عزومة حماتي. حكايات بسمه

حماتي كنت كل ما أعمل عزومة في بيتي، أكون حاسبة الأكل بالعدد بالظبط 10 أشخاص يعني أعمل أكل ل احتياطي. لكن حماتي كانت تستنى آخر لحظة، وتقول أنا عزمت كام حد من عندي، متقلقيش. وفي كل مرة ألاقي عدد الضيوف اتضاعف، وهي قاعدة تضحك وتقول إحنا أهل. لحد اليوم اللي عملت فيه عزومة كبيرة، واكتشفت إنها كانت بتعزم الناس مش علشان تفرح كانت بتختبر لحد فين هفضل أدفع وأسكت.
من أول جوازي وأنا بحب العزومات.
كنت بعتبر إن البيت اللي مليان ناس وضحك وبركة، بيت مريح.
فكل ما يكون عندي مناسبة، أبدأ أجهز من بدري.
أحسب عدد الناس.
أشتري اللحمة والفراخ.
أجهز الحلويات.
وأرتب السفرة.
لكن حماتي كان عندها عادة غريبة.
تستنى لحد قبل العزومة بيوم
وبعدين تقول
على فكرة، عزمت كام حد من قرايبي.
أقولها
كام يعني؟
ترد بمنتهى البراءة
مش كتير 10 أو 15.
وأنا أصلًا عاملة الأكل ل شخص.
أقول
يا ماما، كنتِ قوليلي بدري.
فتضحك
هو إحنا غرب؟ هتزودي شوية مكرونة وسلطة.
وأضطر أزود.
مرة عملت عزومة ل شخص.
فوجئت ب واحد على الباب.
وقفت في المطبخ مش عارفة أعمل إيه.
حماتي دخلت وهي مبتسمة وقالت
معلش يا حبيبتي، أصل الناس بتحب أكلك.
جوزي كان واقف جنبها.
بصيتله.
قلت
إنت كنت عارف؟
قال
ماما قالتلي.
قلت
ومقولتش ليه؟
رد
ما هي حاجة بسيطة.
الحاجة البسيطة دي كلفتني وقتها مبلغ كبير.
لكن سكت.
قلت يمكن مرة وتعدي.
لكن الموضوع بقى عادة.
كل عزومة
ناس زيادة.
وكل مرة أنا اللي أدفع.
وفي مرة، عملت عزومة عائلية صغيرة علشان عيد ميلاد بنتي.
حماتي عزمت جيرانها.
وأصحاب أخت جوزي.
وقرايب بعيدين عمري ما شوفتهم.
ولما سألتها
مين دول؟
قالت
ناس غاليين عندي.
وبعدين بصتلي وقالت
هو إنتِ هتحسبي اللقمة؟
الكلمة وجعتني.
لأني

