الخادمة اللي بعتوها حكايات ميرااا
الخادمة اللي بعتوها علشان يذلّوا بيها الملياردير الكفيف… بقت الست الوحيدة اللي وثق فيها لما إمبراطوريته كلها حاولت تدفنه.
انطلقت ضحكة ساخرة قبل ما تخبط على الباب بثانية.
سمعتها ندى الشاذلي من آخر الممر، حادة وقاسية، شقت الهدوء الفاخر في فندق “جراند رويال” كأنها صوت كباية إزاز متشققة. كان فيه اتنين ستات… يمكن تلاتة، واقفين مستخبيين جنب ماكينة التلج في الدور الخاص بالأجنحة الفاخرة، كأن لبس الشغل هيخليهم غير مرئيين. واحدة منهم كانت بتخبط خاتمها في الحيطة: تك… تك… تك… بعصبية، وكأنها مستنية لحظة الإهانة بفارغ الصبر.
وقفت ندى على بعد أقل من متر من الباب، ماسكة بطاقة الخدمة الفضية بإيديها الاتنين، وبتحاول حتى نفسها مايبقاش مسموع.
دي كانت آخر فرصة ليها.
مش آخر فرصة علشان ترقية… ولا وردية أحسن… ولا حياة مريحة زي اللي الناس بتحكي عنها لما يبقى عندهم حساب في البنك وأهل يردوا عليهم في التليفون.
دي كانت آخر فرصة علشان النور مايتقطعش من البيت.
لو فشلت في المهمة دي، سارة مراد هتتأكد إنها مش بس تخسر الوردية… هتخسر المرتب اللي عايشة منه هي وأختها الصغيرة نورا، اللي عندها تسعتاشر سنة، واللي مخليهم قاعدين في شقتهم الصغيرة بدل ما يروحوا يناموا في أوضة ضيقة عند خالتهم ويقنعوا نفسهم إن الدنيا بخير.
أخدت ندى نفسًا عميقًا، فردت ضهرها، حطت الكارت في قفل الجناح، وفتحت الباب على أكتر جناح الناس كلها كانت بتخاف تدخله.
الرجل اللي جواه اتكلم قبل حتى ما تنطق بكلمة.
“حد ضحك قبل ما تخبطي على الباب.”
اتجمدت مكانها.
كان عمر الكيلاني قاعد جنب الشباك، لابس بلوفر رمادي غامق، ووشه متجه ناحية نور الشتاء الباهت اللي داخل على المدينة من الدور الاتنين وتلاتين.
ما بصّش عليها…
وماكانش يقدر يبصلها أصلًا.
كل اللي بيشتغلوا في الفندق كانوا عارفين حكايته… أو على الأقل النسخة اللي بيتناقلوها في الاستراحة وهم بيشربوا قهوة بايتة.
عمر الكيلاني…
الابن الوحيد لرجل الأعمال الراحل حسين الكيلاني، ووريث مجموعة فنادق الكيلاني.
فقد بصره في حادث عربية وهو عنده تسعتاشر سنة.
بارد…
ذكي بشكل مرعب…
وما بيسامحش.
النوع اللي يقدر يفصل أي موظف بكلمة واحدة.
كانت عينيه مفتوحتين، لكنها ثابتة في الفراغ.
ما لفش ناحيتها.
وقال بهدوء:
“كانوا اتنين… يمكن تلاتة. واحدة فيهم كانت بتخبط خاتمها في الحيطة، كأنها مستنية تسمعك بتتكسري.”
جف ريق ندى.
وراءها…
الباب اتقفل بهدوء.
مال عمر راسه سنة بسيطة.
“وقفتي قدام بابي حوالي حداشر ثانية من غير ما تتحركي… يعني حد حذرك مني قبل ما تدخلي.”
سكت لحظة…
وبعدين قال بصوت أتقل:
“هتكذبي عليّ إنتِ كمان؟”
كل الردود اللي كانت محضراها ماتت في زورها.
كان ممكن تبتسم وتقول:
“آسفة يا فندم… مش فاهمة حضرتك تقصد إيه.”
أو تلوم صوت الأسانسير…
أو ماكينة التلج…
أو أي صوت طبيعي في فندق عمره ما بينام.
وده اللي الموظفين الشاطرين بيعملوه لما ضيف غني يسأل سؤال خطر.
بيكدبوا…
بأدب.
لكن هدوء عمر الكيلاني خلا الكدب يحسها إنه فخ أكبر.
فقالت الحقيقة.
“أيوه يا فندم…”
قالتها بصوت واطي.
“قالولي ما أتوقعش منك أي خير.”
ملامحه ما اتحركتش.
“قالوا أكتر من كده.”
شدت على الكارت اللي في إيدها.
“قالوا إن حضرتك ممكن تزعقلي لمجرد إني موجودة… وإنك بتفصل الناس على أقل غلطة… وإن أفضل حاجة أعملها إني أنضف بسرعة وأخرج قبل ما تلاحظني.”
رجع بضهره للكرسي ببطء.
وسكت.
حست ندى بكل تفصيلة غالية حواليها.
الكنبة الكريمي…
التحفة الإزاز…
صينية الفطار اللي لسه محدش لمسها…
والستاير الثقيلة اللي وراها مدينة كانت بتنضف أوضها بقالها أربع سنين… لكنها عمرها ما حسّت إنها جزء منها.
قال أخيرًا:
“بعتوكي هنا علشان تفشلي.”
“أيوه يا فندم.”
“لكن بدل كده… قلتيلي الحقيقة في وشي.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
“مالوش لازمة أكدب على واحد عرف إني بكدب من أول دقيقة.”
ولأول مرة…
ضحك عمر.
كانت ضحكة صغيرة… متفاجئة… كأنه هو نفسه مش مصدق إنها خرجت منه.
ما كانتش دافية قوي…
لكنها كانت إنسانية.
وده لوحده خفف الحمل اللي على صدر ندى.
“اسمك إيه؟”
“ندى الشاذلي.”
كرر الاسم بهدوء:
“ندى…”
وكأنه بيتأكد من كل حرف.
“معظم الناس بينادوني دودي.”
قال بهدوء:
“أنا مش معظم الناس.”
الجملة نزلت عليها بشكل غريب.
مش لأنها غرور…
لكن لأنها كانت أقرب لوعد.
ولو عايز تفهم ليه ندى دخلت الأوضة وهي متوقعة القسوة…
يبقى لازم تعرف حياتها كانت عاملة إزاي.
ندى عندها ستة وعشرين سنة.
بقالها أربع سنين شغالة في الفندق، بتنضف أوض الليلة الواحدة فيها أغلى من مرتبها في أسبوعين.
كانت تعرف ثروة الناس من اللمس.
وزن الفوط المستوردة…
ريحة البرفانات اللي بتفضل على المخدات…
والطريقة اللي الأغنيا بيسيبوا بيها بقشيش على الكومودينو كأنه مكافأة لكلب، من غير حتى ما يبصوا في وش اللي قدامهم.
ومع ذلك…
ندى عمرها ما اشتكت.
ماكانش عندها رفاهية الشكوى.
أمها وفاء الشاذلي ماتت من تلات سنين بعد ما السكر خد منها نظرها… وبعده قوتها… وفي الآخر روحها.
ندى قضت آخر سنين مراهقتها وهي ماسكة إيد أمها، توصفلها الدنيا، وتقرا لها الفواتير، وتتعلم إمتى تساعدها… وإمتى تسيبها تعتمد على نفسها.
ومن وقتها فهمت إن مساعدة حد…
مش معناها تخليه يحس إنه عاجز.
لكن محدش في الفندق كان يهمه ده.
بالنسبة لهم…
ندى كانت مجرد خادمة هادية، عمرها ما شاركت في النميمة، ولا ضحكت على حد، ولا اتوسلت لـسارة مراد علشان وردية أحسن.
وفي مكان سارة كانت بتحكمه بالخوف والمجاملات…
السكوت كان بيتفهم تمرد.
سارة مراد كانت رئيسة قسم النظافة من ست سنين.
