اتخانقت مع حماتي.. جوزي جِري عليا، ضربني بالقلم
اتخانقت مع حماتي.. جوزي جِري عليا، ضربني بالقلم وهو بيزعق: “اطلعي بره البيت ده!”.. بس اللي مكانوش يعرفوه إن الـ ١٠٠ ألف جنيه اللي بيقبضوهم كل شهر كانت بتطلع من جيبي أنا.. وإن الفيلا دي هي كمان مكتوبة باسمي!
القلم كان قوي لدرجة إن دبلة الجواز جرحت كف إيدي.
لمدة تلات ثواني، الصالة الكبيرة اللي كلها رخام في الفيلا بقت هس سس.. مفيش فيها صوت خالص.
وفجأة، حماتي ابتسمت شماتة
— اطلعي بره البيت ده! — زعق جوزي عادل، ووشه كان مقلوب من الغضب، الغضب اللي عادة بيطلعه بس على الناس اللي شايفهم أقل منه — أنتِ صوتك ميعلاش على أمي في بيتها!
بيتها!
رفعت عيني وبصيت لـ “النجفة” الكريستال الضخمة، والسلم الرخام الأنيق، والأرضيات الإيطالي المستوردة اللي أنا نفسي منقياها، والصورة العائلية الكبيرة اللي متعلقة فوق الدفاية.
في الصورة كنا أنا وعادل وأمه بدرية.
أنا كنت واقفة وراهم بشوية.. كأني خيال مالوش لزمة بس بفلوس كتيرة.
بدرية بدأت تمسح دموع مش موجودة أصلاً بمنديل حرير، وقالت بصوت متهدج ومتمثل صح قوي:
— أنا كل اللي قولتهولها إنها لازم تحمد ربنا.. في ستات بتتجوز وتلاقي عيشة مرتاحة وفجأة بتنسى مقامها وأصلها!
— مقامي؟ — سألتها بصوت واطي جداً.
عادل قرب مني خطوة وقال:
— مش عايزة كلام كتير.
بس أنا خلاص، كنت بدأت ومفيش رجوع.
بعد تلات سنين من الذل والإهانات في عزومات العيلة بتاعة كل يوم حد، والابتسامات المزيفة في الحفلات، وتلقيح الكلام المستمر من بدرية وهي بتفكرني كل شوية إني “محظوظة” عشان عادل بصلني واختارني.. فيه حاجة جوايا أخيراً اتكسرت.
في العصرية دي، بدرية أعلنت قدام ستة من قرايبنا إني مابخلفش، وماليش لزمة، وعايشة عالة على خير ابنها!
الكل وطى رأسه وبصوا في فناجين القهوة.. محدش نطق بكلمة، ولا حتى عادل.
ساعتها أنا ضحكت.
مكانتش ضحكة عالية، ولا عملت مشهد درامي.. كانت ضحكة قصيرة.. باردة.. ومليانة مرار.
وده كان كفاية جداً عشان يقلب الدنيا.
بدرية وقفت في ثواني وحطت إيدها على صدرها زي ممثلات المسلسلات العربي:
— دي بتقل أدبها عليا في بيتي!
وطبعاً عادل جِري زي الأسد يدافع عنها.
ودلوقتي، علامة إيده كانت بتعلم وبتوجع على خدي.
— لمي الهدوم الرخيصة اللي جيتي بيها — قالتها بدرية بقرف — وسيبي الدهب والمجوهرات، وسيبي مفاتيح العربية.. سيبي كل حاجة ابنني دفع تمنها عشانك.
بصيت لها في صمت.
الـ ١٠٠ ألف جنيه اللي كانت بتصرفهم كل شهر على الـ “سبا” والنوادي، والشنط البراند، والسواق الخصوصي.. عمرهم ما طلعوا من جيب عادل
التحويلات آه كانت بتعدي على حسابات شركة جوزي.. بس الفلوس دي كانت فلوسي أنا.. كلها!
وحتى الفيلا اللي بدرية بتسميها “بيت ابنها” مكانتش ملك عادل اصلاً.. دي كانت معملية ومشتراه عن طريق شركة عقارات.. شركتي أنا!
عادل قرب أكتر وزعق:
— أنتِ لسه واقفة مكانك بتعملي إإيه؟
أخدت شنطتي من على الترابيزة اللي عند الباب، وإيدي مكانتش بترتعش:
— واقفة عشان عايزة أفتكر اللحظة دي كويس أوي وبكل تفاصيلها.
بدرية ضحكت بسخرية:
— ليه يا حبيبتي؟ عشان تكتبيها في مذكراتك؟
بصيت في عين عادل مباشرة، ووشه لسه أحمر دم من العصبية: حكايات_على_ابوالدهب
— لا — رديت بكل برود وثقة — عشان المحكمة.
لأول مرة، هما الاتنين سكتوا ومبقاش فيهم نفس.
بس هما لسه مفهموش إيه اللي حصل بالظبط.. لسه مايعرفوش إن القوة الحقيقية للعيلة دي عمرها ما كانت في إيد عادل، ولا في إيد بدرية، ولا حتى في الفيلا دي..
القوة كانت في إيد الست اللي هما لسه طاردينها حالا من بيتها!
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ولفيت ضهري، وخرجت من الباب الكبير قبل ما حد فيهم يستوعب إن اليوم ده مكانش نهاية قصتي أنا..
ده كان يادوب البداية.. لقصتهم هما! سيب لايك وكومنت ب الصلاة على النبي محمد وهرد عليك ب الجزء الثاني فورا♥العربية كانت بتشق الطريق بسرعة، وأحمد سايق كأنه داخل سباق، وعروقه باينة في إيده على الدركسيون.
أنا ماسكة الموبايل في إيدي بإيد بتترعش، وببص على كلمة واحدة بس في دماغي:
“رأس البر”
لو دي شفرة… يبقى مريم فعلًا في خطر.
ولو مش شفرة… يبقى أنا داخلة على وهم كبير هيدمر قلبي.
أحمد بصلي وهو سايق: “يا أمي إحنا رايحين فين بالظبط؟ إحنا كده بندوّخ على الفاضي!”
سكت لحظة، وبعدين قولت بصوت واطي: “مش عارفة… بس اللي شفته في الفيديو مش طبيعي.”
فضل سايق شوية من غير ما يرد، وبعدين قال: “طيب وليه جوزها يقول إنها في قنا وبعدين فجأة نلاقي رأس البر؟”
الكلمة دي خبطت في دماغي كصفعة.
فعلاً… ليه؟
فتحت الفيديو تاني، وقرّبت الصوت على آخره، وركّزت في أي تفصيلة صغيرة.
المرادي لاحظت حاجة ماخدتش بالي منها قبل كده…
في الخلفية… صوت خفيف جدًا… زي موج بحر.
مش جبل… مش صحراء…
ده بحر.
قمت فجأة: “وقف العربية!”
أحمد فرمل: “في إيه؟!”
“اسمع… اسمع الفيديو كويس.”
حط إيده على السمعية وركز.
بعد ثواني وشه اتغير: “ده… ده بحر فعلاً!”
قلبي وقع.
يبقى مريم مش في قنا زي ما قال…
يبقى في مكان تاني خالص.
بس السؤال الأكبر…
ليه الكدب؟
وليه الشفرة؟
في اللحظة دي، موبايل أحمد رن.
رقم غريب.
بصلي: “أرد؟”
هزيت راسي بحذر: “شغّل سبيكر.”
فتح المكالمة.
صوت رجل… هادي زيادة عن اللزوم: “وصلتوا؟”
أحمد اتجمد: “مين معايا؟”
رد الصوت بنفس البرود: “ما تتعبش نفسك. إنتوا قريبين.”
أنا بصيت لأحمد: “إنت تعرفه؟”
هز راسه بسرعة: “لا!”
سكت الصوت ثانيتين، وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
“رأس البر مش مكان… دي بداية الطريق بس.”
المكالمة قفلت.
أحمد بصلي: “إحنا متراقبين؟!”
أنا ما رديتش.
كنت ببص على الطريق قدامي…
العربية اللي وراينا كانت ماشية ببطء شديد.
نفس العربية من ساعة ما طلعنا.
قلت بهدوء مخيف: “من أول الطريق وهو ماشي وراينا.”
أحمد حاول يبص في المراية: “طيب نسرع؟”
قولت: “لا.”
“ليه؟!”
سكت لحظة… وبعدين طلعت البلطة الصغيرة من الشنطة وحطيتها بين رجلي.
أحمد اتصدم: “إنتِ جايباها ليه بقى؟!”
بصيتله: “مش عارفة… بس حاسة إننا داخلين على حاجة مش عادية.”
وفجأة…
المراية الخلفية ضلمت.
العربية اللي كانت ماشية ورانا اختفت.
أحمد: “راحت فين؟!”
قبل ما أجاوب…
نور العربية الأمامي طفى ثواني ورجع تاني.
وفي نفس اللحظة…
لقيت رسالة جاية على الموبايل.
رقم مريم.
فتحتها بإيد تقيلة.
كانت رسالة صوتية قصيرة جدًا…
ضغطت تشغيل.
صوت بنتي…
بس كان فيه رعشة غريبة: “ماما… ما تيجيش لوحدك…”
سكوت.
وبعدين صوت رجالة في الخلفية: “كفاية كده.”
الرسالة قطعت.
أحمد صرخ: “دي مريم فعلاً!”
أنا مسكت الموبايل جامد لدرجة إيدي وجعتني.
بس قبل ما أقول أي حاجة…
العربية اللي قدامنا فجأة نورت فراملها.
وقفت.
وبابها الخلفي اتفتح.
ونور خافت طلع من جوه…
وشخص نزل.
واقف في نص الطريق.
لوحده.
متحركش.
أحمد همس: “ده جاي لنا؟”
أنا فتحت باب العربية بهدوء شديد…
ونزلت خطوة واحدة على الأرض.
الهواء كان تقيل…
والصوت الوحيد هو دقات قلبي.
الشخص اللي قدامنا رفع إيده ببطء…
وشاور لنا.
وبصوت منخفض جدًا وصل لحد عندي قال:
“لو عايزة بنتك… تعالي لوحدك.”
أحمد شدني: “إنتِ مجنونة؟!”
بس أنا كنت خلاص خدت قراري.
سابته وبدأت أمشي ناحية الظل اللي واقف في نص الطريق…
وكل خطوة كنت بخطوها…
كان إحساس واحد بيكبر جوايا:
مريم… لسه عايشة.
لكن اللي مستنيني هناك…
مش مجرد جوز أو بيت في الصعيد…
ده كان فخ متحضّر من بدري جدًا…
ولسه لحد دلوقتي…
أنا ماعرفش أنا داخلة على إيه بالظبط.
الشخص قرب خطوة…
والنور كشف وشه أخيرًا…
وساعتها بس…
اتجمدت في مكاني تمامًا.
لأن اللي واقف قدامي…
كان واحد أعرفه كويس جدًا…
من سنين…
ومفروض إنه ميت.اتسمرت مكاني…
مش قادرة أتنفس.
الوش قدامي كان واضح دلوقتي تحت نور العربية الضعيف…
نفس الملامح اللي كنت فاكرة إنها اختفت من حياتي للأبد.
نفس العينين.
نفس الابتسامة الباردة اللي كانت دايمًا تسبق أي كارثة.
أحمد جري ناحيتي: “في إيه يا أمي؟ ليه وقفتي؟!”
بس أنا ما كنتش سامعاه.
كان في ودني صوت واحد بس:
“ده مش ممكن… ده مات من سنين…”
الشخص رفع إيده تاني، وقال بهدوء مرعب: “فاكرة وعدك يا أم مريم؟”
رجلي خانتني خطوة لورا.
أحمد همس: “إنتوا تعرفوا بعض؟!”
بصيت له من غير ما أرد.
لأ… أنا ما كنتش أعرفه بس…
أنا كنت أعرفه أكتر من اللازم.
ده “سليم”…
أخو جوزي الراحل.
الراجل اللي اتقال إنه مات في حادث في الجبل من 12 سنة.
الراجل اللي حضرنا له عزاء كبير… وأنا بنفسي وقفت أعيط قدام صورته.
ازاي…؟!
سليم ابتسم ابتسامة صغيرة: “فاكرة لما قولتي إنك مش هتسيبي بنتك تتجوز في الصعيد؟”
صوتي خرج مكسور: “إنت… إنت ميت.”
هز راسه: “الناس اللي عايزة تموت حد… بتعرف تكتب نهايته كويس.”
أحمد مسك دراعي: “إنتِ بتتكلمي عن إيه؟!”
