بعد موت امي بقلم اماني سيد
بعد موت امى ستى اتبنتنى ربتنى على القناعه التامه زانى مابصش للى فى ايد غيرى
كنت اشوف بابا جاى يزور تيتا فى الاعياد واخواتى لابسين احلى لبس مكنتش بتكلم كان بابا بيجبلى بواقى لبس اخواتى اللى صغر عليهم
اتربيت على خدمه تيتا وانى اقول طيب ونعم وحاضر وصوتى يبقى واطى
لما كان حد يجيى يزور تيتا كان لازم اخدمه واقوم بواجب الضايفه كامله معاهم
كنت قايمه بشغل البيت كله تنضيف اكل وشرب مكنتس بشتكى كنت بعمل كده عشان اضيع وقت لانى كنت بحس بملل من كتر القاعده مع تيتا ومكنش فى حد من سنى العب معاه
عمتى دايما كانت بتراقبنى دايما وواخده بالها من تصرفاتى
كانت تيجى تقعد عند تيتا بالاسبوع عشان ترتاح من شغل البيت وتعبه واوقات كانت تطلب منى اروح اساعدها وانا كنت طفله وبسمع كلامها واروح معاها مكنتش اعرف اللى فى نيتها ناحيتى
كبرت وبدأ العرسان يتقدمولى وبابا قرر انه يوافق عشان يخلص منى خالص رغم إنه مكنش شايل همى أصلا لكن عمتى وقفتله وقالتله انا هجوزها لابنى واخدها تعيش معايا فى الشقه
بابا وافق من غير ماياخد رأيى او حتى يسأل عن حقوقى هقعد فين واعيش فين
جت عمت قالتلى جهزى نفسك هنكتب الكتاب ونمشى
حاولت اتكلم او اعترض لكنها مادتنيش فرصه رمتلى فستان قديم ومشيت
لبست الفستان وخرجت معاها لقيت بابا قاعد وجمبه المأذون وابنها قاعد وحاطت ايده فى ايد بابا
كتبوا الكتاب وبابا حتى مسالنيش رأيك ايه
كانوا اخواتى اللى حاضرين جوازى شكلهم كانهم هما العرايس مش انا
مشيت مع عمتى وابنها ودخلت شقه عمتى لانها جوزتنى معاها فى نفس الشقه وسابت شقه أبنها اللى فوقيها فاضيه ومتوضبه ورفضوا انى اطلعها او اعيش فيها
دخلت الأوضة معاه، والسكوت كان مالي المكان. التفتّ لي وبكل برود، وكأننا في يوم عادي جداً، قال لي: “اعمليلي فنجان قهوة”.
ما نطقتش بولا كلمة، ما هو أنا اتعودت أقول طيب وحاضر ومنقشش. دخلت غيرت الفستان القديم ده اللي ما حسسنيش للحظة إني عروسة، ولبست هدوم بيت عادية، وطلعت على المطبخ عشان أعمله القهوة اللي طلبها.
أول ما رجلي عتبت المطبخ، اتفاجأت بعمتي واقفة ومربعة إيديها، وبصت لي وقالت بنبرة ناشفة: “روقي المطبخ ده الأول واغسلي المواعين اللي في الحوض.. مش عايزة أشوف كركبة”.
وقفت وبصيت لركام المواعين والحوض المليان.. في ليلة دخلتي! الليلة اللي المفروض أكون فيها عروسة في بيتي، لقيت نفسي واقفة قدام الحوض عشان أخدمهم، زي ما كنت بعمل طول عمري وأنا طفلة. تذكرت كلام ستي عن القناعة والصبر، وحسيت إن طيبتي هي اللي جابتني لحد هنا.
ماتكلمتش وقتها ونفذت طلبها.. شمرت كمامي وبدأت أغسل المواعين وأنا كاتمة دموعي وبموت من جوايا، وعرفت في اللحظة دي إن حياتي ماتغيرتش، أنا بس نقلت من بيت لبيت عشان أكمل شغلي كخادمة، بس المرة دي بلقب عروسة.
مرت الشهور وأنا على نفس الوضع؛ خدامة في الشقة من النجمة ليل بروح بطلع عيني في التنظيف والأكل والشرب، ولا كأني بني آدمة ليها حق ترتاح أو تحس بكرامتها.
وفي يوم، صحيت على صوت زغاريط مالية الشقة، صوت هز الحيطان.. جريت برا الأوضة مخضوضة، لقيت عمتي واقفة في الصالة ووشها منور بالفرحة وبتزغرط بأعلى صوتها. أول ما شافتني، بصت لي بانتصار وقالت لي: “افرحي يا ختي، جوزك خطب! خطبت له ست ستها اللي هتعيش وتتهنى في الشقة الملتوضبة اللي فوق”. وقبل ما أستوعب الصدمة، كملت بأمر: “يلا شدي حيلك وورينا شطارتك، عايزة عزومة تشرف قدام أهل خطيبته الجداد، مش عايزين فضايح”.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة.. جوزي؟ اللي مكتوب كتابي عليه وعايشة معاه في نفس الأوضة يخطب؟ والشقة اللي فوق اللي اتحرمت منها تطلع لها هي؟! لأول مرة في حياتي حسيت بنار قايدة في صدري، وطاقتي كلها خلصت. الكبت والخنوع اللي تربيت عليهم اتمسحوا في لحظة، ولقيت صوتي بيطلع لأول مرة: “جوزي يخطب؟! وأنا إيه؟ خدامة ليكم؟ مش هعمل حاجة ومش هطبخ لحد!”.
ما لحقتش أكمل الكلمة، لقيت كف عمتي نزل على وشي بكل قوتها وقسوتها، طيرت الدنيا من حواليا. وقبل ما أحط إيدي على خدي من الصدمة، لقيت ابنها — اللي هو جوزي — داخل عليا، وعينه فيها شر وشرار، مسكني من هدومي وزقني في الحيطة وهو بيزعق في وشي بصوت يرعب: “لو فتحتِ بقك تاني، أو سمعت لك حس، وربنا هكمل عليكي وأدفنك مكانك.. غوري على المطبخ وأنتِ ساكتة!”.
وقفت مكاني مكسورة، وشي بيوجعني وجسمي كله بيترعش من الخوف والقهر.. بابا مش هنا عشان يحميني، وستي اللي علمتني أقول حاضر ماتت وسابتني. لقيت نفسي، وغصب عني وبمنتهى الذل، بجر رجلي وادخل المطبخ وعيني مش شايفة من الدموع عشان أعمل العزومة للي جاية تاخد مكاني.
دخلوا الأوضة مع بعض، وجوزي قفل الباب وراهم.. الباب اللي كان مقفول عليا وعليها قبلها بكام ساعة.
وقفت ورا الباب وقلبي بيتعصر من الوجع والقهر، مكنتش قادرة أتحرك من مكاني وكأن رجلي غرزت في الأرض. وبدأت أصواتهم تطلع.. سمعت صوت جوزي وهو بيتكلم بنبرة عمري في حياتي ما سمعتها منه، نبرة كلها حنية ودلع وشغف، وهو بيقولها كلام غزل يدوب، كلام كان نفسي أسمع ربع كلمة منه في ليلة دخلتي.
سمعت صوت ضحكتها الدلوعة، وهو بيكمل كلامه وبيقرب منها، وسمعت صوت بوسته لإيدها وهو بيحلف لها إنه هيعملها كل اللي نفسها فيه وإنها هتبقى ملكة في الشقة اللي فوق.
كل كلمة كانت بتطلع منه كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين، بقيت حاطة إيدي على بوقي وبكاتم في صرخطي عشان محدش يحس بيا ولا يسمع عياطي. جوزي اللي عمري ما شفت منه غير البرود والتحكم والضرب، مطلع كل الحنية دي لواحدة تانية وقدام عيني! وفي نفس الشقة اللي أنا شغالة فيها.. حسيت في اللحظة دي إن الدنيا ضلمت في وشي، وإني رخيصة أوي عندهم، لدرجة إنهم مش عاملين أي حساب لكسرة قلبي ولا لدموعي اللي مش راضية تقف.
وفجأة، وسط ضحكهم ودلعهم، سمعت العروسة بتقول له بنبرة دلع وفي نفس الوقت فيها لؤم: “بس أنا يا حبيبي مش حابة فكرة إن بنت عمك دي تفضل قاعدة معانا في الشقة كده.. شكلها مش مريحني”.
رد عليها جوزي بسرعة ومن غير ما يفكر ثانية واحدة، وبصوت كله ثقة ورخص ليا قالها:
ـ يا حبيبتي متشيليش همها خالص، اعتبري بنت عمي دي شغالة عندك، العيلة كلها بتعتبرها كده أصلاً! دي لا بتروح ولا بتيجي، ووجودها زي عدمه.. مجرد إيد بتخدم وتريحنا.
الكلمة دي كانت الرصاصة اللي قضت على الباقي من روحي. “العيلة كلها بتعتبرها شغالة”.. يعني السنين اللي فاتت دي كلها، وخدمتي لتيتا وعمتي، وطاعتي ليهم وسكاتي على ظلمهم، كان بنظرهم مجرد شغل شغالة ملهاش تمن! حتى جوزي اللي اتجوزني عشان “يسترني” زي ما كانوا بيقولوا، شايفني مجرد خدامة هيقدمها لعرسته الجديدة عشان ترضى عنه.
حطيت ضهري على الحيطة ونزلت على الأرض بالراحة وأنا مش قادرة أصلب طولي. الدموع جفت في عيني واتقلبت لنار قايدة.. حسيت بكمية رخص وقلة قيمة عمري ما تخيلت إني هعيشها. وفي وسط وجعي، سمعت ضحكة العروسة وهي طايرة من الفرحة بكلامه، وكأن كرامتي اللي اتدست تحت رجليهم كانت هي المهر اللي بيقدمهولها عشان يرضيها.
بدأت العزومة والبيت اتملى بأهل العروسة الجديدة، وكنت واقفة في المطبخ بجر رجلي جر، كل طبق بطلعه كان بيطلع معاه حتة من كرامتي ومن روحي. كنت بسمع ضحكاتهم وصوت عمتي وهي بترحّب بيهم وتقول: “نورتوا بيتكم يا جماعة، الشقة اللي فوق جاهزة وعلى المفتاح لست البنات”، والعروسة ترد بدلع وتشكُرها. وطول الوقت ده، جوزي مكنش بيبطل نظرات الحنية ليها، النظرات اللي عمري ما شفتها.
لما مشيوا، دخلت عمتي المطبخ وبصت لركام المواعين والأكل الفاضل، وقالت لي بنبرة خالية من أي رحمة: “شطورة، بيضتي وشنا قدام الناس.. يلا لمي الليلة دي كلها وروقي المطبخ قبل ما تنامي، ومش عايزة أسمع لك حس الصبح، وراكِ غسيل وترويق للشقة اللي فوق عشان ننقل جهاز العروسة”.
مكنتش قادرة أنطق، دخلت الأوضة ورميت جسمي على الأرض ورا السرير، مكنتش عايزة أنام جنبه على السرير اللي بيجمعنا، لاني بقيت أحس بالرعب والاشمئزاز منه. دخل هو الأوضة، مابصليش حتى، رمى هدومه على الكرسي ونام وهو بيتكلم في التليفون ويضحك بصوت واطي، وعرفت إنه بيكلمها هي.
في الليلة دي، والبيت كله ساكت، مكنتش بعيط.. دموعي كانت نشفت تماماً، وجوايا حاجة غريبة بدأت تتولد، حاجة عمري ما حسيت بيها وأنا طفلة.. “الغل والكره”. تذكرت كلام ستي لما كانت بتقولي: “يا بنتي الطيب بياخد نصيبه في الآخر”، بس اكتشفت إن الطيب في زماننا ده بيداس بالرجلين، وإن طاعتي وسكاتي هما السكينة اللي ذبحوني بيها.
الصبح طلع، وبدأت رحلة العذاب اليومي، بس المرة دي زاد عليها شغل الشقة اللي فوق. كنت بطلع السلم وأنا شايلة المقشات والمنظفات، وأدخل الشقة اللي المفروض كانت تكون بتاعتي، الشقة متوضبة على أعلى مستوى، ألوانها مبهجة، وفيها كل وسائل الراحة اللي اتحرمت منها تحت. كنت بنظف الأرضيات وأغسل الحيطان وأنا حاسة إن كل خطوة بخطيها في المكان ده بتدبحني.
وفي يوم، وجهاز العروسة بيترص، جت العروسة مع أمها وعمتي عشان يشرفوا على الرص. العروسة كانت بتتحرك في الشقة كأنها ملكة، وتلتفت لي وتقولي بدلع ولؤم: “اسمعي يا.. إنتِ اسمك إيه صحيح؟ مش مهم، المهم خدي بالك وأنتِ بتمسحي النيش ده، الكاسات دي غالية جداً وجوزي جايبهالي من بره، مش عايزة حاجة تتكسر”.
عمتي ضحكت وقالت لها: “متخافيش يا حبيبتي، دي يدها خفيفة ومتعودة على الشغل من وهي عيلة صغيرة عند أمي، رصي وأنتِ مطمنة”.
وقفت في النص، ماسكة الفوطة في إيدي، وبصيت لهم.. أمها بتبص لي بقرف كأني حشرة، وعمتي بتبص لي بانتصار، والعروسة بتتعامل معايا كأني خادمة بمرتب. وفي اللحظة دي بالذات، وجوزي داخل الشقة وشايل في إيده شنط وحاجات ليها، وأول ما شافها جري عليها وفضل يقولها: “تعبتي نفسك ليه يا قلبي؟ أنا كنت جيت رصيت معاكِ”، وبصلي بنظرة تحذير ووعيد كأنه بيقولي “إياكِ تنطقي”.
