشان يكملوا الإجراءات، وأخوكي لسه ممعاهوش المبلغ كامل.”
أخويا وقف محرج وباصص في الأرض وقال: “أنا معايا جزء يا دكتورة، بس الفيزا بتاعتي واقفة ومش عارف أسحب الباقي دلوقتي.”
قبل ما أنطق بحرف، وقبل ما أفتح شنطتي عشان أطلع دفتر الشيكات الجديد أو الفيزا الخاصة بعيادتي وشغلي، لقيت عصام بيتحرك من ورايا بخطوات سريعة. طلع محفظته، وطلع منها كارت الفيزا بتاعه، وتقدم لموظف الحسابات وقال بصوت جهوري وثابت: “احسب الحساب كله عندك يا فندم، واخصمه من الكارت ده.. وأي مصاريف تانية أو علاج أنا سادد فيه.. دي أختي الكبيرة قبل ما تكون أخت مراتي.”
أنا وقفت مذهولة، وبصيتله وعيني مش مصدقة اللي بيعمله. عصام دفع المبلغ كله، ومضى على الأوراق، ورجع وقف جنب أخويا وطبطب على كتفه وقاله: “جامد حيلك يا بطل، هنا هتقوم بالسلامة، واحنا أهل ومفيش بيننا الكلام ده.”
أمي بدأت تدعيله بدموع وفرحة: “ربنا يبارك فيك يا ابني، ويكبر بخاطرك ويزيدك من نعيمه.. أصيل وابن أصول طول عمرك.” وعصام كان بيبص للأرض ومحرج، وعينيه جت في عيني.. كانت نظرة اعتذار غير مشروطة، نظرة راجل فهم الدرس تالت ومتلت وعِرف إن الأهل والأصول هما السند الحقيقي لما الدنيا تضيق.
فضلنا واقفين تلات ساعات كاملين قدام باب العمليات. مروان نام على كتفي، وعصام جه براحة وأخده من حضني وقال بصوت دافي: “هاتي الواد ارتاحي انتي شوية، ضهرك لسه وجعك من الولادة.” ممانعتش، وسبته يشيله، وقعدت جنب أمي وأنا بدعي في سري.
أخيرًا، الدكتور خرج ووشه بيضحك: “الحمد لله يا جماعة، العملية نجحت ولحقنا الزايدة في أخر لحظة قبل ما تنفجر.. هي دلوقتي في الإفاقة، وساعة وتطلع أوضتها.”
الكل اتنفس الصعداء، وأمي وأخويا دخلوا يطمنوا عليها أول ما اتنقلت الأوضة. فضلت أنا وعصام واقفين في الممر لوحدنا. بصيتله وقولتله بنبرة هادية بس صافية: “شكرًا يا عصام.. اللي عملته ده مش هنساهولك.”
عصام اتنهد تنهيدة طويلة كأنها طالعة من ضلوعه، وقرب مني وقال بصوت واطي ومليان ندم: “أنا اللي أسف يا دكتورة.. أسف على كل كلمة قولتها امبارح.. أنا لما لقى نفسي مهدد بالطرد من الشقة، ولما شوفت أختك بتموت بين إيدين ربنا، عرفت إني كنت غبي وأعمى.. الفلوس والمادة عمت عيني، ونسيت إنك شيلتيني وشيلتي بيتي سنين من غير ما تتكلمي.. أنا مش عايز نص بالنص، ولا عايز تقسيم خدمات.. أنا عايز مراتي حبيبتي اللي بتسندني وأسندها.. وموضوع الشقة الجديدة ده، أنا هصرف فيه وأتصرف لوحدي من تحت الأرض، ومش هطلب منك مليم واحد.”
لمست إيده بحنان، وحسيت إن الجبل الجليدي اللي كان بيننا بدأ يدوب.. بس وأنا لسه ببتسملة وهقوله “احنا واحد يا عصام”، لقيت أخويا خارج من الأوضة وش السهم، وباصص في تليفونه بذهول وبيقولنا بصوت مذهول:
“الحق يا عصام.. الحق يا دكتورة.. شوفوا صاحب العمارة الحاج فوزي نزّل إيه على صفحته دلوقتي حالا بخصوص الشقة بتاعتنا!!!”
جريت أنا وعصام على أخويا، وعينينا متعلقة بشاشة التليفون اللي كان ماسكه وإيده بـ تترعش. أول ما بصيت على الشاشة، شوفت بوست الحاج فوزي صاحب العمارة، كاتب فيه:
“تم بحمد الله بيع الشقة رقم (4) بالدور الثاني تمليك كاش، ونعتذر للسكان الأفاضل عن عدم تجديد الإيجار، مع تمنياتنا للمالك الجديد بالتوفيق والسداد.”
بس الصدمة الحقيقية مكانتش في الكلام.. الصدمة كانت في الصورة اللي الحاج فوزي نشرها مع البوست! كانت صورة لعقد البيع النهائي، ومكتوب فيه اسم المالك الجديد للشقة بوضوح.. المالك الجديد مكنش راجل غريب، ولا مستثمر كاش زي ما الحاج فوزي فهمنا في الصالة.. المالك الجديد كان “حمايا”، والد عصام!
عصام حط إيده على راسه وبقى بيبص للشاشة وهو مش مصدق، وصوت أنفاسه بقى عالي من كتر الذهول: “أبويا؟ أبويا اشترى الشقة تمليك؟ طب إزاي؟ وليه عمل الحوار ده كله مع الحاج فوزي والمحامي وجيه لحد عندنا يطردنا؟!”
أنا في اللحظة دي، فهمت كل حاجة.. شريط الليلة اللي فاتت عدا قدام عيني، وافتكرت نظرات حمايا الذكية وحركته بالعصاية في الأرض لما قال لعصام “شيل شيلتك يا بطل ووريني هتعمل إيه”. حمايا مكنش جاي يتفرج، حمايا راجل صعيدي قديم وأصيل، ولما لقى ابنه بيتبطر على النعمة وبيتقوى بفلوسه على مراته، قرر يربيه ويعلمه أدب البيوت، بس على طريقته الكبيرة اللي متخرش المية!
بصيت لعصام وقولتله بابتسامة ذهول: “أبوك عمل فيك فخ يا عصام.. أبوك اشترى الشقة عشان يضمن إننا مانتهدش في الشارع، بس اتفق مع الحاج فوزي يعمل الفيلم ده كله قدامك عشان يكسر غرورك، ويخليك تحس بقيمة اللقمة والبيت والست اللي كانت شايلاك!”
عصام قعد على الكرسي في ممر المستشفى، وشه كان جايب ألوان، مابين الصدمة، والإحراج، والارتياح الشديد إننا مش هنطرد.. بس الإحراج من أبوه كان مغرقه. بص للأرض وقال بصوت مخنوق: “يااااه يا بويا.. صغرتني قوي قدام نفسي.. بس عندك حق، أنا كنت استاهل أكتر من كده.”
في نفس اللحظة، تليفون عصام رن.. وكان المتصل هو “حمايا”.
عصام فتح الخط وإيده بـ تترعش، وفتح الاسبيكر من غير ما يقصد من كتر اللخبطة. سمعنا صوت حمايا الجهوري والوقور وهو بيقول بنبرة حاسمة وكلها هيبة:
“عرفت يا أبو مروان؟ شوفت العقد؟ الشقة بقت ملكي، يعني ملك ابنك مروان من بعدي.. أنا مش هطردك يا ولد، بس الشقة دي إيجارها القديم اللي كنت بتدفعه للحاج فوزي، هتدفعه من هنا ورايح لمرأتك دكتورتك في إيدها كل أول شهر، تحطه في حساب مروان.. عشان تعرف إن البيوت مبتمشيش بالنيابة والتقسيم، البيوت بتمشي بالفضل والرحمة. وأمك وأختك شيماء بايتين مع هنا انهارده في المستشفى، وانت تاخد مرأتك وابنك وترجعوا بيتكم، والصبح تجيلي البيت تبوس على راس مرأتك وتعتذر لها قدام الكل.. فهمت ولا لسه محتاج درس تاني يا ابن فوزية؟”
دموع عصام نزلت لأول مرة، وقال بصوت متحشرج: “فهمت يا بويا.. فهمت والله.. جزمتك فوق راسي، وحقك عليا وحقها عليا.”
قفل حمايا الخط، وعصام لف وشه ليا، مسك إيدي وباسها قدام أخويا وفي ممر المستشفى وهو بيقول وعينيه مليانة دموع ندم حقيقية: “سامحيني يا بنت الأصول.. أنا اتميت عمى، والقرش كان هيضيعني.. لولا إن ربنا بيحبني ورزقني بأب زيك وزي أبويا كان زماني خسرتك وخسرت ابني.”
حسيت بغسيل جوه قلبي، والوجع والغيظ اللي عشتهم الـ 48 ساعة اللي فاتوا اتبخروا تماماً. هزيت راسي وقولتله: “المهم تكون اتعلمت يا عصام.. احنا سند لبعض، ومش معنى إني بساعدك إن ده فرض عليا، أو إن مالي مبقاش مالي.”
أخويا ابتسم وطبطب على ضهر عصام وقال: “حصل خير يا جماعة، يلا بينا نطمن على هنا عشان نرجعكم البيت ترتاحوا.”
دخلنا أوضة هنا، ولقينا حماتي وشيماء قاعدين جنبها، وهنا بدأت تفوق وتتكلم بتعب. عصام قرب من هنا وباس راسها وقالها: “حمد الله على سلامتك يا أم لسان طويل.. تليفونك وتليفون شيماء واصلين لحد عندكم، وأي حاجة تعوزيها أنا رقبتي سدادة ليها.” وهنا ابتسمت بتعب وقالتله: “الله يسلمك يا جوز أختي يا أصيل.”
على الساعة 4 الفجر، رجعنا بيتنا. فتحنا الباب، ودخلت الشقة اللي كانت من كام ساعة هتقفل في وشنا.. بس المرة دي دخلناها واحنا عيلة تانية خالص، عيلة اتعلمت الدرس الصعب. حطيت مروان في سريره، وعصام دخل ورايا، ولسه بنقفل باب الأوضة وبنقول الحمد لله المحنة عدت على خير.. لقيت تليفوني الشخصي بيتبعت عليه رسالة غريبة جداً من رقم مجهول.. رسالة خلت جسمي كله يتفض من الرعب، وعرفت إن فيه سر تاني أسود مكنتش أعرفه عن عصام وعن الفلوس اللي كان بيخبيها عليا.. الرسالة كشفت حاجة مكانتش تخطر على بال أجدع شيطان…
وقفت في نص الأوضة، جسمي كله اتجمد، والتليفون كاد يقع من إيدي من كتر الرعب والصدمة. عصام لاحظ تغير ملامحي الخاطف، وقرب مني بقلق وهو بيحط إيده على كتفي: “في إيه يا دكتورة؟ وشك جاب ألوان ليه كده وليه بتترعشي؟”
حاولت أتمالك نفسي وأخبي الشاشة عنه، وقولت بصوت متحشرج: “لا.. مفيش، ده تذكير بشغل الصبح في العيادة.” سكت عصام وهو مش مقتنع، بس سابني ودخل الحمام يغير هدومه. في اللحظة دي، دخلت بلكونة الصالة وقفلت الباب ورايا، وفتحت الرسالة المجهولة تاني وأنا مش مصدقة اللي عيني بقرأه.
الرسالة كانت من رقم دولي، ومكتوب فيها بالحرف:
“يا دكتورة، جوزك عصام مش بيبعزق فلوسه ولا بخيل زي ما انتي فاكرة، جوزك شاري شقة تمليك باسم واحدة تانية في التجمع الخامس من سنة كاملة! والست دي كلمتني وبتقول إنها مراته وليها حق في كل قرش بيدخل جيبه. لو مش مصدقاني، افتحي اللاب توب القديم بتاعه اللي شيله في كرتونة فوق الدولاب، هتلاقي نسخة من عقد البيع وصورة قسيمة الجواز التانية! هو كان بيعمل معاكي حوار المصروف عشان يغطي الأقساط اللي عليه هناك!”
الدنيا لفت بيا، وحسيت إن الهوا اتقطع عن صدري. يعني كل الندم والدموع اللي شوفتها في المستشفى دي كانت تمثيل؟ يعني الحِمل اللي كنت شايلاه معاه وسكوتي على قلة ماله كان عشان بيروح يبني بيه بيت لست تانية ومن ورا ضهري؟!
البرود القاتل رجعلي تاني، بس المرة دي كان مخلوط بنار الغدر. دخلت الأوضة بخطوات زي الرصاص، وعصام كان لسه في الحمام. جبت كرسي، ووقفت عليه وبدأت أفتش فوق الدولاب لحد ما لقيت الكرتونة القديمة المتربة. فتحتها بسرعة وإيدي بـ ترعش، وطلعت اللاب توب القديم بتاعه.
فتحت اللاب توب، وفضلت أدور في الملفات المخفية بقلب مقبوض، لحد ما عيني وقعت على فايل مكتوب عليه “أوراق خاصة”. ضغطت كليكين، والملف فتح…
وهنا كانت الصدمة اللي طيرت اللي باقي من نفوخي! العقد كان قدام عيني، شقة في التجمع، والمشتري عصام.. بس الصدمة الأكبر والسر الأسود اللي مكنش يخطر على بال أجدع شيطان، مكنش إن عصام متجوز عليا.. الصدمة كانت في اسم الست اللي مكتوب اسمها كـ “زوجة ثانية” في العقد وقسيمة الجواز المرفوعة سكانر!
الاسم اللي مكتوب مكانش لواحدة غريبة.. الاسم ده كان صاعقة دمرت كل حاجة في حياتي، وخلتني أدرك إن المؤامرة كانت أكبر مني ومن بيتي بكتير، وإن أقرب الناس ليا هما اللي طعنوني في ضهري!
الاسم المكتوب في خانة الزوجة الثانية كان “منار”.. الصديقة المقربة لشيماء أخته، والست اللي كانت حماتي بتحاول تفرضها عليه قبل ما يتجوزني!
في اللحظة دي، انقشع الضباب عن كل حاجة. عرفت ليه حماتي لوت بوزها لما جبت الهدية لشيماء، وعرفت ليه عصام اتجنن لما عرف إني صرفت فلوسي الخاصة على أختي؛ لأنه مكنش باصص لمصروف البيت أصلًا، هو كان محتاج كل مليم من مرتبي عشان يسد بيه عجز أقساط شقة التجمع اللي اتدبس فيها عشان يرضي طمع “منار” وأهلها، والظاهر إن الأقساط تقلت عليه الشهر ده فحب يلوقها فيا!
قفلت اللاب توب بكل هدوء.. الهدوء المرعب اللي بيسبق زلزال بيهد الجبال. رجعته مكانه في الكرتونة فوق الدولاب، ونزلت وقفت في نص الأوضة وعيني بقت زي الصوان.
خرج عصام من الحمام وهو بينشف شعره بالفوطة، وبصلي وابتسم ابتسامة هادية وقالي: “مالك يا حبيبتي واقفة كده ليه؟ مش يلا عشان نرتاح بعد اليوم الطويل ده؟”
بصيتله من فوق لتحت، وقولتله بنبرة خالية من أي مشاعر: “أنا مرتاحة يا عصام.. مرتاحة قوي كمان.. بس قبل ما ننام، خد كارت الفيزا ده.”
طلعت الكارت الخاص بحسابي البنكي الجديد وحطيتها في إيده. برّق عينه باستغراب وقالي: “بتاع إيه ده؟ مش قولنا خلاص قفلنا السيرة دي؟”
رديت عليه بابتسامة سخرية: “الكارت ده فيه بالظبط تمن “مؤخر الصداق” بتاعي، وفيه كمان تمن الفلوس اللي انت دفعتها انهارده في المستشفى لأختي هنا عشان ميبقاش ليك جمايل علينا.. والصبح يا ابن فوزية، زي ما أبوك قالك، هنروحله البيت.. بس مش عشان أعتذرلك.. عشان نطلق قدامه وتديني ابني مروان بالذوق، بدل ما أطلع على النيابة باللاب توب القديم بتاعك وبالمستندات اللي تثبت إنك كنت بتاخد مرتبي الحكومي وتزور توقيعي عشان تدفع أقساط شقة التجمع!”
عصام الفوطة وقعت من إيده، وشه اسودّ تمامًا وصوته اتقطع، وركبه خانته وقعد على السرير وهو بيبصلي برعب وكأنه شايف شبح.. حاول ينطق، حاول يكذب، بس شكل اللاب توب والملف السري اللي واجهته بيه قفلوا في وشه كل أبواب المواربة.
تاني يوم الصبح، كانت الصدمة في بيت حمايا مابتتوصفش. حمايا لما عرف الحقيقة منار وشقته، طرد عصام من بيته ومن العمارة كلها، وكتب الشقة اللي اشتراها باسم ابني مروان تمليك نهائي، وتعهد بإن كل حقوقي القانونية هتوصلني لحد عندي من غير المحاكم.
طلعت من التجربة دي بـ ابني، وبـ عيادتي وشغلي الخاص، وبـ كرامتي اللي محنيتهاش لراجل مبيصونش اللقمة.
### الحكمة من الحكاية
> **البيوت لا تُبنى بالاستغلال، والنساء لا يُشترين بالمسكنة.**
> أعظم درس تخرج بيه أي ست من الدينا دي، هو إن **”ذمتك المالية المستقلة وسندك من عملك وشقاكي”** هما درعك الحقيقي ضد غدر الأيام. المساعدة في البيت حب وفضل وليست فرضًا يُلزمكِ بالتنازل عن كرامتكِ أو أهلكِ.
> الست الأصيلة بتشيل جوزها في عينيها لو صانها، بس لازم تفضل عينيها مفتوحة.. عشان اللي بيتعود ياخد من غير ما يعرق، بيموت فيه الإحساس بالمسؤولية، والراجل اللي بيشوف كرم مراته “حق مكتسب” أو “بعزقة”، مبيستاهلش تعيشي معاه ثانية واحدة. السكوت مش دايما ضعف، ساعات بيكون هدوء لحد ما تجمعي كروتك الرابحة.. وتنهي اللعبة وانتي الكسبانة.
>