عمري ما حسبت لقمة على حد.
لكن أنا كمان كان عندي ميزانية.
وفي يوم، قررت أواجهها.
قبل العزومة بأسبوع قلتلها
يا ماما، أي حد هتعزميه بعد كده قوليلي الأول علشان أعرف أحسب الأكل.
قالت
حاضر.
وافقت.
لكن يوم العزومة
جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت 17 شخص زيادة.
بصيت لحماتي.
قالت
مفاجأة!
ضحكت.
لكن أنا المرة دي ماضحكتش.
دخلت المطبخ.
وبدأت أجهز الأكل.
لكن وأنا بفتح التلاجة، لقيت إن الأكل مش هيكفي.
جوزي دخل ورايا.
قال
في إيه؟
قلت
الأكل مش هيكفي.
رد
اعملي أي حاجة.
بصيتله.
وقلت
لأ.
اتصدم.
يعني إيه لأ؟
قلت
اللي اتعزم من غير إذني، اللي يعمله اللي عزمه.
خرجت من المطبخ.
ولأول مرة، حماتي شافتني قاعدة على السفرة زي أي ضيفة.
وبدأت هي تتحرك.
لكن بعد شوية، قربت مني وقالت بغضب
إنتِ بتفضحيني قدام الناس؟
رديت بهدوء
أنا مش بفضحك أنا بس بطلت أدفع تمن عزومات مش بتاعتي.
جوزي تدخل
خلاص يا جماعة، نجيب أكل من بره.
بصيتله وقلت
من فلوس مين؟
سكت.
حماتي قالت
من فلوس البيت طبعًا.
ابتسمت وقلت
يبقى من فلوسنا إحنا الاتنين، مش من فلوسي لوحدي.
لأول مرة، محدش عرف يرد.
لكن بعد ما الضيوف مشيوا، جوزي دخل عليا وقال
ماما زعلانة منك جدًا.
قلت
وأنا زعلانة من سنين.
وبعدين حطيت قدامه كشف المصاريف.
وقلت
أنا حسبت كل عزومة عملناها خلال السنتين اللي فاتوا.
بص للورق.
وشه اتغير.
قلت
عارف المبلغ كام؟
هز راسه.
قلت
أكتر من تمن فرش بيتنا كله والأغرب إن أغلب الناس اللي كانت بتتعزم، أنا أصلًا معرفهمش.
سكت ثواني.
وبعدين رفع عينه وقال
إنتِ بتقولي إن ماما كانت بتعمل كده عمد؟
قبل ما أرد
وصلته رسالة على موبايله.
كانت من حماتي.
والرسالة كانت قصيرة جدًا
المرة الجاية لازم نعزم عدد أكبر عايزة أعرف هي هتقدر تستحمل لحد فين.
الرسالة وقعت بين يديه كالصاعقة. قرأها مرتين، ثم رفع عينيه ونظر إليّ، وعيناه اتسعتا من الصدمة، وكأنه لأول مرة يراها حقًا. لم أتكلم. لم أقل ألم أقل لك؟ أو أي كلمة من شأنها أن تزيد شعوره بالخزي. فقط وقفت أمامه بصمت، وأنا أنتظر ما سيقوله، لأن الكلام الآن لم يعد يُجدي نفعًا. الحقيقة وصلت إليه بنفسها، من اليد التي كان يظنها أكثر الأيادي رحمةً وشفقةً.
قال بصوت خافت، وكأنه لا يصدق ما تقرأه عيناه
هي هي كانت بتختبرك؟ كل ده كان اختبار؟
قلت بهدوء، وأنا أشير إلى الأوراق الممتدة أمامه على الطاولة
كل مرة كانت بتعزم ناس زيادة من غير ما تقولي كل مرة كنت بدفع وأصبر وأتحمل كل ده كان عشان تشوف لحد فين أنا هاسكت وأدفع وأقول حاضر. كانت بتقيس صبري زي ما بيقيسوا الماء في النهر شوية شوية، عشان تعرف متى يفيض.
سكت طويلاً. أخذ يمرر يده على شعره باضطراب، ثم ترك يده تسقط بجانبه ونظر إلى الأرض.
وأنا وأنا كنت أصدقها. كنت أقول دي أمي بتخاف من الحرج، وناسها كتير، وهي مش عارفة تحسب. ما توقعتش أبدًا إنها تقصد كل ده.
وأنا كمان ما توقعتش في الأول. صدقتها مرّة ومرتين وعشرة. لحد ما عرفت إن اللي بيتعلم من التجربة ذكي، واللي بيتغافل مرّة تانية مغبون. هي مش كانت بتعزم ناس علشان فرحة أو بركة كانت بتعزمنهم عشان تثبت نفسها، وتثبت إنك لسه تبعها، وإن بيتي ده مش ملكي، وإن فلوسي مش ملكي، وإن كلمتها فوق كلمتي. كانت بتجربني عشان تعرف تقدر تسيطر عليا ولا لأ.
رفع رأسه ونظر إليّ، وفي عينيه لوم على نفسه أكثر منه على غيري
وكل ده وأنا واقف متفرج بل وموافق. كنت أقول لك حاجة بسيطة، ما تكبريش الموضوع. ما شفتش إن البسيط لما بيتكرر بيبقى عادة، ولما بيبقى عادة بيبقى حق مكتسب في عين اللي بيتعوّد.
بالظبط. هي كانت عايزة تثبتلي إن أنا أقدر أفعل اللي عايزاه، ومحدش يقدر يقولي لياء. وكل ما كنت أسكت، كانت بتأكد من نفسها شفتي؟ لسه بتخضع. لسه بتدفع. لسه ما لها صوت. الرسالة دي ما كانتش ليا كانت ليك أنت الأول. هي بتقولك شوف، أنا اللي أقدر أتحكم في بيتك وفي مراتك وفي فلوسكم. وأنت واقف متفرج.
سكتنا معًا. الصمت امتد في الغرفة كغطاء ثقيل. لم يكن بيننا غضب الآن كان شيء أعمق وأوجع. كان اكتشافًا مؤلمًا لطبيعة علاقتنا جميعًا. بعد فترة، قال بصوت ثقيل
والمرة الجاية هي قالت لازم نعزم عدد أكبر. يعني هي مش هتتوقف.
بالظبط. هي شافت إن يوم العزومة الأخيرة أنا قلت لأ. فعرفت إن الصبر نفد. فقررت تزيد الضغط عشان أتراجع. عشان تقول لي إما ترجعي وتدفعي وتسكتي، أو أفضحك وأقول إنك بخيلة وقليلة الأصل.
وإنتِ شايفة إني أعمل إيه؟
نظرت إليه مباشرة في عينيه وقلت بكل وضوح
اللي تعرفه. لكن اعرف حاجة واحدة أنا مش هخسر بيتي وراحتي وكرامتي عشان أي حد. إما نحل المشكلة معًا، أو كل واحد يروح في طريقه. لأن الحياة مش تضحية من طرف واحد واستغلال من طرف تاني. أنا قبل ما أكون مراتك، أنا إنسانة ليا كرامة وليا حدود. واللي بيحط حد لكرامتي مش هيكون لي مكان عنده.
كان الكلام قاسيًا. لكنه كان الحقيقة. رآني جادةً لم يتراجع نظره. أمسك بيدي، وقال بصوت حازم لأول مرة منذ زمن طويل
أنا معكِ. هذه المرة لن أكون في صف أحد غيركِ. سأواجهها بنفسي. سأخبرها أن هذا بيتنا، وأن لدينا حدودًا لا يمكن تجاوزها. ولن أسمح لأي شخص بأن يختبر صبركِ أو يُجهدكِ هكذا.
مش قولتلك من قبل؟ قلتلك كلمها. وكنت تكلّمها بكل لطف، فتقول لك أنا أمك، وأنت بتعاملني كده؟ وتبكي وتشتكي وتقول إننا نجمع عليها. فترجع وتقول لي خلاص، اصبر عليها. أنا صبرت بما يكفي. هذه المرة الكلام لازم يكون واضحًا وصريحًا، من غير لف ولا دوران.
سأفعل.
لمحة نيوز

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *