عزومة حماتي. حكايات بسمه

ومضت الأيام وتحولت السنوات. وتغيرت أمور كثيرة. أصبحت حماتي تُشاورني قبل كل شيء. وتقول لي يا بنيتي، أريد أن أعزم فلان هل الوقت مناسب؟ وهل التكلفة مناسبة؟. وكنتُ أقول لها رأيي بكل صدق ومحبة. فإذا وافقتُ فرحنا معًا وإذا اعتذرتُ أوضحتُ لها السبب بكل لطفٍ وودّ. فتفهم وتقبل بكل رحابة صدر.
وذات يوم، ونحن نجهز عزومة عائلية صغيرة، قالت لي حماتي وهي تساعدني في ترتيب الطاولة
أتعلمين يا بنيتي؟ لقد كان ذلك الاختبار في الحقيقة اختبارًا لي أنا ليس لكِ.
نظرتُ إليها بدهشة فاستطردت بابتسامة هادئة
نعم. لقد اختبرتُكِ فصبرتِ وأحسنتِ. واختبرني الله بكِ فثبّتني على خطئي ثم أرشدني إلى الحق. فكان الخير كلّه في أن تعرفتِ إليّ حقًا وعرفتُكِ حقًا. ولو كنتِ استسلمتِ لي وصمتِ كما كنتُ أريد لظللنا نعيش في وهمٍ وخطأ.
قلتُ لها وأنا أبتسم وأمسك بيدها
وما أجمل أن نخرج من الوهم إلى الحقيقة ومن الخطأ إلى الصواب ومن البعد إلى المحبة.
صدقتِ. العزومة ليست بكثرة من نُعزم بل بمن نُحب ونُكرم ونُبقيهم في قلوبنا. والبيت لا يُبنى بالمال وحده بل يُبنى بالعدل والصدق والاحترام.
وبينما نحن نتحدث، دخل زوجي وسمع كلماتها. نظر إليّ ثم إليها، وقال بابتسامة دافئة
الآن فقط اكتملت السعادة. حين يتحد القلبان على الخير.
وضعت يدي في يدها ووضعت حماتي يدها فوقهما. واتفقنا بصمتٍ لا كلام فيه أن البيت الذي يُقام على العدل لا يُهدم والمحبة التي تُبني على الاحترام لا تموت وأن الصبر وإن طال فإن نهايته دائمًا فرجٌ وصلاح.
وظل بيتنا عامرًا بالناس والضحك والبركة لكنه لم يعد عامرًا بالأعباء والاختبارات والاستغلال. كنا نعزم من نحب ونُكرم من يأتي إلينا بقلوبٍ صافيةٍ ومبالغٍ نُقدر عليها لا نُثقل كاهل أنفسنا بما لا نطيق ولا نُجبر أحدًا على ما لا يريد. وهكذا عرفتُ أن العزومة الحقيقية ليست كثرة الطعام ولا كثرة الناس بل هي دعوةٌ تدخل بها المحبة القلوب وتُصلح بها ما انقطع وتُبني بها ما هو باقٍ وثابتٍ لا يزول بزوال الأيام.
وظلت تلك العبارة التي قالتها لي حماتي في آخر لقائنا قبل الصلح ترنّ في أذنيّ وتُعلمّني درسًا لن أنساه ما حييت لقد كان الاختبار لي لا لكِ. فكم من مرّة نُعامِل الناس بمنطق الاختبار والامتحان وننسى أننا نحن من نُمتحَن بسلوكنا ومعاملتنا لهم. وأن الله سبحانه وتعالى يُجري الخير على أيدي الصابرين الصادقين وإن طال الزمن وبدا الأمر مستحيلاً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *