زمايلي في الشغل كانوا بيتريقوا
“زمايلي في الشغل كانوا بيتريقوا عليا عشان كنت بتغدى كل يوم مع عامل النظافة الوحيد بقالي 11 سنة – في جنازته، المحامي بتاعه خدني على جنب وقال لي: ‘عم ويلسون سابلك دي’.
أنا (35 سنة) اشتغلت في نفس الشركة لمدة حداشر سنة، وأقرب حد ليا في وقت الغدا مكنش مدير، ولا زميل في الفريق، ولا أي حد من قسمي.
كان تشارلز، عامل النظافة.
قابلته في أول يوم ليا في الشغل.
لما جيه وقت الغدا، دخلت أوضة البريك ومكنتش عارفة أقعد فين. كل الناس كانوا عارفين بعض، ووقفت هناك حاسة بكسوف وإني غريبة ومش مكانيا خالص.
وفجأة راجل كبير هادي، لابس اليونيفورم الرمادي، رفع عينه من الساندوتش بتاعه وبصلي.
وقال: ‘ممكن تقعدي هنا لو تحبي’.
كنت ممتنة له جداً لدرجة إني كنت هعيط.
وحتى بعد ما اتعرفت على زمايلي في الشغل واتأقلمت في الشركة، فضلت أقعد مع تشارلز.
وبقى ده الطقس اليومي بتاعنا.
عمرنا ما اتقابلنا برة الشغل، بس كل يوم في وسط الأسبوع الساعة اتناشر الضهر، كنا بنحكي لبعض حكايات، وإنجازاتنا الصغيرة، وكل اللي بيحصل في حياتنا.
مع الوقت، زمايلي في الشغل بدأوا يتريقوا.
’رايحة تتغدي مع حبيبك تاني؟’
’خلي بالك، ممكن يرقوكي وتمسكي المقشة’.
كنت بعديها بضحكة، بس الموضوع كان بيوجعني أكتر ما كنت حابة أبين. وفي نفس الوقت، تشارلز مكنش بيبان عليه إنه متضايق خالص.
وبعدين، في يوم اتنين، مجاش الشغل. وبعدها بيومين، عرفت إنه توفى.
أكتر حاجة تزعل إن مفيش ولا حد من المكتب حتى جاب سيرة إنه هيحضر الجنازة. فعشان كده قررت أروح لوحدي.
بعد العزا، والناس بتتحرك وبتمشي، قرب مني راجل لابس بدلة غامقة.
وسألني: ‘أنتي شارلوت؟’
لما هزيت دماغي بـ آه، مد إيده وصافحني.
وقال: ‘أنا اسمي ليام. محامي عم ويلسون’.
وبعدين سلمني علبة جزمة قديمة.
وقال: ‘عم ويلسون سابلك دي’.
في اللحظة اللي رفعت فيها الغطا، فهمت ليه تشارلز مكنش فارق معاه خالص رأي أي حد في المكتب فيه. يتبع في التعليقات 👇”وقفت مكاني، ويدي ماسكة العلبة كأنها تقيلة بشكل مش منطقي.
“سابها ليّا؟” قلتها وأنا مش مستوعبة.
ليام هزّ رأسه بهدوء: “قال إنها هتوصل للشخص الوحيد اللي كان بيشوفه… مش الشغل، مش الوظيفة… هو نفسه.”
فتحت العلبة بإيد بترتعش.
جواها كان فيه حاجة واحدة بس: مفتاح قديم… ومعاه ورقة مطوية بشكل دقيق.
فتحت الورقة.
كان مكتوب بخط تشارلز نفسه:
> “لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود.
بس عايزك تعرفي حاجة واحدة…
أنا عمري ما كنت ‘عامل نظافة’ في نظري.
كنت راجل اتكسر قبل كده، وافتكر إنه خلاص ملوش قيمة.
لحد ما إنتي قعدتي معايا على نفس الترابيزة، من غير ما تسألي أنا مين أو أعمل إيه.”
بلعت ريقي، وحسّيت إني مش قادرة أكمل بسرعة… بس كملت.
> “المفتاح ده لشقة صغيرة في شارع هادي.
أنا عايش سنين لوحدي، وماكانش ليا حد.
بس كنت دايمًا بقول: لو في يوم حصل لي حاجة، عايز المكان ده يروح لحد فاهم يعني إيه الوحدة… ومخافش منها.”
رفعت عيني من الورقة ببطء.
ليام كان بيبصلي كأنه مستني رد فعل، لكن أنا كنت مش قادرة أتكلم.
“أنا… معرفش هو ليه اختارني أنا بالذات.”
ليام رد بهدوء: “هو قال إن كل الناس كانوا بيعدّوه.
إنتي الوحيدة اللي كنتي بتقعدي قدامه.”
سكت لحظة، وبعدين كمل: “وفي حاجة تانية… هو سايبلك رسالة صوتية كمان. قال اسمعيها لوحدك.”
مدّ لي موبايل صغير قديم.
ضغطت زر التشغيل.
وجالي صوته… أهدى من أي يوم سمعته فيه في الغدا:
“متخافيش من اللي جايلك.
إنتي مش لوحدك زي ما كنتِ فاكرة… وإنتي عمرك ما كنتي لوحدك وأنا كنت قاعد قدامك.”
سكت.
وبعدين آخر جملة خلت إيدي تترج:
“الناس ضحكوا علينا… بس هما عمرهم ما فهموا إننا كنا بننقذ بعض من غير ما نحس.”
الصوت انتهى.
ورجليا حسّيت إنها مش شايلاني.
ولأول مرة من يوم ما دخلت الشركة، فهمت إن كل ضحكة اتقالت عليّا… كانت في الحقيقة شهادة على حاجة أنا نفسي ما كنتش واخدة بالي منها.
بس السؤال اللي جه في دماغي وقتها كان أخطر من أي حزن:
هو كان مخبي إيه في الشقة دي… وليه ما قالش أي حاجة وهو عايش؟وقفت قدام باب الشقة في شارع هادي زي ما مكتوب في الورقة.
المفتاح كان تقيل في إيدي بشكل غريب… كأنه مش مجرد معدن، كأنه قرار.
دخلت.
الشقة كانت أبسط مما توقعت. مفيش أي رفاهية. مفيش صور على الحيطان. بس كل حاجة كانت نظيفة ومرتبة بشكل مبالغ فيه… كأن صاحبها كان بيحاول يثبت إنه لسه مسيطر على حاجة في حياته.
في الصالة… كان فيه صندوق خشب صغير على الترابيزة.
وقبله ورقة تانية.
فتحت الورقة قبل أي حاجة تانية.
> “لو وصلتي هنا، يبقى إنتي الوحيدة اللي قدرتي تشوفيني فعلاً.
الصندوق ده فيه سبب كل اللي حصل.”
إيدي ارتجفت وأنا بفتح الصندوق.
جواه كان فيه ملفات… مش ملف واحد، مجموعة كبيرة.
تقارير، أسماء شركات، إيصالات تحويلات… وحاجات كتير ما كنتش أفهمها في الأول.
بس كل ما أقلب أكتر… الصورة بدأت تتضح.
تشارلز… أو “عم ويلسون” زي ما كانوا بيقولوا في الورق… ماكانش مجرد عامل نظافة.
كان شغال زمان في الإدارة المالية للشركة.
قبل ما يحصل “حادث” قديم اتقال إنه استقال بعده.
لكن الملفات كانت بتقول حاجة تانية.
كان فيه عمليات سحب فلوس مش مفهومة، تحويلات لأسماء وهمية… وتوقيعات مش شبه توقيعه الحقيقي في آخر الملفات.
وفي ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط إيده:
> “أنا ما سبتش الشغل… أنا اتسكت عليا.”
قفلت عيني لحظة.
كل السخرية اللي شفتها في الشغل… كل الهمسات… فجأة بقت شكلها مختلف.
مش هزار… كانوا بيضحكوا على راجل اتدفن وهو عايش جوه نفسه.
وفجأة لقيت ظرف تاني صغير جوه الصندوق، عليه اسمي أنا بالذات.
فتحته.
جواه شيك… بمبلغ كبير جدًا… ومعاه رسالة قصيرة:
> “أنا عارف إنك مش هتفهمي ليه المبلغ ده ليكي.
بس أنا كنت شايف حاجة فيك… إنك الوحيدة اللي ماحكمتش عليا.
لو قررتي تستخدميه، استخدميه في حاجة تخلي حد تاني مايحسش باللي أنا حسيت بيه.”
سكت.
الهدوء في الشقة كان تقيل لدرجة إني سمعت نفسي بتتنفس بصعوبة.
المفروض أفرح؟ أخاف؟ أرفض؟
بس السؤال الحقيقي اللي ضرب في دماغي كان أقوى:
لو أنا دلوقتي بقيت جزء من السر ده…
هل أنا هفضل “البنت اللي بتتغدى مع عامل النظافة” في نظرهم… ولا هبقى حاجة تانية خالص؟
وفجأة… موبايلي رن.
رقم الشركة.
والمرة دي… مش حد من زمايلي اللي بيرد.
كان صوت المدير بنفسه:
“فينك؟ لازم ترجعي فورًا… في موضوع كبير اتفتح باسم تشارلز ويلسون.”قفلت التليفون وبصيت للصندوق تاني كأن الاتنين مرتبطين ببعض بخيط مش مرئي.
“موضوع كبير اتفتح؟” كررتها بصوت واطي.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
رجعت بسرعة على الشركة، وكل خطوة كنت بحس إن فيها حاجة بتتغير جوايا… كأن اللي داخل الشركة دلوقتي مش نفس الشخص اللي خرج منها من شوية.
أول ما دخلت، لاحظت حاجة غريبة.
الهمس.
الناس مش بتبصلي بسخرية زي الأول… لأ، في توتر. في خوف.
زميلي في الاستقبال بصلي وقال بسرعة: “المدير مستنيكي في الاجتماع… ومعاه محامي جاي من بره.”
اتجمدت لحظة.
محامي؟ تاني؟
دخلت قاعة الاجتماعات.
وكانوا قاعدين كلهم: المدير، شوية من الإدارة العليا، وليام المحامي… ومعاه ملف كبير مفتوح قدامه.
وأول ما دخلت، ليام رفع عينه وقال: “أخيرًا.”
المدير بصلي بحدة: “إنتي ليه مخبيّة إنك ليك علاقة بملف تشارلز ويلسون؟”
اتسمرت.
“أنا مليش أي علاقة غير إنه كان… زميلي في الغدا.”
ليام قاطعني بهدوء: “بس هو كتب اسمك في وثيقة وصية رسمية… مش بس كده.”
فتح الملف ودفعه قدامي.
كان فيه ورقة مختومة رسميًا من المحكمة.
“تشارلز ويلسون” كان كاتب وصية تنقل جزء كبير من أصوله… وحصته في نزاع قانوني قديم… باسم واحد فقط:
أنا.
القاعة سكتت تمامًا.
المدير قام فجأة: “ده مستحيل! الراجل ده كان عامل نظافة!”
ليام رد بهدوء قاتل: “وكان قبل كده شريك مؤسس في قسم مالي… واتطرد بطريقة غير قانونية بعد ما اكتشف مخالفات ضخمة.”
بصيت للورقة بإيدي المرتعشة.
كل حاجة بدأت تركب… الصمت، العزلة، عدم اهتمامه بكلام الناس، حتى هدوءه الغريب وهو بيتريقوا عليه.
كان مش بيعيش ضعيف…
كان بيستعد.
وفجأة ليام بصلي مباشرة: “فيه حاجة أهم من الفلوس.”
سكت لحظة.
“هو كتب في وصيته إنك الشخص الوحيد اللي يقرر مصير الدليل اللي سابه… هل يتقدم للجهات القانونية، ولا يفضل مدفون.”
الكل بصلي.
حسيت إن القاعة بقت أضيق من أي أوضة دخلتها في حياتي.
مدير الشركة قال بحدة: “إنتي مش فاهمة إنتي داخلة على إيه… ده ممكن يهد الشركة دي كلها!”
ليام قفل الملف وقال: “بالظبط… وده كان قصده.”
وبصلي تاني: “تشارلز سابلك حاجة أخطر من الفلوس…”
“سابلك قرار.”
وفي اللحظة دي… لأول مرة فهمت إن الغدا اللي كان بسيط جدًا كل يوم… كان في الحقيقة بيقودني ليوم زي ده.الهدوء اللي في القاعة كان مخيف… مش هدوء طبيعي، ده هدوء ناس مستنية حكم.
كل العيون كانت عليّا.
مدير الشركة قال بحدة وهو بيحاول يسيطر على الموقف: “إنتِ مش محامية، ومش صاحبة قرار… دي ملفات شركة، وممكن تدمر مستقبل مئات الناس!”
ليام رد عليه بهدوء: “وممكن كمان تكشف سنين من الفساد.”
وبعدين بصلي تاني: “القرار ليكي… بس لازم تفهمي حاجة.”
سكت لحظة.
“لو الدليل ده اتقدم، مش بس أسماء هتتقفل… في ناس هتتحاكم، وسمعة الشركة هتنهار. ولو اتدفن… يبقى اللي حصل مع تشارلز يتكرر مع غيره.”
بلعت ريقي.
رجعت بذاكرتي لسنين الغدا… لضحكته الهادية، لصمته، لعيونه وهو بيتفرج على الناس اللي بتتريق عليه من غير ما يرد.
هو ماكانش ضعيف.
كان عارف كل حاجة… وبيعد الأيام.
فتحت الملف قدامي.
أول صفحة كانت فيها أسماء… ناس كبار في الشركة.
ناس كنت بشوفهم كل يوم وبسلم عليهم.
إيدي ارتجفت.
وبصيت لليام: “هو… كان مستني إيه مني بالظبط؟”
رد: “كان مستني إن حد أخيرًا ما يخافش.”
المدير قرب خطوة وقال بصوت أخفض لكنه أخطر: “إنتي فاكرة إنك هتكوني بطلة؟ الموضوع ده أكبر منك.”
لكن لأول مرة… حسّيت إن الجملة دي مش بتخوفني.
كانت بتستفزني.
قفلت الملف بهدوء.
والكل سكت.
وبصيت لليام: “لو قدمنا الدليل… هتحميني؟”
ليام هز رأسه: “القانون هيحميك لو إنتي اخترتي الصح.”
سكت لحظة طويلة.
وبعدين قلت:
“أنا مش هخلي اللي حصل له يتدفن.”
المدير اتجمد.
واحد من الإدارة قال: “إنتي بتدمري الشركة!”
بس أنا ماكنتش ببص لهم.
كنت ببص للورق… كأن تشارلز نفسه أخيرًا ارتاح.
ليام قفل الملف وقال: “يبقى كده القرار اتاخد.”
لكن قبل ما أقف وأخرج… رن تليفوني تاني.
رقم مجهول.
رديت.
وصوت واطي قال: “إنتي فاكرة إن تشارلز ساب كل حاجة؟”
سكت لحظة.
وبعدين نفس الصوت كمل:
“فيه نسخة تانية من الدليل… ولسه مش معاكِ.”سكتّ ثواني، والمكالمة لازالت مفتوحة.
“نسخة تانية؟” كررتها بصوت شبه ميت.
في القاعة، ليام لاحظ التغير في ملامحي: “فيه حاجة؟”
قفلت المكالمة بسرعة من غير ما أرد.
لكن الإحساس اللي جوايا كان واضح… اللي بدأناه لسه ما خلصش.
بصيت لليام: “فيه حد بيقول إن فيه نسخة تانية من الدليل.”
القاعة كلها اتغيرت ملامحها.
المدير ضحك ضحكة قصيرة متوترة: “ده تهديد واضح… يعني اللعبة لسه شغالة.”
ليام ما ضحكش.
بالعكس… فتح ملفه تاني بسرعة.
“تشارلز كان دايمًا بيشتغل بنظام نسخ احتياطية… حتى وهو في الإدارة قبل كده.”
سكت لحظة.
“لو قال فيه نسخة تانية… يبقى غالبًا هي مش هنا… ولا عندك.”
نزلت عيني على الشيك اللي في حقيبتي… فجأة حسّيت إنه بقى تقيل بشكل غريب.
رجعت البيت في صمت.
أول ما دخلت، لقيت حاجة ما كنتش متوقعة.
الصندوق الخشب… اتحرك.
مش مكانه.
اتجمدت مكاني.
كنت متأكدة إني قفلته زي ما هو.
قربت ببطء، وفتحته.
كان فيه ظرف جديد.
مفيش اسم.
بس جواه فلاش ميموري صغيرة.
ومكتوب عليها بخط تشارلز:
> “لو وصلتي لحد هنا، يبقى إنتي قررتي تكملّي.”
قعدت على الأرض.
إيدي بترتعش.
وصلت الفلاش باللابتوب.
ملف واحد بس.
فتحت.
وكان فيه تسجيل فيديو.
تشارلز… قاعد قدام الكاميرا، شكله تعبان أكتر من أي مرة شوفته فيها.
قال:
“لو إنتي بتشوفي الفيديو ده… يبقى أنا مش بس كنت عامل نظافة… أنا كنت شاهد.”
سكت لحظة، وبص كأنه بيختار كل كلمة بعناية.
“النسخة اللي معاكِ دلوقتي… مش كاملة.”
قلبي وقع.
“في نسخة تانية… فيها الاسم الوحيد اللي كان بيحمي الباقي.”
قرب من الكاميرا شوية.
“ولو الاسم ده طلع… مش الشركة بس اللي هتقع.”
الصورة هزّت.
والفيديو قطع فجأة.
والشاشة سودة.
وفجأة… اللابتوب نفسه كتب رسالة لوحده على الشاشة:
> “النسخة التانية تم تفعيلها.”
والمرة دي… ماكانش فيه رقم غريب بيرن.
كان فيه طرق على الباب.الطرق على الباب كان هادي… بس ثابت بشكل يخوف أكتر من أي خبط عالي.
مرة… اتنين… تلاتة.
وقفت مكاني، مش قادرة أقرر أتحرك ولا أتنفس.
“مين؟” صوتي خرج ضعيف.
مفيش رد.
بس بعد ثواني، صوت رجولي واطي قال من برّه: “افتحي… أنا ليام.”
ارتحت لحظة… وبعدين الشك رجع فورًا.
ليه ييجي لحد هنا؟ وليه بالليل كده؟
قربت من الباب بحذر وبصيت من العين السحرية.
كان هو فعلاً… بس ملامحه مش طبيعية. متوتر. عينه بتلف حوالين المكان كأنه بيتأكد إن محدش مراقب.
فتحت الباب شوية بسلسلة الأمان.
“إيه اللي جابك؟”
قال بسرعة: “مافيش وقت. حد بيحاول يوصل للنسخة اللي عندك.”
“عرفوا إنك فتحتي الملف.”
رجعت خطوة للورا. “إنت عرفت منين مكاني؟”
سكت لحظة، وبعدين قال: “مش جاي أشرح دلوقتي. جاي أقولك إن الفيديو اللي شفتيه… ده كان جزء من لعبة تشارلز الأخيرة.”
“لعبة؟!”
ليام دخل بسرعة أول ما فتحتله أكتر، وقفل الباب وراه.
طلع جهاز صغير من جيبه، وحطه على الترابيزة.
“ده جهاز كشف تتبع… في إشارة بتتحرك حوالينا من ساعة.”
قلبي بدأ يدق أسرع.
“يعني إيه؟”
قال وهو بيبص حواليه: “يعني اللي بعتلك المكالمة… واللي قالك فيه نسخة تانية… مش عايزك تكتشفي الحقيقة بس.”
سكت لحظة.
“هو عايزك توصلي له.”
قبل ما أتكلم، اللابتوب اللي على الترابيزة نور لوحده تاني.
نفس الملف اللي اتقفل فتح من نفسه.
لكن المرة دي… مفيش فيديو.
كان فيه خريطة.
وخيط أحمر بيتحرك على الشاشة… وبيوقف عند نقطة واحدة.
ليام بص بسرعة: “ده عنوان…”
قرب شوية.
وبصلي بجدية لأول مرة من ساعة ما عرفته:
“ده مكان النسخة التانية.”
وبعدين قال الجملة اللي خلت قلبي يقع:
“بس ده مش مكان عادي… ده داخل مبنى الشركة نفسه.”سكتنا الاتنين ثواني، وبصينا للشاشة كأنها فجأة بقت نافذة على حاجة أكبر مننا.
“جوا الشركة؟” كررتها وأنا مش مصدقة.
ليام هز رأسه: “تشارلز كان بيحب يشتغل من جوه النظام نفسه… مش من برّه.”
قرب من الخريطة على الشاشة.
الخيط الأحمر كان ثابت على نقطة في المبنى… تحت الأرض.
“ده… أرشيف قديم أو غرفة سيرفرات مهجورة.” قالها وهو بيفكر بصوت عالي.
لكن اللي كان مقلق مش المكان… المقلق هو إن الإشارة لسه شغالة.
يعني حد غيرنا شايفها كمان.
فجأة النور في الشقة يومض.
مرة واحدة.
وبعدين رجع طبيعي.
ليام بصلي بسرعة: “فيه حد قريب.”
قلبي نزل في رجليا.
“إحنا نطلع دلوقتي.” قالها وهو ماسك ذراعي.
نزلنا بسرعة من الشقة، ومن غير كلام ركبنا عربيته.
الشارع كان هادي بشكل مزعج… كأن المدينة كلها نايمة زيادة عن الطبيعي.
وأول ما العربية بدأت تمشي، ليام قال: “اسمعي كويس… اللي داخلينه مش موضوع وصية وخلاص.”
سكت لحظة.
“فيه ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان النسخة دي ما تطلعش للنور.”
بصيت له: “حتى يق/تلوا؟”
ما ردّش.
وده كان الرد نفسه.
وصلنا قدام مبنى الشركة.
بس الغريب…
إن في نور شغال في الدور الأرضي، رغم إن المفروض المكان فاضي بالليل.
ليام وقف العربية بعيد شوية.
“في حد سبقنا.”
نزلنا بحذر.
الباب الجانبي كان مفتوح.
ليام همس: “خليكي ورايا.”
دخلنا.
الصمت جوه المبنى كان تقيل… مفيهوش أي صوت غير خطواتنا.
وصلنا للسلم المؤدي للأسفل.
كل درجة كنا بننزلها كان الهواء أبرد.
لحد ما وصلنا لباب حديد كبير مكتوب عليه “ARCHIVE – RESTRICTED”.
الباب كان مفتوح نص فتحة.
ومن جوه…
كان فيه صوت جهاز شغال.
ليام بصلي وقال بهمس: “جاهزة؟”
قبل ما أرد…
سمعنا صوت تاني من جوه الغرفة.
صوت راجل.
قال بهدوء شديد: “كنت متأكد إنك هتيجي يا شارلوت.”تجمدت مكاني.
اسمي اتقال كده في الظلام كان كفيل يخلّي كل حاجة جوايا تقف.
ليام بص ناحيتي بسرعة وهمس: “إنتي تعرفي الصوت ده؟”
هزّيت راسي بـ لا… بس الحقيقة إن قلبي كان بيقول العكس: فيه حاجة مألوفة في النبرة، بس مش قادرة أجيبها.
الراجل جوه كمل بهدوء: “ادخلي… ما تخافيش.”
ليام شدني وراه بحذر ودخلنا.
الغرفة كانت كبيرة، مليانة رفوف قديمة وأجهزة سيرفر شغالة في ركن واحد، وشاشة كبيرة منورة في النص.
وفضلنا واقفين عند الباب.
وبعدين… شوفناه.
راجل في الأربعينات تقريبًا، لابس بدلة بسيطة، واقف قدام الشاشة كأنه مستنينا من زمان.
بصلي وقال بابتسامة خفيفة: “أخيرًا شفتي الحقيقة.”
حسيت بدوخة خفيفة.
“مين إنت؟” طلعت مني بصعوبة.
هو ما ردش فورًا… بس لف الشاشة ناحيتنا.
وكان ظاهر عليها ملف واحد مفتوح… مكتوب عليه:
“PROJECT WILSON – FINAL BACKUP”
ليام بص بدهشة: “مش ممكن… المشروع ده اتقفل من سنين.”
الراجل هز رأسه: “اتقفل رسميًا… بس ما اتمسحش.”
وبعدين بصلي مباشرة: “تشارلز ماكانش مجرد شاهد… كان المفتاح.”
سكت لحظة.
“والنسخة التانية اللي بتدوّري عليها… مش بيانات.”
قرب خطوة.
“دي اعتراف كامل… بأسماء ناس لسه فوق.”
قلبي دق بسرعة.
“يعني إيه مش بيانات؟”
الراجل رفع إيده وضغط زر على الشاشة.
وفجأة ظهر فيديو جديد… بس المرة دي مش لتشارلز.
كان لتسجيل اجتماع… فيه نفس وجوه الإدارة اللي في شركتي.
بس الأصعب… إن واحد منهم كان بيبص للكاميرا وبيقول:
“لو أي حاجة من ده اتسربت… هنخلي الموضوع يختفي زي صاحبه.”
الصمت في الغرفة كان خانق.
ليام همس: “يبقى كده… تشارلز ما ماتش صدفة.”
وفجأة… الشاشة عملت تشويش.
والراجل اللي قدامنا قال بهدوء مخيف: “اللي هتشوفيه دلوقتي… هو السبب الحقيقي إنهم وصلوا له.”
والأضواء كلها طفت.الظلام ماكانش مجرد إطفاء نور… كان كأنه سحب الأكسجين من الغرفة.
ثانية… اتنين… وبعدين صوت الأجهزة رجع يشتغل بس بشكل متقطع، زي قلب بيخبط بالعافية.
ليام مسك دراعي بقوة: “ما تتحركيش.”
بس الصوت اللي كان في الغرفة اختفى.
مفيش الراجل.
مفيش أي خطوة.
كأن المكان ابتلع وجوده كله في لحظة.
فجأة شاشة السيرفر نورت تاني لوحدها.
ومرة تانية ظهر الملف… بس المرة دي كان فيه عدّ تنازلي.
00:04:59
00:04:58
ليام بص بسرعة: “ده تفجير بيانات… أو مسح تلقائي!”
قرب من الكمبيوتر بسرعة وبدأ يضغط: “فيه بروتوكول أمان… لازم نوقفه قبل ما يوصل للصفر!”
بصلي وهو بيشتغل: “لو الملف ده اتمسح، مش بس الدليل اللي هيروح… كمان أي أثر يربطهم بتشارلز هيتشال.”
قلبي كان بيخبط.
“طب نعمل إيه؟”
ليام صرخ: “اختاري! يا إما ننسخ الملف ونهرب… يا إما نحاول نوقف العدّ ونكشف كل حاجة من هنا!”
في اللحظة دي، الصوت رجع.
نفس صوت الراجل… بس المرة دي جاي من السماعات مش من المكان:
“لو كنتي عايزة الحقيقة… لازم تدفعي تمنها.”
والعدّ وصل:
00:03:10
إيدي وقفت فوق الكيبورد.
وفي دماغي صورة تشارلز… قاعد في الغدا، بيضحك بهدوء كأن مفيش حاجة حواليه.
لكن الجملة اللي قالها في الرسالة الصوتية رجعت تضرب في دماغي:
“إنتي الوحيدة اللي ماحكمتش عليا.”
ليام بصلي: “شارلوت… القرار دلوقتي!”
العدّ: 00:02:45
وبلحظة واحدة… فهمت إن أي اختيار هعمله دلوقتي مش هيغير بس الشركة.
هيغير حياتي أنا للأبد.
مددت إيدي على الكيبورد… وبدأت أكتب:مددت إيدي على الكيبورد… وإيدي كانت بتترعش، بس الكتابة بدأت تمشي كأنها مش بإرادتي.
مش دخلت أمر إيقاف.
ولا أمر نسخ.
دخلت سطر واحد:
/override_access: wilson_final
ليام بصلي بسرعة: “إنتي بتعملي إيه؟ ده مش—”
قبل ما يكمل، الشاشة ردّت فورًا.
“ACCESS GRANTED.”
العدّ التنازلي وقف.
00:02:11… واتجمد.
الضوء في السيرفرات ثابت… كأن المكان نفسه خد نفس عميق ووقفه.
وبعدين فجأة، كل الملفات اتفتحت مرة واحدة.
مئات… لا، آلاف السطور ظهرت.
أسماء. تواريخ. تحويلات. تسجيلات.
بس في وسط كل ده… كان فيه ملف واحد متثبت في النص.
“CHARLES WILSON – PERSONAL LOG”
ليام همس: “ده… تسجيله الحقيقي.”
مددت إيدي أفتحه.
بس في نفس اللحظة…
الباب الحديدي اتقفل وراينا بقوة.
BANG.
اتلفتنا.
ومفيش حد.
بس الصوت اللي جه من السماعات كان مختلف المرة دي… أهدى، أقرب، كأنه جاي من نفس الغرفة:
“كويس… كده وصلتي للخطوة اللي قبل الأخيرة.”
ليام بصلي بحدة: “مين إنت؟!”
الصوت رد: “أنا اللي حاولت أحمي تشارلز… وفشلت.”
سكت لحظة.
“وأنتي يا شارلوت… مش أول واحدة يوصلها الملف.”
قلبي وقع.
“فيه غيري؟”
قبل ما يرد، الشاشة فتحت ملف جديد تلقائيًا.
وفيديو ظهر…
بس المرة دي…
كان فيه تشارلز نفسه، واقف قدام الكاميرا، بس مش في المكتب.
كان في نفس الغرفة اللي إحنا فيها.
نفس السيرفرات.
نفس الباب الحديد.
وقال بصوت هادي جدًا:
“لو إنتي بتشوفي الفيديو ده… يبقى النظام بدأ يختارك بدل مني.”
ليام رجع خطوة: “النظام؟ إيه الكلام ده؟”
تشارلز في الفيديو ابتسم ابتسامة صغيرة مرهقة:
“النسخة التانية مش دليل… دي آلية حماية.”
وبص مباشرة للكاميرا كأنه بيبص لينا:
“ولو وصلتِ هنا… يبقى لازم تختاري: تكمّلي الحقيقة… أو تقفليها للأبد.”
وفجأة…
العدّ رجع يشتغل تاني.
00:01:30
بس المرة دي… مفيش زرار إيقاف ظهر.
فقط سؤال واحد على الشاشة:
“هل تثقين في ليام؟”سؤال واحد بس اتثبت على الشاشة كأنه بيبصلي أنا مش للكمبيوتر.
“هل تثقين في ليام؟”
ليام بصلي فورًا: “ما تفكريش… ده جزء من اللعب! ده بيحاول يشتتك!”
بس عينيه كانت متوترة بشكل ما شفتوش قبل كده.
العدّ: 00:01:12
“شارلوت… اسمعيني.” قالها بسرعة. “أنا لو كنت ضدك، كنت خلصت الموضوع من بدري. أنا اللي جبتك هنا أصلاً!”
سكت لحظة وهو بيحاول يثبت نفسه، لكن الصوت في السماعات قاطعه:
“كل اللي في الغرفة دي اتراقب… وكل قرار دلوقتي مبني على ثقة واحدة.”
وبعدين:
“أو خيانة واحدة.”
الضوء يومض.
مرة… مرتين.
وشاشة تانية فتحت جنب السؤال، فيها ملف صغير باسم:
LIAM.EXE
قلبي اتقبض.
ليام بص للملف وقال بحدة: “ما تفتحيهوش!”
بس أنا ما لمستش حاجة… هو اللي اتفتح لوحده.
وظهر تسجيل صوتي.
صوت ليام.
لكن مش دلوقتي.
قديم.
أهدى.
أبرد.
> “لو شارلوت وصلت للمرحلة دي… يبقى النظام اشتغل صح.”
ليام الحقيقي وقف مكانه.
وشه اتغير تمامًا.
“ده مش أنا… ده ملف مفبرك!”
لكن الصوت كمل:
> “هي لازم تختار لوحدها… من غير ما تعرف مين الحقيقي.”
العدّ: 00:00:47
بصيت لليام… والشك لأول مرة دخل جوايا زي س*كينة صغيرة.
“إنت… كنت تعرف تشارلز قبل كده؟”
ليام صرخ: “لا! ده كله متصمم عشان يوقعك فيا!”
الصوت في السماعات رجع:
“الإجابة مش بالكلام.”
وفجأة الشاشة عرضت اختيارين:
TRUST LIAM
ISOLATE LIAM
ليام قرب خطوة ببطء: “شارلوت… لو ضغطتي أي حاجة غلط، مش هنعرف نطلع من هنا.”
بصيت له.
وبصيت للشاشة.
والعدّ: 00:00:22
وفي اللحظة دي فهمت حاجة مرعبة…
إن السؤال مش هل أثق فيه…
لكن:
مين اللي عايزني أفقد ثقتي أصلًا؟
مددت إيدي… وقربت من الشاشة…مددت إيدي… وقربت من الشاشة، والوقت كأنه بقى بيجري في وشي مش قدامي.
00:00:12
ليام صوته ارتفع لأول مرة: “شارلوت! بلاش! ده فخ مباشر!”
بس في نفس اللحظة، الأنوار في الغرفة بدأت ترعش بشكل عنيف، وكأن المكان كله بيتنفس بسرعة.
الصوت في السماعات قال بهدوء: “الاختيار لازم يتعمل الآن.”
00:00:06
بصيت لليام تاني.
عينه كانت مليانة توتر… بس كمان فيها حاجة تانية: خوف حقيقي، مش تمثيل.
وبعدين… شفت حاجة صغيرة خلت قلبي يقع.
على إيده، تحت الإضاءة المتقطعة، كان فيه سوار رفيع معدني… نفس النوع اللي بيستخدموه موظفي الأمن الداخلي في الشركة.
سكتت.
“إنت مين؟” قلتها بصوت واطي.
ليام فتح فمه بسرعة: “أنا شرحتلك—”
بس الشاشة قطعت كلامه.
ظهر سطر جديد:
“بيانات غير متطابقة: LIAM identity conflict detected.”
00:00:03
كل حاجة جوايا اتلخبطت في ثانية.
تشارلز قال: “مش كل اللي هيثق فيك… هو اللي يقول الحقيقة.”
وبصيت للشاشة.
وبعدها بصيت لليام.
وفي جزء صغير جدًا من الثانية… فهمت إن القرار مش عن ثقة.
القرار عن نجاة.
مددت إيدي… وضغطت:
ISOLATE LIAM
الصمت وقع فورًا.
ليام وقف مكانه.
وشه اتجمد.
“إنتي… عملتي إيه؟” قالها ببطء.
لكن قبل ما أقدر أرد…
الأبواب الحديد اتفتحت فجأة.
والصوت في السماعات قال: “تم تأكيد الهوية.”
وفجأة… ليام نفسه ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
بس مش نفس الابتسامة اللي أعرفها.
وقال بهدوء غريب: “أخيرًا… اخترتي الصح.”
وبعدين النور طفى بالكامل.
بس قبل ما الظلام يبتلع الغرفة…
الشاشة نورت آخر مرة.
وكان مكتوب:
“WELCOME BACK, CHARLOTTE WILSON.”الاسم على الشاشة وقف قدام عيني زي صفعة.
WELCOME BACK, CHARLOTTE WILSON.
ما اتحركتش.
مش لأنّي فاهمة… لكن لأنّي فجأة حسّيت إن جسمي نفسه ما بقاش متأكد أنا مين.
الصوت في الغرفة اختفى تمامًا.
لا ليام.
لا أجهزة.
لا أي حاجة.
بس بعد ثواني، نفس الصوت اللي كان في السماعات رجع… لكن المرة دي كان أقرب، أهدى، وكأنه جاي من جوه المكان نفسه:
“كويس… النظام اعترف بيكي أخيرًا.”
النور رجع تدريجيًا.
وبصيت حواليا.
ليام مش موجود.
مفيش أي أثر إنه كان هنا من الأساس.
حتى الباب الحديدي كان مفتوح على آخره… كأن مفيش حد قفله قبل كده.
قلبي بدأ يدق بعنف.
“ده إيه اللي بيحصل؟” قلتها لنفسي بصوت عالي.
والرد جه من الشاشة:
“إنتي مش ضيفة يا شارلوت.”
“إنتي الوريثة.”
خطوة واحدة ورا بعض… لحد ما الشاشة عرضت ملف جديد:
CHARLOTTE WILSON – ACCESS LEVEL: FINAL
مددت إيدي ببطء ناحية الكيبورد.
ومجرد ما لمست أي زر…
الغرفة كلها اتبدلت.
مش إضاءة… لأ.
كأن المكان نفسه اتعاد بناؤه.
الجدران اللي كانت قديمة بقت شاشة ضخمة مليانة بيانات متحركة.
وصوت تشارلز رجع.
بس مش تسجيل.
كان مباشر.
“لو وصلتي لهنا… يبقى أنا مش موجود.”
سكت لحظة.
“واللي شوفتيه عن ليام… كان جزء من الاختبار.”
جسمي اتجمد.
“اختبار؟”
الصوت كمل:
“النظام ما كانش بيختار حد عشوائي. كان بيختبرك إنتي… من أول يوم دخلتي الشركة.”
الصور على الجدران بدأت تتغير.
وشوفت نفسي.
أنا… من 11 سنة.
أول يوم في الشركة.
وأنا قاعدة مع تشارلز في الغدا.
لكن اللي صعقني مش الصورة.
الصوت قال بهدوء:
“إنتي مش بس اللي اختارك تشارلز.”
“إنتي كمان… كنتي جزء من اللي اتخبّى عنك.”
سكت.
وبعدين قال الجملة اللي خلت الأرض تهتز تحت رجليا:
“اللي اسمك مكتوب عليه مش ميراث فلوس.”
“ده ملفك الحقيقي.”الشاشة قدامي بدأت تفتح طبقات فوق طبقات من البيانات، كأنها بتقشر حياتي طبقة طبقة.
FILE: CHARLOTTE WILSON // ORIGINAL RECORDS
حسّيت بدوخة.
“ده إيه الكلام ده؟” همست.
صوت تشارلز رجع، لكن المرة دي فيه هدوء غريب… أقرب للاعتراف منه للغموض:
“إنتي طول عمرك فاكرة إنك اشتغلتي في الشركة صدفة.”
سكت لحظة.
“لكن الحقيقة… إن اسمك كان موجود في النظام قبل ما تشتغلي بسنين.”
الشاشة عرضت ملف قديم جدًا.
تاريخ قبل 11 سنة.
اسم: CHARLOTTE WILSON
بس الصورة… مش صورتي اللي أعرفها.
دي صورة حد تاني شبهّي بشكل مرعب.
رجعت خطوة لورا وأنا مش قادرة أتنفس.
“لا… ده غلط… أنا دخلت الشركة بتقديم عادي… أنا…”
الصوت قاطعني:
“تقديمك اتوافق عليه في نفس اليوم. من غير مقابلة.”
سكون.
وبعدين:
“لأنك ماكنتيش داخلة الوظيفة… إنتي كنتي راجعة لمكانك.”
كل حاجة في الغرفة بدأت تهتز بصريًا.
الملفات على الجدران اتبدلت… وبقت لقطات من حياتي:
أنا في الطفولة.
أنا في مواقف ماكنتش فاكرة تفاصيلها.
لكن اللي كسرني فعلًا… إن في كل لقطة كان فيه نفس الشخص في الخلفية.
تشارلز.
واقف.
بيتابع.
مش عامل نظافة.
مش غريب.
لكن كأنه… عارفني من زمان.
سكت الصوت ثواني، وبعدين قال:
“ليام ماكانش خيانة.”
“كان اختبار رد فعل.”
قلبي وقع.
“إنتي اخترتي صح… لكن مش عشان ثقتك فيه.”
“عشان قدرتي تشكي في كل حاجة.”
فجأة الشاشة سابت كل الملفات، وظهرت جملة واحدة كبيرة:
“THE SYSTEM IS COMPLETE.”
والغرفة كلها سكتت.
وبعدين…
النور انطفى مرة تانية.
لكن المرة دي ماكانش ظلام عادي.
كان إحساس إن في حد واقف ورايا.
وبصوت واطي جدًا، قريب من ودني، تشارلز قال:
“دلوقتي… نبدأ الشغل الحقيقي.”وقفت مكاني.
“الشغل الحقيقي؟” كررتها وأنا مش قادرة أحدد إذا كنت بسمع صوتي فعلاً ولا لأ.
الظلام كان تقيل، بس مش سايبني لوحدي فيه. في همس خفيف حواليا… زي أجهزة بتشتغل من غير ما تتشاف.
وفجأة النور رجع.
لكن الغرفة كانت مختلفة.
مش نفس السيرفر روم.
ده كان مكان أوسع… شبه مركز تحكم ضخم، شاشات حواليا من كل اتجاه، وكل شاشة عليها بيانات بتتحرك في وقت حقيقي.
وصوت تشارلز رجع تاني، أوضح:
“إنتي دلوقتي جوه النظام يا شارلوت… مش بره.”
بلعت ريقي.
“إنت عايز مني إيه بالظبط؟”
سكت لحظة، وبعدين رد:
“عايزك توقفيه… أو تكمّليه.”
“فيه نظامين كانوا شغالين من سنين جوه الشركة.”
الشاشات عرضت خريطة للمبنى… لكن تحتها شبكة أكبر بكتير، ممتدة لمدن تانية.
“واحد بيكشف الفساد.”
“والتاني بيغطيه.”
رجعت خطوة لورا.
“يعني كل ده… شركة بس؟”
ضحكة خفيفة جاية من الصوت:
“الشركة كانت الواجهة.”
فجأة ظهرت أسماء على الشاشة… مش بس موظفين.
سياسيين، شركات، عقود، تحويلات دولية.
كل حاجة متشابكة بشكل مرعب.
وبعدين الصوت قال:
“تشارلز ماكانش بيحاول ينتقم… كان بيحاول يفصل النظام عن نفسه قبل ما يتحول لحاجة مش قابلة للإيقاف.”
سكت.
“وإنتي… كنتي المفتاح الأخير لأنك الوحيدة اللي النظام ما قدرش يقرأها صح.”
قلبي دق.
“ليه؟”
الرد جه بسيط جدًا:
“لأنك جزء منه.”
الصمت وقع تقيل.
وفجأة، شاشة قدامي كبرت، وظهر خيار واحد جديد:
RUN CLEAN SEQUENCE
or
RELEASE FULL NETWORK
ليام ظهر على شاشة جانبية فجأة… أو نسخة منه، مش واضح.
صوته كان ضعيف: “لو ضغطتي أي حاجة… مش هتقدري ترجعي.”
بصيت له، وبعدين بصيت للشاشات اللي بتعرض عالم كامل مربوط بقرار واحد.
وصوت تشارلز قال آخر جملة:
“الناس اللي فوق بره فاكرة إنك بتلعبي لعبة اختيار.”
“بس الحقيقة… إنك دلوقتي بتمسكي ميزان.”
والشاشات كلها استنت.
مستنية إصبعي يتحرك.إصبعي كان واقف فوق الشاشة كأنه مش تبعي.
كل حاجة سكتت… حتى الصوت اللي كان جاي من تشارلز اختفى، كأن النظام نفسه قرر يسيب القرار ليّا من غير أي ضغط.
قدامي اختيارين… بس الإحساس كان إن الاتنين مش “حل”.
RUN CLEAN SEQUENCE
RELEASE FULL NETWORK
وبصيت لليام على الشاشة الجانبية تاني.
نسخته كانت بتبصلي من غير حركة، لكن عينه كانت مختلفة… فيها حاجة أقرب للتحذير.
“لو هتثقّي في حاجة واحدة…” قال بصوت متقطع، “ثقي إنك مش شايفة كل الصورة.”
سكت لحظة.
“تشارلز كان دايمًا بيخبي جزء.”
الشاشات اللي حواليا بدأت تومض بسرعة، وبيانات كتير اتبدلت… كأن في حد بيحاول يغير القواعد أثناء ما أنا بفكر.
صوت تشارلز رجع تاني، لكن المرة دي كان أبرد:
“هو بيحاول يرجعك للشك تاني.”
“زي كل مرة.”
رجعت خطوة لورا.
“كل مرة؟”
فجأة ظهرت على الشاشة لقطات سريعة… مش عشوائية.
أنا.
بس في مواقف مختلفة… مش فاكرة إني عشتها.
نفس المكان… نفس الغرفة… نفس الاختيارات.
بس في كل مرة… بختار حاجة مختلفة.
وبعدها الشاشة تقفل.
وترجع تفتح من الأول.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“ده إيه ده… ليه نفس المشهد بيتكرر؟”
الصوت جاوب بهدوء مرعب:
“لأنك كنتي بترجعي كل مرة.”
سكون.
“دي النسخة رقم 7.”
“وكل مرة… كنتي بتختاري غلط.”
ليام (أو نسخته) صرخ فجأة: “ما تصدقيهوش! ده بيعبث بإدراكك!”
بس الشاشات حواليا بدأت تقرب، وكأن الغرفة نفسها بتضغط عليّا.
ظهر تحذير جديد:
“FINAL LOOP DETECTED”
وبعدين:
“NO MORE RESETS AVAILABLE”
الصوت الأخير كان واضح جدًا:
“الاختيار ده… هو الأخير فعلًا.”
الهواء اتقل.
والشاشات رجعت تاني للقرار.
إيدي كانت ثابتة… لكن جوايا كل حاجة بتتهز.
وقبل ما أضغط، سألت بصوت مبحوح:
“لو أنا جزء من النظام… يبقى أنا بختار إيه؟”
الصوت رد لأول مرة بنبرة شبه بشرية:
“نفسك.”
وفي اللحظة دي…
بدأت الشاشة تكتب من نفسها كلمة واحدة بس:
REMEMBER
والغرفة كلها دخلت في بياض كامل.