جوزي طيار وكان عنده رحله
جوزي طيار وكان عنده رحلة ليلة عيد جوازنا، فقررت أحجز تذكر في السر على نفس الطيارة عشان أفاجئه. بس أول ما صوته طلع في المايك، الكلام اللي قاله خلّى قلبي يقف من الصدمة.
انا وشريف متجوزين من 12 سنة، وعمره ما فوت يوم عيد جوازنا.. ولا مرة! بس السنة دي، جدول شغله جه في الكابينة بالليل في نفس الليلة اللي المفروض نحتفل فيها.
كان حاسس بالذنب جداً وفضل يوعدني إنه هيعوضني، بس أنا كنت خلاص رتبت خطتي. وبما إن الرحلة كلها 90 دقيقة بس، اشتريت تذكرة على طيارته من غير ما يعرف. ظبطت شعري، ولبست الفستان الأحمر اللي كان بيموت فيه من أول مقابلة لينا، وخططت أفاجئه أول ما ننزل.
عند بوابة السفر، كنت هبوظ الدنيا خالص لما لمحته واقف عند الممر ببدلته الرسمية وهو بيضحك مع المساعد بتاعه. دقات قلبي جريت زي أول مرة اتقابلنا، واستخبيت بسرعة ورا عمود عشان ما يلمحنيش.
ركبت مع آخر مجموعة، واتسحبت لكرسيّ رقم 14C، رميت شعري لقدام ونزلت راسي الأرض. الأبواب اتقفلت، والطيارة بدأت تتحرك لورا عشان تستعد للإقلاع. وفجأة، صوت شريف ملا كابينة الركاب.
“سيداتي وسادتي، معاكم الكابتن…”
ابتسمت وأنا مستنية البوقين التقليديين بتوع كل رحلة.
بس لقيته سكت فجأة..
وبعدين قال: “قبل ما نطلع في الجو، حابب أعمل حاجة عمري ما عملتها في أي رحلة قبل كده. معانا على الطيارة الليلة دي شخص غالي عليا أوي.. شخص بيمثلي كل حاجة في حياتي”.
وشي اتخطف وبقى طماطم من الكسوف! قولت أكيد شاف اسمي في كشف الركاب وبوظ المفاجأة. بس برضه قلبي قعد يرقص من الفرحة إنه بيقول عليا كده قدام الناس كلها.
وقفت وكنت لسه هرفع راسي ومستنياه ينطق اسمي..
بس الكلمتين اللي قالهم بعد كده.. جمدوني في مكاني!
ووووو
كان قلبي بيدق بعنف، وإيديا بردت فجأة.
“الشخص ده… يمكن ميكونش عارف إني اكتشفت اللي عمله من كام يوم.”
سكت شريف ثانيتين، والطيارة كلها هديت بشكل غريب.
بصيت حواليّ، لقيت الركاب بيبصوا لبعض باستغراب، وكل واحد بيحاول يعرف هو بيتكلم عن مين.
أما أنا… فحسيت إن الأرض بتسحبني.
إيه اللي اكتشفه؟!
أنا معملتش حاجة!
بدأت أفتش بسرعة في دماغي، يمكن نسيّت موقف، أو كلمة، أو تصرف فهمه غلط… لكن ملقتش.
رجع صوته في السماعات أهدى من الأول:
“الشخص ده علّمني إن القوة مش إنك متقعش… القوة إنك تقوم كل مرة حتى لو محدش شايف تعبك.”
بدأ التوتر يخف شوية… لكن فضولي زاد أضعاف.
مين يقصد؟
وفجأة سمعت صوت إحدى المضيفات في السماعة الداخلية بتقول:
“كابتن… الرسالة جاهزة.”
رسالة؟
إيه الرسالة؟
رفعت راسي لأول مرة من بداية الرحلة، ولاحظت إن المضيفات بيتحركوا بين المقاعد بطريقة غير طبيعية، وكل واحدة ماسكة ظرف أبيض صغير.
الركاب كانوا مستغربين، لكن واضح إنهم متعاونين، كأنهم داخلين في حاجة متفق عليها.
المضيفة وقفت عند الصف اللي قدامي، وابتسمت لراكبة مسنة وسلمتها الظرف، وبعدها اتحركت للصف اللي ورا.
لما قربت من مكاني، ابتسمتلي ابتسامة واسعة وقالت بصوت منخفض:
“حضرتك… اتفضلي.”
ناولتني ظرف مكتوب عليه بخط إيد شريف.
اتجمدت مكاني.
ده خطه… مفيش شك.
بصيت ناحية باب الكابينة، كأني مستنية يخرج بنفسه، لكن الباب فضل مقفول.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة…
ولقيت جواه صورة قديمة جدًا.
أنا وشريف… يوم ما اتقابلنا لأول مرة، وإحنا لسه طلبة.
لكن الغريب… إن في ظهر الصورة كانت فيه جملة مكتوبة بقلمه، عمره ما وريهالي قبل كده:
“لو وصلِتِ للرسالة دي… يبقى الخطوة الأولى نجحت.”
وقبل ما أستوعب معنى الجملة، أضاءت شاشة الطائرة، واختفت خريطة الرحلة…
وظهر عليها عنوان واحد فقط:
“المحطة الأولى…”
ثم انطفأت الشاشة مرة أخرى، قبل أن يظهر شيء جديد…اتعلقت عيني بالشاشة، لكن العنوان اختفى بسرعة، وكأن حد تعمد يخلي اللي شافه يشك في نفسه.
بصيت في الصورة تاني… ثم في الظرف.
كان فيه ورقة مطوية كويس، أصغر من الصورة.
فتحتها بحذر.
مكتوب فيها:
“لو بتقري الرسالة دي، يبقى عرفتي إن مفاجأتك ليا نجحت… بس المرة دي، المفاجأة اللي مستنياكي أكبر.”
اتسعت عيني.
عرف!
يعني كان عارف إني على الطيارة؟
إزاي؟
رجعت أكمل القراءة.
“فاكرة من 12 سنة لما وعدتك إن كل عيد جواز هيبقى مختلف؟ السنة دي الظروف سبقتنا… فقلت أخلي الذكرى دي عمرها ما تتنسي.”
ابتسمت رغم التوتر.
لكن الورقة ما خلصتش.
“الظرف ده هيفضل معاكي لحد ما توصلي للمحطة التانية… ومتفتحيش أي ظرف غير لما حد من طاقم الضيافة يقولك.”
رفعت رأسي بسرعة.
“أي ظرف؟”
بصيت تحت الورقة…
لقيت بالفعل ظرفين تانيين، مرقمين.
الأول مكتوب عليه:
“رقم ٢ – بعد الهبوط.”
والتاني:
“رقم ٣ – لما توصلي للمكان اللي هتروحيه.”
حسيت إن شريف مرتب كل حاجة بالدقيقة.
المضيفة رجعت تقرب مني وهمست بابتسامة:
“الكابتن وصانا شخصيًا إن حضرتك متستعجليش… وكل حاجة هتعرفيها في وقتها.”
قبل ما ألحق أسألها أي سؤال، سمعنا صوت شريف في السماعات من جديد:
“أعزائي الركاب، وصلنا لارتفاع التحليق المطلوب، وأشكركم على تعاونكم معانا الليلة.”
ثم سكت لحظة، وقال بنبرة دافئة:
“وفيه شخص واحد على الطيارة… أتمنى يفضل واثق فيا، حتى لو كل حاجة حواليه شكلها غامض.”
الكلمات دي دخلت قلبي مباشرة.
لكن في نفس اللحظة، لمحـت راكبًا في الصف المقابل يبص ناحيتي للمرة الثالثة.
كان في الخمسينات من عمره، ماسك كتابًا قديمًا، لكنه من وقت الإقلاع وهو لا بيقرأ ولا بيقلب صفحة واحدة.
ولما عيوننا اتقابلت… ابتسم ابتسامة هادئة، ومد إيده في جيب الجاكيت، وأخرج ميدالية صغيرة.
رفعها ناحيتي لثوانٍ فقط.
اتسعت عيناي…
لأن الميدالية دي أنا اللي اشتريتها لشريف في أول سنة جواز، واختفت من بيتنا من شهور، ومحدش عرف راحت فين.
قبل ما أستوعب اللي بشوفه، الراجل قفل إيده عليها من جديد… وكأنه مستني اللحظة المناسبة يقول الحقيقة.فضلت بصاله وأنا مش مستوعبة.
الميدالية دي مستحيل تكون مع حد غير شريف.
لما الطيارة بدأت تهدى بعد الإقلاع، الراجل مال ناحيتي وقال بصوت واطي جدًا:
“متقلقيش… كل حاجة ماشية زي ما الكابتن خطط.”
قبل ما أسأله أي حاجة، قام من مكانه واتجه بهدوء ناحية دورة المياه.
فضلت مكاني، وعقلي مليان أسئلة.
إزاي يعرف شريف؟
وإيه حكاية الميدالية؟
وليه كل الناس شكلها عارفة حاجة وأنا الوحيدة اللي مش فاهمة؟
بعد دقائق، خرج الراجل، لكن بدل ما يرجع لمقعده، وقفت مضيفة الطيران قدامه وقالت بابتسامة:
“حضرتك، الكابتن بيشكرك.”
ناولها الميدالية، وهي حطتها في علبة خشب صغيرة مبطنة بقماش أحمر، وقفلتها بعناية.
رجعت المضيفة عندي، وحطت العلبة على الطرابيزة الصغيرة قدامي.
وقالت:
“دي أمانة… والمفروض تفضلي مقفلاها لحد ما الطيارة تلمس الأرض.”
بصيت للعلبة، وكان عليها تاريخ واحد محفور بخط أنيق:
12 / 7
ابتسمت من غير ما أحس.
ده تاريخ عيد جوازنا.
لكن تحت التاريخ كان فيه نقش صغير عمرى ما شفته قبل كده:
“الوعد لسه مستمر.”
عدت الدقائق ببطء، وكل شوية كنت أبص من الشباك، وبعدين للعلبة، وبعدين لباب الكابينة.
وفجأة، اتفتح باب الكابينة للحظات.
خرج المساعد، واتجه ناحية آخر الطيارة، لكن قبل ما الباب يقفل، لمحت شريف واقف جوه.
ثانية واحدة بس…
رفع عينه، ولمحني.
ابتسم ابتسامة صغيرة، وحط إيده على قلبه، كأنه بيقول:
“استني… قربنا.”
رديت عليه بنفس الحركة من غير ما أفكر.
وفي اللحظة دي، دوّى صوت جرس خفيف في الطيارة، وأعلن شريف:
“هنبدأ إجراءات الهبوط خلال دقائق. وبرجاء من الراكبة الموجودة في المقعد 14C، تحتفظ بالعلبة معاها بعد النزول، لأن في شخص مستني يسلمها آخر قطعة من المفاجأة.”
الركاب كلهم بصوا ناحيتي بابتسامات، وكأنهم بقوا جزء من الحكاية.
أما أنا… فكنت حاسة إن المفاجأة لسه في بدايتها، وإن آخر قطعة قال عليها شريف هتكشف سرًا احتفظ بيه سنين طويلة… لكن لسه ما جهش وقت معرفته.بدأت الطيارة تنخفض بهدوء، وأضواء المدينة ظهرت من تحتنا كأنها نجوم مرسومة على الأرض.
صوت شريف رجع في السماعات بنبرته الهادية المعتادة:
“أشكركم على اختياركم رحلتنا، ونتمنى تكونوا استمتعتم بيها. وبرجاء البقاء في أماكنكم حتى التوقف الكامل.”
الكلمات كانت عادية بالنسبة لكل الركاب…
إلا بالنسبة لي.
لأن آخر جملة قالها كانت مختلفة.
“وفيه راكبة واحدة… أتمنى تفتكر إن بعض الوعود ممكن تستنى سنين، لكن عمرها ما بتتنسى.”
ابتسمت من غير ما أحس، وأنا ضاغطة على العلبة الخشب بين إيديا.
بعد ما الطيارة وقفت، الناس بدأت تنزل بالترتيب.
الغريب إن المضيفة وقفت قدام صفي وقالت بابتسامة:
“لو سمحتم… هنستأذن حضراتكم دقيقة.”
الركاب بصوا باستغراب، لكن محدش اعترض.
بعدها قربت مني وهمست:
“حضرتك آخر واحدة هتنزل.”
استنيت لحد ما الكابينة فضيت تمامًا.
أول ما آخر راكب خرج، باب الكابينة اتفتح.
خرج شريف ببدلته، لكنه أول ما شافني نسي كل الرسمية، وجري ناحيتي وهو بيضحك.
وقف قدامي وقال:
“يعني كنتِ فاكرة إنك هتفاجئيني؟”
ضحكت وأنا دموعي نزلت.
“إنت كنت عارف؟”
طلع من جيبه تذكرة مطبوعة.
“من أول ما حجزتي… وصلني كشف الركاب قبل الرحلة بيوم. أول ما شفت اسمك، عرفت إنك بتحضري لمقلب.”
ضربته بخفة على كتفه.
“وسبتني أعيش كل التوتر ده؟”
ابتسم وقال:
“لأن دي كانت أول خطوة.”
أشار ناحية العلبة اللي معايا.
“افتحيها دلوقتي.”
فتحت الغطا ببطء…
لقيت جواها الميدالية، وتحتها مفتاح نحاسي صغير مربوط بشريط أحمر.
كان معاه كارت مكتوب فيه:
“ده مفتاح المكان اللي بدأنا منه… لكن المرة دي هنرجعله بعد 12 سنة.”
رفعت عيني باستغراب.
“تقصد إيه؟”
ابتسم من غير ما يجاوب.
وفي نفس اللحظة، رن تليفونه.
بص للشاشة، وابتسامته اختفت فجأة.
رد بسرعة، وسمع الطرف التاني ثواني من غير ما ينطق.
ثم قال بصوت منخفض:
“إزاي؟… إمتى حصل ده؟”
وشه اتغير تمامًا.
قفل المكالمة، وبصلي وهو بياخد نفسًا عميقًا.
وقال:
“واضح إن خطتنا هتتأجل… لأن في حاجة حصلت لازم نروح لها حالًا.”
ولأول مرة من بداية الليلة… شفت في عينيه قلقًا حقيقيًا، من غير ما أعرف إيه الخبر اللي قلب كل حاجة.اتجمدت مكاني، وأنا ببص في وشه.
قلت بقلق:
“خير يا شريف… حصل إيه؟”
حاول يبتسم، لكن الابتسامة كانت باهتة.
مسك إيدي وقال:
“متخافيش… محدش حصله حاجة، بس لازم نتحرك بسرعة.”
الكلمة الأخيرة طمنتني شوية.
خرجنا من الطيارة، وكان في موظف من المطار واقف مستنينا بعربية كهربائية صغيرة.
أول ما شاف شريف، سلّمه ظرف أبيض مختوم، وقال:
“زي ما طلبت يا كابتن.”
استغربت.
“إنت كنت مرتب لكل ده؟”
ضحك وقال:
“آه… لكن المكالمة الأخيرة غيرت ترتيب الأحداث.”
ركبنا العربية، وماشيين بين الممرات الهادية للمطار، لحد ما وصلنا لباب جانبي مخصص للعاملين.
أول ما خرجنا، لقيت عربية قديمة واقفة.
عربية!
بصيت لها أكتر، وحسيت إني أعرفها.
قربت منها ببطء… وفجأة شهقت.
“دي… دي عربيتنا الأولى!”
العربية الزرقا الصغيرة اللي اشتريناها بعد الجواز بشهور، واضطرينا نبيعها وقت ما كان شريف لسه في بداية شغله، عشان نسدد أقساط البيت.
لفيت أبصله، وأنا مش مصدقة.
“إنت… رجعتها؟”
هز راسه بابتسامة.
“فضلت أدور عليها أكتر من سنة… ولما لقيتها، اشتريتها من غير ما أقولك.”
لمست باب العربية، وحسيت كأن الزمن رجع بينا.
ركبنا، وكان نفس معطر الجو اللي كنت بحبه معلق في المراية، ونفس الأغنية القديمة شغالة بصوت منخفض.
ضحكت وسط دموعي.
“إنت فاكر كل التفاصيل؟”
رد وهو بيبص للطريق:
“في حاجات مينفعش تتنسي.”
بعد حوالي عشرين دقيقة، وقف قدام مبنى صغير مطل على النيل.
كان مطعمًا قديمًا، لكنه مقفول.
استغربت.
“إحنا جايين هنا ليه؟”
ناولني المفتاح النحاسي اللي كان في العلبة.
وقال:
“المفتاح ده مش بتاع المطعم…”
وأشار ناحية باب خشبي صغير في الجنب، عمره ما كان ظاهر للناس.
قربت، وحطيت المفتاح في القفل.
لفّ بسهولة… وكأن الباب كان مستنينا.
فتح الباب ببطء.
دخلنا ممرًا قصيرًا، وفي آخره غرفة صغيرة مضاءة بشموع.
على الحائط كانت صورنا من أول يوم خطوبة، ويوم كتب الكتاب، وأول بيت، وأول رحلة، وكل ذكرى جميلة عدت علينا.
لكن في منتصف الغرفة…
كانت فيه منضدة عليها صندوق خشبي كبير، وعليه ورقة واحدة مكتوب فيها بخط شريف:
“افتحيه معايا… لأن اللي جواه هيغير شكل كل عيد جواز من النهارده، لكن لسه لازم تعرفي حاجة مهمة قبل ما نشوفه.”
ثم نظر إليّ بهدوء، وأخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يستعد ليحكي سرًا احتفظ به سنوات… لكنه لم ينطق بالكلمة الأولى بعد.وقفت قدامه، وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه.
بصيت للصندوق… وبعدين بصيتله.
قلت بصوت مرتعش:
“شريف… خوفتني. هو في إيه؟”
ابتسم، ومد إيده مسك إيدي برفق.
“اطمني… السر ده عمره ما كان حاجة وحشة. بالعكس… هو أجمل وعد حاولت أوفيه.”
سحب من جيبه مفتاحًا صغيرًا تاني، كان مختلف عن المفتاح اللي فتحنا بيه الباب.
ركع على ركبة واحدة قدام الصندوق، وحط المفتاح في القفل.
صدر صوت “تك”.
فتح الغطا ببطء…
ولقيت جواه عشرات الظروف، كل واحد مربوط بشريط بلون مختلف.
وعلى كل ظرف تاريخ.
قربت وأنا مستغربة.
أول ظرف كان مكتوب عليه:
“السنة الأولى.”
واللي بعده:
“السنة الثانية.”
وبعدين:
“السنة الثالثة.”
لحد ما وصلت لآخر ظرف.
“السنة الثانية عشرة.”
بصيتله باستغراب.
“إيه دول؟”
ابتسم وقال:
“كل سنة في عيد جوازنا، كنت بكتبلك جواب.”
شهقت.
“جواب؟”
هز رأسه.
“حتى في السنين اللي كنا بنتخانق فيها… والسنين اللي كنت مسافر فيها… والسنين اللي كنتِ فاكرة إني نسيت المناسبة… كنت برجع آخر اليوم وأكتب كل اللي كنت عايز أقوله، وأحطه هنا.”
مد إيده وناولني أول ظرف.
فتحته.
كان الخط أقدم، وكأن الزمن رجع بينا.
قرأته بصوت منخفض، وكانت أول جملة فيه:
“إلى البنت اللي وافقت تعيش مع شاب لسه بيبدأ حياته… أوعدك إني يمكن معرفش أجيب الدنيا كلها، لكن هفضل أحاول أخليكي تضحكي كل يوم.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
فتحت الظرف اللي بعده.
ثم اللي بعده.
كل واحد كان حكاية كاملة.
في واحد كان بيحكي عن أول مرة خاف يبقى أب.
وفي واحد كتب فيه قد إيه كان فخور بيا وأنا بسانده في أصعب فترة في شغله.
وفي واحد اعتذر فيه عن يوم رجع متأخر من غير ما يقدر يشرح سبب تعبه.
ولما وصلت لظرف السنة السابعة…
لقيت صورة صغيرة جواه.
صورة لينا وإحنا واقفين قدام بيت بسيط تحت التشطيب.
افتكرت اليوم ده.
اليوم اللي قولتله فيه إن البيت صغير، لكنه هيبقى أجمل مكان طول ما إحنا مع بعض.
ابتسم وقال:
“كل ظرف فيه ذكرى… وكل ذكرى كانت بتفكرني ليه اخترتك من البداية.”
مسحت دموعي، وأنا بضحك.
“طيب… وإيه حكاية ظرف السنة الاتناشر؟”
بص للصندوق، وسكت شوية.
ثم أخده بإيده، لكن قبل ما يديهولي، قال:
“الظرف ده مختلف… لأنه مش بيتكلم عن اللي فات.”
ثم رفع عينيه نحوي، وابتسم ابتسامة مليانة أمل.
“الظرف ده… بيتكلم عن اللي جاي.”
لكنه لم يفتحه بعد، واكتفى بأن وضعه بين أيدينا، وكأن اللحظة نفسها كانت أهم من معرفة ما بداخله.مديت إيدي ببطء، ولمست الظرف.
كان أثقل من باقي الظروف.
بصيت لشريف وقلت وأنا بضحك وسط دموعي:
“هو إنت حاطط فيه طوبة؟”
ضحك من قلبه لأول مرة من بداية الليلة.
وقال:
“لا… بس يمكن يكون أكتر ظرف استنيت اللحظة دي عشان أفتحه.”
ناولني الظرف.
فتحت الشريط الذهبي اللي كان ملفوف حواليه، وأخرجت الورقة.
لكن قبل ما أبدأ أقرأ، وقع منها مفتاح صغير تاني.
استغربت.
“هو النهارده يوم المفاتيح ولا إيه؟”
قال بابتسامة:
“المفتاح ده لباب لسه مفتحناهوش.”
بصيتله باستغراب، لكنه أشار للورقة.
بدأت أقرأ.
“حبيبتي…”
“لو وصلنا للسنة الاتناشر، يبقى إحنا عدينا مع بعض أفراح، وتعب، وضحك، وخلافات بسيطة، وأيام حسينا فيها إن الدنيا تقيلة… لكن عمرنا ما سبنا إيد بعض.”
كملت القراءة، وكل كلمة كانت كأنها بتتحكي عن عمر كامل.
“أنا اتعلمت إن الجواز مش هدية بتتاخد مرة واحدة… ده اختيار بيتكرر كل يوم. وكل يوم كنت باختارك من جديد.”
رفعت عيني، لقيته واقف قدامي، وعينه مليانة دموع.
قال بهدوء:
“كملي.”
نزلت بعيني على آخر السطور.
“وعشان كده… قررت إن أحسن هدية بعد 12 سنة، هي إننا نبدأ نحلم من أول وجديد.”
تحت الرسالة كان فيه ظرف صغير جدًا.
فتحته.
طلع منه مفتاح، ومعاه صورة لتصميم بيت جميل تحيط به حديقة واسعة.
بصيت للصورة، وبعدين لشريف.
“إيه ده؟”
ابتسم وقال:
“فاكرة الأرض الصغيرة اللي اشتريناها من خمس سنين، وقلنا لما الظروف تتحسن هنبني عليها؟”
هزيت راسي بسرعة.
“أيوه… بس إحنا أجلنا الموضوع.”
رد وهو يخرج ملفًا أزرق من الصندوق.
“ما أجلناهوش… أنا كنت شغال عليه في السر.”
فتحت الملف.
كانت فيه رسومات هندسية كاملة، وتصاريح، وصور لمراحل التنفيذ.
ومع كل صفحة كنت بقلبها… كانت الصدمة بتكبر.
لحد ما وصلت لآخر صورة.
شهقت، وحطيت إيدي على بقي.
لأن البيت… كان شبه مكتمل بالفعل.
لكن قبل ما أستوعب كل التفاصيل، قال شريف بابتسامة هادئة:
“لسه فاضل تشوفيه بعينك… وساعتها هتعرفي ليه كنت مصر إن الليلة دي تفضل محفورة في ذاكرتنا طول العمر.”خرج شريف من الغرفة وهو ماسك إيدي، وكأنه مستعجل يوصلني قبل ما الليل يخلص.
ركبنا العربية القديمة، لكنه المرة دي مد إيده وناولني المفتاح الصغير.
وقال:
“إنتِ اللي هتفتحي الباب.”
سألته وأنا بضحك:
“وإنت هتفضل مخليني أفتح أبواب لحد الصبح؟”
ضحك وقال:
“آخر باب… أوعدك.”
اتحركنا في طريق هادي، والساعة كانت قرب منتصف الليل.
بعد حوالي نصف ساعة، وقفنا قدام بوابة حديد كبيرة.
مكان هادي، حواليه أشجار، وأنواره خافتة.
بصيت لشريف.
قال بهدوء:
“انزلي.”
نزلت من العربية، ولسه مستغربة.
قربنا من البوابة، وكان فيها قفل جديد.
حطيت المفتاح فيه.
لفيته…
واتفتح الباب ببطء.
دخلنا.
كان قدامنا ممر طويل مزروع ورد أبيض على الجانبين، وفي آخره بيت جميل، أنواره كلها منورة.
وقفت مكاني وأنا مش قادرة أتكلم.
همست:
“هو… ده؟”
هز رأسه.
“أيوه.”
بدأنا نمشي ناحية البيت.
كل خطوة كنت باخدها كانت بتخليني أحس إني بحلم.
وصلنا للباب الرئيسي.
وفوق الباب كانت لافتة خشب صغيرة.
مكتوب عليها:
“بيت الوعد.”
دخلنا.
ريحة الخشب الجديد كانت مالية المكان.
الصالة واسعة، والمطبخ مفتوح، وكل حاجة متشطبة بذوق بسيط… بالظبط زي ما كنت برسم في كراسة صغيرة من سنين.
بصيتله بدهشة.
“إنت شفت الرسومات دي؟”
ابتسم.
“مش شوفتها… أنا صورتها.”
اتسعت عيني.
“إيه؟”
قال وهو يفتح درجًا في المكتبة.
طلع منه الكراسة القديمة اللي كنت فاكرة إنها ضاعت وقت نقلنا من شقتنا الأولى.
قلب صفحاتها.
كل صفحة فيها حلم كتبته بخط إيدي.
ركنة القراءة.
المطبخ الأبيض.
الشباك الكبير المطل على الجنينة.
حتى مكان الأرجوحة اللي كنت بقول نفسي أقعد عليها وأنا بشرب القهوة.
قال بهدوء:
“ولا حلم منهم كان صغير بالنسبة لي.”
دموعي نزلت من غير ما أحاول أمنعها.
وفجأة…
سمعنا صوت ساعة الحائط تدق.
اثنتا عشرة دقة.
بص شريف في ساعته، ثم ابتسم وقال:
“كل سنة وإنتِ شريكة عمري.”
ابتسمت وأنا رديت:
“وإنت طيب يا أحلى مفاجأة في حياتي.”
وفي اللحظة دي، بدأت الألعاب النارية تنور السما من برا، وانعكس نورها على شباك البيت.
وقفنا جنب بعض نتفرج عليها في صمت.
كان صمت مليان امتنان… بعد رحلة بدأت بمفاجأة على متن طائرة، وانتهت عند باب بيت اتبنى على وعد اتكتب من 12 سنة، واتحقق خطوة بخطوة، من غير ما واحد فيهم يفقد ثقته في التاني.بعد ما خلصت الألعاب النارية، فضلنا واقفين في البلكونة، وكل واحد فينا ساكت.
الصمت المرة دي كان مريح.
بصيت لشريف وقلت بابتسامة:
“عارف؟ أنا كنت داخلة الطيارة وأنا متأكدة إني أنا اللي هفاجئك.”
ضحك وقال:
“وأنا من أول ما شفت اسمك في كشف الركاب، عرفت إن لازم أغيّر الخطة كلها.”
هززت راسي.
“يبقى كنت بتمثل طول الرحلة؟”
قال وهو يضحك:
“بصراحة… أصعب حاجة بالنسبة لطيار إنه يفضل مركز في الرحلة، وفي نفس الوقت نفسه يبص كل شوية على زوجته اللي قاعدة في الصف 14C.”
ضحكت لأول مرة من قلبي.
دخلنا البيت تاني، ولاحظت إن في أوضة مقفولة في آخر الممر.
بابها كان مختلف عن باقي الأبواب.
قلت:
“دي إيه؟”
ابتسم وقال:
“دي أوضة لسه مفتحناهاش.”
بصيتله باستغراب.
“هو إنت مخبيلي مفاجآت بعدد أوض البيت؟”
قال وهو يناولني آخر مفتاح كان معاه:
“دي آخر واحدة فعلًا.”
قربت من الباب، وفتحته.
كانت مكتبة صغيرة، فيها رفوف مليانة كتب، وركنة قراءة، ومكتب خشب بسيط.
لكن اللي شد انتباهي أكتر…
صورة كبيرة متعلقة على الحائط.
صورتنا يوم كتب الكتاب.
وتحتها لوحة مكتوب عليها بخط جميل:
“البيت مش بيتبني بالطوب… البيت بيتبني بالمودة.”
لفيت أبص لشريف.
قال:
“كل ما كنت أسافر، كنت برجع أحط حاجة في البيت ده. كتاب، صورة، قطعة أثاث… كنت ببنيه وإحنا لسه ساكنين في شقتنا القديمة، عشان لما يجي اليوم ده، تحسي إن كل ركن فيه جزء من عمرنا.”
قعدنا على الأريكة الصغيرة.
وبدأنا نفتح صندوقًا آخر كان في المكتبة.
الصندوق كان مليان صور مطبوعة.
كل صورة وراها تاريخ، وتعليق بخط شريف.
صورة لأول أكلة عملتها وحَرَقْتها، وكتب وراها:
“طعمها كان أجمل من أي أكلة في مطعم، لأنها كانت معمولة بحب.”
وصورة لأول عربية اشتريناها، وكتب:
“مكنتش فخمة… لكنها كانت شاهدة على بداية الطريق.”
وصورة لأول رحلة بعد الجواز.
ولما وصلنا لآخر صورة…
كانت صورة من كاميرات المطار.
أنا واقفة ورا العمود، مستخبّية، وببص عليه وهو واقف مع مساعده قبل الرحلة.
ضحكت بصوت عالي.
“إنت كنت شايفني!”
ضحك وقال:
“شايفك من أول ما دخلتي الصالة… لكن قلت أسيبك تكملي المفاجأة اللي تعبتي فيها.”
ضربته بخفة في كتفه وأنا بضحك.
“يعني كنت بستخبى على الفاضي!”
رد بابتسامة:
“أبدًا… كنتِ أحلى مفاجأة شفتها في عيد جوازنا.”
ثم مد إيده، مسك إيدي، وقال:
“وعد جديد؟”
ابتسمت وسألته:
“إيه هو؟”
قال:
“مهما زادت المسؤوليات، ومهما أخدنا الشغل، نفضل كل سنة نعمل ذكرى جديدة… مش لازم تكون كبيرة، المهم نعيشها مع بعض.”
شددت على إيده، وقلت:
“وعد.”
وفي اللحظة دي، حسيت إن أجمل هدية في الليلة دي ما كانتش البيت، ولا المفاجآت، ولا الرسائل…
كانت إن بعد 12 سنة، لسه كل واحد فينا قادر يفاجئ التاني، ويخليه يحس إنه أول حب… وأغلى رفيق عمر.في صباح اليوم التالي، صحيت على ريحة القهوة.
فتحت عيني ببطء، وللحظة افتكرت إن كل اللي حصل امبارح كان حلم.
لكن أول ما بصيت من الشباك، لقيت الجنينة الصغيرة، والأرجوحة الخشب، والورد الأبيض اللي كان مزروع على الجانبين.
ابتسمت.
“يبقى ده بقى بيتنا فعلًا.”
خرجت من الأوضة، لقيت شريف واقف في المطبخ، لابس مريلة المطبخ فوق هدومه، وبيحاول يقلب بان كيك.
أول ما شافني قال بثقة:
“الفطار جاهز.”
بصيت على الطاسة… ولقيت أول قطعة متفحمة تمامًا.
انفجرت من الضحك.
قلت:
“واضح إنك لسه محتاج تدريب.”
رد وهو بيضحك:
“أهو عشان تفتكري أول أكلة عملتيها.”
قعدنا نفطر سوا، وكل شوية نبص في البيت حوالينا وكأننا بنكتشفه لأول مرة.
بعد الفطار، رن جرس الباب.
استغربنا.
إحنا لسه محدش يعرف إننا هنا.
فتح شريف الباب.
كان عامل توصيل واقف، ومعاه صندوق خشبي صغير.
قال:
“الكابتن شريف؟”
“أيوه.”
“دي أمانة اتطلب مني أوصلها النهارده الساعة تسعة الصبح بالظبط.”
استلم الصندوق، وقفل الباب.
بصينا لبعض باستغراب.
قال:
“أنا ما طلبتش حاجة.”
حط الصندوق على السفرة.
كان مقفول بقفل صغير، لكن المفتاح كان متثبت بشريط في الغطا.
فتحناه.
لقينا جواه ظرف واحد.
مكتوب عليه:
“يفتح بعد أول ليلة في بيت الوعد.”
بصيت لشريف.
“إنت متأكد إن دي مش واحدة من مفاجآتك؟”
هز راسه.
“أقسم بالله أول مرة أشوفه.”
فتحت الظرف بحذر.
كان جواه ورقة، وصورة قديمة بالأبيض والأسود.
الصورة كانت لراجل كبير وست كبيرة واقفين قدام بيت ريفي بسيط.
وفي ضهر الصورة مكتوب:
“إلى أول اتنين هيسكنوا البيت بعد ما يرجع للحياة… حافظوا عليه، لأنه اتبنى على حلم، زي أي بيت سعيد.”
سألت شريف:
“مين دول؟”
ابتسم وقال:
“لما اشتريت الأرض، عرفت إن كان عليها بيت قديم جدًا، اتهد من سنين. واضح إن المالك السابق كان سايب الصندوق عند المحامي، وطلب إنه يتسلم لأي أسرة تبدأ حياة جديدة هنا.”
قلبنا الورقة.
كان فيها رسالة قصيرة:
“لو أنتم بتقرأوا الرسالة دي، فأنتم محظوظين… لأن البيت الحقيقي مش اللي سقفه يحميكم من المطر، لكن اللي قلوبكم تحمي بعضها فيه وقت الشدة.”
سكتنا لحظات.
وبعدين شريف طوى الرسالة بعناية، وحطها في إطار صغير على الرف.
وقال:
“دي أول حاجة هتتعلق في بيتنا.”
وافقت وأنا مبتسمة.
وفي اللحظة دي، أدركت إن بعض البيوت بتبدأ بالطوب والإسمنت…
لكن البيت اللي يعيش طويلًا، بيبدأ بكلمة صادقة، ووعد بيتجدد كل يوم، وقلوب بتختار بعضها من جديد، مهما عدت السنين.مرت أسابيع، والحياة في “بيت الوعد” بدأت تاخد شكلها الطبيعي.
شريف يرجع من رحلاته، وأنا أكون مستنياه في الجنينة بكوباية شاي، نحكي لبعض عن يومنا، ونضحك على المواقف الصغيرة اللي زمان كانت بتعدي من غير ما ناخد بالنا منها.
وفي كل مرة كان يسافر، كان يسيبلي ورقة صغيرة في مكان مختلف.
مرة جوه كتاب بقرأه.
ومرة تحت فنجان القهوة.
ومرة لزقتها على باب التلاجة، ومكتوب فيها:
“لو رجعتي من شغلك قبلي… افتحي الشباك. نفسي أول نسمة هوا تدخل البيت تكون وإنتِ فيه.”
البيت بقى مليان تفاصيل شبهنا.
لكن في يوم، وأنا بنضف المكتبة، لقيت درجًا صغيرًا كنت فاكرة إنه فاضي.
فتحته.
كان فيه دفتر جلده بني، وعلى الغلاف مكتوب:
“أحلامنا القادمة.”
فتحته.
أول صفحة كانت بخط شريف:
“أي حلم يتحقق… نكتب جنبه علامة صح. وأي حلم لسه مستني… نسيبه هنا لحد ما ييجي وقته.”
قلبت الصفحات.
لقيت أحلام بسيطة جدًا.
رحلة بالقطار في الصعيد. ✔️
نتعلم نزرع شجرة فاكهة. ⬜
نقضي يوم كامل من غير موبايلات. ⬜
نرجع نزور أول شقة عشنا فيها. ⬜
ضحكت وأنا بقلب الصفحات.
لكن آخر صفحة خلتني أسكت.
كان مكتوب فيها:
“في عيد جوازنا الخامس عشر… نفتح الدفتر ده تاني، ونشوف كام حلم عشنا فعلاً.”
قفلت الدفتر وأنا مبتسمة.
في نفس اللحظة، دخل شريف من الباب وهو شايل شتلة ياسمين.
قال وهو يرفعها قدامي:
“فاكرة إنك كنتِ نفسك في ياسمينة عند باب البيت؟”
ضحكت.
“إنت فاكر كل كلمة قلتها؟”
رد بابتسامة:
“يمكن أنسى مواعيد مباريات الكورة… لكن أنسى أمنية ليكي؟ مستحيل.”
خرجنا سوا للجنينة.
حفر حفرة صغيرة، وناولني الشتلة.
وقال:
“إنتِ ازرعيها.”
غرستها بإيدي، وهو بدأ يردم التراب حواليها.
ولما خلصنا، وقفنا نبص لها.
قال بهدوء:
“الشجرة دي هتكبر سنة بعد سنة… وكل عيد جواز هنقيس طولها.”
ابتسمت وأنا ماسكة إيده.
وقلت:
“ولما تبقى كبيرة، هنقعد تحتها ونحكي لأولادنا وأحفادنا حكاية الطيارة… والبيت… والرسائل.”
ابتسم شريف، وضغط على إيدي برفق.
“وساعتها هنعرف إن أجمل رحلة في حياتي… ما كانتش في السماء.”
بصيتله باستغراب.
ابتسم وأكمل:
“كانت من أول يوم مسكت فيه إيدك… ولسه الرحلة مكملة.”مرّت الشهور بسرعة، وبقى “بيت الوعد” مليان حياة.
الياسمينة اللي زرعناها كبرت، وبدأت أول زهورها البيضاء تطلع مع أول نسمة ربيع.
وفي كل مرة كان شريف يسافر، كان قبل ما يخرج يلمس الياسمينة ويقول ضاحكًا:
“خلي بالكِ منها… دي شاهدة على كل وعودنا.”
وأول ما يرجع، أول حاجة يعملها إنه يروح يبص عليها.
في يوم إجازة، كنا قاعدين في الجنينة نشرب الشاي، وفجأة قال:
“إيه رأيك نعمل عادة جديدة؟”
سألته:
“زي إيه؟”
قال:
“كل عيد جواز، نكتب رسالة لبعض، ونحطها في الصندوق اللي في المكتبة، وممنوع حد يقرأها إلا بعد خمس سنين.”
ضحكت.
“يعني هنبعت رسايل لنفسنا في المستقبل؟”
قال:
“بالظبط… عشان نفتكر إحنا كنا بنحلم بإيه، ونشوف حققنا منه كام حاجة.”
أعجبتني الفكرة.
دخلنا المكتبة، وكل واحد قعد في ركن وبدأ يكتب.
كنت كل شوية أبصله، وهو يخبّي الورقة بإيده ويضحك.
بعد حوالي نص ساعة، خلصنا.
حطينا الرسالتين في ظرف واحد، وكتبنا عليه:
“يُفتح في عيد جوازنا السابع عشر.”
وقفلناه، وحطيناه في آخر الصندوق.
وأول ما قفلنا الغطا، رن جرس الباب.
فتح شريف.
كان ساعي البريد.
ناولنا ظرفًا أنيقًا، وقال:
“دعوة لحضور احتفال.”
فتحنا الظرف.
كان من شركة الطيران.
دعوة لتكريم شريف بعد سنوات طويلة من الطيران، تقديرًا لالتزامه وسجله المهني المميز.
بصيتله بفخر.
قلت:
“أنا أول واحدة هتكون موجودة.”
ابتسم وقال:
“بس المرة دي… متحجزيش تذكرة في السر.”
ضحكت من قلبي.
“أوعدك.”
لكن جوايا كنت بفكر…
إن المفاجآت الجميلة عمرها ما كانت في التذاكر، ولا في الهدايا، ولا حتى في البيوت.
كانت في إن كل يوم جديد، كنا بنختار نكمل الرحلة مع بعض بنفس الحب، ونفس الثقة، ونفس الوعد الأول. تمت.بعد حفل التكريم بأسبوع، كانت الحياة رجعت لهدوئها المعتاد.
وفي مساء يوم الجمعة، كنا قاعدين في الجنينة، والياسمينة بقت ناشرة ريحتها في المكان كله.
شريف كان بيقلب في ألبوم الصور، وفجأة وقف عند صورة الرحلة اللي بدأت منها كل الحكاية.
الصورة كانت ليا وأنا قاعدة في المقعد 14C، وبضحك بعدما اكتشفت أول مفاجأة.
ابتسم وقال:
“تصدقي… الرحلة دي غيرت حاجات كتير.”
قلت وأنا باخد الألبوم من إيده:
“وأهمها إني بقيت أخاف كل ما أسمعك تمسك المايك.”
ضحك بصوت عالي.
“ليه؟”
“لأن كل مرة هقول أكيد مخبيلي مفاجأة جديدة.”
وقبل ما يرد، رن جرس الباب.
فتحنا.
كان جارنا الجديد، راجل كبير في السن، ومعاه بنته الصغيرة.
قال بابتسامة:
“آسف على الإزعاج… لكن بنتي شافت الياسمينة، ومن ساعتها نفسها تعرف اسمها.”
نزل شريف على ركبته قدام البنت وقال:
“اسمها ياسمينة الوعد.”
البنت ضحكت وقالت:
“هو الشجر بيبقى ليه وعد؟”
بص شريف ناحيتي، ثم رد عليها:
“أيوه… لما كل يوم حد يسقيه ويهتم بيه، يكبر ويعيش سنين. والحب كمان كده.”
البنت أخدت وردة وقبل ما تمشي قالت:
“لما أكبر… هزرع واحدة زيها.”
بعد ما الباب اتقفل، بصيت لشريف وقلت:
“عارف؟ يمكن دي أحلى مفاجأة عملتها ليا.”
استغرب.
“البيت؟”
هززت راسي.
“لا.”
“الرسائل؟”
“لا.”
“أمال إيه؟”
ابتسمت وقلت:
“إنك فكرتني إن السعادة مش لحظة كبيرة بنستناها… السعادة بتتبني من مواقف صغيرة، كل يوم.”
سكت شوية، وبعدين دخل البيت.
رجع بعد دقيقة وهو شايل صندوق الرسائل.
حطه على الترابيزة وقال:
“إيه رأيك نسيب مكان فاضي هنا؟”
استغربت.
“ليه؟”
قال وهو يفتح الصندوق:
“عشان بعد عشرين سنة، نضيف رسائل جديدة… ونفضل نحكي حكايتنا من أول وجديد.”
بصيت للصندوق، ثم للبيت، ثم للياسمينة اللي كانت بتتحرك مع الهوا.
وحسيت إن الرحلة اللي بدأت بمقعد على طائرة… ما كانتش انتهت.
كانت كل يوم بتبدأ من جديد، مع فنجان قهوة، ورسالة صغيرة، وابتسامة، ووعد بيتجدد بين قلبين اختارا يكمّلوا الطريق معًا، مهما طال العمر.مرَّت ثلاث سنوات أخرى.
وفي كل عيد جواز، كنا بنضيف رسالة جديدة للصندوق، وصورة جديدة للألبوم، وذكرى جديدة للبيت.
الياسمينة كبرت، وبقت تغطي جزءًا كبيرًا من سور الجنينة، وكل اللي يزورنا كان يسأل عنها.
وفي صباح هادئ، كنت بجهز الفطار، ولقيت شريف داخل المطبخ وهو ماسك ظرفًا أبيض.
رفع الظرف وقال مبتسمًا:
“فاكرة أول ظرف فتحتيه على الطيارة؟”
ضحكت.
“هو إنت عمرك هتبطل ظروف؟”
قال:
“ده آخر ظرف… أو يمكن أول واحد في فصل جديد.”
قعدنا على السفرة.
فتحته.
كان جواه ورقة واحدة فقط.
مكتوب فيها:
“إلى زوجتي… بعد خمسة عشر عامًا من اختيارنا لبعض.”
ابتسمت وأنا بقرأ.
“لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى إحنا نجحنا في أهم حاجة اتفقنا عليها… إننا نحافظ على بيتنا مليان احترام، قبل الحب، ومليان مودة، قبل أي حاجة تانية.”
كملت القراءة.
“يمكن ما قدرناش نحقق كل الأحلام، ويمكن في أحلام جديدة ظهرت في الطريق… لكن كل يوم كنت بصحى فيه وألاقيك جنبي، كنت بحس إن عندي سبب أبدأ من جديد.”
حطيت الرسالة على الطاولة، وبصيتله.
قلت بهدوء:
“إنت عارف إن كل كلمة كتبتها وصلت لقلبي؟”
ابتسم وقال:
“وده كان هدفي من أول رسالة.”
في اللحظة دي، دخلت نسمة هوا من الشباك، وقلبت صفحات دفتر “أحلامنا القادمة”.
وقف الدفتر عند صفحة كان لسه جنبها مربع فاضي.
كان مكتوب فيها:
“نعمل حاجة تفضل بعدنا.”
بصيت لشريف.
“كنت تقصد إيه؟”
قال وهو يقفل الدفتر برفق:
“نفسي بيت الوعد يفضل مكان يفرح أي حد يدخله… يمكن نستضيف فيه عيلة محتاجة ترتاح يومين، أو نعمل فيه مكتبة صغيرة للأطفال في الإجازة، أو أي حاجة تسيب أثر طيب.”
ابتسمت.
“يعني حتى أحلامك بقت عايزة تشاركها مع الناس.”
هز رأسه.
“لأن أجمل حاجة اتعلمتها في الرحلة دي… إن الخير لما يتشارك، بيكبر.”
مديت إيدي، ورسمت علامة ✔️ جنب الحلم.
سألني وهو بيضحك:
“إيه؟ حققناه؟”
قلت بثقة:
“لسه… لكن بدأناه.”
ضحك، وقفل الدفتر.
وفي الخارج، كانت الياسمينة بتتزهر من جديد، كأنها هي كمان بتحتفل بحكاية بدأت بمفاجأة على متن طائرة، وتحولت إلى عمر كامل من الود، والوفاء، والذكريات الجميلة التي لا تنتهي.بعد شهور قليلة، اتحول “بيت الوعد” فعلًا للمكان اللي كنا بنحلم بيه.
كل أول جمعة من الشهر، كنا نفتح أبوابه للأطفال في المنطقة. شريف يقرأ لهم حكاية، وأنا أجهز لهم عصيرًا وحلوى بسيطة، وفي آخر اليوم كل طفل يختار كتابًا يستعيره للأسبوع.
الغريب إن شريف، رغم إنه كان يقضي ساعات طويلة في قيادة الطائرات، إلا إنه كان بيعتبر الساعتين دول أهم وقت في الشهر.
كان يقول دائمًا:
“الطيارة بتوصل الناس لبلاد جديدة… لكن الكتاب ممكن يوصلهم لحياة جديدة.”
وفي أحد الأيام، بعد ما انتهى الأطفال من القراءة، فضلت بنت صغيرة واقفة قدام مكتبة البيت.
كانت ماسكة كتابًا، لكن واضح إنها مترددة.
قربت منها وسألتها:
“مالك يا حبيبتي؟”
قالت بخجل:
“هو ينفع أرجعه متأخر؟ أنا بقرأ ببطء.”
ابتسمت وقلت:
“ينفع طبعًا.”
سمعنا شريف من بعيد يقول:
“ولو خلصتيه وحبيتيه… اعتبريه هدية.”
فرحت البنت جدًا، وجريت تحضنه قبل ما تخرج.
بصيت لشريف وقلت:
“شايف الفرحة دي؟”
رد بهدوء:
“أهي دي العلامة الصح اللي كنا مستنيين نحطها في الدفتر.”
في المساء، فتحنا دفتر “أحلامنا القادمة”.
ورسمنا علامة ✔️ جنب حلم:
“نعمل حاجة تفضل بعدنا.”
لكن وأنا بقلب الصفحات، لقيت صفحة بيضا في آخر الدفتر.
سألته:
“دي فاضية ليه؟”
ابتسم وقال:
“دي متتعبيهاش النهارده.”
“أمال إمتى؟”
قال وهو يقفل الدفتر:
“كل ما الحياة تدينا حلم جديد… نكتبه هنا.”
ابتسمت وأنا أبص حواليّ.
البيت بقى مليان ضحك.
المكتبة بقى ليها رواد.
والياسمينة وصلت لفوق السور، وريحتها بقت توصل للشارع كله.
في اللحظة دي، رن تليفون شريف.
رد، وبعد ثوانٍ ابتسم ابتسامة واسعة.
قفل المكالمة، وبصلي.
قلت بفضول:
“خير؟”
قال:
“افتكرت أول رحلة فاجأتِني فيها؟”
ضحكت.
“أنساها إزاي؟”
قال:
“شركة الطيران طلبت مني أشارك في برنامج لتدريب الطيارين الجدد… وحكيت لهم مرة عن قيمة الهدوء، والثقة، والالتزام بالوعد.”
سألته:
“وافقوا؟”
ابتسم وقال:
“وافقوا… وقالوا إنهم عايزين يسموا أول محاضرة: رحلة الوعد.”
ضحكت وأنا أمسكت يده.
وقلت:
“يبقى حكايتنا سابت أثر… من غير ما نكون قاصدين.”
نظر إلى البيت، ثم إلى الياسمينة، ثم إليّ، وقال بهدوء:
“وأجمل حاجة فيها… إنها لسه كل يوم بتبدأ من جديد.”مر عام آخر.
وفي صباح عيد جوازنا السادس عشر، استيقظت قبل شريف كعادتي.
كنت أنوي هذه المرة أن أسبقه بالمفاجأة.
نزلت إلى المطبخ، أعددت الفطور، ووضعت بجوار فنجان قهوته رسالة صغيرة كتبت فيها:
“المرة دي… دوري أنا.”
لكن عندما عدت إلى غرفة النوم، لم أجده.
استغربت.
سمعت صوتًا يأتي من الحديقة الخلفية.
فتحت الباب الزجاجي بهدوء، فوجدته واقفًا أمام الياسمينة، يحمل مقصًا صغيرًا ويقص بعض الأغصان اليابسة.
التفت إليّ وابتسم.
قال:
“صباح الخير.”
قلت وأنا أرفع الرسالة:
“كنت فاكرة إني سبقتك.”
ضحك وقال:
“وأنا كنت فاكر إنك هتحاولي تسبقيني.”
جلسنا تحت الأرجوحة الخشبية، وأعطيته الرسالة.
قرأها ببطء، ثم طواها ووضعها في محفظته.
قلت باستغراب:
“مش هتحطها في الصندوق؟”
رد:
“لا… دي هتفضل معايا في كل رحلة.”
في تلك اللحظة، وقف شريف واتجه إلى الجراج.
عاد بعد دقائق وهو يحمل صندوقًا كرتونيًا مغبرًا.
وضعه أمامي وقال:
“فاكرة العربية الزرقا؟”
ابتسمت.
“طبعًا.”
قال:
“وأنا بنضف شنطتها من كام يوم، لقيت الصندوق ده تحت الكرسي.”
فتحناه معًا.
كان مليئًا بأشياء بسيطة نسيناها مع السنين.
شريط كاسيت قديم كنا بنسمعه في أول سنة جواز.
إيصال لأول عشاء تناولناه معًا.
خريطة ورقية عليها خط بالقلم الأحمر.
وسلسلة مفاتيح على شكل طائرة.
لكن أكثر شيء لفت انتباهي كان دفتر صغير جدًا.
على غلافه مكتوب بخط يدي:
“أحلامنا قبل الجواز.”
فتحت أول صفحة.
ضحكت من قلبي.
كنت كاتبة:
“نفسي يبقى عندنا بيت فيه جنينة وياسمينة.”
بصيت من الشباك ناحية الجنينة.
ثم قلبت الصفحة.
“نفسي عمرنا ما ننام وإحنا زعلانين من بعض.”
ابتسم شريف وقال:
“دي كانت أصعب أمنية… لكن الحمد لله حاولنا نحققها.”
واصلت التقليب.
وفي آخر صفحة، وجدت أمنية كنت قد نسيتها تمامًا:
“نفسي بعد سنين طويلة، لما نبص لبعض، نحس إننا لسه أصحاب قبل أي حاجة.”
أغلقت الدفتر ببطء.
ثم نظرت إليه.
لم نتكلم.
لم نكن بحاجة للكلام.
ابتسم هو أولًا.
فابتسمت أنا أيضًا.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن كل الأحلام الكبيرة التي سعينا إليها كانت جميلة…
لكن أجملها جميعًا، أننا بعد كل هذه السنوات، ما زلنا نستمتع بالجلوس معًا في هدوء، وكأن أول لقاء بيننا لم ينتهِ بعد.بعد أيام قليلة، جلسنا في شرفة البيت وقت الغروب، كل واحد فينا ماسك كوب الشاي بتاعه.
الياسمينة كانت مزهرة، والأطفال اللي اعتادوا ييجوا للمكتبة كانوا بيلعبوا في الشارع قدام البيت، وضحكتهم واصلة لحد عندنا.
بص شريف للسماء، وقال بابتسامة:
“عارفة… أنا قضيت آلاف الساعات فوق السحاب.”
ابتسمت وقلت:
“وأكيد شفت مدن وبلاد كتير.”
هز رأسه وقال:
“آه… لكن كل مرة كنت بهبط فيها، كنت بحس إن رحلتي الحقيقية لسه هتبدأ لما أرجع البيت.”
سكت لحظة، وبعدين مد إيده ناحيتي.
مسكتها من غير تردد.
قال بهدوء:
“فاكرة الليلة اللي ركبتي فيها الطيارة عشان تفاجئيني؟”
ضحكت.
“إزاي أنساها؟ كنت فاكرة إن قلبي هيقف.”
قال وهو يبتسم:
“وأنا كنت خايف لحظة واحدة… إنك تفتكري إني نسيت عيد جوازنا.”
هززت رأسي.
“دلوقتي عرفت إنك كنت بتحضر لذكرى عمر.”
قام من مكانه، ودخل المكتبة، ورجع بعد دقيقة وهو شايل صندوق الرسائل.
فتحه، وأخرج أول رسالة كتبها من 16 سنة، وحطها جنب آخر رسالة كتبها.
قال:
“شايفة الفرق؟”
بصيت في الورقتين.
الخط اتغير.
الكلمات نضجت.
لكن في جملة واحدة كانت مكتوبة في الاتنين بنفس الطريقة:
“هفضل أختارك كل يوم.”
ابتسمت، وطلعت أول رسالة أنا كمان كتبتها له بعد الجواز.
قريتها بصوت عالي:
“يمكن الأيام تغير شكلنا… لكن يا رب عمرها ما تغير قلوبنا.”
ابتسم شريف، وقفل الصندوق بهدوء.
ثم أخدني من إيدي، وخرجنا للجنينة.
وقفنا جنب الياسمينة اللي بقت أعلى من سور البيت.
قال:
“كل سنة كبرت فيها الشجرة دي… كبر معاها حبنا واحترامنا لبعض.”
في اللحظة دي، بدأ الأطفال ينادوا علينا من برا السور:
“يا عمو شريف… معاد القصة!”
بصلي وضحك.
قلت له:
“يلا… مستنيينك.”
فتح باب البيت، ودخل الأطفال واحدًا وراء الآخر، وكل واحد فيهم شايل كتابه.
قعد شريف على الكرسي الخشب، وبدأ يحكي لهم حكاية.
أما أنا، فوقفت عند الباب أبص للمشهد.
البيت اللي كان يومًا مجرد حلم في دفتر قديم، بقى مليان حياة.
الرسائل اللي بدأت في ظرف صغير على متن طائرة، بقت إرثًا من المشاعر الصادقة.
والياسمينة اللي زرعناها بإيدينا، بقت رمزًا لكل وعد وفينا بيه.
رفعت عيني للسماء، وابتسمت.
عرفت وقتها إن الحب الحقيقي مش بيقاس بعدد الهدايا، ولا بحجم المفاجآت، ولا حتى بعدد السنين…
الحب الحقيقي هو إن تلاقي نفس الشخص، بعد كل العمر ده، لسه بيبصلك بنفس الطمأنينة، ولسه يختارك كل يوم، كأنه أول مرة.
تمت. 🌸