لكن قبل ما أرد…
العربية اللي قدامنا نورت فراملها تاني.
ومن جوه…
اتفتح الباب الخلفي بالكامل.
وشفتها.
مريم.
واقفة.
بس شكلها مختلف…
مش نفس البنت اللي في الفيديو.
عيونها كانت مليانة خوف حقيقي.
ومدحت واقف وراها… ماسك دراعها.
وقال بصوت عالي: “خلاص يا مدام… اللعبة خلصت.”
قلبي اتكسر.
مريم صرخت: “ماما متجيش!”
في اللحظة دي…
سليم شاور بإيده.
وفجأة…
أضواء كتير اتولعت حوالينا.
عربيتين… تلاتة… مش فاهمين منين ظهروا.
واتقفلت علينا الطريق.
أحمد: “يا نهار أبيض… إحنا اتلبسنا!”
سليم قرب مني خطوة: “إنتي فاكرة إنك جاية تنقذي بنتك؟”
بصلي ببرود: “إنتي جاية تسلمي الحاجة اللي عندك…”
مسك حاجة صغيرة في إيده…
فلاشة.
وقال: “السر اللي بنتك شافته… هو اللي خلاني أرجع من الموت.”
سكت لحظة…
وبعدين زق الكلمة اللي خلت الأرض تهتز تحت رجليا:
“ومريم مش مخطوفة زي ما إنتي فاكرة…”
“هي اللي فتحت الباب بنفسها.”
وقتها بس…
مريم بصتلي بعينين مليانة دموع وقالت:
“ماما… أنا آسفة… كنت مضطرة…”
الدنيا دارت بيا.
أحمد صرخ: “مضطرة لإيه؟!”
وسليم رد بدلها:
“لإن اللي في الفلاشة دي… لو خرج للنور… هيهد بلد كاملة.”
سكون.
مشيت خطوة لورا وأنا مش مستوعبة.
يبقى كل ده…
مش خيانة.
مش خطف.
ده…
أكبر مننا كلنا.
وسليم رفع الفلاشة وقال: “والنهاردة… إنتي جاية بنفسك تسلميها لينا.”
بصيت لمريم.
وبصيت لأحمد.
وبصيت للعربيات اللي حوالينا.
وبعدين…
مديت إيدي ببطء ناحية البلطة اللي في إيدي.
وقلت بصوت واطي جدًا:
“يبقى الأول… نعرف الحقيقة كاملة.”
وساعتها…
أول عربية نزل منها رجالة.
وابتدوا يقربوا علينا.
والليل…
قفل علينا من كل ناحية.الرجالة قربوا… خطواتهم كانت تقيلة كأن الأرض نفسها بتئن تحتهم.
أحمد وقف قدامي فورًا: “محدش يقرب منها!”
بس صوته كان أضعف من إنه يخوف حد في الليلة دي.
سليم رفع إيده بهدوء: “مافيش داعي للبطولة يا أحمد… الموضوع أكبر من كده بكتير.”
بصيت ناحية مريم… كانت بتترعش، ودموعها بتنزل بصمت، بس مش قادرة تتحرك من مكانها.
مدحت كان ماسك دراعها جامد… بس ملامحه كانت مشوشة، كأنه هو كمان مش فاهم كل حاجة.
قلت بصوت مخنوق: “سيبوا بنتي… وخلّونا نفهم إيه اللي بيحصل.”
سليم ابتسم ابتسامة قصيرة: “هتفهمي… بس مش هنا.”
وفجأة…
صوت طقة خفيفة جت من العربية اللي وراهم.
كل اللي واقفين لفّوا بصوت واحد.
وفي ثانية واحدة…
نور كشافات عربية تانية اتفتح من الجهة المقابلة للطريق.
العربية دي كانت مختلفة.
مفيهاش لوحات واضحة.
مفيهاش أي صوت.
كأنها بتتحرك من غير ما الأرض تحس بيها.
سليم لأول مرة ملامحه اتغيرت: “إيه ده…؟”
الرجالة اللي معاه اتوتروا.
أحمد همس: “يا أمي… إحنا دخلنا في إيه بالظبط؟”
قبل ما أرد…
باب العربية الغريبة اتفتح.
ونزل منها شخص واحد بس.
واقف بهدوء تام.
