الساعة كانت 1:17 حكايات ميراا
الساعة كانت 1:17 بعد منتصف الليل…
مدَّت ليان، الطفلة ذات السبع سنوات، يدها المرتجفة إلى الهاتف القديم الذي كانت أمها تخفيه داخل درج الدولاب منذ خمس سنوات.
ضغطت على الرقم الوحيد المحفوظ عليه.
وفي نفس اللحظة…
في الطابق الثامن والثلاثين من أحد أبراج القاهرة، نظر آدم المنصوري إلى الاسم الذي ظهر على شاشة هاتفه…
وتوقّف عن التنفس.
لم يظهر رقم المتصل.
بل ظهر اسم واحد فقط…
“كريم.”
اسم أخيه الذي مات منذ خمس سنوات.
وقف آدم جامدًا أمام الواجهة الزجاجية الضخمة لمكتبه، وفي يده كأس لم يذق منه رشفة واحدة. كانت أضواء المدينة تلمع أسفل البرج، بينما جلس خلفه أربعة رجال يحيطون بطاولة اجتماعات كبيرة.
لم يكن هؤلاء رجالًا اعتادوا الانتظار.
أحدهم يسيطر على شركات النقل.
والثاني يملك أكبر شركات الحراسة الخاصة.
أما الثالث، فكان اسمه وحده كافيًا ليجعل أخطر المجرمين يغيرون طريقهم.
لكنهم جميعًا بقوا صامتين…
لأن آدم المنصوري كان يحدق في هاتفه الذي لم يتوقف عن الرنين.
منذ خمس سنوات اختفى كريم المنصوري.
ومنذ خمس سنوات عثرت الشرطة على سيارته محترقة في طريق صحراوي.
ومنذ خمس سنوات دفن آدم نعشًا فارغًا…
لأن ج/ثة أخيه لم تُعثر عليها أبدًا.
رن الهاتف مرة أخرى.
أجاب آدم فورًا.
ولم يقل: “ألو.”
جاءه صوت طفلة هامسًا:
— “حضرتك… أستاذ آدم؟”
كل الرجال الموجودين في الغرفة لاحظوا التغير الذي مر على وجهه.
لم يكن تغيرًا كبيرًا…
فآدم لم يكن من الرجال الذين تظهر مشاعرهم بسهولة.
لكن أصابعه انقبضت حول الكأس بقوة…
حتى تشقق الثلج بداخله.
سأل بصوت منخفض:
— “مين معايا؟”
— “أنا اسمي ليان… ليان كارتر… عندي سبع سنين.”
استدار آدم بعيدًا عن الرجال.
— “جبتي التليفون ده منين؟”
— “كان مستخبي في درج ماما.”
— “أي تليفون؟”
— “التليفون القديم… اللي عليه تراب. ماما قالتلي ما ألمسوش.”
أغمض آدم عينيه.
هاتف كريم…
الهاتف الذي اختفى معه ولم تجده الشرطة ولا رجاله رغم سنوات من البحث.
والآن…
طفلة تتحدث إليه من خلاله.
قال بهدوء شديد:
— “ليان… مامتك موجودة؟”
— “لا… هي شغالة شيفت ليل في مستشفى.”
— “ممرضة؟”
— “هي بتقول إنها فنية رعاية مرضى… بس بتعمل شغل الممرضات كله تقريبًا.”
ابتسم أحد الرجال خلف آدم ساخرًا.
اكتفى آدم بنظرة واحدة نحوه.
فاختفت الابتسامة فورًا.
عاد يسأل:
— “إنتِ لسه صاحيه ليه؟”
— “إحنا هننقل بكرة. ماما قالتلي ألم هدومي والكتب… وأنا لقيت التليفون تحت البطاطين الشتوي.”
ساد الصمت للحظة.
تخيل آدم طفلة صغيرة تجلس وسط الكراتين، تمسك آخر شيء تبقى من أخيه المفقود.
ثم سأل:
— “ليه هتنقلوا؟”
طال الصمت هذه المرة.
وكان آدم يعرف أنواع الصمت كلها…
صمت الخوف…
وصمت الكذب…
وصمت التحدي…
لكن هذا…
كان صمت طفلة تحاول ألا تجرح كرامة أمها.
وأخيرًا همست:
— “صاحب العمارة بيقول لازم نمشي.”
— “ليه؟”
— “بيقول إننا كسرنا العقد.”
— “وده حصل؟”
— “لأ… ماما بتدفع الإيجار كل شهر. ساعات بتتأخر شوية… بس عمرها ما سابت جنيه. حتى وريته الإيصالات.”
تغيرت نظرة آدم.
— “اسمه إيه؟”
— “الأستاذ جابر.”
نظر آدم إلى مساعده مازن الواقف عند الباب.
لم يحتج أن يشرح شيئًا.
ضغط زر كتم الصوت وقال:
— “هاتلي خلال عشر دقايق كل حاجة عن أي صاحب عمارة اسمه جابر له علاقة بست اسمها نورا كارتر، شغالة شيفت ليل في مستشفى، وعندها بنت عندها سبع سنين… عايز عنوانها، والكاميرات، وكل عربية واقفة في الشارع.”
خرج مازن فورًا دون أن يسأل.
أعاد آدم الاتصال.
— “ليان… باب الشقة مقفول؟”
— “آه.”
— “والشبابيك؟”
— “إحنا في الدور الرابع.”
— “مش ده اللي سألت عنه.”
ذهبت تتأكد.
ثم قالت:
— “كلهم مقفولين.”
— “ممتاز… دلوقتي اسمعيني كويس. ما تفتحيش الباب لأي حد غير مامتك.”
— “حتى لو قال إنه من الشرطة؟”
— “خصوصًا لو قال كده. شوفي البطاقة من العين السحرية، ولو شكّيتي في حاجة اتصلي بالنجدة بنفسك.”
قالت بفخر:
— “ماما علمتني.”
ابتسم آدم لأول مرة منذ سنوات.
— “يبقى مامتك ست ذكية.”
— “هي ذكية… بس تعبانة على طول.”
وفجأة…
دق… دق… دق.
تجمد صوت الطفلة.
ووضع آدم الكأس على المكتب ببطء.
— “ليان؟”
همست:
— “في حد بيخبط الباب.”
— “كام خبطة؟”
— “تلاتة.”
— “روحي بهدوء بصي من العين السحرية.”
— “بس ماما قالت…”
— “مامتك عندها حق في كل حاجة… لكن المرة دي اسمعي كلامي.”
تحركت الطفلة.
وسمع صوت خطواتها الخفيفة فوق السجادة.
ثم جاء صوت رجل من الخارج:
— “يا أستاذة نورا… معاك جابر صاحب العمارة. أنا عارف إنك جوه.”
همست ليان:
— “ده صاحب العمارة.”
قال آدم بسرعة:
— “شايفة إيديه؟”
— “إيده الشمال ماسكة ملف.”
— “واليمنى؟”
— “جوه الجاكيت.”
اشتدت ملامح آدم.
وقال ببرود:
— “ابعدي عن الباب.”
بدأ الرجل يطرق بعنف أكبر.
— “المهلة انتهت من نص الليل… افتحي الباب علشان نخلص إجراءات المعاينة.”
تراجعت ليان خطوة وهي تقول بصوت مرتجف:
— “ماما مش موجودة.”
ساد صمت في الخارج…
ثم جاء صوت الرجل مختلفًا تمامًا:
— “إنتِ بتكلمي مين يا ليان؟”
#حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️واصل آدم الحديث بصوت هادئ، لكنه كان يحمل برودة أخافت كل من يعرفه.
— “ليان… ما ترديش.”
لكن الأوان كان قد فات.
ابتلعت الطفلة ريقها وهمست دون قصد:
— “مع… مع عمو.”
ساد صمت لثانيتين.
ثم جاء صوت جابر من خلف الباب، وقد اختفت منه نبرة المجاملة تمامًا.
— “عمو مين؟”
في نفس اللحظة…
فتح مازن باب غرفة الاجتماعات دون استئذان، وهو يلهث.
— “لقيناها.”
رفع آدم عينيه عنه.
— “اتكلم.”
— “نورا كارتر… فنية رعاية مرضى في مستشفى خاص. أرملة حسب الأوراق الرسمية… وعنوانها مطابق للمكالمة.”
توقف لحظة، ثم قال:
— “بس في حاجة غريبة.”
— “إيه؟”
مدّ له صورة قديمة.
ما إن وقعت عينا آدم عليها…
حتى شعر وكأن الأرض اختفت من تحته.
كانت الصورة ملتقطة قبل ثماني سنوات.
شاب يبتسم وهو يقف بجوار فتاة ترتدي معطفًا أبيض.
الشاب…
كان كريم.
أما الفتاة…
فكانت نورا.
قبض آدم على الصورة بقوة حتى تجعدت أطرافها.
— “إزاي محدش جابلي الصورة دي قبل كده؟”
أجاب مازن بصوت مرتبك:
— “الصورة كانت متسجلة باسم مختلف… نورا غيرت اسم عيلتها بعد اختفاء كريم.”
عاد صوت الطرق على الباب أقوى.
دق… دق… دق.
ثم صرخ جابر:
— “افتحي يا بنت… وإلا هكسر الباب!”
ارتجفت ليان حتى كادت تبكي.
قال آدم بحزم:
— “ليان… ادخلي أوضة النوم واقفلي الباب بالمفتاح.”
— “بس…”
— “دلوقتي.”
سمع صوت خطواتها الصغيرة وهي تركض.
وفي الخارج…
صدر صوت ارتطام قوي.
كان جابر يحاول كسر الباب.
نظر آدم إلى مازن.
— “العنوان.”
أرسل مازن الموقع إلى هاتفه.
ابتسم آدم ابتسامة قصيرة لم يرها رجاله منذ سنوات.
وقال:
— “جهارتجفت أنفاس ليان.
ونظرت إلى الهاتف كأنها لا تعرف ماذا تقول.
همست:
— “بكلم… عمو.”
تجمّد آدم في مكانه.
وسأل بسرعة:
— “ما تقوليش اسمي.”
لكن الأوان كان قد فات.
في الخارج…
سكت الرجل لثانيتين.
ثم قال بنبرة باردة:
— “عمو مين؟”
ابتعدت ليان عن الباب كما طلب منها آدم، وقالت بصوت خافت:
— “معرفوش.”
ضغط آدم على زر صغير أسفل مكتبه.
وفي أقل من ثانية…
امتلأت سماعة أذنه بأصوات رجاله.
— “إحنا جاهزين يا باشا.”
وفي اللحظة نفسها…
عاد مازن إلى المكتب وهو يلهث.
ووضع جهازًا لوحيًا أمام آدم.
— “لقيناها.”
رفع آدم عينيه.
ظهرت صورة بطاقة موظفة.
الاسم: نورا كارتر.
الوظيفة: فنية رعاية مرضى.
العنوان: عمارة قديمة في حي هادئ.
لكن الشيء الذي جعل آدم يثبت مكانه…
كان الصورة التالية.
صورة قديمة التقطتها كاميرا مستشفى قبل سبع سنوات.
ظهر فيها كريم المنصوري…
واقفًا في ممر المستشفى.
وبجواره…
نورا.
همس آدم:
— “مستحيل…”
قال مازن:
— “الصورة بتاريخ اليوم اللي اختفى فيه كريم.”
وفي تلك اللحظة…
عاد صوت جابر من خلف الباب.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
سمعوا صوت رجل آخر يقول:
— “اخلص… البنت لوحدها.”
انقبض فك آدم بقوة.
وقال في السماعة:
— “مازن… قدامكم كام دقيقة؟”
— “ست دقائق.”
هز رأسه بعصبية.
— “كتير.”
فتح درج مكتبه.
وأخرج مفاتيح سيارة سوداء.
ثم قال لرجاله الأربعة:
— “الاجتماع انتهى.”
نظروا إليه باستغراب.
فهذا الاجتماع كان سيحدد صفقة بمئات الملايين.
لكنه لم يهتم.
قال وهو يتجه نحو الباب:
— “أي فلوس تتعوض.”
ثم توقف.
واستدار إليهم بعينين لم يروهما منذ سنوات.
— “لكن لو البنت دي حصلها حاجة…”
ساد الصمت.
ثم أكمل بصوت منخفض ومرعب:
— “اللي واقف قدام بابها… هيختفي من الدنيا قبل طلوع الشمس.”
في نفس اللحظة…
دوّى صوت ارتطام قوي.
باااام!
صرخت ليان.
— “عمو… هو بيكسر الباب!”
أغلق آدم الهاتف للحظة.
واتصل برقم واحد فقط.
رقم لا يستخدمه إلا في الكوارث.
جاءه الرد فورًا:
— “أوامرك يا فندم.”
قال آدم بهدوء مخيف:
— “فعّل الخطة السوداء.”
ساد صمت قصير.
ثم جاءه الرد:
— “يعني… كل الناس تتحرك؟”
أجاب آدم دون تردد:
— “كلهم.”
وفي أنحاء القاهرة…
بدأت عشرات السيارات السوداء تتحرك في وقت واحد…
بينما كان جابر لا يعلم أن الطرق على باب شقة صغيرة…
سيكون آخر قرار اتخذه بحرية في حياته.
يتبع…ارتطم الباب للمرة الثالثة.
بااااام!
تشققت قطعة الخشب المحيطة بالقفل.
صرخت ليان وهي تبكي:
— “عمو… الباب هيفتح!”
وقف آدم داخل المصعد الزجاجي، وعيناه معلقتان بعداد الطوابق الذي يهبط ببطء قاتل.
قال في الهاتف بصوت ثابت:
— “ليان… بصيلي.”
شهقت الطفلة.
— “أنا مش شايفاك.”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— “قصدي اسمعيني كويس… إنتِ شجاعة، صح؟”
هزت رأسها دون أن تنتبه أنه لا يراها.
— “آه.”
— “يبقى اعملي اللي هقولك عليه.”
— “حاضر.”
— “ادخلي الحمام… اقفلي الباب… وحطي الغسالة أو أي حاجة تقيلة قدامه.”
جرت ليان بأقصى سرعتها.
وفي الخارج…
صرخ جابر بغضب:
— “آخر مرة بقولها… افتحي!”
ثم…
كرااااش!
انكسر قفل الباب.
دخل جابر يتبعه رجلان ضخما الج/ثة.
نظروا حولهم.
الشقة صغيرة جدًا…
وصامتة.
قال أحدهم:
— “البنت كانت هنا.”
ابتسم جابر بخبث.
— “مش هتعرف تختفي.”
في تلك اللحظة…
رن هاتف جابر.
نظر إلى الشاشة.
فقط رقم خاص.
رد بضيق:
— “مين؟”
جاءه صوت هادئ للغاية.
— “ابعد عن باب الحمام.”
قطب جابر حاجبيه.
— “مين حضرتك؟”
— “الراجل اللي هيحدد إذا كنت هتخرج من العمارة دي ماشي على رجليك… ولا لأ.”
ضحك جابر بصوت عالٍ.
— “بتهددني؟”
رد آدم ببرود:
— “لا.”
صمت لثانية.
ثم قال:
— “أنا بوصفلك اللي هيحصل.”
وقبل أن يرد جابر…
سمع الجميع صوت إطارات سيارات تتوقف بعنف أسفل العمارة.
ثم تلاها عشرات الأبواب تُفتح في وقت واحد.
اقترب أحد الرجلين من الشباك.
نظر إلى الشارع…
ثم شحب وجهه.
— “يا… يا جابر.”
— “إيه؟”
أشار بيده المرتعشة إلى الخارج.
اصطف أكثر من عشر سيارات سوداء.
ونزل منها رجال يرتدون بدلات داكنة، يتحركون في صمت منظم.
لم يكن أحد منهم يحمل س/لاحًا ظاهرًا…
لكن طريقة سيرهم وحدها كانت كافية لبث الرعب.
وفي منتصفهم…
توقفت سيارة سوداء طويلة.
فتح السائق الباب بنفسه.
وترجل منها آدم المنصوري.
رفع رأسه نحو الدور الرابع.
ثم قال في سماعة أذنه:
— “خمس ثواني.”
رد مازن:
— “العمارة اتقفلت بالكامل.”
— “ولا عصفور يخرج.”
داخل الشقة…
ابتلع جابر ريقه لأول مرة.
همس:
— “مين ده؟”
اقترب أحد رجاله من النافذة أكثر…
ثم اتسعت عيناه فجأة.
قال بصوت مرتجف:
— “أنا… أنا أعرفه.”
— “مين؟”
— “ده… آدم المنصوري.”
ساد الصمت.
ثم همس الرجل بخوف:
— “إحنا وقعنا في مصيبة…”في أقل من ثلاثين ثانية…
تحول الشارع كله إلى صمت مخيف.
لا صوت سيارات…
ولا صراخ.
حتى سكان العمارة الذين أطلوا من الشرفات، عادوا إلى الداخل فورًا عندما رأوا الرجال المنتشرين عند كل مدخل ومخرج.
رفع آدم رأسه نحو الطابق الرابع.
ثم قال في جهاز الاتصال:
— “مازن.”
— “أفندم.”
— “البنت أولًا.”
— “مفهوم.”
انطلقت مجموعة من أربعة رجال نحو السلم.
بينما وقف آدم مكانه.
لم يصعد.
كان ينتظر.
في الداخل…
تراجع جابر خطوة إلى الخلف.
وقال بصوت متوتر:
— “إحنا… إحنا نمشي.”
لكن الرجل الذي كان معه هز رأسه بعنف.
— “بعد اللي عملناه؟ مستحيل.”
وفجأة…
رن هاتف جابر مرة أخرى.
نظر إلى الشاشة.
نفس الرقم.
ارتعشت يده وهو يرد.
— “أ… ألو؟”
قال آدم بهدوء:
— “كنت قلتلك… ابعد عن باب الحمام.”
ابتلع جابر ريقه.
— “إنت عايز إيه؟”
— “البنت.”
— “دي مش بنتك.”
ساد صمت قصير…
ثم جاء رد آدم ببرود جعل الدم يتجمد في عروقهم.
— “ولا بنتك.”
وفي اللحظة نفسها…
دق… دق…
لكن هذه المرة لم يكن الطرق على باب الشقة.
بل على الباب المكسور من الداخل.
قال صوت هادئ:
— “افتح يا جابر.”
تراجع الرجال جميعًا.
همس أحدهم:
— “وصلوا…”
وقبل أن يقرروا ماذا يفعلون…
انخلع الباب تمامًا.
دخل مازن أولًا.
وخلفه ثلاثة رجال.
لم يرفع أحدهم س/لاحًا.
ولم يصرخ أحد.
لكن نظراتهم وحدها كانت كافية لإسقاط أي مقاومة.
قال مازن بهدوء:
— “فين الطفلة؟”
لم يرد أحد.
نظر إلى باب الحمام المغلق.
فهم فورًا.
اقترب ببطء وطرق الباب برفق.
— “ليان…”
جاءه صوتها المرتجف:
— “عمو آدم؟”
ابتسم لأول مرة.
— “أنا مازن… وصديق عمو آدم.”
فتحت ليان الباب ببطء.
وما إن رأته حتى ارتمت تبكي.
انحنى وحملها بين ذراعيه.
وقال مطمئنًا:
— “خلاص… محدش هيقربلك.”
في تلك اللحظة…
دخل آدم بنفسه إلى الشقة.
تجمدت قدماه.
كانت الشقة بسيطة جدًا…
أثاث قديم…
كراتين نقل مبعثرة…
وحذاء صغير بجوار الباب.
لكن شيئًا واحدًا لفت نظره.
على الحائط…
صورة داخل إطار خشبي.
اقترب منها ببطء.
مد يده…
وأخذها.
كانت صورة لنورا وهي تبتسم…
وبجوارها كريم المنصوري، واضعًا يده على كتفها.
وفي أسفل الصورة…
بخط يد كريم نفسه، عبارة قصيرة:
“لو حصل لي أي حاجة… آدم هيحميكم.”
تغير وجه آدم تمامًا.
وتوقف الزمن بالنسبة إليه.
همس بصوت بالكاد سمعه مازن:
— “كنت عارف… وموصيني بيهم.”
وفي هذه اللحظة بالذات…
دخل أحد رجاله مسرعًا وهو يحمل ملفًا قديمًا وجده داخل إحدى الكراتين.
قال بقلق:
— “باشا… لازم تشوف ده حالًا.”
فتح آدم الملف…
فوجد أول صفحة تحمل عنوانًا كبيرًا:
“في حالة وفاتي أو اختفائي… يُسلَّم هذا الملف إلى أخي آدم المنصوري فقط.”
وتحت العنوان…
كانت هناك ورقة واحدة فقط.
لكن أول سطر فيها كان كافيًا ليقلب كل ما عرفه آدم خلال السنوات الخمس الماضية:
“آدم… أنا لم أمت… والذي يحاول ق*تل نورا الآن، هو نفس الشخص الذي خانني.”
يتبع…أغلق آدم الملف ببطء…
ولم ينطق بحرف.
ظل يحدق في الورقة عدة ثوانٍ، حتى لاحظ مازن أن يده، لأول مرة منذ سنوات، ترتجف.
قال بهدوء:
— “باشا… إيه اللي مكتوب؟”
رفع آدم عينيه.
ثم قرأ السطر التالي بصوت منخفض:
— “لو بتقرأ الرسالة دي… يبقى أنا فشلت في الرجوع قبل ما يوصلوا لنورا.”
سكت للحظة…
ثم أكمل:
— “أنا اخترت أختفي بإرادتي… لأن اللي خاني مش عدو من بره.”
اتسعت عينا مازن.
— “يعني…”
أكمل آدم القراءة:
— “الخيانة كانت من أقرب الناس لينا.”
ساد الصمت.
ثم قلب الصفحة.
وجد أسماءً كثيرة…
لكن اسمًا واحدًا كان محاطًا بدائرة حمراء.
نظر إليه آدم…
وشحب وجهه.
همس:
— “مستحيل…”
اقترب مازن محاولًا رؤية الاسم.
لكن آدم أغلق الملف فورًا.
— “لسه مش وقته.”
في تلك اللحظة…
خرجت ليان من خلف مازن، وهي تمسك دميتها الصغيرة.
نظرت إلى آدم بخجل.
ثم قالت:
— “حضرتك… عمو آدم؟”
انخفض آدم إلى مستواها.
ولأول مرة منذ سنوات…
ابتسم ابتسامة حقيقية.
— “أيوه.”
مدت الطفلة يدها إليه.
وفي يدها شيء صغير.
— “ده كان مع التليفون.”
أخذه منها.
كان مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، مربوطًا بسلسلة فضية.
وعليها حرف واحد…
K
قطب آدم حاجبيه.
— “لقيتيه فين؟”
— “كان لازق بشريط من ورا التليفون.”
قلب المفتاح بين أصابعه.
ثم فتح الرسالة مرة أخرى.
وفي آخرها وجد جملة لم ينتبه لها من قبل:
“لو ليان وصلتلك التليفون… يبقى أكيد هتلاقي المفتاح. متدورش على الحقيقة قبل ما تفتح الخزنة رقم 17.”
رفع آدم رأسه بسرعة.
— “خزنة؟”
لكن الرسالة لم تذكر مكانها.
في هذه اللحظة…
رن هاتف مازن.
رد سريعًا.
ثم تغيرت ملامحه.
— “باشا… في خبر وحش.”
— “اتكلم.”
— “لقينا عربية جابر على طريق السويس.”
— “وهو فيها؟”
ابتلع مازن ريقه.
— “لأ…”
— “أمال؟”
— “العربية مفتوحة… وجابر اختفى.”
ساد الصمت.
ثم قال آدم بصوت بارد:
— “إذن… اللي كتب عنه كريم عرف إن الملف وصل ليا.”
وفي نفس اللحظة…
صدر صوت إشعار من هاتف كريم القديم.
نظر الجميع إليه.
كانت أول رسالة تصل إليه منذ خمس سنوات.
مرسلها…
رقم مجهول.
فتحها آدم ببطء.
ولم يكن فيها سوى خمس كلمات:
“متثقش في مازن… الدور الجاي عليه.”
رفع آدم عينيه ببطء نحو مازن…
الذي كان يقف أمامه، لا يعلم شيئًا عن الرسالة.
وانتهى المشهد على نظرة صامتة…
لا يعرف أحد بعدها…
من هو الخائن الحقيقي.ظل آدم يحدق في شاشة الهاتف.
“متثقش في مازن… الدور الجاي عليه.”
لم يرمش.
ولم يتغير وجهه.
لكن مازن، الذي عمل معه خمسة عشر عامًا، عرف أن شيئًا خطيرًا حدث.
قال بهدوء:
— “في مشكلة يا باشا؟”
رفع آدم رأسه.
ثم ضغط زر قفل الشاشة دون أن يريه الرسالة.
— “لا.”
كلمة واحدة.
لكنها لم تكن إجابة…
كانت اختبارًا.
بعد عشر دقائق…
كانت ليان تجلس داخل سيارة آدم، ملفوفة ببطانية، وتشرب كوبًا من الشوكولاتة الساخنة.
أما نورا…
فكانت قد وصلت تركض من المستشفى، لا تكاد تلتقط أنفاسها.
ما إن رأت باب الشقة مكسورًا…
حتى صرخت:
— “ليان!”
اندفعت إلى ابنتها تحتضنها بقوة.
أخذت تتحسس وجهها ويديها وهي تبكي.
— “إنتِ كويسة؟ عملوا فيكي حاجة؟”
هزت ليان رأسها.
ثم أشارت إلى آدم.
— “عمو هو اللي أنقذني.”
رفعت نورا عينيها لأول مرة نحوه.
وتجمدت.
كان أطول قليلًا مما تتذكر.
وشعره بدأ يغزوه الشيب عند الصدغين.
لكن العينين…
هما نفسهما.
همست وهي غير مصدقة:
— “آدم…؟”
أومأ برأسه.
— “مساء الخير يا نورا.”
اغرورقت عيناها بالدموع.
— “كنت فاكرة… إنكم نسيتونا.”
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— “أنا أصلًا ما كنتش أعرف إنكم موجودين.”
ساد صمت ثقيل.
ثم أخرج الصورة القديمة من جيبه.
— “ليه مخبتيش إنك كنتِ مع كريم يوم اختفى؟”
ارتبكت نورا.
وتغير لون وجهها.
— “إنت… عرفت؟”
— “جاوبي.”
خفضت رأسها.
ثم قالت بصوت مكسور:
— “لأن كريم هو اللي طلب مني.”
اتسعت عينا آدم.
— “طلب منك إيه؟”
— “طلب مني أختفي.”
في السيارة…
ساد صمت كامل.
بدأت نورا تحكي.
— “قبل اختفاء كريم بيومين… قالي إن في حد قريب منه باعه.”
— “قالك مين؟”
— “لا.”
— “ليه؟”
— “قال لو عرفتي اسمه… هتبقي في خطر.”
تنهدت وهي تمسح دموعها.
— “سلمني التليفون القديم… وقال لو اختفى، ما افتحوش أبدًا إلا لو وصلت لمرحلة مفيش قدامها أي حل.”
نظر آدم إلى الهاتف في يده.
كل هذه السنوات…
كان على بعد أمتار من الحقيقة.
لكن الحقيقة كانت مدفونة داخل درج قديم.
قال بهدوء:
— “والمفتاح؟”
أخرجته نورا من جيب آدم ونظرت إليه.
ثم شهقت.
— “أنا أول مرة أشوفه.”
قطب آدم حاجبيه.
إذن حتى نورا…
لم تكن تعرف شيئًا عن الخزنة.
في تلك الأثناء…
كان مازن يقف خارج السيارة يتحدث في هاتفه.
ابتعد خطوات حتى لا يسمعه أحد.
وقال بصوت منخفض:
— “أيوه… وصل الملف.”
ثم سكت يستمع.
وأجاب:
— “لا… لسه ما فتحش غير أول صفحة.”
في اللحظة نفسها…
كان أحد رجال آدم يقف على بعد أمتار، وقد سمع الجملة الأخيرة بالصدفة.
اتسعت عيناه.
وأخرج هاتفه فورًا.
اتصل بآدم.
رن الهاتف داخل السيارة.
رد آدم.
— “خير؟”
قال الرجل بصوت مضطرب:
— “باشا… مازن…”
التفت آدم عبر زجاج السيارة.
فرأى مازن يغلق هاتفه بسرعة، ثم يلتفت مبتسمًا كأن شيئًا لم يحدث.
قال الرجل:
— “سمعته بنفسي… كان بيقول لحد إن الملف وصل.”
أغلق آدم الهاتف ببطء.
وتذكر الرسالة…
“متثقش في مازن…”
لكن قبل أن يتخذ أي قرار…
اهتز هاتف كريم القديم مرة أخرى.
رسالة جديدة.
هذه المرة كانت أطول.
“لو شكيت في مازن بسرعة… هتخسر أوفى راجل في حياتك. الخائن الحقيقي واقف أقرب منك بكتير… وبيسمعك دلوقتي.”
رفع آدم عينيه ببطء…
ونظر إلى الرجال الواقفين حول السيارة.
كانوا ثمانية.
وجميعهم ينظرون إليه باحترام.
لكن واحدًا منهم فقط…
كان يتجنب النظر في عينيه.هبط آدم من السيارة دون أن ينطق بكلمة.
أغلق الباب خلفه بهدوء…
ثم مرّ بعينيه على الرجال الثمانية.
واحدًا…
واحدًا.
لم يكن يبحث عن الخوف.
بل عن الخطأ.
فالرجل المذنب دائمًا يخطئ في شيء صغير.
يحاول أن يبدو طبيعيًا أكثر من اللازم.
قال آدم بصوت هادئ:
— “كل واحد فيكم يسلم موبايله.”
نظر الرجال إلى بعضهم.
لكنهم أخرجوا هواتفهم فورًا.
إلا رجل واحد…
تردد نصف ثانية.
ثم أخرج هاتفه.
كانت نصف الثانية كافية.
لاحظها آدم.
وقال:
— “اسمك.”
— “حسام يا باشا.”
— “من كام سنة شغال معايا؟”
— “سبع سنين.”
أومأ آدم برأسه.
ثم سلّم الهواتف كلها إلى مازن.
وقال:
— “محدش يلمسهم.”
رفع مازن عينيه إليه.
— “حاضر.”
لكن آدم لم يغفل عنه.
كان يراقبه هو أيضًا.
—
داخل السيارة…
كانت نورا تربت على شعر ليان حتى نامت من شدة الإرهاق.
ثم نظرت إلى آدم وقالت:
— “في حاجة لازم تعرفها.”
— “اتفضلي.”
تنهدت طويلًا.
— “ليان… مش بنتي بس.”
نظر إليها باستغراب.
— “يعني إيه؟”
أغمضت عينيها.
ثم قالت بصوت مرتجف:
— “ليان… بنت كريم.”
ساد الصمت.
كأن الزمن توقف.
نظر آدم إلى الطفلة النائمة.
ثم إلى نورا.
— “إنتِ بتقولي إيه؟”
هزت رأسها والدموع تنهمر من عينيها.
— “أنا وكريم كنا متجوزين في السر.”
تراجع آدم خطوة.
لم يكن يتوقع ذلك أبدًا.
— “ليه السر؟”
— “لأن كريم كان عارف إن أعداءه هيستخدموا أي حد بيحبه ضده.”
تنهدت.
— “ولما عرفت إني حامل… قال لي اختفي.”
أغلق آدم عينيه للحظة.
إذن…
ليان ليست مجرد طفلة وجدته بالصدفة.
بل هي…
ابنة أخيه.
ابنة آخر شخص بقي من دم كريم.
اقترب منها ببطء.
وجثا على ركبته بجوارها.
وأزاح خصلة شعر عن وجهها.
وهمس:
— “حقك عليا… اتأخرت خمس سنين.”
—
وفي مكان آخر…
داخل مخزن قديم خارج القاهرة…
كان جابر مربوطًا إلى كرسي.
وجهه مليء بالكدمات.
وقف أمامه رجل لا يظهر منه سوى ظله.
قال جابر وهو يرتجف:
— “أنا نفذت اللي طلبته.”
رد الرجل بصوت هادئ:
— “وفشلت.”
— “مكنتش أعرف إن آدم هيوصل.”
اقترب الظل منه.
ثم قال:
— “المشكلة مش إن آدم وصل…”
توقف لحظة.
ثم أكمل:
— “المشكلة إن ليان لسه عايشة.”
رفع جابر رأسه بفزع.
— “هي مجرد طفلة.”
ضحك الرجل ضحكة باردة.
— “لو كانت مجرد طفلة… مكنتش دورت عليها خمس سنين.”
ثم أخرج صورة قديمة ووضعها أمام جابر.
كانت صورة لمعمل أبحاث.
وفي الخلفية…
كان يقف كريم المنصوري، وبجواره حقيبة سوداء صغيرة.
قال الرجل:
— “كريم ما اختفاش بسبب فلوس…”
وأشار إلى الحقيبة.
— “اختفى بسبب اللي كان جوه الشنطة.”
ثم التقط هاتفه.
وأرسل رسالة قصيرة إلى رقم مجهول:
“المرحلة الثانية تبدأ الليلة… اقت/لوا آدم قبل ما يفتح الخزنة رقم 17.”
وفي اللحظة نفسها…
كان هاتف آدم يهتز بوصول إشعار جديد.
لكن هذه المرة…
لم تكن رسالة.
بل صورة.
صورة حديثة التُقطت قبل دقائق فقط.
لآدم… وهو يقف بجوار سيارته.
وفي أسفل الصورة كُتب:
“إحنا شايفين كل خطوة بتعملها.”
وانقبض فك آدم.
لأنه أدرك أن الخائن…
لم يكن في الماضي فقط.
بل ما زال يقف بينهم حتى هذه اللحظة.نظر آدم إلى الصورة مرة أخرى…
كانت واضحة جدًا.
زاوية التصوير مرتفعة.
ليست من الشارع…
بل من سطح العمارة المقابلة.
رفع رأسه ببطء نحو المبنى.
ثم قال في سماعة أذنه:
— “مازن.”
— “أفندم.”
— “ابعت اتنين فوق سطح العمارة اللي قدامنا… حالًا.”
لم تمر ثلاثون ثانية…
حتى جاءه صوت أحد رجاله يصرخ عبر جهاز الاتصال:
— “باشا… لقينا الكاميرا!”
ضاقت عينا آدم.
— “هاتها.”
— “في مشكلة…”
— “إيه؟”
— “اللي ركبها لسه هرب من دقيقة واحدة… وسايب رسالة.”
بعد دقائق…
وُضعت أمام آدم بطاقة سوداء صغيرة.
لم يكن مكتوبًا عليها سوى رمز واحد…
17
نظر آدم إلى المفتاح النحاسي في يده…
ثم إلى البطاقة.
وقال بهدوء:
— “الخزنة.”
—
في صباح اليوم التالي…
توقفت سيارة آدم أمام أحد أقدم البنوك في القاهرة.
لم يكن بنكًا عاديًا.
كان يضم خزائن خاصة يزيد عمر بعضها على خمسين عامًا.
استقبلهم مدير الفرع بنفسه.
وبمجرد أن رأى آدم…
قال باحترام:
— “أهلاً أستاذ آدم.”
أخرج آدم المفتاح.
ووضعه على المكتب.
— “عايز الخزنة رقم سبعتاشر.”
تغير وجه المدير.
نظر إلى المفتاح…
ثم قال باستغراب:
— “الخزنة دي محدش فتحها من خمس سنين.”
نظر إليه آدم.
— “باسم مين؟”
فتح المدير السجل الورقي القديم.
وقلب عدة صفحات.
ثم توقف فجأة.
— “باسم…”
ابتلع ريقه.
— “كريم المنصوري.”
ساد الصمت.
ثم اصطحبهم إلى الطابق السفلي.
كانت الممرات باردة…
والجدران من الفولاذ.
توقف أمام باب صغير يحمل الرقم 17.
أدار آدم المفتاح.
لكن قبل أن يفتحه…
قال المدير:
— “في حاجة غريبة.”
التفت آدم إليه.
— “إيه؟”
— “في تعليمات من صاحب الخزنة.”
— “قول.”
أخرج المدير ظرفًا مختومًا.
وقال:
— “مكتوب عليه… لا يُفتح إلا قبل فتح الخزنة.”
فتح آدم الظرف.
وكانت بداخله ورقة واحدة.
بخط كريم.
“لو وصلت لهنا… اعرف إنهم كانوا بيراقبوك من أول مكالمة ليان.”
تبادل آدم ومازن النظرات.
وأكمل القراءة:
“وأعرف كمان… إن الشخص اللي واقف جنبك دلوقتي، مش هو الخائن.”
نظر آدم تلقائيًا إلى مازن.
فابتسم مازن بمرارة.
لكن كريم أكمل:
“الخائن الحقيقي… هيحاول يمنعك من فتح الخزنة خلال الدقائق الجاية.”
في تلك اللحظة بالضبط…
دوّى انفجار عنيف في الطابق العلوي للبنك.
بووووم!
اهتز المبنى كله.
وانطفأت الأنوار.
وانطلقت صفارات الإنذار.
صرخ المدير:
— “في انفجار!”
وفي الظلام…
سمع آدم صوت خطوات سريعة تقترب منهم.
وصوت رجل يقول:
— “اق/تلوه… قبل ما يفتح الخزنة!”
أمسك آدم بالمفتاح بقوة…
وأدرك أن معركة السنوات الخمس…
قد بدأت الآن.انطفأت الأنوار تمامًا…
ولم يبقَ سوى ضوء أحمر خافت ينبض كل ثانيتين مع صفارات الإنذار.
أمسك آدم بذراع ليان، التي كانت قد أصرت على مرافقة أمها حتى البنك، ودفعها خلف الخزائن الفولاذية.
قال بصوت حازم:
— “مازن… خليك مع نورا وليان.”
رد مازن فورًا:
— “وأنت؟”
ابتسم آدم ابتسامة باردة.
— “اللي جايين دول… جايين عشاني.”
في نهاية الممر…
ظهرت ثلاثة ظلال تتحرك ببطء.
كانوا يرتدون ملابس سوداء وأقنعة تخفي وجوههم.
تقدم أحدهم خطوة، ثم قال:
— “سيب المفتاح يا آدم… وهنخرج من غير دم.”
ضحك آدم ضحكة قصيرة.
— “واضح إنكم ما تعرفونيش.”
ثم، في حركة خاطفة، أطفأ المصباح الأحمر الوحيد بإطلاق رصاصة على مصدره.
غرق المكان في ظلام دامس.
ساد الصمت…
ثم بدأت أصوات الارتطام والصراخ تتردد في الممر.
بعد أقل من دقيقة…
عاد ضوء الطوارئ للعمل.
كان اثنان من المهاجمين ملقيين على الأرض فاقدَي الوعي.
أما الثالث…
فكان يحاول الزحف هاربًا.
اقترب منه آدم، وأمسك بطرف قناعه ونزعه.
اتسعت عيناه.
— “أنت؟!”
كان الرجل أحد حراس الأمن العاملين في البنك.
قال الحارس وهو يلهث:
— “أنا… مجرد منفذ.”
أمسكه آدم من ياقة ملابسه.
— “مين اللي بعتك؟”
نظر الحارس حوله بخوف.
ثم همس باسم واحد:
— “سليم…”
قطب آدم حاجبيه.
— “سليم مين؟”
لكن الحارس لم يجب.
خرج خيط رفيع من الدم من زاوية فمه.
ثم سقط رأسه إلى الخلف.
صرخت نورا:
— “استنى!”
انحنت عليه بسرعة.
ثم رفعت رأسها نحو آدم.
— “اتسمم.”
ساد الصمت.
قال مازن:
— “حد أسكته قبل ما يتكلم.”
في تلك اللحظة…
رن هاتف آدم.
رقم مجهول.
رد بصمت.
جاءه صوت رجل هادئ، مليء بالسخرية:
— “كالعادة… سبقتني بخطوة.”
قال آدم ببرود:
— “أنت سليم؟”
ضحك الرجل.
— “بعد كل السنين… لسه فاكرني بالاسم ده؟”
تجمد آدم.
عرف الصوت.
كان صوت رجل كان يدخل بيتهم منذ أكثر من عشرين عامًا…
صديق والده…
والشخص الذي كان كريم يناديه دائمًا:
“عمو سليم.”
قال الصوت:
— “افتح الخزنة يا آدم… أنا مستني أشوف رد فعلك.”
انقطع الاتصال.
نظر آدم إلى الخزنة رقم 17.
أدار المفتاح ببطء…
ثم جذب الباب الحديدي الثقيل.
لكن بدلًا من الأموال أو المستندات…
وجد صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وفوقه ظرف آخر.
فتح الظرف.
وفي الداخل رسالة قصيرة بخط كريم:
“إذا وصل عمو سليم إليك قبل أن تفتح هذا الصندوق… فاعرف أن كل ما عرفته حتى الآن لم يكن سوى البداية.”
ثم فتح الصندوق…
فتجمد مكانه.
في الداخل…
كان هناك قرص صلب صغير، وساعة يد كريم المكسورة…
وصورة لطفل رضيع لم يره آدم من قبل.
وعلى ظهر الصورة كُتبت أربع كلمات فقط:
“ابحث عن الطفل الثاني.”
رفع آدم رأسه ببطء.
ونظر إلى نورا.
كانت تنظر إلى الصورة…
وقد اختفى اللون من وجهها.
همست بصوت مرتجف:
— “لا… مستحيل…”شهقت نورا، ومدّت يدها المرتجفة نحو الصورة.
لكن آدم سحبها قبل أن تلمسها.
نظر إليها بعينين حادتين.
— “إيه معنى الطفل التاني؟”
أطرقت برأسها.
ولم تجب.
كرر سؤاله هذه المرة بنبرة أقوى:
— “نورا… كريم كتب الجملة دي وهو عارف إنها هتوصل لي. يعني إنتِ فاهمة.”
انهمرت دموعها.
وجلست على الأرض كأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
— “أنا… كنت فاكرة السر ده مات مع كريم.”
جلس آدم أمامها.
— “احكي.”
أغمضت عينيها لثوانٍ.
ثم بدأت تتكلم.
— “قبل اختفاء كريم بسنة… كنت حامل.”
نظر آدم إلى ليان النائمة في حضن إحدى الممرضات اللاتي حضرن بعد الانفجار.
ثم عاد إليها.
— “عارف.”
هزت رأسها بالنفي.
— “لا… مش ليان.”
اتسعت عينا آدم.
— “إيه؟”
— “كنت حامل في توأم.”
ساد صمت ثقيل.
حتى صفارات الإنذار في البنك بدت بعيدة.
همس آدم:
— “توأم؟”
— “ولد وبنت.”
نظر تلقائيًا إلى صورة الطفل.
كان الرضيع ولدًا.
أما ليان…
فكانت البنت.
قال بصوت خافت:
— “فين الولد؟”
أجهشت نورا بالبكاء.
— “بعد الولادة بساعات… دخل كريم الأوضة وهو مرعوب.”
توقفت لتلتقط أنفاسها.
— “قالي إن الناس اللي بتطارده عرفت إن عنده أطفال.”
قبض آدم يده.
— “وبعدين؟”
— “قال لازم يفرق بينهم… وإلا الاتنين هيموتوا.”
ارتجف صوتها.
— “أخد الولد بنفسه… وقال إنه هيخليه في مكان محدش يوصله.”
— “ورجع؟”
أغلقت عينيها.
— “لا.”
نظر آدم إلى الصورة مرة أخرى.
إذن…
ليان لم تكن آخر ما تبقى من كريم.
كان هناك طفل آخر…
اختفى مع والده في الليلة نفسها.
وفجأة…
اشتغل القرص الصلب وحده بعد أن وصله موظف البنك بجهاز صغير.
ظهرت شاشة سوداء…
ثم ظهر وجه كريم.
كان أكبر قليلًا، ولحيته طويلة، وعيناه متعبتان.
قال وهو ينظر مباشرة إلى الكاميرا:
> “لو بتشوف الفيديو ده يا آدم… يبقى أنا غالبًا لسه عايش… أو مت من وأنا بحاول أحميهم.”
حبس آدم أنفاسه.
ابتسم كريم ابتسامة باهتة.
> “أول حاجة… سامحني.”
ثم أكمل:
> “التوأم اتفرقوا بإيدي. ليان فضلت مع أمها… أما الولد فسلمته لراجل واحد بس كنت واثق فيه.”
توقف الفيديو لثانية.
ثم عاد.
> “ولو الراجل ده خانني… يبقى ابني دلوقتي في خطر أكبر من أي وقت.”
اقترب آدم من الشاشة.
وقال وكأنه يخاطب أخاه:
— “مين هو؟”
ابتسم كريم داخل التسجيل.
وكأنه كان يتوقع السؤال.
ثم قال:
> “الاسم موجود في آخر الفيديو… لكن لو حد غير آدم هو اللي بيتفرج… الملف هيمسح نفسه.”
في اللحظة نفسها…
ظهرت على الشاشة عبارة حمراء:
“جاري التحقق من الهوية…”
ثم…
“تم التعرف على المستخدم: آدم المنصوري.”
تنفس الجميع الصعداء.
لكن قبل أن يظهر الاسم…
انطفأت الشاشة فجأة.
واختفى كل شيء.
صرخ موظف البنك:
— “القرص اتحذف!”
أمسك آدم بالجهاز.
كانت جميع الملفات قد اختفت.
لكن قبل أن تنطفئ الشاشة بالكامل…
لمح كلمة واحدة فقط ظهرت لأقل من ثانية:
“إسماعيل…”
رفع آدم رأسه ببطء.
وردد الاسم:
— “إسماعيل…”
ثم نظر إلى مازن.
— “دورلي على كل شخص اسمه إسماعيل كان على علاقة بكريم خلال آخر عشر سنين.”
لكنهم لم يكونوا يعلمون…
أن رجلًا يجلس داخل سيارة سوداء على بعد مائتي متر من البنك…
كان يبتسم وهو يشاهدهم عبر منظار.
وقال بهدوء:
— “كويس… آدم بدأ يمشي في الطريق اللي أنا عايزه.”
ثم أدار محرك السيارة…
واختفى قبل أن يراه أحد.ابتعدت السيارة السوداء بهدوء…
لكن آدم لم يتحرك.
ظل يحدق في الشاشة المظلمة للقرص الصلب.
ثم قال فجأة:
— “رجّع التسجيل.”
نظر إليه موظف البنك بحرج.
— “مفيش حاجة ترجع يا فندم… الملفات اتحذفت نهائي.”
أخذ آدم الجهاز بين يديه.
وقلبه ببطء.
ثم ابتسم لأول مرة منذ بداية اليوم.
قال مازن باستغراب:
— “بتضحك؟”
أشار آدم إلى نقطة صغيرة جدًا أسفل القرص.
— “كريم كان أذكى من كده.”
اقترب مازن.
وجد شريحة ذاكرة دقيقة، أصغر من ظفر الإصبع، مثبتة داخل تجويف سري.
قال آدم:
— “أخويا عمره ما كان يسيب نسخة واحدة.”
نزع الشريحة بحذر.
وأعطاها لمازن.
— “خلي مهندسنا يفتحها… بس من غير أي شبكة إنترنت.”
—
بعد ساعتين…
داخل غرفة محصنة في مقر آدم…
جلس الجميع أمام شاشة كبيرة.
أدخل المهندس الشريحة.
ظهرت رسالة قصيرة:
“النسخة الاحتياطية.”
ثم عاد وجه كريم للظهور.
لكن هذه المرة كان أكثر هدوءًا.
قال:
> “لو وصلت للنسخة دي… يبقى توقعي طلع صح.”
ثم نظر إلى الكاميرا مباشرة.
> “آدم… اسم إسماعيل مش اسم شخص.”
قطب آدم حاجبيه.
وأكمل كريم:
> “إسماعيل… اسم مشروع.”
ظهرت خلفه صورة لملف يحمل ختمًا أحمر.
PROJECT ISMAIL
ثم قال:
> “المشروع ده هو السبب الحقيقي لاختفائي.”
تنفس آدم ببطء.
بينما أكمل كريم:
> “ناس كبار جدًا اشتركوا فيه… رجال أعمال… وسياسيون… وضباط فاسدون.”
ساد الصمت في الغرفة.
ثم ظهرت صورة أخرى.
مجموعة رجال يقفون حول طاولة.
كانت الصورة قديمة وغير واضحة.
لكن آدم تعرّف على أحدهم فورًا.
همس:
— “عمو سليم…”
ثم اتسعت عيناه.
لأن الرجل الواقف بجوار سليم…
كان شخصًا يعرفه جيدًا.
والد آدم وكريم.
قال كريم في التسجيل:
> “قبل ما تكره أبويا… لازم تعرف الحقيقة.”
ثم أخرج ملفًا صغيرًا.
> “أبونا ما كانش واحد منهم…”
توقف لثانية.
> “كان عميلًا سريًا بيجمع الأدلة عليهم.”
شهقت نورا.
أما آدم…
فشعر أن كل ما آمن به طوال حياته ينهار.
أكمل كريم:
> “ولما اكتشفوا إنه عرف الحقيقة… ق/تلوه… وقالوا إنها أزمة قلبية.”
قبض آدم يديه بقوة حتى ابيضت مفاصله.
لقد عاش سنوات يظن أن والده مات ميتة طبيعية.
لكن الحقيقة…
كانت ج/ريمة ق/تل.
ثم اقترب كريم من الكاميرا، وقال بصوت منخفض:
> “ولو أنا اختفيت… يبقى الدليل الوحيد الباقي موجود في مكان محدش هيفكر يدور فيه.”
حبس الجميع أنفاسهم.
وقال كريم:
> “دور تحت قبر أبونا.”
ساد صمت ثقيل.
ثم انقطع التسجيل.
نظر مازن إلى آدم.
وقال بهدوء:
— “هنروح المقابر؟”
رفع آدم رأسه.
وكانت عيناه تحملان تصميمًا لم يره أحد من قبل.
— “الليلة.”
وفي مكان آخر…
كان “عمو سليم” يجلس في غرفة مظلمة.
دخل عليه أحد رجاله وقال:
— “آدم عرف طريق المقبرة.”
ابتسم سليم ابتسامة باردة.
ثم قال:
— “سيبوه يروح.”
تعجب الرجل.
— “ليه؟”
وقف سليم واتجه نحو النافذة.
وقال وهو ينظر إلى ظلام القاهرة:
— “لأن اللي مستنيه هناك… مش مجرد دليل.”
ثم استدار ببطء.
وأكمل:
— “هناك… هيقابل كريم.”