في اللحظة دي، حسيت إن عقلي بيفصل عن الواقع. مشيت من قدامهم ونزلت الشقة تحت، دخلت المطبخ وقعدت على الأرض.. الفكرة بدأت تلعب في دماغي، فكرة إني مش هفضل كدة، وإني لازم أحرق قلوبهم زي ما حرقوا قلبي، بس مكنش ينفع أثور وأزعق لأني عارفة إن الضرب والذل هيكونوا مكافأتي، بابا بايعني، وستي ماتت، وأنا طوع إيديهم.. يعني لو اتمردت علناً هتدفن مكاني ومحدش هيسأل عني.
قررت أغير الخطة.. قررت ألبس وش “حاضر وطيب” اللي ربتني عليه ستي، بس المرة دي بذكاء وخبث.
بدأت أتعامل معاهم بمنتهى الهدوء والطاعة العمياء، لدرجة إن عمتي وجوزي بدأوا يطمنوا لي تماماً، وافتكروا إن الكف والتهديد اللي فاتوا كسروا مناخيري وخلوني هادية وخاضعة أكتر من الأول. كنت بعملهم كل اللي عايزينه وبزيادة، لدرجة إن جوزي في يوم قال لأمه: “أنا قولت لك دي ملهاش ملجأ غيرنا، كلمتين ناشفين يربوها وتعرف قيمتها”.
قبل الفرح بأسبوع، عمتي طلعت الشقة اللي فوق ونسيت مفاتيح الشقة ومفاتيح دولابها الخاص تحت في الشقة عندنا. عمتي كانت شايلة دهبها وفلوسها وفلوس ومقدم الفرح بتاع ابنها في الدولاب ده، وهي من النوع اللي بيخاف جداً بس الطمأنينة اللي حستها ناحيتي خلتها تسيب المفاتيح على ترابيزة الصالة وهي مستعجلة.
جوزي كان بره مع عروسته بيشتروا لبس الفرح، وعمتي فوق مع الجيران بيساعدوها في تجهيز الأكل. الشقة كانت فاضية تماماً.. ومفيش غيري.
مشيت بخطوات بطيئة ناحية الترابيزة، مسكت المفاتيح، وإيدي كانت بترتعش.. مش خوف، دي كانت رعشة الانتقام. دخلت أوضة عمتي، فتحت الدولاب، وفتحت الخزنة الصغيرة اللي جواه. لقيت كمية دهب مش هقول كتيرة، بس دهب عمتي كله اللي حيلتها، ورزم فلوس مربوطة بأساور مطاطية، دي الفرحة والتحويشة اللي هيجوزوا بيها ابنهم ويفرشوا بيها حياتهم الجديدة.
مديت إيدي وأخدت الفلوس كلها، وأخدت علب الدهب، وقبل ما أقفل الدولاب، عيني وقعت على ورقة مطوية في قاع الخزنة.. سحبتها وفتحتها، وكانت الصدمة اللي شلت تفكيري؛ دي كانت ورقة تنازل عن نصيب ستي في البيت القديم لصالحه هو وأمه، ومكتوب فيها إن نصيبي الشرعي من أمي اللي ستي كانت شايلاهالي، بابا وعمتي زوروا إمضتي عليه وباعوه لبعض!
يعني أنا مكنتش عايشة بجميلهم، أنا كنت عايشة بفلوسي وبورثي اللي سرقوه مني وأنا مش دارية، وعشان كدة بابا رماني لعمتي عشان السر يفضل مدفون في العيلة، وعمتي جوزتني لابنها عشان تضمن إني أفضل تحت رجليها وخدامة ليهم ومطالبش بحقي في يوم من الأيام!
النار اللي في صدري اتقلبت لبركان. قفلت الدولاب بالراحة، ورجعت المفاتيح مكانها على الترابيزة. أخدت الفلوس والدهب والورقة دي، وحطيتهم في كيس أسود صغير، وداريتهم في أكتر مكان مستحيل حد يشك فيه.. وسط كراكيب المطبخ القديمة وتحت عيون البوتاجاز اللي مبعملش حاجة غير إني بنظفها.
رجعت عمتي من فوق وهي بتنهج، وبصت على الترابيزة لقت المفاتيح، أخدتها وقالت لي: “أنتِ يا زفتة، عملتي الغدا؟”
قولت لها بصوت واطي وخاضع: “أيوا يا عمتي، كله جاهز وجوه في المطبخ”.
بصت لي برضا وقالت: “عفارم عليكي، خليكي كدة شاطرة ومطيعة عشان نعرف نعيشك معانا”.
قعدت في المطبخ وأنا ببتسم ابتسامة مرعبة.. ابتسامة حد مبقاش عنده حاجة يخسرها. الفرح متبقي عليه أيام قليلة، والفلوس اللي في إيدي دي هي طوق النجاة بتاعي، والورقة دي هي السلاح اللي ههد بيه المعبد على رؤوسهم كلهم. مكنتش ههرب لسة، كنت مستنية اللحظة الحاسمة.. اللحظة اللي الضحكة فيها تتشال من على وشوشهم للآبد.
يوم الفرح الصبح، الشقة كانت مقلوبة، الكوافير تحت، والناس طالعة نازلة، وجوزي لابس بدلة الفرح وشكله فرحان بطريقة عمري ما شفتها. عمتي دخلت أوضتها عشان تلبس وتجيب الفلوس والدهب اللي هتنزل بيهم القاعة وتتباهى بيهم قدام أهل العروسة.
وفجأة.. صرخة زلزلت الشقة كلها، صرخة خلت كل اللي في البيت يقفوا مكانهم.. صرخة عمتي وهي بتلطم على وشها وتجري في الصالة وتصوت: “البيت اتسرق!! دهبي وفلوسي وشقا عمري ضاعوا يا لهوي يا فضحتي قدام الناس!!”.
خرجت عمتي للصالة وهي بتلطم على وشها بهستيرية، ودموعها نازلة بتمسح مكياج الفرح اللي كانت لسة حطاه. جوزي — اللي كان واقف قدام المراية بيظبط كرافتة البدلة — اتسمّر في مكانه، ووشه اتحول للون الإخضر في ثانية. جِري على أوضة أمه وهو مش مصدق، وبدأ يقلب في الدولاب ويرمي الهدوم على الأرض وهو بيزعق: “فين الفلوس يا أمي؟ فلوس القاعة والمؤخر والمصاغ! فين الدهب؟! أنتِ مستوعبة إحنا فرحنا كمان ساعتين وأهل العروسة على وصول؟!”.
البيت كان مليان بناس من قرايبنا والجيران اللي جايين يباركوا، وفجأة الفرح اتقلب لمناحة. عمتي قعدت في الأرض تصوت وتقول: “الشقة مفيهاش كسر باب ولا شباك! محدش دخل هنا غريب.. مفيش غيرها!”، وشاورت بإيدها المرتعشة عليا.
كل العيون في الصالة لفت وبصت لي. كنت واقفة في زاوية جنب المطبخ، ملامحي هادية تماماً، ومثلت الخضة والخوف ببراعة عمري ما تخيلت إني أملكها. حطيت إيدي على صدري وقولت بصوت مرعوب ودموع مصطنعة: “أنا يا عمتي؟! حرام عليكي، أنا هسرقك إزاي وأنا م بخرجش من البيت؟ وأروح فين بالفلوس والدهب وأنا ماليش حد في الدنيا!”.
جوزي جِري عليا وزقني في الحيطة بكل قوته، لدرجة إن ضهري وجعني، ومسكني من رقبتي وهو بيجأر زي الديب: “والله العظيم لو طلعتِ أنتِ اللي خبيتي الحاجه لأكون دافنك هنا وعامل فرحي عليكي جنازة! أنطقي.. الفلوس فين؟! فتشتي الدولاب إمتى؟!”.
نزلت على رجلي وبدأت أعيط وأصرخ: ” فتشوا الأوضة.. فتشوني أنا.. فتشوا المطبخ! لو لقيتوا معايا حاجة موتونى!”. كنت واثقة ومطمنة، لأن الكيس الأسود مكنش في الأوضة، ومكنش في مكان ظاهر. هما فعلًا سابوني وبدأوا يفتشوا بهمجية؛ دخل جوزي وأمه وأخواتي اللي كانوا وصلوا الفرح، وقلبوا الأوضة اللي بنام فيها.. رفعوا المرتبة، فتشوا الهدوم القديمة، ودخلوا المطبخ ورموا الحلل والأطباق في الأرض، لكن من ربكة عمتي وصدمتها مكنتش شايفة قدامها، وجوزي كان عقله طار من فكرة “الفضيحة” اللي مستنياه قدام نسايبه الجداد، فمحدش ركّز في كيس الزبالة القديم المركون ورا الأنابيب والكراكيب اللي تحت الحوض في عتمة المطبخ.
مالقوش حاجة. عمتي بدأت تصرخ: “الفلوس مش هنا! البت دي غسلت يديها وهرّبت الحاجه لحد بره.. اتصل بأبوها يجي يشوف المصيبة دي!”.
نص ساعة وبابا وصل، لابس العباية الجديدة وبيمسح عرق الصدمة من على وشه. أول ما دخل وشاف عمتي بتلطم وجوزي هيدمر الشقة، بصلي بنظرة كلها غل وجري عليا ضربني بالقلم وقال: “سودتي وشي قدام أختي؟ وكمان بتسرقي في يوم فرح ابنها؟! وديتي الفلوس فين يا مقصوفة الرقبة؟!”.
وقعت على الأرض، ورفعت عيني وبصيت له.. النظرة دي مكنتش نظرة طفلة مكسورة، كانت نظرة حد كشف اللعبة كلها. قومت وقفت على حيلي، ومسحت الدم من شفتي، ولأول مرة صوتي مكنش واطي، صوتي كان قوي وهادي، هدوء ما قبل العاصفة.
بصيت لبابا وقولت له: “أنا مسرقتش حد يا بابا.. أنا أخدت حقي”.
الصالة كلها سكتت. عمتي وقفت لطم وجوزي قرب مني وهو بروق دمه وقال: “حق إيه يا بت أنتِ؟! أنتِ حيلتك حاجة؟ ده أنتِ عايشة بجميلنا ولقمتك من خيرنا!”.
ضحكت ضحكة عالية، ضحكة خلتهم كلهم يترعبوا من شكلي. مشيت بخطوات ثابتة للمطبخ، ومحدش قدر يمنعني من ذهولهم. مديت إيدي ورا الأنابيب وسحبت الكيس الأسود. طلعت منه ورقة التنازل المزورة، ورفعتها في وش بابا وعمتي.
أول ما بابا شاف الورقة، وشه اتقلب ألوان، والعباية بدأت تترعش من ركبته اللي مش شايلَاه. قولت له بصوت مسموع للكل: “الورقة دي عليها إمضتي المزورة.. الإمضاء اللي أنت وعمتي زورتوها وأنا عيلة صغيرة بعد موت ستي، عشان تاخدوا نصيب أمي في البيت والفلوس اللي ستي كانت شايلاها ليا.. كنتوا فاكرين إني هفضل طول عمري الخدامة اللي بتاكل بواقي أخواتها وبتشيل قرفكم وهي ساكتة؟!”.
التفتّ لجوزي اللي كان واقف مبرق، وقولت له: “أنا مخدتش فلوس فرحك.. أنا أخدت ورثي اللي أمك وأبويا سرقوه مني، والدهب ده بتاع أمي اللي عمتي أخدته من ورايا.. الفلوس دي فلوسي، والبيت ده نصيبه ليا، والشقة اللي فوق دي بفلوس أمي أنا!”.
عمتي صرخت: “أنتِ كدابة! دي ورقة ملهاش لازمة، الفلوس دي شقا ابنها ومقدم العروسة!”.
رديت عليها بثقة: “الورقة دي هتروح للنيابة والطب الشرعي الصبح يا عمتي، وهثبت إنكم زورتوا حقي وسرقتوني.. والفلوس والدهب معايا ومش هتشوفوا منهم مليم واحد.. وريني بقى هتعمل الفرح إزاي يا عريس يا لُقطة، وهتقول لأهل العروسة إيه لما يسألوك عن المؤخر والشبكة وفلوس القاعة اللي المفروض تدفعها بعد ساعة!”.
جوزي اتقدم عليا وعينه كلها شر، ورفع إيده عشان يضربني ويموتني وياخد الكيس، لكن في اللحظة دي بالذات.. الباب خبط خبط ورزع قوي ورا بعضه.
أخويا فتح الباب وهو مرعوب، ودخل أبو العروسة وأخوها الكبير، ووشوشهم مكنتش تبشر بخير أبدًا. أبو العروسة بص لجوزي ولعمتي وقال بنبرة حادة هزت الشقة: “إحنا واقفين تحت بقالنا ساعة مستنيين العربيات والمواكب، والكوافير بيتصل بيقول الحساب مدفعش والعروسة محبوسة جوه.. إيه المهزلة دي؟! وفين الشبكة والدهب اللي قولتوا هنجيبهم من الشقة وننزل؟!”.
بصيت لجوزي ولعمتي ولبابا.. التلاتة كانوا واقفين زي الفراخ المبلولة، الكبرياء والظلم والشر اللي كان في عيونهم اتمسح وبقى بداله رعب وفضيحة هتوصل لكل حتة في المنطقة.
أبو العروسة لمح الهدوم المرمية في الأرض وشكل الصالة المقلوبة، وبص لي وأنا ماسكة الكيس الأسود وفي وشي أثر القلم، وقال: “هو في إيه في البيت ده؟! إنتوا بتخبو علينا إيه؟!”.
قربت من أبو العروسة، وفتحت بوقي عشان أحكي له كل حاجة وعمتي بتبص لي بنظرة رجاء وتوسل لأول مرة في حياتها..
قربت من أبو العروسة، وعمتي عيونها كانت بتترجاني، وبابا حاطط إيده على بوقه كأنه بيموت، وجوزي واقف عرقان وبدلة الفرح عليه بقت زي الكفن. بصيت لأبو العروسة وقولت له بكل برود:
“البيت ده مفيش فيه فرح يا عمي.. البيت ده فيه سرقة وفضيحة. العريس اللي واقف قدامك ده وأمه سرقوا فلوس الشبك والمؤخر وفلوس القاعة اللي كانوا واعدينكم بيها، والناس اللي أنت شايفهم متبهدلين دول كانوا بيفتشوا البيت لأن الفلوس اختفت.. مفيش مليم واحد يدفعوه للكوافير ولا للقاعة، وابنك وبنتك لو كملوا الجوازة دي هيعيشوا في المحاكم.”
أخو العروسة سمع الكلمتين دول ودمه فار، قرب من جوزي ومسكه من ياقة بدلته وزقّه: “الكلام ده صحيح يا فالح؟! إحنا بقالنا شهور بنجهز وبنتشرف بيكم، وفي الآخر تطلعوا نصابين ومش معاكم تدفعوا حساب الكوافير؟! فين الشبكة اللي قولتوا طالعين تجيبوها؟!”
جوزي لصحابه وقرايبه مكنش قادر ينطق، بص لأمه اللي قعدت في الأرض تبكي وتقول: “بنت عمك هي اللي سرقتنا يا حج! البت دي خطفت شقا عمرنا وولعت في البيت، هي اللي معاها الفلوس في الكيس ده!”
أبو العروسة بص للكيس اللي في إيدي وبص لورقة التنازل، ولمح أثر الضرب على وشي والدم السايل من شفتي. الراجل كان ذكي وفهم إن في مصيبة عائلية وتصفية حسابات هتدمر بنته لو دخلت البيت ده. بص لعمتي وقرفان وقال: “بنت أخوكم بتقول إنكم زورتوا حقها وسرقتوها، وأنتِ بتقولي هي اللي سرقتكم.. إحنا مالنا ومال قرفكم ده؟! بنتي مش هتدخل بيت عيلته حرامية وبياكلوا مال اليتيم!”
التفت لبابا وقال له: “وأنت يا راجل يا ناقص، سايب أختك وابنها يبهدلوا بنتك وتضربها في يوم زي ده عشان يداروا خيبتهم؟! الجوازة دي باظت، والماذون اللي مستني في القاعة هخليه يكتب ورقة طلاق بنتي حالا، والمنقولات والجهاز اللي فوق مش هيقعد منهم معلقة واحدة في الشقة دي.. يلا يا ابني!”
خرج أبو العروسة وأخوها وهما بيسبوا ويلعنوا، ونزلوا على السلم وصوتهم جاب آخر الشارع. عمتي لمت الجيران وقرايبنا وبدأت تصوت وتلطم: “فرح ابني انخرب! الفضيحة بقت بجلاجل في المنطقة كلها!”
جوزي أول ما شاف أهل العروسة مشيوا والجوازة اتهدت، اتعمى من الغضب. بصلي وعيونه كانت حمرا زي الدم، وسحب سكين من على ترابيزة المطبخ وجري عليا وهو بيصرخ: “هقت*ل*ك يا بنت (…)! ضيعتي عمري وفضحتينا، مش هسيبك عايشة!”
الناس اللي في الصالة صرخوا وبابا جري استخبى ورا الباب من الخوف. مكنتش خايفة، الغل اللي جوايا كان مديني قوة غريبة، لكن قبل ما يوصلي، أخويا الصغير — اللي مكنش ليه صوت طول عمره — وقف في وشه وزقه بكل قوته: “سيبها يا حرامي! أنت وأمك أكلتوا حقها وحق أمها، وبابا بايعها ليكم، كفاية لحد هنا!”
الزقة دي خلت جوزي يتوازن لورا، وفي اللحظة دي استغليت الهرج والمرج، وبكل قوتي جريت ناحية باب الشقة. كنت ماسكة الكيس الأسود في حضني كأني ماسكة روحي. نزلت السلم جري وأنا بسمع صوت جوزي وهو بيحاول يحصلني وعمتي بتصرخ وراه: “امسكوا الحرامية! هاتوا الفلوس!”
نزلت للشارع بالفستان القديم اللي رمهولي، والناس في المنطقة كلها كانوا واقفين يتفرجوا على عيلة العريس اللي بتتخانق وصوت لطب عمتي مالي المكان. جريت وأنا مش باصة ورايا، الدموع اللي كتمتها سنين كانت بتنزل بس المرة دي دموع حرية مش دموع ذل.
طلعت على الطريق الرئيسي وركبت أول عربية ميكروباص قابلتني، مكنتش عارفة أنا رايحة فين، بس كنت عارفة إني مستحيل أرجع للبيت ده تاني. قعدت في آخر الكنبة، وحطيت الكيس في حجري، وفتحت الموبايل الصغير القديم اللي كان معايا.
كلمت المحامي اللي كان جار ستي الله يرحمها، والراجل ده كان دايماً يقول لستي: “لو البنت دي احتاجت حاجة في يوم من الأيام، أنا موجود يا حاجّة”. حكيت له وأنا بترعش في خطف سريع اللي حصل، وقولت له معايا ورقة التنازل المزورة والدهب والفلوس.
المحامي سكت لحظة وقال لي بصوت حازم: “أنتِ عملتي الصح يا بنتي.. بس هما مش هيسيبوكي، وهيبلغوا عنك بالسرقة عشان يلووا دراعك بالورقة. اسمعي كلامي، متنزليش في أي مكان عام، وتجيبلي الشنطة والورق ده على مكتبي حالا، وإحنا اللي هنبدأ بالبلاغ عن التزوير وأكل مال قاصر قبل ما هما يتحركوا.”
نزلت من الميكروباص ورحت لمكتب المحامي في منطقة بعيدة عن منطقتنا. أول ما دخلت وشاف منظري والدم اللي على شفايفي، اتأثر جداً وقالي: “حقك هيرجع يا بنتي، وستي الله يرحمها هترتاح في تربتها.”
أخد مني ورقة التنازل، وبدأ يكتب عريضة البلاغ للنيابة العامة بتهمة التزوير واستغلال قاصر، وطلب انتداب الطب الشرعي لمعاينة الإمضاء. أما الفلوس والدهب، فقالي: “الفلوس دي هنشيلها في مكان أمان، لأنها جزء من حقك الشرعي المثبت في دفاتر ستي القديمة اللي معايا صور منها، وهنقدمها كدليل إنهم كانوا عازلينك ومستولين على مالك.”
وأنا قاعدة في مكتب المحامي، تليفوني مكنش بيبطل رن.. بابا، عمتي، جوزي.. رسايل تهديد وشتائم ووعيد بالق*تل. وفجأة، جت لي رسالة من رقم جوزي، بس المرة دي الكلام مكنش منه.. كانت رسالة صوتية من العروسة اللي كانت من شوية هتبقى ملكة الشقة اللي فوق.
فتحت الرسالة، وكان صوتها كله غيظ وغل وهي بتقول: “فاكرة نفسك انتصرتي يا خدامة؟ وحياة أمي لأخلي جوزك يدفنك حية، والشقة اللي فوق دي هاخدها هاخدها، والفلوس اللي سرقتيها هترجعيها ورجلك فوق رقبتك، إحنا بلغنا الشرطة عنك يا حرامية!”
قِفلت الرسالة وبصيت للمحامي وقولت له: “هما بلغوا.”
المحامي ابتسم ابتسامة واثقة وقال: “يبقوا فتحوا على نفسهم طاقة جهنم.. يلا بينا على النيابة.”
المحامي بصلها بنظرة كلها ثبات وقام وقف، لبس الروب بتاعه وقال بصوت قوي: “هما افتكروا إن البلاغ بتاعهم هيخوفنا، ما يعرفوش إنهم برجليهم بيجروا لحبل المشنقة. السرقة اللي هما بيتحاموا فيها دي مش هتاخد غلوة في النيابة لما نثبت إن الفلوس والدهب دول أصلًا ورثك الشرعي اللي منهوب بالورقة المزورة دي. يلا بينا، المواجهة بدأت.”
خرجت مع المحامي وركبنا عربيته، وطول الطريق للنيابة كان شريط حياتي بيتعاد قدام عيني.. افتكرت ستي وهي بتسرح لي شعري وتقولي “القناعة كنز يا بنتي”، واكتشفت إن القناعة اللي زرعتها جوايا كانت جميلة، بس مع ناس بتخاف ربنا، مش مع دياب بشرية مستنيين الفرصة عشان ينهشوا لحمي. افتكرت نظرات إخواتي في فرحي وهما لابسين أحسن لبس وأنا بالفستان القديم، وافتكرت ليلة دخلتي الحزينة وأنا واقفة وسط جبل المواعين وعمتي واقفة ومربعة إيديها. كل الذكريات دي كانت بتتحول جوة قلبي لنار قايدة، نار خلت الخوف اللي عاش معايا طول طفولتي يتبخر ويحل محله رغبة عمياء في إني أشوفهم مكسورين زي ما كسروني.
وصلنا مبنى النيابة، والمحامي دخلني وطلب من سكرتير النيابة تقديم بلاغ عاجل بالتزوير والضرب والاحتجاز واستيلاء على أموال قاصر. وفي نفس اللحظة اللي كنا واقفين فيها في الطرقة مستنيين دورنا للدخول لوكيل النيابة، لقيت الباب الخارجي للمبنى بيتفتح، ودخل منه بابا وجوزي وعمتي ومعاهم محامي ماسك في إيده أوراق.
أول ما عمتي شافتني، وشها اتقلب لكتلة من الغل، وسابت المحامي بتاعها وجريت عليا وهي بتصرخ في وسط المصلحة الحكومية: “الحرامية اهي يا فندم! اهي اللي سرقت شقا ابني وخربت بيتنا يوم فرحه! اقبضوا عليها!”
العساكر والموظفين اتلموا، وجوزي قرب وعيونه فيها نظرة لو كان يطول يدبحني بيها مكنش تأخر، وبابا واقف وراهم ويبصلي بنظرة خزي وعار كأني أنا اللي أجرمت في حقه مش هو اللي باعني.
محاميَّ وقف زي الأسد، وزق عمتي بعيد عني وقال بصوت جهوري هز الطرقة: “الزمي حدودك يا ست أنتِ! إحنا هنا في ساحة عدالة، والكلبشات اللي بتدوري عليها دي مش هتتمد لإيد البنت الغلبانة دي، دي هتتمد ليكم أنتِ وابنك وأخوكي النصاب اللي واقف وراكم!”
المحامي بتاعهم قرب وقال: “إحنا مقدمين بلاغ رسمي في القسم والنيابة أهلت المحضر، البنت دي سرقت مشغولات ذهبية ومبلغ مالي كبير وهربت يوم فرحها، ومعانا شهود من الجيران وقرايب العريس.”
في اللحظة دي، خرج سكرتير النيابة وزعق فيهم: “إيه الهرج والمرج ده؟! ادخلوا جوة عند وكيل النيابة حالا!”
دخلنا كلنا الأوضة. وكيل النيابة كان راجل شاب، ملامحه حازمة وعيونه حادة، قعد على مكتبه وبص لينا وقال: “أنا قدامي محضر سرقة مقدم من المواطن (جوزي) وأمه ضد زوجته.. وبنفس الوقت قدامي بلاغ تزوير واعتداء مقدم من الزوجة ضد نفس الأشخاص. مين هيبدأ يتكلم؟”
محامي عمتي اتقدم وقال: “يا فندم، الواقعة واضحة، العروسة هربت بالفستان القديم وأخدت معاها تحويشة العمر، فلوس القاعة والمؤخر والشبكة، وخربت الفرح والفضيحة بقت في المنطقة كلها، وأهل العروسة الجديدة فسخوا العقد بسببها.”
وكيل النيابة بصلي وقال: “أنتِ اسمك إيه؟ وردك إيه على الكلام ده؟ والشنطة اللي معاكِ دي فيها إيه؟”
أنا مكنتش خايفة، الدم اللي نشف على شفتي من قلم بابا كان لسة باين، وعيوني كانت ثابتة في عيون وكيل النيابة. قولت له بثبات: “يا فندم، أنا مسرقتش حاجة مش بتاعتي. الشنطة دي فيها دهب أمي الله يرحمها اللي عمتي كانت مستولية عليه من سنين، وفيها فلوس ورثي الشرعي من أمي وستي. والورقة دي.. هي السبب في كل اللي بيحصل.”
طلعت ورقة التنازل المزورة من الكيس وحطيتها على مكتب وكيل النيابة. المحامي بتاعي اتقدم بسرعة وقال: “سيادة الوكيل، الورقة دي تنازل مزور من المتهمين (أبوها وعمتها) عن نصيب الشاكية في بيت والدتها وجدتها بعد وفاتهما. المتهمين استغلوا إن البنت كانت قاصر، وزوروا إمضتها وباعوا حاجتها لبعض، ولما كبرت وخافوا تطالب بحقها، جوزوها لابن عمتها غصب عنها وبدون علمها بشروط الجواز، وعاملوها كخادمة في البيت. والنهاردة لما اكتشفت الورقة دي بالصدفة وأخدت فلوسها وحقها الشرعي، اعتدوا عليها بالضرب المبرح ويهددوها بالقت*ل، والبلاغ بتاعهم بالسرقة ما هو إلا وسيلة للضغط عليها عشان تتنازل عن القض*ية وعن حقها.”
وكيل النيابة مسك الورقة وبدأ يقرأها بتمعن، وبص لبابا وقال له: “أنت والد البنت؟”
بابا اتهته ووشه بقى أصفر: “يا.. يا فندم، أنا أبوها، والورقة دي قديمة والبنت دي كدابة، إحنا اللي ربيناها وصرفنا عليها بعد موت أمها وجدتها.”
وكيل النيابة بص لأثر الضرب على وشي وقال: “ومين اللي ضربها بالشكل ده؟”
جوزي اتكلم بسرعة وبغباء: “دي كانت بتصرخ وبتتبلى علينا وتضيع الفرح، وأنا كنت بدافع عن مالي وشرفي!”
وكيل النيابة خبط على المكتب بقوة وقال: “اسكت خالص! مفيش حد هنا يرفع صوته!”.. التفت للسكرتير وقال: “أولاً، تحويل المجني عليها للطب الشرعي لإثبات إصابات الوجه والجسد الناتجة عن الاعتداء. ثانياً، التحفظ على ورقة التنازل وإرسالها لأبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي لمضاهاة توقيع المجني عليها.”
بص لعمتي ولجوزي ولبابا وقال بنبرة خلت ركبهم تخبط في بعض: “والتحفظ على المشغولات الذهبية والمبلغ المالي بخزينة النيابة لحين الفصل في ملكيتها الشرعية.. والمتهمين الثلاثة يفضلوا هنا في الحجز لحين ورود التحريات والتقرير المبدئي للطب الشرعي!”
عمتي أول ما سمعت كلمة “الحجز”، صرخت صرخة هزت الأوضة وقعدت في الأرض تلطم: “يا مصيبتي! أنا أتحبس في حجز القسم؟! يا فضيحتنا وسط الناس! ضيعتينا يا بنت (…)!”
وجوزي بقا يبص يمين وشمال كأنه مش مستوعب إن بدلة الفرح اللي لابسها هيدخل بيها الحجز مع المجرمين، وبابا حط رأسه بين إيديه وقعد على الكرسي وهو مش قادر ينطق بكلمة.
المحامي بتاعي أخدني وخرجنا عشان نروح للطب الشرعي، وأنا خارجة من الأوضة، التفتّ وبصيت لهم النظرة الأخيرة.. كانوا واقفين مكسورين، الذل والضعف باين في عيونهم، العيون اللي كانت من كام ساعة بس بتطلع شرار وبتهددني بالدفن.
خرجت للشارع وأنا حاسة بإن الهوا بقا يدخل صدري لأول مرة من سنين. رحت مع المحامي وعملت تقرير الطب الشرعي اللي أثبت كل كدمة وكل قلم نزل على وشي وجسمي. المحامي قالي: “التقرير ده والورقة المزورة هيخلوهم يلفوا حوالين نفسهم، والق*ضية هتقلب جناية تزوير واستعمال محرر مزور، ودي عقوبتها السجن المشدد.. حقك بدأ يرجع يا بنتي.”
المحامي أخدني على شقة تملكها أخته في منطقة تانية خالص عشان أكون في أمان بعيد عن عيونهم وعيون أهل المنطقة القديمة. الشقة كانت هادية ونظيفة، قعدت فيها وأنا حاسة بصداع رهيب، بس لأول مرة مكنش ورايا مواعين أغسلها، ولا مطبخ أروقه تحت التهديد، ولا سرقوا مني كرامتي.
عدى يومين، وفي اليوم الثالث، تليفون المحامي رن، وكان المتصل هو محامي عمتي وبابا. قفل المحامي الخط وبصلي وابتسامته واصلة لودانه وقال: “التقرير المبدئي للتزوير طلع، والإمضاء ثبت إنها مزورة ومكتوبة وإنتِ كان عندك 12 سنة يعني قاصر تماماً! المحامي بتاعهم بيموت، وجاي يترجى ويطلب الصلح.. بيقولوا هيدولك الشقة اللي فوق بالإيجار القديم ويكتبوها باسمك، ويرجعوا لك كل مليم، بس تتنازلي عن قض*ية التزوير وتنقذي أبوكي وعمتك وجوزك من السجن.”
في نفس اللحظة، رن تليفوني الصغير، لقيت رسالة جاية لي من رقم غريب، فتحتها ولقيتها من العروسة الجديدة.. بس المرة دي مكنش صوتها فيه دلع ولا لؤم، كان صوتها كله عياط وكسرة وهي بتقول: “أنا آسفة يا بنت الناس، أبوس إيدك تنازلي عن الق*ضية.. أهل الشارع كلهم عرفوا إن عيلتهم حرامية وجوزي داخل السجن ببدلة الفرح، وأبويا طلقني منه رسمي والمنطقة كلها بتتفرج علينا وإحنا بننزل جهازي من الشقة اللي فوق.. أنا ماليش ذنب، هما اللي غشونا وفهمونا إنك خدامة ملهاش قيمة.. وافقي على الصلح وخدي الشقة وخلينا نخلص من الكابوس ده!”
مسكت التليفون وبصيت للرسالة، وبصيت للمحامي اللي كان مستني ردي عشان يبلغ محاميهم. النار اللي جوايا مكنتش لسة انطفت، والشقة اللي فوق اللي كانوا بيذلوني بيها مبقتش طموحي، أنا بقيت عايزة أشوفهم في المكان اللي يستحقوه.. ورا القضبان.
وقفت وقولت للمحامي بصوت مفيش فيه تراجع: “قولهم إن الخدامة بتقولكم.. الحساب لسة ما قفلش، والصلح ده مش هتشوفوه ولو دفعوا عمري كله تمن ليه.”
المحامي ابتسم وقال: “هو ده الكلام.. يبقا نجهز للجلسة الجاية، لأن المفاجأة الكبيرة لسة مظهرتش، وباباكي مخبي سر تاني لو ظهر.. هيوديهم في داهية تانية خالص.”
بصّ لي المحامي بنظرة فخر، وأخد تليفونه وطلب محاميهم على الخاص، وفتح الاسبيكر عشان أسمع بنفسي. قال له ببرود شديد: “موكلتي ترفض الصلح جملة وتفصيلاً، وأعلى ما في خيلكم اركبوه.. الجناية هتمشي لمسارها الطبيعي، والنيابة مش هتقبل التنازل في تزوير محرر رسمي وأكل مال قاصر.”
صوت محاميهم كان مخنوق ومرعوب وهو بيرد: “يا أستاذنا فكروا تاني، الناس دي هتموت جوة الحجز، عمتها ضغطها علي ونقلوها مستشفى السجن، والزوج مستقبله بيضيع ببدلة فرحه، والأب هيموت من الكسرة.. الشقة اللي فوق جاهزة والتنازلات عن البيت كله جاهزة بس تمضوا!”
المحامي قفل السكة في وشه من غير ما ينطق بكلمة تانية، والتفت لي وقال: “الحديد وهو سخن يا بنتي. دلوقتي لازم نعرف السر التاني اللي أبوكي مخبيه واللي بسببه كان رامي رقبته تحت رجلين أختك وابنها.”
سألته باستغراب: “سر إيه تاني يا متر؟ هما سابوا فيا حاجة مأخدوهاش؟”
المحامي فتح درج مكتبه وطلع دوسيه قديم مغبّر، كان كاتبه جار ستي الله يرحمه من سنين، وقال: “ستي الله يرحمها مكنتش مأمنة لأبوكي ولا لأختها. قبل ما تموت، كتبت في الدفتر ده إن أمك الله يرحمها م ماتتش موتة طبيعية.. أمك دخلت المستشفى بعد خناقة كبيرة مع أبوكي وعمتك بسبب البيت ده والورث، وستي كانت شاكة إن في شبهة جنائية بس مكنش معاها دليل ولا فلوس تقف في وشهم، وعشان كدة أبوكي كان خايف من عمتك وراضي يرميكي ليها خدامة عشان تفضل كاتمة السر ده وما تبلغش عنه!”
الكلام نزل عليا كأنه صعقة كهربت جسمي كله. دموعي اللي نشفت نزلت غصب عني، بس المرة دي دموع قهر على أمي اللي عاشت وماتت مظلومة تحت إيد نفس الدياب. وقفت على حيلي وقولت وصوتي بيرتعش من الغضب: “يعني هما مش بس سرقوا فلوسي وصغري وكسروا فرحتي.. دول قت*لوا أمي كمان؟! وحياة حرقة قلبي السنين دي كلها مش هسيبهم!”
المحامي قال: “إحنا هنطلب إعادة فتح تحقيق في شهادة وفاة والدتك بناءً على المذكرات دي، وبلاغ التزوير الحالي هيخلي النيابة تاخد كلامنا بمحمل الجد، والكل هيبدأ ينهار ويعترف على بعضه عشان ينجي بنفسه.”
ومرت الأيام سريعة كأنها إعصار.. وجاء يوم الجلسة الأولى والمواجهة الكبرى أمام قاضي المعارضات لتجديد الحبس. دخلت قاعة المحكمة وأنا لابسة لبس نظيف ورافع راسي لأول مرة في حياتي. قعدت في المقاعد الخلفية مستنية، ولما فتحوا باب القفص عشان يدخلوا المتهمين، اتصدمت من منظرهم.
دخل بابا وهو جازز على سنانه، وشه أسود كأنه طالع من قبر، والعباية اللي كان بيتباهى بيها بقت مبهدلة ومليانة تراب. وعمتي دخلت وهي ساندة على عسكري، وشها دبلان وشعرها شايب ومتبهدل، ومفيش في إيدها غوايش دهب ولا مظاهر الكبرياء اللي عاشت بيها. وجوزي.. العريس اللي كان من أيام واقف يتغزل في عروسته ويهددني بالدفن، كان لابس بدلة الفرح اللي اتقطعت كمامها واتملت بقع من بهدلة الحجز، وشه كان مليان ذل وعينيه مكسورة وباصص في الأرض من الففضحة وسط الناس وقرايبنا اللي واقفين يتفرجوا.
أول ما عمتي لمحتني قاعدة، صرخت بصوت مكتوم وهي بتعيط: “بوس قدمك يا بنتي.. تنازلي عن المحضر، شقا عمري ضاع والبيت هيتخرب، ابني هيموت جوة!”
لكن العسكري نهرها وقعدها غصب عنها.
المحامي بتاعي اتقدم قدام منصة القاضي، وبدأ يتكلم بصوت هز جدران القاعة، شرح قض*ية طفلة أتربت على الخنوع والذل، سرقوا طفولتها وفلوسها وورث أمها، وزوروا إمضتها وهي م تملكش من الدنيا غير طاعتها لستها، ولما كبرت جوزوها زي الجارية عشان يضمنوا سكاتها، ويوم فرح ابنهم اللي بفلوسها، ضربوها وأهانوها وطردوها في الشارع.
محاميهم حاول يتكلم ويقول إن الفلوس والدهب اللي معاها هما دليل السرقة، لكن القاضي بص في تقرير أبحاث التزييف والتزوير المبدئي اللي أكد إن التوقيع على ورقة التنازل مزور بنسبة مية في المية، وبص لتقرير الطب الشرعي اللي بيثبت كدمات الاعتداء على وشي وجسمي.
القاضي بص لبابا وعمتي بنظرة احتقار شديدة، وخبط بمطرقته وقال: “بعد الإطلاع على الأوراق وتقرير الطب الشرعي وأبحاث التزوير، تقرر المحكمة استمرار حبس المتهمين خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيق، مع إحالة أوراق الق*ضية إلى محكمة الجنايات بتهمة التزوير في محرر رسمي واستعماله، والاعتداء بالضرب المبرح والاحتجاز.”
وفي اللحظة دي، والمحامي بتاعي بيقدم طلب رسمي لإعادة فتح التحقيق في وفاة والدتي بناءً على المستندات الجديدة، بابا حس إن حبل المشنقة بيلف حوالين رقبته بجد. انهار تماماً في القفص، وبدأ يصرخ بهستيرية ويشاور على أخته (عمتي): “أنا مق*تلتش حد! هي السبب! هي اللي مشت في حوار التزوير وهي اللي كانت بتضغط على مراتي الله يرحمها لحد ما ماتت من القهر! أنا اعترفت بكل حاجة.. سيبوني اخرج!”
عمتي بدأت تصوت وتلطم وتدعي عليه، وجوزي قعد في أرضية القفص وحط راسه بين رجليه وهو بيبكي زي الأطفال، والناس في القاعة بدأت تتكلم وتشهق من حجم الفضيحة والجرائم اللي بدأت تظهر وتتكشف قدام الكل.
خرجت من قاعة المحكمة والابتسامة على وشي، بس المرة دي مكنتش ابتسامة وجع، كانت ابتسامة انتصار. بصيت للسما وقولت: “نامي وارتاحي يا ستي.. ونامي وارتاحي يا أمي.. حقكم وحقي رجع، والطيبة اللي افتكروها ضعف طلعت هي اللي هتوديهم ورا القضبان.”
وبعد كام شهر من المحاكم والتحقيقات، صدر الحكم التاريخي اللي برد ناري؛ حكمت المحكمة بالسجن المشدد 7 سنوات لعمتي وبابا بتهمة التزوير الجنائي واستغلال قاصر، و3 سنوات لجوزي بتهمة الاعتداء والاحتجاز والاشتراك في الج*ريمة.
أما أنا، فاسترديت بقرار من النيابة والمحكمة كل مليم وكل قطعة دهب تخص أمي وستي، واستلمت الشقة اللي فوق والشقة اللي تحت بقوة القانون والشرطة، بعد ما أهل العروسة الجديدة نزلوا حاجتهم وفضحوهم في المنطقة كلها. وقفت في بلكونة الشقة اللي فوق، الشقة المتوضبة اللي حرموني منها وكانوا عايزين يذلوني فيها، وبصيت للشارع وأنا حاسة إني اتولدت من جديد. مبقتش الخدامة، ومبقتش العروسة المكسورة.. أنا بقيت صاحبة المكان، بكرامتي وبحقي اللي أخذته بدراعي وبعقلي، وعرفت إن الصبر أوله مر.. بس آخره بيكسر ضهر الظالم.