شعرها دايمًا متظبط…
روجها الأحمر عمره ما باظ…
وابتسامتها كانت تخليك تتساءل هي قالت عنك إيه أول ما خرجت من قدامها.
صباح الخميس، سلمت ندى ورقة المهام وهي مبتسمة ابتسامة زيادة عن اللزوم.
“إنتِ هتشتغلي في جناح أستاذ عمر النهارده.”
بصت ندى للورقة.
“هو طلب خدمة تنظيف؟”
قالت سارة:
“طلب خدمة… حاولي بس ما تعصبهوش.”
بصت اتنين من العاملات لبعض.
وفهمت ندى فورًا.
دي ما كانتش مهمة…
دي كانت كمين.
كانوا عايزين عمر الكيلاني يهينها، وبعدها يقعدوا يحكوا القصة.
“الغلبانة ندى… أخيرًا الملياردير حطها عند حدها.”
لكن وهي واقفة جوه الجناح…
عرفت إن خطتهم فشلت من أول دقيقة.
مد عمر إيده لدفتر صغير على الترابيزة، وكتب فيه بهدوء، وبعدها قطع الورقة ومدها ناحيتها.
قربت ندى وقرأت:
“ندى الشاذلي هي اللي تيجي كل صباح. محدش غيرها.”
قرت الجملة مرتين.
“يا فندم… أظن توزيع الشغل مش بيمشي كده.”
رد بهدوء:
“بيمشي… لما النزيل يطلب شخص معين.”
“أنا مش عايزة مشاكل.”
“إنتِ ما عملتيش مشاكل.”
سكت لحظة، ثم قال:
“إنتِ دخلتيها… لكن دخلتيها بشرف.”
خارج الباب…
كانت سارة والباقيين لسه مستنيين.
أنهت ندى تنظيف الجناح بهدوء غريب.
كل ما كانت تحرك حاجة كانت تقوله الأول.
وكل ما تعدي من وراه كانت تنبهه.
وحطت كوب القهوة بحيث يلاقيه بإيده اليمين من غير ما يدور عليه.
لاحظ عمر كل ده.
وقال:
“محدش بيعمل كده.”
ابتسمت ندى وسألته:
“أعمل إيه؟”
(عارفة إنكم متحمسين تعرفوا اللي هيحصل بعد كده… لو عايزين الجزء اللي بعده، اكتبوا في التعليقات: “مشوّق” 👇)
الخادمة اللي بعتوها علشان يذلّوا بيها الملياردير الكفيف… بقت الست الوحيدة اللي وثق فيها لما إمبراطوريته كلها حاولت تدفنه.
#حكايات_ميراااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل في أول تعليق 👇♥️
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة، وقال:
“بتتكلمي قبل ما تلمسي أي حاجة… بتحركي الكرسي قبل ما يعدي في طريقك… وحتى القهوة حطيتيها في نفس المكان كل مرة.”
ردت ندى ببساطة:
“أمي كانت فقدت نظرها قبل ما تموت.”
سكت.
ولأول مرة من ساعة دخلت، اتغيرت ملامح وشه.
“من إمتى؟”
“آخر تلات سنين من عمرها.”
“وده اللي خلاكي تعملي كل ده؟”
هزت راسها.
“في الأول كنت بغلط كتير… كنت بأخد الحاجة من قدامها من غير ما أقول، فكانت تفتكر إنها ضاعت… وبعدها فهمت إن الكفيف مش محتاج حد يعمل كل حاجة مكانه… محتاج بس يعرف الدنيا حواليه ماشية إزاي.”
ساد صمت طويل.
صمت مختلف…
مش تقيل.
مريح.
قال عمر أخيرًا:
“الناس بتعاملني كإني مكسور.”
ردت بسرعة:
“يمكن لأنهم شايفين العمى.”
ابتسم بسخرية.
“وإنتِ؟”
بصت حواليها، ثم قالت بهدوء:
“أنا شايفة راجل حافظ مكان كل حاجة في الأوضة، وعرف إن فيه تلات ستات واقفين برا من صوت خاتم.”
ضحك للمرة التانية.
لكن الضحكة دي كانت أطول.
في نفس اللحظة…
كان في حد واقف برا الباب.
سارة مراد.
كانت لازقة ودنها في الباب، بتحاول تسمع صوت خناقة… أو حتى صرخة.
لكن اللي سمعته كان ضحك.
رجعت خطوة لورا وهي مش مستوعبة.
همست واحدة من العاملات:
“هو… بيضحك؟”
ردت سارة بعصبية:
“مستحيل.”
وفي اللحظة دي بالضبط…
اتفتح الباب.
خرجت ندى بهدوء، ماسكة أدوات التنضيف.
بصتلها سارة بسرعة.
“إيه؟ خلصتي؟”
“أيوه.”
“زعقلك؟”
“لأ.”
“اشتكى منك؟”
“لأ.”
وشها اتشد.
“قالك إيه؟”
قبل ما ندى ترد…
طلع صوت عمر من جوه الجناح، واضح وقوي:
“يا آنسة ندى.”
لفتت بسرعة.
“أفندم؟”
“بكرة الساعة تمانية الصبح… متتأخريش.”
اتسعت عيون العاملات.
أما سارة فحاولت تبتسم، لكن ابتسامتها كانت مكسورة.
“واضح إنه محتاجك النهارده بس.”
ندى ما ردتش.
لكن قبل ما تمشي، موظف الاستقبال جري ناحيتها.
“آنسة ندى… الأستاذ عمر بعت الورقة دي للإدارة.”
فتحتها سارة قبل أي حد.
وكان مكتوب فيها بخط واضح:
“اعتبارًا من اليوم، أي شخص غير الآنسة ندى الشاذلي يدخل جناحي بدون إذني، سأعتبر ذلك انتهاكًا لخصوصيتي، وسأنهي تعاملي مع الفندق فورًا.”
سكت المكان كله.
فندق “جراند رويال” كان عارف كويس إن عمر الكيلاني بيمثل ملايين الجنيهات كل سنة.
ولو ساب الفندق…
المدير نفسه ممكن يخسر منصبه.
بلعت سارة ريقها.
ولأول مرة…
حست إن الكمين اللي نصبته لندى، ارتد عليها هي.
لكنها ما كانتش تعرف إن دي مجرد البداية.
لأن في نفس الوقت…
كان مجلس إدارة مجموعة الكيلاني مجتمع في مقر الشركة.
وأحد الرجال رمى ملفًا سميكًا على الطاولة وقال بابتسامة باردة:
“طالما عمر مش شايف… يبقى مش هيعرف إننا نقلنا معظم أسهمه.”
رد رجل أكبر سنًا:
“ولما يعرف؟”
ابتسم الآخر بثقة.
“هيكون فات الأوان.”
وفي الجناح بالدور الثاني والثلاثين…
كان عمر واقف وحده أمام النافذة.
رفع رأسه قليلًا وقال لنفسه:
“أخيرًا… لقيت أول شخص بيقولي الحقيقة.”
وكان لا يعرف…
أن الخادمة البسيطة التي دخلت حياته صدفة، ستكون السبب في كشف أكبر خيانة داخل إمبراطوريته.في صباح اليوم التالي…
وصلت ندى قبل ميعادها بعشر دقايق.
كانت المرة الأولى اللي تدخل فيها الدور الخاص وهي حاسة إن كل العيون عليها.
العاملات كانوا بيبصولها من بعيد، وبعضهم بيهمس:
“هي دي؟”
“هي اللي عمر الكيلاني طلبها بالاسم؟”
“أكيد عرفت تلف عليه.”
ندى سمعت الكلام…
لكن كملت طريقها كأنها ما سمعتش حاجة.
وقفت قدام الجناح، وخبطت مرتين.
من جوه جه صوته الهادئ:
“اتفضلي يا ندى.”
ابتسمت باستغراب.
“حضرتك عرفتني من الخبطة؟”
قال وهو بيقفل الكتاب اللي كان بين إيده:
“كل واحد بيخبط بطريقة.”
دخلت وهي تقول:
“صباح الخير.”
رد بهدوء:
“صباح الصدق.”
استغربت.
ابتسم ابتسامة بسيطة.
“من امبارح محدش دخل هنا وكذب.”
ضحكت من غير ما تقصد.
وبدأت ترتب الأوضة كعادتها.
لكن فجأة…
سمعت صوت زجاج بيتكسر.
لفت بسرعة.
كوب العصير وقع من على الترابيزة واتكسر على الأرض.
وقبل ما تتحرك، كان عمر واقف بالفعل، بيتحسس طريقه ناحية الصوت.
صرخت:
“استنى يا فندم… فيه إزاز.”
لكن كان فات الأوان.
داس بطرف قدمه على قطعة صغيرة.
اتجرح.
جرَت عليه بسرعة، وسندته قبل ما يفقد توازنه.
قال بضيق:
“أنا كويس.”
ردت بحزم:
“لأ… حضرتك بتنزف.”
قعدته على الكنبة، وجابت شنطة الإسعافات من الحمام.
غسلت الجرح بهدوء، وهي كل شوية تقوله هتعمل إيه قبل ما تلمسه.
“هطهر الجرح دلوقتي.”
“ممكن يحرق شوية.”
“هلف الشاش.”
فضل ساكت.
لحد ما خلصت.
قال بصوت منخفض:
“أول مرة حد يستأذن قبل ما يلمسني.”
بصت له باستغراب.
“ده طبيعي.”
هز رأسه.
“مش بالنسبة للناس.”
وفي اللحظة دي…
الباب خبط بعنف.
دخل مدير الفندق بنفسه، ومعاه سارة مراد.
قال المدير بابتسامة مصطنعة:
“صباح الخير يا أستاذ عمر… جينا نطمن إن كل حاجة تمام.”
رد عمر بهدوء:
“مش تمام.”
اتوترت سارة، وابتسمت في خبث.
افتكرت إنه هيشتكي من ندى.
لكن عمر أكمل:
“فيه إزاز مكسور كان متساب في الجناح.”
شهقت سارة.
“مستحيل… إحنا بنراجع كل حاجة.”
قال عمر ببرود:
“يبقى حد ما راجعش كويس.”
ندى كانت عارفة إن الكوب وقع وهي بتنضف، لكن ماكانش فيه إزاز قبل كده.
حست إن فيه حاجة غلط.
بصت بطرف عينها ناحية سارة…
ولاحظت ابتسامة اختفت بسرعة.
في نفس اليوم…
وأثناء ما ندى بترتب المكتب، لقت ظرف أبيض واقع تحت الكرسي.
كان واضح إنه وقع من جيب بدلة عمر.
ناولتهوله.
مد إيده أخده، لكن أول ما لمس الظرف، اتغيرت ملامحه.
فتحه.
وسكت.
قالت بقلق:
“فيه حاجة؟”
أخذ نفسًا طويلًا وقال:
“ده خطاب من مجلس الإدارة… بيبلغوني إنهم هيعقدوا اجتماع طارئ بعد بكرة… من غير حضوري.”
عقدت حاجبيها.
“بس حضرتك رئيس الشركة.”
ابتسم بمرارة.
“وده اللي مقلقني.”
في نفس اللحظة…
في مقر مجموعة الكيلاني، كان أحد أعضاء المجلس يقول بثقة:
“سيبوه بعيد يومين كمان… وبعد توقيع الأوراق، حتى لو عرف الحقيقة… مش هيقدر يرجع حاجة.”
لكن ماكانوش يعرفوا…
إن الظرف اللي كان المفروض يوصل متأخر، وصل في معاده…
بسبب خادمة، اعتبرت الأمانة أهم من أي شيء آخر.فضل عمر ماسك الخطاب بإيده، وساكت.
ندى لاحظت إنه بيضغط على الورقة بقوة، كأنه بيحاول يسيطر على غضبه.
قالت بهدوء:
“ممكن أسأل سؤال؟”
“اتفضلي.”
“هو حضرتك واثق في مجلس الإدارة؟”
ابتسم بسخرية.
“زمان… كنت واثق.”
“ودلوقتي؟”
“دلوقتي بقيت أشك في الكل.”
سكتت لحظة، ثم قالت:
“إلا فيا؟”
لف وشه ناحيتها، رغم إنه ماكانش شايفها.
وقال من غير تردد:
“إلا فيكي.”
الكلمة وقعت على قلبها بشكل غريب.
هي نفسها ما فهمتش ليه.
لكنها غيرت الموضوع بسرعة.
“أكيد فيه حد يقدر يحضر الاجتماع بدل حضرتك.”
قال:
“لأ… الاجتماع ده محتاج توقيعي.”
وفجأة…
رن تليفونه.
ضغط على زر السماعة.
جاله صوت راجل كبير:
“صباح الخير يا أستاذ عمر… أنا فؤاد السيوفي، المستشار القانوني.”
“اتفضل يا أستاذ فؤاد.”
“لازم أشوف حضرتك النهارده… ضروري جدًا.”
“خير؟”
سكت الرجل ثانيتين، ثم قال بصوت منخفض:
“التليفون مش مكان الكلام.”
وأغلق الخط.
ندى حسّت إن في مصيبة بتحصل.
لكنها ما سألتش.
بعد ساعة…
وصل المستشار.
كان راجل في أواخر الستينات، وخطواته سريعة بشكل غير طبيعي.
أول ما دخل، قال:
“اقفلي الباب يا آنسة.”
نفذت ندى الطلب.
أخرج الرجل ملفًا أسود ووضعه أمام عمر.
وقال:
“فيه حد بينقل أسهمك.”
تجمد المكان.
قال عمر بهدوء مخيف:
“مين؟”
“حد من جوه العيلة.”
فتح المستشار الملف.
“خلال آخر ست شهور، اتنقلت نسبة كبيرة من الشركات التابعة باسم شركات وهمية.”
“إزاي حصل ده من غير توقيعي؟”
أخذ الرجل نفسًا طويلًا.
“لأنهم استخدموا توكيل قديم.”
عقد عمر حاجبيه.
“أنا ألغيت كل التوكيلات.”
“إلا واحد.”
ساد الصمت.
قال المستشار:
“التوكيل اللي عملته لابن عمك… كريم الكيلاني.”
نزل الاسم كالصاعقة.
كريم…
أقرب شخص لعمر بعد وفاة والده.
الرجل اللي كان بيعتبره أخوه.
قال عمر بصوت خافت:
“مستحيل.”
رد المستشار:
“كنت أتمنى أقولك إن فيه غلطة… لكن المستندات قدامي.”
ندى كانت واقفة بعيد.
لكنها شافت لأول مرة إن إيد عمر بترتعش.
ماكانش خوف…
كان وجع.
وجع الخيانة.
وفجأة…
رن هاتف المستشار.
رد بسرعة.
ثم اتغير لون وشه.
“إيه؟!”
وقف مرة واحدة.
“إمتى؟”
قفل المكالمة وبص لعمر.
“فيه مشكلة أكبر.”
“إيه هي؟”
قال بصوت متوتر:
“الموظف اللي اكتشف التزوير… عمل حادثة من نص ساعة.”
سأل عمر بسرعة:
“هو عايش؟”
خفض المستشار رأسه.
“للأسف… مات.”
رجع الصمت يملأ الجناح.
لكن ندى ما قدرتش تمنع نفسها من الكلام.
قالت بهدوء:
“دي مش حادثة.”
لفوا كلهم ناحيتها.
قالت بثبات:
“الناس اللي بتسرق إمبراطورية كاملة… مش هيسيبو شاهد وراهم.”
نظر إليها عمر طويلًا…
ثم قال لأول مرة منذ سنوات:
“واضح إن الحرب بدأت فعلًا.”مرّت ثوانٍ ثقيلة من غير ما حد ينطق.
كان عمر واقف، وإيده على طرف المكتب.
أما ندى فكانت حاسة إن الكلام اللي قالته خرج منها بعفوية، لكنها ما ندمتش عليه.
المستشار فؤاد قال وهو بيقفل الملف:
“لازم من اللحظة دي ما تثقش في أي حد.”
رد عمر بهدوء:
“في شخص واحد هفضل واثق فيه.”
وبدون ما يلف، أشار ناحية ندى.
“هي.”
اتسعت عيناها.
“أنا؟”
هز رأسه.
“لأنك الوحيدة اللي ما كانش عندها مصلحة وهي بتقول الحقيقة.”
في نفس اللحظة…
رن جرس الجناح.
تبادل الثلاثة النظرات.
قال عمر:
“مين؟”
جاء صوت موظف الأمن من الخارج:
“معانا طرد لحضرتك يا أستاذ عمر.”
فتحوا الباب.
كان صندوق خشبي صغير، من غير اسم المرسل.
أخده موظف الأمن ومشى.
حط المستشار الصندوق على الترابيزة وقال:
“غريب… أنا ما طلبتش حاجة.”
ندى قربت وهي مترددة.
كان فيه ورقة صغيرة ملزوقة عليه.
قرأتها بصوت مسموع:
“إلى الرجل الذي لا يرى… افتح الصندوق لو تجرؤ.”
ساد الصمت.
قال المستشار بسرعة:
“بلاش نفتحه.”
لكن عمر مد إيده بهدوء.
“لا… افتحه.”
لبست ندى جوانتي التنضيف، وبدأت تفتح الغطا بحذر.
أول ما الغطا اتفتح…
شهقت.
جواه كانت ساعة يد فاخرة، محطمة بالكامل.
وتحتها صورة قديمة.
ناولتها لعمر.
قال:
“وصفِيهالي.”
بلعت ريقها.
“الصورة فيها حضرتك… وإنت صغير، واقف جنب والدك.”
سكتت لحظة، ثم أضافت:
“وفيه شخص تالت… واقف وراكم.”
سأل عمر بسرعة:
“مين؟”
قربت الصورة من النور.
واتجمدت ملامحها.
“هو…”
“مين؟”
قالت بصوت منخفض:
“كريم الكيلاني.”
المستشار خطف الصورة من إيدها.
وبعد ثوانٍ قال:
“فيه حاجة مكتوبة وراها.”
قلبها وقرأ:
“اسأل كريم… مين كان السبب الحقيقي في الحادث اللي فقدت فيه بصرك.”
وقع الصمت كأنه صاعقة.
شد عمر على طرف الكرسي حتى ابيضت أصابعه.
وقال لأول مرة بصوت مليان غضب:
“يعني… الحادث ما كانش قضاء وقدر؟”
لم يرد أحد.
لكن الثلاثة كانوا يعرفوا أن حياتهم من اللحظة دي اتقسمت لنصفين…
نصف قبل الرسالة…
ونصف بعدها.
وفي مكان آخر…
كان كريم الكيلاني واقف قدام نافذة مكتبه، ولما وصله اتصال، ابتسم وقال بثقة:
“وصله الصندوق؟”
جاءه الرد:
“أيوه.”
قال وهو يقفل الخط:
“كويس… خلوه يبدأ يدور.”
ثم ابتسم ابتسامة باردة وهمس:
“بس أوعوا تسيبوه يوصل للحقيقة… لأن الحقيقة هتق*تلنا كلنا.”في الليلة دي…
ما حدش في الجناح نام.
عمر كان قاعد في نفس مكانه، ماسك الصورة القديمة بين صوابعه، كأنه بيحاول يشوفها بذكرياته.
قال بصوت هادئ:
“يا ندى…”
“أفندم.”
“احكيلي الصورة من أولها.”
بصت فيها تاني.
“حضرتك شكلك عندك حوالي تسعتاشر سنة… واقف مبتسم… ووالدك حاطط إيده على كتفك… وكريم واقف وراكم، لكنه مش بيبص للكاميرا.”
“بيبص لفين؟”
دققت أكتر.
واتغير لون وشها.
“بيبص عليك.”
“إزاي؟”
“مش بصّة عادية… كأنه… كأنه متضايق.”
ابتسم عمر بمرارة.
“دي أول مرة حد يوصفلي الصورة دي.”
سكت لحظة، ثم قال:
“الحادث حصل بعدها بأسبوع.”
رفع المستشار فؤاد رأسه فجأة.
“يعني الصورة اتصورت قبل الحادث مباشرة.”
هز عمر رأسه.
“ودي كانت آخر مرة شوفت فيها الدنيا.”
…
في صباح اليوم التالي…
وصل عمر إلى مقر مجموعة الكيلاني لأول مرة من أسابيع.
أول ما دخل، سكتت المكاتب كلها.
الموظفون وقفوا باحترام.
لكن الوجوه كانت متوترة.
لأن خبر الخلاف داخل العائلة بدأ ينتشر.
كان كريم الكيلاني واقف عند آخر الممر.
ابتسم وهو يمد إيده.
“حمد لله على السلامة يا ابن عمي.”
صافحه عمر بهدوء.
وقال:
“وحشتني.”
ابتسم كريم.
“إنت كمان.”
لكن ندى، اللي كانت واقفة على بعد خطوات، لاحظت حاجة غريبة.
إيد كريم كانت بتترعش.
مش من الخوف…
من التوتر.
ولما ساب إيد عمر، مسح عرقه بسرعة وهو فاكر إن محدش واخد باله.
دخلوا قاعة الاجتماعات.
بدأ أعضاء المجلس يقعدوا واحد ورا التاني.
وفجأة…
قال عمر:
“قبل ما نبدأ… عندي سؤال.”
رد كريم بابتسامة:
“اتفضل.”
طلع عمر الصورة القديمة من جيبه، وحطها على الترابيزة.
“فاكر الصورة دي؟”
اتغير وش كريم للحظة…
لكن بسرعة رجع ابتسم.
“أكيد فاكرها.”
قال عمر بهدوء:
“أنا كمان فاكر اليوم ده.”
سأله كريم:
“وده معناه؟”
رد عمر:
“معناه إن فيه حد بعتلي الصورة دي امبارح.”
لأول مرة…
وقع قلم من إيد كريم.
الصوت كان بسيط…
لكن عمر سمعه.
وسمع كمان نفسًا اتسحب بسرعة.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال في نفسه:
“خفت…”
أما ندى، فكانت بتراقب كل تعبير في وش كريم.
وفجأة لمحت شيئًا تحت كم القميص.
وشم صغير…
على شكل صقر.
اتسعت عيناها.
لأنها شافت نفس الوشم قبل كده…
لكن مش على كريم.
شافته على ذراع الراجل اللي كان واقف يراقب باب جناح عمر قبل يومين، ثم اختفى أول ما لمحها.
رفعت رأسها ببطء.
وأدركت لأول مرة…
إن المؤامرة أكبر بكتير من مجرد سرقة أسهم.بعد انتهاء الاجتماع…
خرج أعضاء مجلس الإدارة واحدًا وراء الآخر.
كريم وقف عند الباب، وربّت على كتف عمر وقال بابتسامة مصطنعة:
“ارتاح شوية يا ابن عمي… الشغل هيتعبك.”
رد عمر بهدوء:
“متقلقش… اللي تعبني زمان، علّمني أستحمل.”
ابتسم كريم ومشى.
لكن أول ما خرج من القاعة، وشه اتقلب تمامًا.
قال وهو بيكلم حد في التليفون بصوت واطي:
“هي كانت معاه طول الاجتماع.”
جاءه الرد:
“الخادمة؟”
“أيوه… بقت أخطر مما كنت متخيل.”
ندى كانت راجعة ناحية المصعد، لكنها سمعت آخر جملة.
وقفت مكانها من غير صوت.
كريم أكمل:
“لو فضلت قريبة منه، كل اللي بنعمله هيبوظ.”
قفلت عينيها للحظة.
دلوقتي بقى عندها يقين…
إنها هي كمان بقت هدف.
…
في المساء…
رجع عمر للجناح.
لاحظ فورًا إن ندى ساكتة على غير عادتها.
قال:
“فيه حاجة حصلت.”
استغربت.
“عرفت منين؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“خطواتك أبطأ من كل يوم.”
حكت له كل اللي سمعته.
من غير ما تزود كلمة.
فضل ساكت لحد ما خلصت.
ثم قال:
“يبقى خلاص… مابقاش عندي شك.”
“هتعمل إيه؟”
قام من مكانه، وفتح درج المكتب.
طلع مفتاحًا قديمًا من النحاس.
مده ناحيتها.
“خديه.”
استغربت.
“ده مفتاح إيه؟”
“خزنة والدي.”
اتسعت عيناها.
“حضرتك مديهولي أنا؟”
“أيوه.”
“ليه؟”
ابتسم لأول مرة من قلبه.
“لأن لو المفتاح فضل معايا… هيحاولوا ياخدوه.”
“ولو كان معايا؟”
“مش هيفكروا أصلًا إن خادمة هيكون معاها أهم سر في المجموعة.”
ترددت لحظة.
ثم أخدت المفتاح.
لكن قبل ما تحطه في شنطتها…
رن هاتف عمر.
رد.
وسكت.
ثم وقف فجأة.
قال بصوت متوتر:
“إيه؟ إمتى؟”
ندى حست إن قلبها وقع.
قفل المكالمة ببطء.
قالت:
“خير؟”
لف ناحيتها…
ولأول مرة ظهر الخوف على ملامحه.
“البيت القديم بتاع والدي…”
“ماله؟”
“…اتحرق.”
سكتت.
ثم سألته:
“الخزنة؟”
أغمض عينيه وقال:
“كانت هناك.”
لكن بعد ثوانٍ…
فتح عينيه وقال بهدوء غريب:
“إلا إذا…”
“إلا إذا إيه؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
“إلا إذا والدي كان متوقع كل ده… ونقلها قبل ما يموت.”
وفي نفس اللحظة…
على بعد عشرات الكيلومترات…
كان رجل عجوز يفتح صندوقًا حديديًا مخفيًا داخل غرفة قديمة.
نظر إلى الملفات الموجودة بداخله، ثم قال:
“واضح إن الوقت جه…”
وأخرج ظرفًا كُتب عليه بخط حسين الكيلاني:
“لا يُفتح إلا إذا خان كريم العائلة.”في صباح اليوم التالي…
كان المطر بينزل بغزارة.
ندى وصلت الفندق وهي ماسكة المفتاح النحاسي جوه جيبها الداخلي، وكل شوية تتحسس مكانه كأنها بتتأكد إنه لسه معاها.
أول ما دخلت الجناح، لقت عمر واقف.
مش قاعد…
واقف.
قال من غير مقدمات:
“هنخرج.”
استغربت.
“دلوقتي؟”
“أيوه.”
“على فين؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“في واحد لازم أقابله قبل ما حد يوصل له.”
بعد أقل من ساعة…
كانت عربية الفندق ماشية على طريق قديم خارج المدينة.
السواق ماكانش بيتكلم.
وعمر كان ساكت طول الطريق.
ندى كانت حاسة إن في حاجة كبيرة مستنياهم.
بعد حوالي ساعة ونص…
وقفت العربية قدام بيت ريفي قديم.
نزل رجل عجوز أول ما شافهم.
كان شعره أبيض بالكامل، لكنه واقف بثبات.
أول ما سمع صوت خطوات عمر، قال:
“اتأخرت يا باشمهندس.”
ابتسم عمر لأول مرة من الصبح.
“عم جابر…”
ندى بصت باستغراب.
همس لها عمر:
“ده كان السواق الشخصي لوالدي أكتر من عشرين سنة.”
دخلوا البيت.
عم جابر راح مباشرة لخزانة خشب قديمة.
فتحها.
وطلع منها صندوقًا حديديًا صغيرًا.
حطه على الترابيزة.
وقال:
“أبوك سابه عندي قبل وفاته بشهر.”
مد عمر إيده وتحسس الصندوق.
“قالك إيه وقتها؟”
تنهد الرجل.
“قالي: لو حصل لي حاجة… أو لو عمر جه يسأل عن كريم… اديله ده.”
اتبادلت ندى وعمر النظرات.
أخرج عم جابر ظرفًا أصفر من داخل الصندوق.
كان مختومًا بالشمع الأحمر.
ناول الظرف لعمر.
قال عمر:
“يا ندى… افتحيه واقري.”
فتحت الظرف بحذر.
كان جواه خطاب طويل بخط اليد.
بدأت تقرأ:
> “يا عمر…
لو بتقرا الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا ما بقيتش موجود.
ولو وصلت ليها بسبب كريم… يبقى شكوكي كانت في محلها.
أنا اكتشفت قبل وفاتي إن في حد بيسرق الشركة من جوه، لكن ماكانش عندي دليل كفاية أواجهه.
عشان كده خبّيت كل المستندات في مكان واحد…
المكان اللي محدش هيفكر يدور فيه.”
وقفت ندى.
قال عمر بسرعة:
“كملي.”
قلبت الصفحة.
واتسعت عيناها.
“المكان…”
“إيه؟”
بلعت ريقها.
“المكان هو…”
قبل ما تكمل…
دوى صوت رصاصة في الخارج.
ارتج البيت كله.
ثم سمعوا صوت زجاج بيتكسر.
صرخ عم جابر:
“انبطحوا!”
وفي أقل من ثانية…
اخترقت رصاصة الشباك واستقرت في الحائط خلف مكان وقوف عمر.
أدركت ندى أنهم لم يعودوا يواجهون مجرد مؤامرة مالية…
بل أشخاصًا مستعدين للقت*ل حتى لا تظهر الحقيقة.اندفعت ندى من غير ما تفكر.
مسكت عمر من ذراعه، وسحبته بعيد عن الشباك قبل ما تيجي رصاصة تانية بثواني.
دوّى صوت الطلقة الثانية.
الزجاج اتناثر في كل الاتجاهات.
عم جابر انبطح على الأرض وهو بيصرخ:
“ورا المكتبة… بسرعة!”
اختبوا خلف مكتبة خشب تقيلة.
أنفاس ندى كانت متسارعة.
أما عمر…
فكان هادئًا بشكل غريب.
قال بصوت منخفض:
“اتنين.”
بصت له باستغراب.
“إيه؟”
“فيه اتنين بره.”
سكت لحظة، ثم أكمل:
“واحد على اليمين… والتاني أقرب للبوابة.”
همس عم جابر:
“إزاي عرفت؟”
رد عمر:
“الأول بيجر رجله الشمال وهو بيتحرك… والتاني نفسه تقيل.”
ندى بصت له بإعجاب.
حتى في أخطر لحظة…
سمعه كان بيرسم له المكان.
فجأة…
رن هاتف أحد المهاجمين في الخارج.
سمعوا صوته بوضوح وهو بيرد بعصبية:
“أيوه يا باشا… إحنا جوه المكان.”
ندى همست:
“باشا؟”
عمر قال بهدوء:
“بيشتغلوا لحساب حد.”
بعد دقيقة…
هدأ إطلاق النار.
ثم سمعوا صوت عربية بتتحرك بسرعة وبتبعد.
انتظروا دقائق قبل ما يخرجوا بحذر.
عم جابر جري ناحية الباب.
بص بره.
ورجع ووشه شاحب.
“هربوا.”
لكن ندى كانت واقفة عند الشباك المكسور.
في الأرض…
كان فيه ظرف أبيض.
واضح إنه وقع من واحد منهم وهو بيجري.
التقطته بسرعة.
فتحته.
جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها:
“اق*تلوا العجوز… وخدوا الرسالة… أما عمر، فسيبوه يعيش لحد الاجتماع.”
اتجمد الثلاثة.
قالت ندى:
“يعني هما مش عايزين يق*تلوك دلوقتي.”
رد عمر:
“لأنهم محتاجين توقيعي.”
هز المستشار رأسه وهو وصل بعد دقائق مع الشرطة.
“وده معناه إن عندنا وقت… لكن وقت قليل.”
ندى افتكرت فجأة الرسالة.
بصت للصفحة اللي ما كملتش قرايتها.
قال عمر:
“كملي.”
فتحت الورقة، وقرأت السطر الأخير:
> “المستندات الحقيقية مخبأة داخل المكتبة القديمة في مكتبي… لكن مش في الأدراج. افتح الكتاب الوحيد اللي عمر ما كانش بيسمح لحد يلمسه… كتاب “تاريخ مصر”. جواه مفتاح الحقيقة.”
عم جابر شهق.
“المكتبة دي لسه في القصر القديم.”
عمر قبض على يده بقوة.
وقال:
“يبقى هنروح القصر.”
لكن في نفس اللحظة…
رن هاتف ندى.
رقم مجهول.
ترددت، ثم ردت.
جالها صوت بارد:
“لو روحتي مع عمر للقصر… أختك نورا هتموت قبل ما ترجعي.”
سقط الهاتف من يدها.
وشحب وجهها تمامًا.
أدركت أن الحرب لم تعد تستهدف عمر وحده…
بل أصبحت تستهدف كل شخص يقف بجانبه.اتجمدت ندى مكانها.
عمر، رغم إنه ماكانش شايفها، سمع صوت الموبايل وهو بيقع على الأرض.
قال فورًا:
“مين كان على الخط؟”
حاولت ترد، لكن صوتها خانها.
انحنت جابت الموبايل من الأرض، وإيديها بترتعش.
“م… مفيش.”
سكت ثانيتين، ثم قال بهدوء:
“إنتِ كذبتي.”
رفعت رأسها بسرعة.
“أنا…”
“نبرة صوتك اتغيرت.”
دموعها لمعت في عينيها.
وقالت بصوت مكسور:
“هددوا نورا.”
اتشدت ملامح عمر لأول مرة.
“قالوا إيه؟”
“قالوا لو رحت معاك القصر… أختي هتموت.”
عم جابر ضرب بإيده على الترابيزة.
“أولاد…”
قاطعه عمر بهدوء:
“لأ… دي معناها إنهم مراقبين كل خطوة.”
سكت لحظة، ثم قال:
“وعارفين نقطة ضعف كل واحد فينا.”
ندى مسحت دموعها بسرعة.
“أنا آسفة.”
“على إيه؟”
“يمكن أكون السبب إنك تخسر.”
رد من غير تردد:
“إنتِ السبب الوحيد اللي مخليني لسه عندي فرصة أكسب.”
…
بعد ساعة…
كانت عربية سوداء تقف قدام العمارة اللي ساكنة فيها ندى.
لكن عمر ما كانش فيها.
ولا ندى.
العربية نزل منها أربعة من رجال الأمن الخاص بمجموعة الكيلاني.
قائدهم طلع للدور الثالث.
خبط على الباب.
فتحت نورا وهي مستغربة.
“حضرتك؟”
ابتسم الرجل باحترام.
“إحنا جايين بأمر من الأستاذ عمر.”
“خير؟”
“من النهارده… مش هتكوني لوحدك.”
بدأ رجال الأمن ينتشروا في العمارة.
واحد عند المدخل.
واحد فوق السطح.
واتنين في الشارع.
…
في نفس الوقت…
كان عمر وندى في طريقهم للقصر القديم.
قالت وهي باصة من الشباك:
“حضرتك كنت مجهز الحماية دي؟”
ابتسم.
“من ساعة ما هددوكي.”
استغربت.
“لكن المكالمة كانت من ساعة واحدة.”
رد بهدوء:
“أنا طلبت الحراسة أول ما قالوا اسم نورا.”
بصت له في صمت.
ثم قالت:
“إنت وثقت فيا بسرعة أوي.”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
“مش بسرعة.”
“إزاي؟”
“أنا من أول يوم سمعتهن وهما بيضحكوا عليكي برا الباب… وإنتِ الوحيدة اللي دخلتي وما حاولتيش تمثلي.”
سكت.
ثم أكمل:
“الناس بتبان وقت الخوف.”
…
بعد ساعتين…
وصلوا للقصر.
كان مهجورًا.
البوابة الحديد بتصرخ من الصدأ.
والحديقة بقت مليانة حشائش.
دخل عمر بخطوات ثابتة.
قال:
“أنا حافظ المكان.”
ندى مشت جنبه.
لحد ما وصلوا للمكتبة.
كانت الأرفف مغطاة بالتراب.
بدأت تدور على كتاب “تاريخ مصر”.
وفجأة…
لقته.
كان الوحيد اللي التراب عليه أقل من باقي الكتب.
سحبته.
سمعت صوت “تك.”
اتفتح درج سري داخل الحائط.
شهقت.
كان جواه فلاشة سوداء صغيرة…
وملف أحمر.
مدت إيدها تاخدهم…
لكن في نفس اللحظة…
سمعت صوت تصفيق بطيء جاي من باب المكتبة.
لفت بسرعة.
كان كريم الكيلاني واقف هناك…
ومعه أربعة رجال مسلحين.
ابتسم وهو يقول:
“برافو يا ندى…”
ثم نظر إلى عمر وقال:
“كنت عارف إنك في الآخر هتوصل للمكان… عشان كده سبقتك.”وقف الوقت للحظة.
ندى كانت ماسكة الفلاشة والملف الأحمر، وإيديها اتجمدت.
أما كريم…
فكان بيصفق ببطء، وابتسامة باردة مرسومة على وشه.
قال وهو يتقدم خطوة:
“سلمي اللي في إيدك… وأنا أوعدك محدش هيحصله حاجة.”
ندى ما ردتش.
بصت بسرعة لعمر.
هو ماكانش شايف اللي قدامه…
لكنه كان سامع كل نفس بيتاخد في الأوضة.
قال بهدوء:
“خمسة.”
استغرب كريم.
“إيه خمسة؟”
رد عمر:
“إنت… وأربعة معاك.”
ابتسم كريم بسخرية.
“لسه سمعك قوي.”
قال عمر:
“أقوى مما تتخيل.”
ثم همس لندى بصوت منخفض جدًا:
“لما أقول دلوقتي… ارمي الملف تحت المكتب.”
ندى فهمت إنه بيحاول يشتت انتباههم.
فضلت واقفة مكانها.
قال كريم بعصبية:
“خلصينا.”
وفي اللحظة دي…
قال عمر بصوت مرتفع:
“دلوقتي!”
رمت ندى الملف الأحمر ناحية المكتب الخشبي الكبير.
في نفس اللحظة اندفع عمر بعصاه في اتجاه صوت كريم مباشرة.
ماكانش بيشوف…
لكن العصا خبطت إيد كريم بقوة.
وقع المسدس من إيده.
اتحولت الأوضة لفوضى.
أحد الرجال جرى ناحية الملف.
ورجل تاني حاول يمسك ندى.
لكنها كانت أسرع.
خطفت الفلاشة وحطتها في جيبها.
وفجأة…
دوّى صوت صفارات الشرطة من بره القصر.
اتجمد رجال كريم.
صرخ واحد منهم:
“الشرطة!”
كريم بص ناحية الشباك بصدمة.
“إزاي؟”
ابتسم عمر لأول مرة.
وقال:
“لأنك مش الوحيد اللي بيعرف يحط خطط.”
في نفس اللحظة دخلت قوات الشرطة من الباب الرئيسي، ومعاهم المستشار فؤاد.
صرخ الضابط:
“ارموا الس*لاح!”
اتقبض على اتنين من رجال كريم.
لكن كريم استغل الزحمة، وكسر شباك جانبي وقفز منه للخ”…الحقيقة.”
بعد دقائق…
كانت الشرطة بتفتش القصر كله.
الضابط قرب من ندى.
“الفلاشة فين؟”
بصت لعمر.
هز رأسه بهدوء.
طلعتها من جيبها وسلمتها للضابط، لكن المستشار فؤاد قال بسرعة:
“لأ… دي لازم تتفتح بحضور النيابة.”
وافق الضابط، واتحفظ على الفلاشة رسميًا.
أما الملف الأحمر…
فكان لسه تحت المكتب.
فتحه المستشار بحذر.
كانت أول ورقة فيه عبارة عن كشف تحويلات مالية بمبالغ خيالية.
والتوقيع الموجود أسفلها…
كان توقيع كريم الكيلاني.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الورقة اللي بعدها.
قرأها المستشار بصوت مرتفع:
“وثيقة تأمين على حياة عمر الكيلاني… المستفيد الوحيد منها: كريم الكيلاني.”
عمّ الصمت.
ندى همست:
“يعني… لو عمر مات…”
أكمل المستشار:
“كريم كان هيحصل على مبلغ ضخم، غير إنه كان هيبقى صاحب النفوذ الأكبر في المجموعة.”
قبض عمر على يده بقوة.
لكن ملامحه فضلت هادئة.
“وده يفسر ليه كانوا عايزيني أوقع الأوراق الأول… وبعدها أتخلص.”
وفجأة…
دخل أحد الضباط مسرعًا.
“يا فندم!”
لفوا كلهم ناحيته.
“لقينا العربية اللي كريم هرب بيها.”
قال عمر بسرعة:
“وأمسكتوه؟”
هز الضابط رأسه بالنفي.
“العربية كانت فاضية.”
“وفين كريم؟”
تنهد الضابط.
“اختفى.”
…
في نفس الليلة…
كان كريم جالسًا داخل مخزن قديم على أطراف المدينة.
دخل عليه رجل ضخم وقال:
“كل حاجة ضاعت.”
ابتسم كريم رغم الغضب.
“لأ.”
“إزاي؟ الشرطة معاها المستندات.”
أخرج كريم هاتفًا من جيبه.
وضغط على زر التشغيل.
ظهر مقطع فيديو قصير.
فيه عمر وهو بيمشي داخل القصر…
وندى جنبه.
ابتسم كريم ابتسامة باردة.
“الناس بتحب الفضايح أكتر من الحقيقة.”
استغرب الرجل.
قال كريم:
“من بكرة… هينزل في كل وسائل التواصل إن الخادمة استغلت رجل أعمال كفيف علشان تسيطر على ثروته.”
سكت لحظة، ثم أكمل:
“ولما الناس تصدق… عمر نفسه هيبدأ يشك.”
وفي صباح اليوم التالي…
استيقظت ندى على عشرات الرسائل والمكالمات.
فتحت هاتفها…
واتجمدت.
صورتها مع عمر كانت في كل مكان.
وعنوان ضخم مكتوب فوقها:
“خادمة توقع أغنى رجل أعمال كفيف في حبها… تمهيدًا للاستيلاء على ثروته!”
وفي أقل من ساعتين…
تحولت ندى من فتاة لا يعرفها أحد…
إلى حديث البلد كله.رنت تليفونات الفندق من أول الصبح.
الصحفيين واقفين قدام البوابة.
والعاملات متحلقين قدام شاشة الموبايل.
واحدة منهم قالت وهي بتضحك بسخرية:
“قلتلكم… أكيد كان فيه حاجة بينهم.”
لكن موظفة أكبر سنًا ردت بهدوء:
“أنا أعرف ندى من أربع سنين… البنت دي عمرها ما بصت لحد طمع.”
سارة مراد كانت واقفة في مكتبها.
بصت للخبر، وابتسمت ابتسامة خبيثة.
وقالت لنفسها:
“خلاص… كده انتهت.”
…
في شقة ندى…
كانت نورا بترد على المكالمات وهي بتعيط.
“أختي معملتش حاجة… والله معملتش حاجة.”
لكن محدش كان بيسمع.
ندى قفلت الموبايل.
حطته على الترابيزة.
وقالت بهدوء غريب:
“أنا هرجع الشغل.”
استغربت نورا.
“بعد اللي حصل؟”
“أيوه.”
“الناس كلها بتتكلم.”
ابتسمت ندى بحزن.
“لو استخبيت… هيقولوا إني مذنبة.”
…
في نفس الوقت…
دخل عمر مقر الشركة.
أول ما وصل، سمع همسات الموظفين.
“أكيد الخبر صحيح.”
“دي كانت بتيجي له كل يوم.”
“واضح إنها عرفت توصل له.”
وقف عمر في وسط البهو.
وقال بصوت هادئ لكنه حاسم:
“كل اللي عنده كلام… يقوله قدامي.”
سكت الجميع.
اقترب مدير العلاقات العامة وقال بتوتر:
“يا فندم… الأزمة كبيرة.”
قال عمر:
“فين المؤتمر الصحفي؟”
“الساعة اتنين.”
“بلغ كل القنوات تيجي.”
…
الساعة اتنين ظهرًا…
كانت القاعة مليانة صحفيين.
الكاميرات شغالة.
وأول سؤال جه مباشرة:
“هل صحيح إن الآنسة ندى الشاذلي استغلت قربها من حضرتك لتحقيق مصالح شخصية؟”
ابتسم عمر ابتسامة هادئة.
وقال:
“أنا هجاوب.”
سكتت القاعة كلها.
“ندى الشاذلي هي أكتر شخص شريف قابلته من سنين.”
بدأ الهمس ينتشر.
وأكمل:
“الخبر المنتشر كذب.”
رفع صحفي إيده.
“لكن الصور…”
رد عمر:
“الصور حقيقية.”
استغرب الجميع.
“أيوه… كانت معايا.”
ثم أكمل بثبات:
“لأنها كانت بتحميني.”
سادت القاعة حالة من الذهول.
وأضاف:
“لو ما كانتش ندى موجودة… كنت دلوقتي يا ميت… يا مسروق.”
في آخر القاعة…
كان أحد الصحفيين بيبعت المؤتمر لايف.
وفي مكان بعيد…
كريم كان بيتابع البث.
ابتسامته اختفت لأول مرة.
همس بغضب:
“غلطت…”
الرجل اللي جنبه سأله:
“في إيه؟”
رد كريم وهو بيقفل الشاشة:
“افتكرت إنه هيخاف على سمعته.”
سكت لحظة…
ثم قال وهو ينظر إلى صورة عمر:
“لكن واضح إنه مستعد يحرق الدنيا كلها… علشان يحميها.”
وفي اللحظة نفسها…
وصلت رسالة مجهولة إلى هاتف ندى.
فتحتها.
وكان فيها صورة قديمة جدًا…
لحادث السيارة الذي فقد فيه عمر بصره.
لكن هذه المرة…
الصورة كانت تُظهر بوضوح أن سيارةً أخرى هي التي دفعت سيارة عمر خارج الطريق.
وتحت الصورة كُتبت جملة واحدة:
“الدليل اللي هيحبس كريم… لكنه ممكن يقت*لك إنتِ لو احتفظتِ بيه.”اتجمدت ندى وهي بتبص للصورة.
كبرتها بإيديها.
كانت باهتة…
لكن واضح فيها عربية سوداء بتخبط عربية عمر من الجانب قبل ما تنحرف.
همست:
“يبقى الحادث… كان مدبر.”
رفعت رأسها بسرعة.
وجرت على مكتب عمر.
دخلت من غير ما تخبط.
قال بهدوء أول ما سمع خطواتها:
“إنتِ بتجري.”
لهثت وهي بتقوله:
“لازم تشوف… أقصد… تسمع.”
ناولته الموبايل، ثم تذكرت.
ابتسمت بحرج.
“آسفة.”
قال:
“اقري.”
قرأت الرسالة كاملة.
فضل ساكت.
لحد ما قالت:
“إيه رأيك؟”
رد بهدوء:
“رأيي إن اللي بعت الرسالة مش عايز يساعدنا.”
استغربت.
“ليه؟”
“لأنه لو كان عايز يساعد… كان راح للشرطة.”
سكت لحظة.
“هو عايز يستخدمنا.”
…
في نفس الوقت…
كان قسم الجرائم الإلكترونية بيحاول يوصل لصاحب الرقم.
لكن النتيجة كانت غريبة.
الرسالة اتبعت من خط اتفعل لمدة خمس دقائق فقط…
وبعدين اتقفل نهائي.
قال الضابط:
“اللي عمل كده محترف.”
…
بعد ساعات…
اتحدد موعد جلسة النيابة الخاصة بالتحقيق في المستندات.
المستشار فؤاد دخل المكتب وهو مبتسم لأول مرة.
“عندي خبر كويس.”
بص له عمر.
“إيه هو؟”
“النيابة وافقت تفرغ محتوى الفلاشة.”
