عزومة حماتي. حكايات بسمه

مرت الأيام. ولم تأتِ حماتي يوم الجمعة. ولم تتصل بنا. لكننا علمنا من أحد الأقارب أنها ذهبت إلى بيت ابنتها، وبدأت تروي لكل من تلقاه أنني بخيلة ومتسلطة وأخذت ابنها منها وغيّرته عليه. وانتشر الكلام في العائلة. بعضهم صدّقها وبعضهم شكّ وبعضهم سكت وانتظر ليرى الحقيقة بنفسه.
شعر ببعض الحرج، وقلبي تألم من أجله. لكنني كنت أعلم أن التراجع الآن يعني الهزيمة إلى الأبد. قلت له
الصدق زيت مهما ضغطت عليه يطفو على السطح. اصبر ولا تقلق.
وكان له موقف عجيب. بدأ يذهب إليها بمفرده أحيانًا، ويجلس معها ويحاورها بهدوء وحكمة. لا يصرخ ولا يُهين، بل يقول لها
يا أمي، أنا ابنكِ. أريدكِ أن تكوني سعيدة. لكن سعادتكِ لا يجب أن تكون على حساب سعادة زوجتي وكرامتها. إنها إنسانة لها حق الاحترام مثلكِ تمامًا. وإذا أردتِ أن نكون سعداء معًا، فعلينا أن نحترم حدود بعضنا البعض.
كانت ترفض في البداية وتغضب وتطرده. لكنه كان يعود مرّة أخرى. بصبر وهدوء وثبات. لم يقطع صلتها بها، ولم يُعنّفها، ولم يُخبر أحدًا بما فعلته أو بما قالته. حافظ على صورتها أمام الناس، ولم يُفشِ سرّ بيتنا. وهذا الأمر بدأ يُؤثر فيها شيئًا فشيئًا. فهي ترى ابنها بارًا بها، محسنًا إليها، لا يقطعها ولا يُسيء إليها ومع ذلك فهو ثابت لا يتزحزح فيما اتفق عليه مع زوجته. لم يكن ضعيفًا بل كان حازمًا ورحيمًا في آن واحد.
وفي هذه الأثناء، اكتشفت شيئًا آخر لم أتوقعه. علمت أن حماتي لم تكن تُعزم الناس فقط لكي تختبر صبري بل كانت تُعزمهم أحيانًا لكي تُظهر لهم أنها صاحبة الكلمة العليا في بيت ابنها. كانت تريد أن يقول الناس يا سلام، ابنها يُطيعها في كل شيء، حتى في العزومات والتكاليف. كانت تبني مجدًا زائفًا على حساب راحتي ومالي. وكلما رأت أنني أُطيع وأدفع، ازدادت فخرًا وغرورًا. ولما توقفت، شعرت بمجدها ينهار فغضبت وثارت.
علمتُ أيضًا أن زوجها والد زوجي كان يعاملها بهذه الطريقة تمامًا. كانت هي التي تُعزم وتُنفق وتأمر وتنهي، وكان هو يصمت ويُطيع. فظنّت أن كل زوج يجب أن يكون كذلك، وأن كل زوجة يجب أن تقبل وتصمت. لم تكن شريرة بطبعها بقدر ما كانت تُقلّد ما تعوّدت عليه، وتظن أن هذا هو حقها كأم وكزوجة. ولهذا حين واجهناها بالحقيقة، صُدمت لأن أحدًا لم يقل لها لا من قبل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *