زعيم أخطر عائلة عمره ما حب. حكايات ميراا
زعيم أخطر عائلة في إسكندرية عمره ما حب حد… لحد ما بنت مبلولة بالقهوة اقتحمت الأسانسير الخاص بيه
الساعة كانت 8:14 صباحًا في يوم ثلاثاء عاصف، لما فردة كوتشي بيضا غرقانة مية دخلت بين بابي الأسانسير الخاص بـ آدم الشافعي قبل ما يقفلوا بثواني.
رئيس الأمن مد إيده ناحية سلا..حه.
لكن الباب فتح تاني، ودخلت بنت صغيرة في السن، هدومها كلها مبلولة، ماسكة شمسية مكسورة، وشنطة قماش مليانة على آخرها، وكوباية قهوة ورق… أول ما دخلت اتكعبلت، والقهوة كلها اتكبت على جزمة آدم الإيطالي اللي تمنها يعدّي ستين ألف جنيه.
بصت على الجزمة.
وبعدين رفعت عينيها لأخطر راجل في مينا إسكندرية وقالت بمنتهى البرود:
— واضح إنك تقدر تشتري غيرها.
بقاله عشر سنين، الناس كانت بتسكت أول ما آدم يدخل أي مكان.
المطاعم كانت الأصوات فيها توطى.
والناس كانت تغيّر طريقها أول ما تشوف عربيته السودة.
ورجالة كانوا بيهددوا وزراء ورجال أعمال، كانوا بينسوا يتنفسوا لما يبصلهم آدم الشافعي.
وعنده خمسة وتلاتين سنة، كان بيدير مجموعة الشافعي للملاحة… إمبراطورية شحن قانونية ليها مكاتب في أغلب موانئ مصر.
لكن اللي تحت السطح…
كان أكبر بكتير.
شحنات ممنوعة.
حماية الموانئ.
وصفقات سياسية بتتشري بالفلوس… أو بالخوف.
الإمبراطورية دي بناها أبوه، وآدم كملها ببرود خلاه شبه مستحيل حد يقرب منه.
كان بيثق في الأرقام.
والسلا..ح.
والصمت.
لكن عمره ما وثق في البشر.
ولا عمره حب حد.
أما البنت اللي كانت بتنقط مية على أرضية الأسانسير الرخام، فكان واضح إنها ما تعرفش أي حاجة عن كل ده.
سندت على الدرابزين وهي بتحاول تاخد نفسها.
وقالت وهي بتنهج:
— الحمد لله… القطر وقف أكتر من أربعين دقيقة، وبعدها الشارع كله غرق، والشمسية اتقلبت، وساعي دليفري كان هيطيرني قبل ما أوصل المبنى.
آدم ما ردش.
لكن رئيس أمنه، كريم منصور، اتحرك خطوة لقدام.
— يا آنسة… الأسانسير ده خاص.
البنت بصت له، وبعدين على إيده اللي مستخبية تحت الجاكيت.
وقالت بابتسامة ساخرة:
— طبعًا… لأن الحظ عمره ما يسمحلي أركب الأسانسير العادي زي باقي خلق الله.
ملامح كريم شدت.
لكن آدم رفع صباعين بس.
إشارة بسيطة جدًا…
خلّت كريم يقف مكانه فورًا.
لأول مرة، البنت بصت لآدم كويس.
عينها عدّت على بدلته الفحمية.
وساعته الفضية.
ووشه الجامد اللي مفيهوش أي تعبير.
شعرها الأشقر الغامق كان لازق في وشها من المطر.
وصباعها عليه بقعة حبر أزرق.
والمعطف البيج بتاعها باين عليه الاستعمال.
ورباط جزمتها محلول.
ماكانش فيها أي حاجة تبان إنها بتحاول تبهر حد.
كانت فوضى ماشية على رجلين…
في أسانسير حتى الهوا اللي فيه كان منظم.
ابتسمت وقالت:
— هو أنا قاطعت مسابقة تحديق مثلًا؟
في اللحظة دي…
آدم حس بحاجة غريبة اتحركت جواه.
مش غضب.
ومش إعجاب… لسه.
لكن…
فضول.
إحساس كان ناسي وجوده من سنين.
قال بصوته الخشن:
— رايحة أنهي دور؟
— الرابع عشر لو سمحت.
ضغط الزر بنفسه.
والأسانسير بدأ يطلع.
أخدت رشفة من القهوة، واتكشرت.
— لسعت لساني… يا سلام على اليوم الجميل.
بص للكوباية وقال:
— بتشربي القهوة دي كل يوم؟
ضحكت.
— لما أقدر أدفع تمنها.
— ريحتها وحشة.
— أصلها بعشرين جنيه… مش مطلوب منها تبقى تحفة فنية.
كريم حاول يخبي ابتسامته.
ولما الأسانسير وقف في الدور الرابع عشر، الباب فتح على شركة دعاية وتسويق كانت مملوكة لمجموعة الشافعي من غير ما أغلب الموظفين يعرفوا.
جمعت شنطتها وشمسيتها بسرعة.
وقالت وهي خارجة:
— شكرًا يا أستاذ الأسانسير الغامض… غالبًا أنقذت شغلي النهارده.
لكن ملف وقع من شنطتها عند رجل آدم.
قبل ما يمد إيده، رجعت جري وخدته.
وقالت بابتسامة محرجة وهي بتخبط بإيدها على الاسم المكتوب:
— مريم الدسوقي… عشان لو هتبلغ الأمن عني.
واختفت وسط زحمة المكاتب.
الباب قفل.
لف كريم ناحية آدم.
— اختراق أمني… أبلغ الإدارة يفصلوها؟
رد آدم من غير ما يبصله:
— لأ.
كريم استغرب.
— أمال؟
قال آدم وهو باصص لرقم الدور اللي بيطلع:
— اعرفلي كل حاجة عنها.
الساعة تسعة ونص، كان ملف مريم الوظيفي قدام آدم على التابلت.
ستة وعشرين سنة.
أصلها من المنصورة.
مصممة جرافيك مبتدئة.
ملهاش أي سوابق.
عايشة لوحدها في إسكندرية.
وأخدت إنذار قبل كده لأنها رفضت تزور ساعات شغل لصالح مديرها.
مرتبها… ما يكفيش تعيش بيه.
أما مديرها، طارق فؤاد، فكان عليه أكتر من شكوى تحرش اتدفنت مع الإدارة القديمة.
قفل الشاشة.
كان المفروض ينساها.
لكن كل اللي فضل في دماغه…
فردة الكوتشي البيضا اللي اقتحمت حياته المرتبة.
تاني يوم…
آدم نزل الجراج الساعة 8:10.
كريم لاحظ وقال:
— إحنا بدري النهارده.
رد آدم:
— هنستنى.
كريم ما سألش ليه.
الساعة 8:13…
صوت جري على الأرضية الخرسانية وصل لهم.
ظهرت مريم طالعة من السلم، ماسكة كوباية قهوة جديدة، وبتاكل دونات.
أول ما شافته وقفت.
وقالت وهي مستغربة:
— إنت تاني؟
دخل آدم الأسانسير.
ودخلت وراه كأن ده شيء طبيعي.
وقالت:
— النهارده القطر جه في معاده… بس حمامة دخلت المحطة وعملت معركة عالمية.
ضغط آدم على الدور الرابع عشر.
بصت له وسألته:
— هو إنت عمرك ركبت مواصلات عامة؟
قال بهدوء:
— لأ.
ابتسمت وقالت:
— باين فعلًا.
رفع حاجبه لأول مرة وسألها:
— يعني إيه “باين فعلًا”؟
(عارفة إنكم متشوقين تعرفوا إيه اللي هيحصل بعد كده… لو عايزين الجزء اللي جاي، اكتبوا في التعليقات: “مشوّق”.)
زعيم أخطر عائلة في إسكندرية عمره ما حب حد… لحد ما بنت مبلولة بالقهوة اقتحمت الأسانسير الخاص بيه
#حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️
ابتسمت مريم ابتسامة جانبية وقالت:
— يعني باين إنك عمرك ما استنيت ميكروباص نص ساعة، ولا اتخانقت مع حد عشان كرسي، ولا جريت ورا أوتوبيس وهو بيتحرك.
سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي بترفع كوباية القهوة:
— الناس اللي بتركب مواصلات بتبقى وشوشها مختلفة… فيها صبر غصب عنها.
آدم فضل باصص لها.
لأول مرة حد يكلمه بالطريقة دي… من غير خوف، ولا مصلحة، ولا حتى فضول يعرف هو مين.
الباب فتح في الدور الرابع عشر.
خرجت مريم وهي بتلوح له بكوباية القهوة.
— يوم سعيد يا أستاذ الغموض.
واختفت تاني.
لكن المرة دي…
آدم ما طلعش مكتبه.
لف ناحية كريم وقال:
— اجتماع مجلس الإدارة الساعة عشرة؟
— أيوه.
— أجله.
كريم بص له باستغراب.
آدم الشافعي عمره ما أجّل اجتماع.
خصوصًا اجتماع فيه عقد بمئات الملايين.
لكن بدل ما يطلع للدور الأخير…
دخل شركة الدعاية بنفسه لأول مرة من سنين.
في نفس الوقت…
مريم كانت قاعدة قدام الكمبيوتر تحاول تخلص تصميم إعلان قبل المدير طارق فؤاد ما يدخل.
لكن الباب اتفتح بعنف.
طارق دخل وهو بيزعق:
— فين التصميم؟
ناولته الملف.
قلبه بسرعة، ورماه على المكتب.
— زبالة.
بصت له بهدوء.
— حضرتك لسه حتى ما شفتوش.
اقترب منها وهو صوته واطي.
— أنا قلت زبالة… يبقى زبالة.
المكتب كله سكت.
واحدة من الموظفات همست:
— بلاش تردي عليه.
لكن مريم قالت بثبات:
— حضرتك طلبت التصميم بالألوان دي، وأنا نفذت المطلوب.
ابتسم طارق ابتسامة خبيثة.
— يبقى هتعيدي الشغل كله… وتقعدي بعد الدوام.
— عندي ارتباط.
— يبقى اعتبريه إجباري.
وفي اللحظة دي…
اتفتح باب الشركة.
وساد صمت غريب.
السكرتيرة وقفت فجأة.
الموظفين قاموا من أماكنهم.
طارق لف بضيق وهو بيقول:
— مين اللي دخل من غير معاد؟
لكن الكلمات اتجمدت في بقه.
آدم الشافعي كان واقف عند الباب.
ببدلته السودا ونظرته الباردة.
كل الموجودين اتعدلوا في وقفتهم.
طارق ابتسم بتوتر ومد إيده.
— أستاذ آدم… يا فندم، شرف كبير.
آدم تجاهل الإيد تمامًا.
وبدأ يمشي بين المكاتب لحد ما وقف قدام شاشة كمبيوتر مريم.
بص للتصميم ثواني.
ثم قال بهدوء:
— مين قال إنه زبالة؟
طارق بلع ريقه.
— أنا… كنت بس بطلب بعض التعديلات.
آدم رفع عينه وبص له.
النظرة لوحدها خلت وش طارق يصفر.
ثم قال بصوت هادئ أخطر من الصراخ:
— من النهارده… أي تعديل على شغل الآنسة مريم، هيكون بموافقتي أنا.
المكتب كله اتجمد.
أما مريم فكانت باصة له بذهول.
وقالت من غير ما تحسبها:
— لحظة… إنت مين أصلًا؟
وقبل ما حد يرد…
كريم دخل بسرعة وهو ماسك التابلت.
وملامحه لأول مرة بان عليها القلق.
اقترب من آدم وهمس:
— يا فندم… في خبر خطير.
واحد من رجال العيلة اتقبض عليه… ومعاه ملف فيه اسم الآنسة مريم الدسوقي مكتوب بخط إيد والد حضرتك.
اتسعت عينا آدم للحظة…
لأن والده مات من خمس سنين.
وكان مستحيل… أي حد يعرف اسم مريم قبل يومين فقط.
أما مريم، فشهقت وهي تسمع اسم والد آدم، ثم همست بكلمات قلبت كل شيء:
— مستحيل… أنا شوفت نفس الخط ده قبل كده… في وصية أمي قبل ما تموت.اتسعت عينا آدم لأول مرة منذ سنوات.
نظر إلى مريم، ثم إلى كريم.
— إيه اللي قلتيه؟
ابتلعت مريم ريقها، وقد أدركت أن كل العيون اتجهت إليها.
قالت بصوت منخفض:
— قبل ما أمي تتوفى بشهر… سابتلي ظرف مقفول، وقالت: “ما تفتحيهوش إلا لو شوفتي الاسم ده.”
سحب آدم نفسًا ببطء.
— اسم مين؟
أجابت وهي لا تزال مصدومة:
— الشافعي.
ساد صمت ثقيل في المكتب.
طارق فؤاد كان ينقل بصره بينهما وهو لا يفهم شيئًا، لكن غريزته أخبرته أن شيئًا كبيرًا يحدث.
أما آدم فقال لكريم:
— اقفل الباب.
خلال ثوانٍ، أُغلقت الشركة بالكامل، وخرج جميع الموظفين إلى صالة الانتظار، ولم يبقَ في المكتب سوى آدم وكريم ومريم.
جلس آدم أمامها وقال بهدوء:
— الظرف… فين؟
هزت رأسها.
— في شقتي… عمري ما فتحته.
كريم لم يستطع إخفاء دهشته.
— يعني من سنين معاكي ظرف عليه اسم العيلة، ولسه ما فتحتيهوش؟
ابتسمت مريم ابتسامة حزينة.
— أمي كانت آخر حاجة ليا… ووعدتها ما أفتحهش غير لما ييجي وقته.
وقف آدم فجأة.
— هنروح دلوقتي.
—
بعد أقل من نصف ساعة…
توقفت ثلاث سيارات سوداء أمام عمارة قديمة في سيدي جابر.
الجيران بدأوا يراقبون من الشرفات.
لم يعتادوا رؤية هذا العدد من الحراس أمام المبنى.
صعد آدم مع مريم إلى الطابق الرابع.
أخرجت مفتاحًا قديمًا وفتحت الباب.
الشقة كانت بسيطة جدًا.
أثاث متواضع، وصور قديمة معلقة على الحائط.
لفت صورة انتباه آدم.
امرأة تبتسم وهي تحمل طفلة صغيرة.
تجمد مكانه.
اقترب ببطء من الصورة.
همس:
— مستحيل…
رفعت مريم رأسها.
— في إيه؟
أشار إلى المرأة.
— دي…
قبل أن يكمل، تغير لون وجهه.
كان يعرف هذه المرأة.
رآها مرة واحدة فقط قبل أكثر من عشرين عامًا، في جنازة والده.
وكان والده قد قال له يومها جملة لم يفهمها أبدًا:
> “في يوم هتعرف إن أكبر ذنب عملته في حياتي… اسمه ليلى.”
نظر آدم إلى مريم مرة أخرى.
— اسم والدتك… ليلى؟
هزت رأسها.
— أيوه… ليلى الدسوقي.
في تلك اللحظة، دوى انفجار هائل أسفل العمارة.
اهتز المبنى كله.
وتحطم زجاج الشقة.
صرخ كريم وهو يخرج سلا..حه:
— كمين!
ركض إلى الشرفة، ثم عاد بسرعة وملامحه شاحبة.
— يا فندم… العربيات كلها ولعت.
وفي الشارع…
كان أكثر من عشرين رجلًا مسلحًا يحيطون بالعمارة.
وتقدم بينهم رجل طويل يرتدي معطفًا أسود، ثم رفع مكبر صوت وقال بصوت وصل إلى داخل الشقة:
— آدم الشافعي… سلّم البنت، وسنسمح لك تخرج حي!
أما آدم، فنظر إلى مريم، وقال لأول مرة بنبرة حملت خوفًا حقيقيًا:
— واضح إنك أهم مما كنتِ تتخيلي… واللي جاي أخطر بكتير.أخذ آدم نفسًا عميقًا، ثم التفت إلى كريم.
— كام واحد؟
أطل كريم بحذر من خلف الحائط.
— فوق العشرين… وقناصة فوق العمارة اللي قدام. دي مش خناقة عادية.
تراجعت مريم خطوة للخلف وهي تحاول تستوعب ما يحدث.
— هو… هم عايزين مني إيه؟ أنا مجرد مصممة جرافيك!
نظر إليها آدم للحظة.
— واضح إنك مش “مجرد” أي حاجة.
انطلق صوت الرجل من الخارج مرة أخرى:
— معاك دقيقة واحدة يا آدم!
أخرج كريم جهاز الاتصال.
— الفرقة التانية في الطريق، لكن هتوصل بعد عشر دقايق.
ابتسم آدم ابتسامة باردة.
— إحنا معندناش عشر دقايق.
ثم التفت إلى مريم.
— في مخرج تاني للشقة؟
هزت رأسها بسرعة.
— فيه سلم خدمة من المطبخ… بينزل على العمارة اللي ورا.
قال آدم:
— تمام.
لكن قبل أن يتحركوا، تذكرت مريم شيئًا.
— استنى!
جرت نحو غرفة النوم، وأخرجت صندوقًا خشبيًا قديمًا من أسفل السرير.
فتحته بيدين مرتعشتين.
كان الظرف ما زال في مكانه، مختومًا بالشمع الأحمر.
أعطته لآدم.
— أهو… أول مرة حد يلمسه غيري.
نظر آدم إلى الختم.
تغيرت ملامحه فورًا.
لم يكن ختمًا عاديًا.
بل كان نفس الختم المعدني الذي كانت تستخدمه عائلة الشافعي في مراسلاتها السرية… وقد اختفى منذ أكثر من عشرين عامًا.
همس كريم بذهول:
— مستحيل… الختم ده اتسرق قبل ما حضرتك تمسك العيلة.
فتح آدم الظرف بحذر.
لم يجد أوراقًا كثيرة.
فقط رسالة قصيرة… ومفتاحًا نحاسيًا صغيرًا.
قرأ السطر الأول بصوت منخفض:
> “إذا وصلت هذه الرسالة إلى آدم… فاعرف أن الحقيقة التي أخفيتها ستكلّفك الإمبراطورية.”
توقف.
أعاد قراءة الاسم.
الرسالة لم تكن موقعة باسم والده…
بل باسم شخص كان الجميع يعتقد أنه مات منذ خمسة عشر عامًا.
شقيق آدم الأكبر… ياسين الشافعي.
في تلك اللحظة، دوى إطلاق نار كثيف من أسفل العمارة.
واخترقت إحدى الرصاصات نافذة الصالة.
أمسك آدم بيد مريم وأبعدها بسرعة عن الزجاج.
قال بحسم:
— هنخرج دلوقتي.
لكن قبل أن يصلوا إلى باب المطبخ…
رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة، ثم شحب وجهه.
— يا فندم…
— إيه؟
ابتلع ريقه وقال:
— المتصل… رقمه مقفول من خمس عشرة سنة.
نظر آدم إلى الشاشة.
واسم المتصل جعل الدم يتجمد في عروقه:
ياسين الشافعي.تجمدت يد آدم فوق الهاتف.
نظر إلى كريم، ثم أخذ الجهاز ببطء.
ساد الصمت في الشقة، بينما استمر صوت الرصاص في الخارج.
ضغط زر الرد.
مرّت ثانيتان…
ثم جاء صوت هادئ، خشن، يعرفه جيدًا رغم مرور السنوات.
— كبرت يا آدم.
اتسعت عينا آدم.
— مستحيل…
ضحك الرجل ضحكة قصيرة.
— لسه بتقول “مستحيل”؟ كنت فاكر إنك اتعلمت إن المستحيل ما بيعيشش في عيلتنا.
شد كريم سلا..حه أكثر.
أما مريم، فكانت تنظر إلى آدم وكأنها ترى وجهًا جديدًا لم تعرفه من قبل.
قال آدم بصوت جامد:
— أنت ميت.
رد الصوت:
— دي كانت الخطة… والكل صدقها.
— لو أنت ياسين… يبقى اللي تحت العمارة رجالتك؟
— جزء منهم.
— عايز إيه؟
سكت ياسين لحظة، ثم قال:
— عايز مريم… بس مش علشان أقتلها.
نظر آدم إلى مريم تلقائيًا.
كانت تقبض على المفتاح النحاسي بقوة.
قال آدم:
— ليه؟
رد ياسين:
— لأن البنت دي آخر شخص يقدر يفتح الخزنة.
قطب آدم حاجبيه.
— أي خزنة؟
— الخزنة اللي أبوك خبّى فيها كل حاجة… المستندات، الحسابات، والأسماء اللي ممكن توقع نص البلد.
ساد الصمت.
كان آدم يعرف أن والده كان يخفي أسرارًا كثيرة، لكنه لم يسمع يومًا عن خزنة.
أكمل ياسين:
— والمفتاح الأول… في إيدها بالفعل.
نظر آدم إلى يد مريم.
كانت لا تزال تمسك بالمفتاح النحاسي الذي خرج من الظرف.
ارتبكت مريم وقالت:
— أنا مش فاهمة أي حاجة!
قال ياسين بهدوء:
— ولا أمك فهمتها… علشان كده ماتت وهي بتحاول تحميكي.
قبل أن يرد آدم…
انقطع الاتصال.
وفي اللحظة نفسها…
انطفأت الكهرباء عن العمارة كلها.
غرقت الشقة في ظلام دامس.
قال كريم بسرعة:
— قطعوا الكهرباء عمدًا.
ثم دوى صوت خطوات على سلم الخدمة.
شخص… ثم اثنان… ثم عدة أشخاص يصعدون بسرعة.
اقترب كريم من الباب وهمس:
— وصلوا.
أخرج آدم مسد..سه لأول مرة أمام مريم.
نظرت إليه بصدمة، ثم همست:
— أنت… مين بالضبط؟
نظر إليها نظرة قصيرة وقال:
— دلوقتي… مش مهم تعرفي أنا مين.
المهم تعرفي إن من اللحظة دي…
أي حد يحاول يوصلك، لازم يعدي فوق جثتي الأول.
وفي الخارج…
توقف صوت الخطوات فجأة.
ثم سُمعت طرقات خفيفة على باب الشقة.
ثلاث طرقات متتالية.
تبعها صوت رجل مسن يقول بهدوء:
— افتح يا آدم…
أنا جاي من طرف أبوك.
وتجمد آدم في مكانه…
لأن الصوت الذي سمعه كان صوت حسن… الحارس الشخصي لوالده، الذي دُفن بنفسه قبل سبع سنوات.تبادل آدم وكريم نظرة سريعة.
همس كريم:
— أنا حضرت جنازته بنفسي…
لكن آدم لم يُجب.
اقترب من الباب ببطء، وسحب المسد..س إلى جانبه.
جاء الصوت من الخارج مرة أخرى:
— لو اتأخرت دقيقة… كل اللي أبوك حاول يحميه هيروح.
قال آدم من خلف الباب:
— قولّي… آخر جملة قالها أبويا ليك قبل ما يموت.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم جاء الرد فورًا:
— قال لي: “لو أنا مت… ما تسيبش الولدين يكرروا غلطتي.”
تغيرت ملامح آدم.
هذه الجملة لم يسمعها أحد سوى ثلاثة أشخاص: والده… حسن… وآدم نفسه.
فتح الباب نصف فتحة وهو يصوّب سلا..حه.
وقف أمامه رجل في أواخر الستينيات، شعره الأبيض أطول مما كان، ووجهه مليء بالندوب.
ابتسم ابتسامة متعبة.
— كبرت يا بني.
وقبل أن ينطق آدم بكلمة…
دوى انفجار آخر في آخر الممر.
انهار جزء من السقف، وامتلأ المكان بالغبار.
صرخ حسن:
— اتحركوا! دي مش رجالة ياسين!
قطب آدم حاجبيه.
— تقصد إيه؟
رد حسن وهو يقودهم نحو سلم الطوارئ:
— ياسين نفسه بيهرب من اللي برا!
توقف آدم مكانه.
— يعني إيه؟
قال حسن:
— في طرف تالت دخل اللعبة… والهدف الحقيقي مش أنت… ولا مريم.
نظر الجميع إلى مريم.
قال حسن بصوت منخفض:
— الهدف… المفتاح.
أخرجت مريم المفتاح النحاسي من جيبها وهي ترتجف.
كان قطعة صغيرة، عادية الشكل.
لكن فجأة…
صدر منه وميض أزرق خافت.
نظر الجميع إليه في ذهول.
همست مريم:
— هو… بيطلع نور؟
أخذه حسن بسرعة، وضغط بإصبعه على أحد جوانبه.
انشق المفتاح إلى نصفين.
وسقطت من داخله شريحة إلكترونية صغيرة جدًا.
تجمد آدم.
— ده… مش مفتاح.
هز حسن رأسه.
— لا… ده مخزن بيانات.
نظر كريم إلى الشريحة وقال:
— يعني كل الأسرار… موجودة هنا؟
أجاب حسن:
— جزء منها فقط.
أما الجزء الثاني…
فسكت فجأة.
لأن هاتف مريم رن.
رقم غير مسجل.
فتحت المكالمة على السماعة دون قصد.
وجاء صوت امرأة هادئ، لكنه مألوف بشكل مخيف:
— مريم…
لو سمعتي الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مت.
شحب وجه مريم.
دموعها نزلت فورًا.
— أمي…
كان تسجيلًا صوتيًا بصوت والدتها.
وأكمل التسجيل:
— لو آدم الشافعي واقف جنبك دلوقتي… أوعي تثقي فيه بالكامل.
لأنه حتى هو…
ما يعرفش الحقيقة الكاملة عن اللي عمله أبوه.
رفع آدم رأسه ببطء.
أما التسجيل، فأنهى الجملة التي قلبت كل شيء:
— وأوعي تسمحي له يعرف… إن الشخص اللي بيدور عليه طول عمره…
هو في الحقيقة… أخته.ساد صمت ثقيل.
حتى أصوات إطلاق النار في الخارج بدت بعيدة للحظة.
مريم حدقت في الهاتف وكأنها لا تصدق ما سمعته.
أما آدم، فبقي ثابتًا في مكانه، لكن قبضته على المسد..س اشتدت حتى ابيضّت مفاصل أصابعه.
قال بصوت خافت:
— أختي…؟
أعاد التسجيل من البداية.
لكن عند الجملة الأخيرة…
انقطع الصوت فجأة، وكأن بقية الرسالة حُذفت عمدًا.
نظر حسن إلى الهاتف، ثم هز رأسه.
— التسجيل ناقص.
التفت إليه آدم بسرعة.
— كنت عارف؟
تنهد حسن.
— كنت عارف إن في سر… لكن ما كنتش أعرف تفاصيله.
اقتربت مريم خطوة.
— يعني إيه؟ أمي كانت تقصد مين؟
رد حسن بحذر:
— زمان… قبل أكتر من خمسة وعشرين سنة، انتشرت إشاعة إن لعيلة الشافعي طفلة اختفت بعد ولادتها بأيام. محدش عرف إذا كانت ماتت… ولا اتخطفت… ولا اتخبّت.
قال آدم بحدة:
— أبويا قالي إنها كانت مجرد إشاعة.
خفض حسن عينيه.
— وأبوك كان بارع في دفن الحقيقة.
قبل أن يكمل…
رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة، ثم أجاب بسرعة.
استمع لثوانٍ، ثم أغلق الخط وقال:
— يا فندم… رجالتنا سيطروا على الشارع.
— وياسين؟
— اختفى.
أخذ آدم نفسًا طويلًا.
ثم نظر إلى مريم.
— هنخرج من هنا.
—
بعد ساعة…
وصل الموكب إلى قصر الشافعي المطل على البحر.
كانت هذه أول مرة تدخل مريم المكان.
حدائق واسعة.
حراسة مشددة.
وجدران تحمل صورًا قديمة للعائلة.
وبينما كانت تمر في الردهة الرئيسية…
توقفت فجأة.
كانت هناك صورة كبيرة بالأبيض والأسود لآدم وهو طفل، يقف بجوار والده.
وفي حضن والده…
رضيعة صغيرة.
اقتربت مريم ببطء.
همست:
— البنت دي…
رفع آدم نظره إلى الصورة.
لأول مرة منذ سنوات، لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه من قبل.
كان في يد الرضيعة…
سوار فضي صغير.
اتسعت عينا مريم.
رفعت كم معطفها بسرعة.
وفي معصمها…
كان سوار فضي مطابق تمامًا.
ساد الصمت.
نظر آدم إلى السوار… ثم إلى الصورة… ثم إلى مريم.
لكن قبل أن ينطق بكلمة…
دخل أحد الحراس مسرعًا وهو يلهث.
— يا فندم… في ست كبيرة عند البوابة.
قال آدم ببرود:
— مين؟
أجاب الحارس:
— بتقول إن اسمها ليلى الدسوقي…
وإنها أم الآنسة مريم.
تجمدت مريم في مكانها.
دموعها انهمرت دون أن تشعر.
همست بصوت مرتجف:
— مستحيل…
— أمي ماتت… من خمس سنين.
انفتح باب القاعة ببطء…
ودخلت امرأة تشبه ليلى في الصور القديمة، لكن الزمن ترك أثره على وجهها.
وقبل أن يتكلم أحد…
قالت المرأة:
— أنا مش أم مريم…
ثم نظرت مباشرة إلى آدم وأضافت:
— أنا المرأة اللي ساعدت في إخفاء أختك… وجيت أقول الحقيقة قبل ما يقتلونا كلنا.تجمدت القاعة بالكامل.
الحراس تبادلوا النظرات، وكريم رفع يده في إشارة أن محدش يتحرك.
آدم ثبت نظره على المرأة.
— اقفلي الباب.
أُغلق الباب، وبقي الجميع في صمت.
اقتربت المرأة بخطوات بطيئة، وأخرجت من حقيبتها صندوقًا معدنيًا صغيرًا وقديمًا.
وضعته على الطاولة.
— قبل ما تفتحوه… لازم تعرفوا إن الحقيقة دي هتغير كل حاجة.
قال آدم ببرود:
— اتكلمي.
تنهدت المرأة.
— ليلة ميلاد الطفلة… كان في ناس عايزة تخلص من أي وريث ممكن ينافس على ثروة الشافعي. أبوك اكتشف المؤامرة قبلها بساعات.
نظر إليها آدم دون أن يقاطعها.
— فعمل حاجة محدش كان يتوقعها… سلّم الطفلة لست بسيطة من المنصورة، وطلب منها تربيها كأنها بنتها.
نظرت المرأة إلى مريم.
— والست دي… كانت ليلى الدسوقي.
شهقت مريم.
— يعني… ماما كانت عارفة؟
أومأت المرأة.
— كانت عارفة، لكنها أقسمت إنها هتموت بالسر لو ده هيحمي الطفلة.
فتح آدم الصندوق بسرعة.
كان بداخله:
شهادة ميلاد قديمة.
صورة لوالده وهو يحمل رضيعة.
وخطاب مختوم بخاتم عائلة الشافعي.
فتح الخطاب.
بدأ يقرأ بصمت.
ومع كل سطر، كانت ملامحه تتغير.
أخيرًا، أغلق الورقة ببطء.
قال كريم بقلق:
— يا فندم… مكتوب إيه؟
رفع آدم عينيه إلى مريم.
ثم قال بصوت هادئ:
— مكتوب إن ليلى وافقت تحمي الطفلة… لكن الخطاب ما قالش إن الطفلة هي مريم.
ساد الصمت.
ارتبكت مريم.
— يعني… أنا مش…
هز آدم رأسه.
— لسه ما نعرفش.
أشار إلى شهادة الميلاد.
— اسم الطفلة ممسوح بالحبر… والصفحة متقطعة.
في تلك اللحظة…
رن هاتف المرأة.
نظرت إلى الشاشة، ثم تغير لون وجهها.
همست:
— لقوني…
وقبل أن يغلق أحد الباب…
دوى صوت رصاصة.
تحطم الزجاج.
وسقط الهاتف من يد المرأة.
صرخ كريم:
— قناص!
أسرع آدم وسحب مريم خلف أحد الأعمدة الرخامية.
أما المرأة، فسقطت على الأرض، لكنها كانت لا تزال تتنفس.
اقترب منها آدم بسرعة.
أمسكت بيده بصعوبة.
وقالت وهي تلهث:
— دوروا… على… الطفل…
قطعت أنفاسها للحظة، ثم أكملت:
— الطفل… اللي اتبدل… في المستشفى…
وأغمضت عينيها.
تجمد آدم.
أما مريم، فشعرت أن الأرض تميد بها.
لأن معنى هذه الكلمات كان مرعبًا…
إذا كان هناك طفل تبدّل في المستشفى…
فربما لم تكن الحقيقة أن مريم هي أخت آدم…
وربما لم تكن ابنة ليلى أصلًا…
وربما كان شخص آخر يعيش منذ ستة وعشرين عامًا… بهوية ليست هويته الحقيقية.وقف آدم ببطء، وعيناه لا تزالان على المرأة.
اقترب الطبيب الخاص بالعائلة بعد دقائق، وفحص نبضها، ثم رفع رأسه بأسف.
— للأسف… ماتت.
أغلق آدم عينيه للحظة.
ثم قال لكريم:
— اقفل القصر بالكامل. محدش يدخل ولا يخرج.
— حاضر.
—
بعد ساعة…
كانت الطاولة الكبيرة في مكتب آدم مغطاة بالأوراق القديمة.
شهادات ميلاد.
سجلات مستشفى.
صور باهتة.
والخطاب الذي تركه والده.
دخل كريم وهو يحمل ملفًا جديدًا.
— لقينا سجل المستشفى اللي اتولدت فيه مريم.
فتح آدم الملف بسرعة.
لكن أول صفحة كانت ممزقة.
أما الصفحة الثانية…
فكان عليها توقيع شخص واحد فقط.
طارق فؤاد.
رفع آدم رأسه ببطء.
— مستحيل…
قال كريم:
— أيوه… نفس طارق مدير شركة الدعاية.
قطب آدم حاجبيه.
— عمره حوالي خمسين سنة… يعني وقت الولادة كان مجرد موظف أرشيف في المستشفى.
فتح كريم الصفحة التالية.
كانت هناك ملاحظة بخط اليد:
> “تم استبدال الملف الأصلي بأوامر مباشرة.”
لكن اسم الشخص الذي أصدر الأوامر كان مقطوعًا.
ساد الصمت.
ثم قال آدم:
— هاتولي طارق… دلوقتي.
—
في الوقت نفسه…
كان طارق فؤاد يقود سيارته بسرعة على الطريق الساحلي.
يداه ترتجفان.
كل دقيقة ينظر في المرآة.
ثم أخرج هاتفًا قديمًا واتصل برقم محفوظ باسم واحد فقط:
الرئيس.
رد الصوت ببرود:
— نعم.
قال طارق وهو يلهث:
— آدم عرف إن المستشفى لها علاقة بالموضوع.
جاءه الرد:
— كنت عارف إن ده هيحصل.
— أعمل إيه؟
سكت الصوت لحظة، ثم قال:
— اختفِ… لأن لو آدم وصلك قبلنا، هتتكلم.
وقبل أن يسأل طارق أي سؤال…
ظهرت أمامه شاحنة ضخمة خرجت فجأة من شارع جانبي.
ضغط على الفرامل بكل قوته.
لكن الأوان كان قد فات.
اصطدمت الشاحنة بالسيارة بعنف.
—
بعد عشرين دقيقة…
وصل كريم إلى مكان الحادث.
كانت السيارة محطمة بالكامل.
اقترب من الإسعاف.
— السواق؟
رد المسعف:
— مات في مكانه.
لكن كريم لاحظ شيئًا غريبًا.
باب السيارة الخلفي كان مفتوحًا.
ولا توجد أي آثار دماء على المقعد الخلفي.
اقترب أكثر.
ثم وجد ورقة صغيرة موضوعة بعناية.
فتحها.
كانت مكتوبة بخط واضح:
> “الراجل اللي مات… مش طارق.”
اتسعت عينا كريم.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف آدم.
أجاب فورًا.
جاءه صوت يعرفه جيدًا.
صوت مريم…
لكنها كانت تبكي.
— آدم… الحقني.
ثم انقطع الخط فجأة.
وفي الخلفية، قبل أن يُغلق الاتصال، سمع آدم جملة واحدة من رجل مجهول:
— أخيرًا… رجّعنا الوريثة الحقيقية.قفز آدم من مكانه قبل أن ينتهي صوت المكالمة.
— كريم… تتبع الرقم حالًا!
رد كريم وهو يفتح جهاز التتبع:
— بحاول… لكن الإشارة اتقفلت بعد سبع ثواني.
ضرب آدم المكتب بقبضته.
لأول مرة منذ سنوات، فقد هدوءه.
—
في مخزن قديم على أطراف ميناء الإسكندرية…
استعادت مريم وعيها ببطء.
كان رأسها يؤلمها.
وحاولت تحرك إيديها، لكنها اكتشفت أنهما مربوطتان.
سمعت صوت أمواج البحر وهي تضرب الرصيف.
ثم انفتح باب المخزن.
دخل رجل يرتدي بدلة رمادية، وشعره يغزوه الشيب.
جلس أمامها ووضع كوب ماء على الطاولة.
قال بهدوء:
— متخافيش… لو كنت عايز أقتلك، ما كنتيش صحيتي.
نظرت إليه بغضب.
— أنت مين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— اسمي سليم.
— عايز مني إيه؟
رد وهو ينظر إليها طويلًا:
— عايز أحميكي… من آدم الشافعي.
ضحكت مريم بسخرية رغم خوفها.
— يعني خطفتني علشان تحميني؟
خفض رأسه.
— أحيانًا… الحماية شكلها بيكون وحش.
ثم أخرج صورة قديمة ووضعها أمامها.
في الصورة كانت ليلى الدسوقي تقف بجوار رجل لا تعرفه، وبينهما طفلة رضيعة.
قال سليم:
— دي الصورة الأصلية… قبل ما تتقص.
همست مريم:
— الراجل ده مين؟
أجاب:
— أبوكي.
ارتجفت يدها.
— مستحيل… أنا أبويا مات وأنا صغيرة.
قال سليم:
— الراجل اللي اتقالك إنه أبوكي… ما كانش والدك الحقيقي.
قبل أن تكمل أسئلتها، أخرج ملفًا آخر.
— لكن الحقيقة الأخطر…
فتح الملف.
كانت فيه تحاليل DNA.
دفعها نحوها.
— دي نتيجة التحليل اللي اتعمل سرًا من شهر.
نظرت إلى الورقة.
وتوقفت عيناها عند السطر الأخير.
“لا توجد أي صلة قرابة بيولوجية بين مريم الدسوقي وآدم الشافعي.”
تنفست الصعداء دون أن تشعر.
لكن سليم لم يبتسم.
قال بصوت هادئ:
— ارتحتي؟
هزت رأسها.
— أيوه…
أغلق الملف.
— للأسف… دي مش أهم نتيجة.
ثم أخرج الورقة الثانية.
كانت تحمل اسمًا آخر.
وضعها أمامها ببطء.
نظرَت إليها…
ثم شحب وجهها.
لأن التقرير الثاني لم يكن عن آدم…
بل كان يثبت أن سليم نفسه هو والدها البيولوجي.
وفي اللحظة نفسها…
دوى انفجار هائل عند باب المخزن.
تطاير الحديد في كل اتجاه.
ودخل آدم الشافعي وسط الدخان، ممسكًا بسلا..حه.
ثبت نظره على سليم وقال بصوت بارد:
— ابعد عنها…
يا عمّي.تجمدت مريم.
نظرت إلى آدم… ثم إلى سليم.
همست بصوت مرتجف:
— عمّك؟
ساد الصمت للحظات، حتى صوت الأمواج خارج المخزن اختفى وسط التوتر.
خفض سليم سلا..حه ببطء.
وقال:
— كنت عارف إنك هتوصل.
اقترب آدم خطوة، لكن فوهة مسد..سه ظلت ثابتة.
— سيبها.
ابتسم سليم ابتسامة متعبة.
— لو كنت عايز أؤذيها… ما كنتش فضلت مستنيك.
تقدمت مريم خطوة وهي تنظر بينهما.
— حد يفهمني! مين فيكم بيقول الحقيقة؟
تنهد آدم، ثم قال لأول مرة بنبرة مختلفة:
— سليم مش عمي الحقيقي… هو ابن عم أبويا.
التفت إلى سليم.
— وأنت استغليت إن الناس كانت بتقول علينا “ولاد عم” عشان تخليها تصدق.
ابتسم سليم.
— على الأقل لسه ذاكرتك شغالة.
خفض آدم سلا..حه قليلًا، لكن عينيه بقيتا حذرتين.
— تحليل الـDNA مزور.
ارتبكت مريم.
— يعني إيه؟
أخرج آدم مظروفًا من جيب سترته وألقاه على الطاولة.
— قبل ما أجي، بعت عينة للمختبر اللي بتعامل معاه من سنين. الورقة اللي معاه مختومة بختم مزور.
نظر سليم إلى المظروف دون أن يلمسه.
ثم ضحك.
— كويس… كنت عايز أشوف هتكتشفها ولا لأ.
قطب آدم حاجبيه.
— إيه اللي بتلعبه؟
رد سليم بهدوء:
— كنت بدور على الشخص الوحيد اللي لسه يعرف يميز الحقيقة من الكذب.
وقبل أن يكمل…
دخل أحد رجال سليم يلهث.
— باشا… وصلوا!
استدار الجميع نحو باب المخزن.
في الخارج…
توقفت ست سيارات سوداء لا تحمل أي شعارات.
نزل منها رجال يرتدون ملابس سوداء بالكامل، وعلى أكتافهم شارة فضية على شكل صقر.
شحب وجه سليم.
همس:
— هم سبقونا…
سأله آدم:
— مين دول؟
نظر إليه سليم وقال الجملة التي قلبت كل ما عرفه آدم عن عائلته:
— دي مش حرب عيلة الشافعي…
دي الحرب اللي أبوك هرب منها من تلاتين سنة.
ورئيس الجماعة دي…
مش ياسين.
ولا أنا.
ولا أي حد تعرفه.
ثم نظر مباشرة إلى مريم وقال:
— أول ما يشوفوكي… هيعرفوا إنهم لقوا الشخص اللي بيدوروا عليه من يوم ما اتولد.
وفي اللحظة نفسها…
فتح باب المخزن ببطء.
ودخل رجل في منتصف الستينيات، يرتدي بدلة أنيقة، وعلى وجهه ابتسامة هادئة.
نظر إلى مريم طويلًا، ثم قال:
— أخيرًا…
مرحبًا بعودتك يا نور.
وتجمدت مريم…
لأن هذا الاسم لم ينادها به أحد في حياتها.ساد صمت ثقيل في المخزن.
شعرت مريم بأن قلبها يخفق بعنف.
هزت رأسها بقوة.
— اسمي مريم… مش نور.
ابتسم الرجل ابتسامة هادئة، كأنه كان يتوقع ردها.
— ده الاسم اللي عيشتي بيه… لكن مش الاسم اللي اتولدتي بيه.
رفع آدم مسد..سه مرة أخرى.
— قول اللي عندك بسرعة.
نظر الرجل إلى آدم دون خوف.
— لسه زي أبوك… مستعجل قبل ما يسمع الحقيقة.
ثم أخرج من جيبه ميدالية فضية قديمة.
كانت على شكل نصف هلال، وفي منتصفها حرف “ن” محفور بخط عربي قديم.
تجمدت مريم.
مدت يدها نحو رقبتها دون وعي.
تحت ملابسها كانت ترتدي سلسلة قديمة، فيها نصف هلال مطابق تمامًا… لكن بحرف “م”.
قال الرجل:
— القطعتين كانوا ميدالية واحدة… واتقسمت يوم اختفت الطفلة.
نظر آدم إلى السلسلتين.
كانتا متطابقتين بالفعل.
لكن قبل أن يسمح لعقله بتصديق أي شيء، قال بحزم:
— أي حد يقدر يعمل نسخة.
ابتسم الرجل.
— عشان كده جبت الدليل الحقيقي.
أشار بيده.
فتقدم أحد رجاله يحمل حقيبة جلدية قديمة.
فتحها أمام الجميع.
بداخلها عشرات الصور.
وصحف قديمة.
وسجلات.
لكن أكثر ما لفت نظر مريم…
كان شريط كاسيت صغير.
قال الرجل:
— ده تسجيل بصوت أبوك يا آدم.
اتسعت عينا آدم.
والده لم يكن يسجل أي شيء أبدًا.
أخرج الرجل جهاز تشغيل قديمًا.
ضغط الزر.
وانطلق صوت خشن، يعرفه آدم جيدًا…
صوت والده.
“لو التسجيل ده اشتغل… يبقى أنا غالبًا مت. واللي بيسمعني دلوقتي لازم يعرف إن كل اللي عملته… كان علشان أمنع حرب هتولع البلد.”
ساد الصمت.
ثم أكمل الصوت:
“لو آدم معاك… قوله إني آسف.”
ارتجفت يد آدم.
كانت هذه أول مرة يسمع فيها كلمة اعتذار من والده… حتى بعد وفاته.
لكن التسجيل لم يكتمل.
فجأة…
صدر صوت صفارة حادة من ساعة كريم.
نظر إليها بسرعة.
ثم صرخ:
— قنبلة!
وفي اللحظة نفسها…
لاحظ آدم حقيبة سوداء صغيرة أسفل الطاولة، لم تكن موجودة قبل دقائق.
أمسك مريم من يدها.
وصرخ:
— الكل على الأرض!
وبينما كانوا يندفعون للاحتماء…
ظهر على شاشة صغيرة مثبتة فوق الحقيبة عدٌّ تنازلي:
00:00:15
وكان الوقت ينفد بسرعة.اندفع آدم نحو الحقيبة قبل أن يتمكن أي شخص من منعه.
صرخ كريم:
— يا فندم! ابعد… ممكن تكون مفخخة ضد الحركة!
لكن آدم لم يتوقف.
انحنى أمام الحقيبة، ونظر إلى الشاشة.
14… 13… 12…
فتح الغطاء بحذر.
لم يجد متفجرات كما توقع.
بل وجد جهازًا صغيرًا موصولًا بشاشة، وبجواره ظرف أبيض.
قطب حاجبيه.
— دي مش قنبلة…
وفي اللحظة نفسها…
وصل العداد إلى الصفر.
انطفأت الشاشة.
ثم اشتغل الجهاز تلقائيًا.
ظهرت صورة رجل ملثم على الشاشة، وقال بصوت مشوش:
— مبروك… نجحتوا في أول اختبار.
ساد الصمت.
تابع الرجل:
— لو كنتوا جريتوا بره، كان القناصة خلصوا عليكم. ولو حاولتوا تفجروا الحقيبة، كنتم ضيعتوا الحقيقة.
نظر آدم حوله.
كل الموجودين كانوا في حالة ذهول.
أكمل الصوت:
— دلوقتي افتحوا الظرف.
فتح كريم الظرف بسرعة.
كان بداخله مفتاح إلكتروني صغير، وخريطة قديمة لميناء الإسكندرية.
وعليها دائرة حمراء حول مخزن مهجور.
وفي أسفل الخريطة، جملة واحدة:
> “كل الإجابات مدفونة تحت الرصيف رقم 17.”
رفع آدم رأسه.
— الرصيف 17…
شحب وجه سليم.
— لا…
التفت إليه آدم.
— تعرفه؟
هز سليم رأسه ببطء.
— ده المكان اللي بدأت فيه كل المصيبة من سبعة وعشرين سنة.
ثم نظر إلى مريم.
— ولو روحنا هناك…
يا إما هنعرف الحقيقة كلها…
يا إما محدش فينا هيرجع حي.
في تلك اللحظة، دوى صوت محركات مروحيات فوق المخزن.
رفع كريم رأسه نحو السقف.
— في حد وصل قبلنا.
ركض أحد الحراس إلى النافذة، ثم عاد وهو يلهث.
— يا فندم…
ابتلع ريقه بصعوبة.
— الرصيف 17…
بيولع.ارتفع الدخان الأسود فوق الميناء حتى غطّى جزءًا من السماء.
وقف آدم أمام النافذة، وعيناه مثبتتان على ألسنة اللهب البعيدة.
قال بهدوء:
— دي محاولة لطمس الأدلة.
رد كريم بسرعة:
— لو اتحركنا دلوقتي ممكن نلحق.
هز سليم رأسه.
— لا… اللي ولّع المكان مستنينا هناك.
التفت آدم إليه.
— وبرضه هنروح.
—
بعد عشر دقائق…
كانت سيارات الشافعي تشق طريقها داخل الميناء، بينما سيارات الإطفاء تحاول السيطرة على الحريق.
أوقف آدم السيارة قبل الرصيف بحوالي مائة متر.
قال للحراس:
— محدش يتحرك قبل الإشارة.
لكن مريم لاحظت شيئًا.
وسط الدخان…
كان هناك رجل عجوز يجلس على مقعد خشبي، وكأنه لا يرى الحريق أصلًا.
يلبس معطفًا بحريًا قديمًا، وبجواره صندوق صيد صغير.
أشارت إليه.
— الراجل ده…
نظر آدم في الاتجاه نفسه.
العجيب أن رجال الإطفاء كانوا يمرون بجواره، وكأنهم لا يلاحظونه.
اقترب آدم بحذر.
رفع الرجل العجوز رأسه وقال مبتسمًا:
— اتأخرت يا ابن الشافعي.
توقف آدم.
— تعرفني؟
ضحك العجوز.
— أنا اللي علّمت أبوك يربط أول عقدة حبل في حياته.
تبادل آدم وسليم نظرة سريعة.
همس سليم:
— عم حسين…
كنت فاكر إنه مات من زمان.
رد الرجل العجوز وهو يربت على صندوقه:
— الناس بتموت لما يخلص دورها… وأنا لسه دوري ما خلصش.
ثم فتح صندوق الصيد.
لم يكن بداخله أدوات صيد.
بل علبة معدنية محكمة الإغلاق.
ناولها لآدم.
— أبوك سابها عندي من سبعة وعشرين سنة.
فتح آدم العلبة.
وجد بداخلها دفترًا جلديًا صغيرًا.
وعلى أول صفحة بخط والده:
> “لو وصلت للدفتر ده… يبقى كل اللي كنت بخاف منه حصل.”
قلب الصفحة.
ثم الثانية.
وفجأة…
توقف.
تغير لون وجهه بالكامل.
اقترب كريم.
— إيه اللي فيه؟
رفع آدم عينيه ببطء نحو مريم.
وقال بصوت بالكاد خرج:
— أول اسم في القائمة…
هو اسم مريم.
ثم قلب الصفحة التالية.
فاتسعت عيناه أكثر.
لأن الاسم الثاني…
كان آدم الشافعي نفسه.
وفي أسفل الصفحة، عنوان واحد بخط والده:
“قائمة الأشخاص الذين يجب أن يختفوا… حتى تنجو مصر من الحرب.”أغلق آدم الدفتر بعنف.
لم ينطق أحد.
حتى كريم، الذي رأى ملفات أخطر العصابات وأقسى التحقيقات، بدا عاجزًا عن الكلام.
مدّ سليم يده.
— ورّيني.
تردد آدم للحظة، ثم سلّمه الدفتر.
قلب سليم الصفحات بسرعة، وفجأة تنهد ببطء.
— كنت خايف ألاقيه.
رفع آدم رأسه.
— كنت تعرف بالدفتر؟
أجاب سليم:
— أعرف إنه موجود… لكن ما كنتش أعرف إن أخوك قدر يوصل له.
قطب آدم حاجبيه.
— ياسين؟
هز سليم رأسه.
— لا… أبوك كتب الدفتر، لكن آخر حد شفته معاه قبل اختفائه كان ياسين.
اقتربت مريم بخطوات مترددة.
— ممكن حد يفهمني ليه اسمي أنا وآدم مكتوبين؟
فتح سليم الصفحة الأخيرة.
كانت مختلفة عن باقي الصفحات.
فيها خريطة صغيرة، وتحتها عبارة واحدة:
> “لو اضطررت أكتب اسم ابني… يبقى العدو دخل البيت.”
ساد الصمت.
همس آدم:
— يعني… القائمة مش قائمة قتل؟
قال سليم:
— لا.
ثم أغلق الدفتر برفق.
— دي قائمة الناس اللي كان لازم يختفوا عن الأنظار، لأن في جهة كانت بتطاردهم.
تنفست مريم الصعداء.
لكن فرحتها لم تدم.
لأن كريم كان يقلب الصفحات بسرعة، ثم توقف عند ورقة مطوية داخل الغلاف الخلفي.
فتحها.
كانت رسالة قصيرة.
قرأها بصوت مرتفع:
> “احذروا من الشخص الذي يحمل مفتاح الحقيقة… لأنه أول من خانها.”
نظر الجميع إلى بعضهم.
قال آدم:
— مين المقصود؟
قبل أن يجيب أحد…
صدر صوت تصفيق بطيء من خلفهم.
استداروا جميعًا.
كان الرجل العجوز، عم حسين، يبتسم.
لكن ابتسامته لم تعد دافئة.
قال بهدوء:
— أخيرًا وصلتوا للسؤال الصح.
رفع آدم سلا..حه.
— إنت عارف الإجابة؟
ابتسم عم حسين.
— طبعًا.
ثم أخرج من جيبه المفتاح النحاسي نفسه… المطابق تمامًا للمفتاح الذي مع مريم.
تجمد الجميع.
همست مريم:
— مستحيل… المفتاح كان معايا!
قال عم حسين:
— لأن اللي معاكي…
مجرد نسخة.
أما المفتاح الأصلي…
فكان معايا طول السنين دي.
ثم نظر مباشرة إلى آدم وقال:
— وأبوك ما خانش حد…
لكن في شخص قريب منك جدًا، بتثق فيه من سنين…
هو اللي باع العيلة كلها.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة، فتغير وجهه.
رفع عينيه نحو آدم وقال بصوت متوتر:
— يا فندم…
المتصل هو…
كريم منصور.
نظر آدم إلى كريم الواقف أمامه…
ثم إلى اسم “كريم منصور” الذي كان يرن على شاشة هاتفه.
وشعر لأول مرة أن الحقيقة أصبحت أخطر من أي عدو واجهه.