ندى ابتسمت.
“الحمد لله.”
لكن ابتسامته اختفت بسرعة.
“وفي خبر وحش.”
“إيه؟”
“الفلاشة عليها كلمة مرور.”
ساد الصمت.
قال عمر:
“وأكيد محدش يعرفها.”
رد فؤاد:
“فيه ثلاث محاولات بس.”
“ولو غلطنا؟”
“كل البيانات هتتمسح.”
ندى فضلت تفكر.
ثم قالت فجأة:
“ممكن…”
لفوا كلهم ناحيتها.
“إيه؟”
قالت:
“والد حضرتك كان بيحب إيه أكتر حاجة؟”
استغرب عمر.
“تقصدي إيه؟”
“يمكن كلمة السر مش رقم.”
بدأ يسترجع الذكريات.
ثم قال بهدوء:
“كان دايمًا يقول… الثقة أغلى من الفلوس.”
ندى كررت الجملة.
“الثقة…”
وفجأة اتسعت عيناها.
“الصورة!”
بصلها المستشار باستغراب.
“أي صورة؟”
“الصورة اللي كانت مع الرسالة… وكتاب تاريخ مصر… ورسالة والده كلها بتتكلم عن الثقة.”
قال عمر:
“كملي.”
ابتسمت وهي بتحاول تربط الخيوط.
“يمكن كلمة السر… مش اسم شخص.”
“أمال إيه؟”
قالت بثقة:
“يمكن تكون الكلمة نفسها…”
“الثقة”.
نظر إليها عمر في صمت.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
“لو طلعت صح…”
لكن قبل ما يكمل…
دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا.
“يا أستاذ عمر…”
“خير؟”
“كريم الكيلاني سلّم نفسه للشرطة.”
الجميع اتجمد.
حتى عمر.
سأل بهدوء:
“سلّم نفسه؟”
رد الضابط:
“أيوه…”
ثم أضاف الجملة التي قلبت كل شيء:
“وبيقول إنه بريء… وإن عنده الدليل الحقيقي على الشخص اللي حاول يق*تلك من أول يوم.”عمّ الصمت في المكتب.
ندى كانت أول واحدة اتكلمت.
“يعني… هو بيحاول يرمي التهمة على حد تاني.”
لكن عمر ما ردش.
فضل ساكت، كأنه بيرتب كل الأحداث في دماغه.
ثم قال للمستشار فؤاد:
“هنروح.”
استغرب فؤاد.
“للنيابة؟”
“أيوه.”
…
بعد ساعة…
دخل عمر وندى والمستشار مبنى النيابة.
كريم كان قاعد في غرفة التحقيق.
أول ما سمع خطوات عمر، ابتسم.
وقال:
“كنت عارف إنك هتيجي.”
رد عمر ببرود:
“قول اللي عندك.”
أخرج كريم ظرفًا بنيًا من على الترابيزة.
وقال:
“قبل ما تتهمني… افتح ده.”
فتح المستشار الظرف بحذر.
كان فيه صور…
وتقرير قديم.
بدأ يقلب الصفحات.
وفجأة، عقد حاجبيه.
“إيه ده؟”
سأله عمر:
“فيه إيه؟”
قال فؤاد ببطء:
“التقرير ده بيقول إن فرامل العربية اللي عملت الحادث كانت متعطلة قبل الحادث بيومين.”
ابتسم كريم.
“وأنا وقتها كنت مسافر بره مصر.”
ندى قالت بسرعة:
“وده ما يثبتش إنك بريء.”
رد كريم:
“صح.”
ثم مال للأمام وقال:
“لكن يثبت إن فيه واحد تاني كان بيلعب من البداية.”
نظر عمر إليه.
“مين؟”
ابتسم كريم ابتسامة غامضة.
“اسأل مدير الأمن القديم بتاع المجموعة.”
المستشار اتفاجأ.
“كمال عزمي؟”
هز كريم رأسه.
“هو الوحيد اللي كان عنده مفاتيح العربيات… وجدول تحركات عمر.”
ندى لاحظت حاجة.
من أول ما بدأ التحقيق…
كريم ما طلبش محامي.
ولا حاول يهرب.
كأنه…
منتظر حاجة.
وفجأة…
انفتح باب غرفة التحقيق بعنف.
دخل ضابط وهو بيصرخ:
“اطلعوا بره حالًا!”
وقف الجميع.
“فيه بلاغ بوجود قنبلة داخل المبنى.”
في أقل من دقيقة…
بدأ إخلاء النيابة بالكامل.
الناس بتجري في كل الاتجاهات.
وفي الزحمة…
ندى كانت ماسكة ذراع عمر علشان يخرج.
لكن فجأة…
حد خبطها بقوة.
وقعت على الأرض.
ولما رفعت رأسها…
كان عمر اختفى.
صرخت بأعلى صوتها:
“عمر!”
لكن ماحدش رد.
وسط الفوضى…
كانت سيارة سوداء تغادر من الباب الخلفي للنيابة بسرعة.
وفي المقعد الخلفي…
كان رجل مكبل اليدين يرفع رأسه ببطء.
لم يكن كريم…
بل كان عمر الكيلاني.صرخت ندى وهي تجري ناحية البوابة الخلفية.
لكن العربية كانت اختفت.
وقفت تلهث، والدموع في عينيها.
“خطفوه…”
وصل المستشار فؤاد بعدها بثوانٍ.
“إيه اللي حصل؟”
قالت وهي بتحاول تسيطر على أنفاسها:
“كان معايا… حد خبطني… ولما قمت كان اختفى.”
في نفس اللحظة، خرج الضابط المسؤول عن التأمين.
وشه كان شاحبًا.
قال:
“بلغنا كل الأكمنة.”
ثم سأل:
“آخر مرة شفتوه فيها كانت إمتى؟”
ندى أجابت بسرعة.
الضابط هز رأسه وقال:
“بلاغ القنبلة طلع كاذب.”
ساد الصمت.
فؤاد قال ببطء:
“يعني البلاغ كله كان علشان يخطفوا عمر.”
…
في مكان مجهول…
استفاق عمر على صوت باب حديد بيتقفل.
حاول يحرك إيده.
اكتشف إنها متربطة.
قال بهدوء:
“مين هنا؟”
جاله صوت رجُل:
“لسه هادي… حتى بعد كل ده.”
عرف الصوت فورًا.
“كمال عزمي.”
ضحك الرجل.
“واضح إن سمعك لسه زي ما هو.”
قال عمر:
“أنت اللي دبرت الحادث؟”
سكت كمال ثواني.
ثم قال:
“أنا كنت مجرد منفذ.”
“ولحساب مين؟”
اقترب منه.
وهمس في ودنه:
“لو قلتلك… مش هتصدق.”
…
في الفندق…
ندى كانت قاعدة في جناح عمر.
كل حاجة فيه في مكانها.
لكن صاحبه اختفى.
لفت نظرها الدفتر الصغير اللي كان عمر دايمًا بيكتب فيه.
فتحته.
في آخر صفحة…
كان فيه سطر واحد بخط إيده:
“لو اختفيت يومًا… متثقيش في أول حقيقة تسمعيها.”
عقدت حاجبيها.
وفي اللحظة دي…
رن هاتفها.
رقم مجهول.
ردت بحذر.
جالها نفس الصوت البارد اللي هددها قبل كده.
“عايزة تشوفي عمر حي؟”
قبضت على الهاتف بقوة.
“إنت مين؟”
ضحك.
“السؤال الصح… هو: مستعدة تدفعي تمن إنقاذه؟”
قالت من غير تردد:
“أعمل أي حاجة.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“تمام.”
وصلتها رسالة فيها عنوان مصنع مهجور خارج المدينة.
وتحت العنوان جملة قصيرة:
“تيجي لوحدك… ولو جبتِ الشرطة، هتستلمي جثته.”
أغلقت ندى الهاتف ببطء.
ونظرت إلى العنوان.
كانت تعرف أنها لو ذهبت وحدها…
قد لا تعود.
لكنها كانت تعرف أيضًا…
أنها لن تترك عمر يواجه مصيره وحده.