لا بيجري… ولا مستعجل…
بس حضوره لوحده كان كفاية يخلي الكل يسكت.
سليم رجع خطوة لورا لأول مرة: “إنت…!”
الشخص رفع راسه وقال بصوت ثابت: “قولتلك قبل كده… اللعب على الفلاشة دي ينهيك.”
مريم شهقت: “ده هو…”
مدحت بص عليها: “إنتِ تعرفيه؟!”
هي هزت راسها بخوف: “ده اللي كل مرة كان بيكلمني من رقم غريب… كان بيقول لي أعمل كده عشان أمي تيجي…”
أنا حسيت الأرض بتسحبني.
يعني… بنتي كانت متورطة؟ ولا مخدوعة؟
الشخص قرب خطوة وقال: “سليم مش اللي خطفها…”
بصلي مباشرة:
“إنتي اللي كنتي الهدف من الأول.”
قلبي وقع.
أحمد: “إزاي يعني؟!”
الراجل أشار للفلاشة: “دي مش مجرد بيانات… دي تسجيلات لناس كبار… واسمك إنتي موجود في نصها من غير ما تعرفي.”
سليم صرخ: “إنت كداب!”
بس الراجل رفع عينه له: “لو كنت كداب… مكنتش رجعت من الموت عشان أوقفك.”
سكون مرعب وقع.
ومريم صرخت فجأة: “كفاية بقى! أنا اللي بدأت كل ده!”
كل العيون اتلفتت ليها.
أنا بصيت لها بصدمة: “إنتِ…؟”
دموعها نزلت أكتر: “أنا بس كنت عايزة أطمن عليك… هو قال لي أقولك تيجي رأس البر عشان أفهمك الحقيقة بعيد عنهم…”
مدحت مسك راسه: “يعني أنا كنت مجرد وسيلة؟”
مريم بصت له بوجع: “أنا ماكنتش أعرف إن الموضوع هيكبر كده!”
سليم ضحك ضحكة قصيرة: “كلكم لعبتوا في إيد حد أكبر منكم…”
وبعدين بصلي:
“والدلوقتي… يا مدام… عندك اختيار واحد بس.”
سكت.
الهواء بقى تقيل بشكل يخنق.
“يا إما الفلاشة تخرج للنور…”
“يا إما بنتك تختفي تاني… بس المرة دي للأبد.”
أحمد صرخ: “إنت مجنون!”
لكن أنا…
ماكنتش سامعة غير صوت قلبي.
بصيت لمريم…
بصيت للفلاشة…
وبصيت للراجل اللي نزل من العربية الغريبة…
وبهدوء مخيف…
مديت إيدي وقلت:
“هاتها.”
وساعتها…
كل حاجة وقفت.
حتى الصوت.
وحتى النفس.
لكن قبل ما إيدي توصل للفلاشة…
سليم صرخ فجأة: “استنوا! في حاجة مش محسوبة!”
والظلام حواليّنا…
بدأ يتحرك.الظلام اللي حوالينا ماكنش مجرد ضلمة ليل…
كان بيتحرك.
زي دخان تقيل بيزحف على الأرض بين العربيات والرجالة، وبيقرّب مننا واحد واحد.
أحمد رجع لورا: “إيه ده… في دخان؟ ولا أنا بتخيل؟!”
سليم بص حواليه بقلق لأول مرة: “مش دخان… دي خطة طمس.”
الراجل اللي نازل من العربية الغريبة شد إيده بسرعة: “اتأخرنا… هم وصلوا.”
مريم صرخت: “مين اللي وصل؟! أنا مش فاهمة حاجة!”
وفي اللحظة دي…
صوت صفارات بعيدة بدأ يقرب.
مش صفارات شرطة عادية…
كانت متعددة… ومن اتجاهات مختلفة.
سليم اتجمد: “ده معناه إنهم اتكشفوا…”
مدحت شد مريم ناحيته أكتر: “أنا مش داخل في القرف ده! أنا ماليش دعوة!”
بس مريم دفعت إيده لأول مرة: “سيبني! أنا لازم أتكلم!”
وبصتلي بعينين مليانة دموع وندم: “ماما… أنا غلطت… بس أنا كنت فاكرة إني بحميكي!”
قلبي اتقبض: “تحميني من إيه يا مريم؟!”
قبل ما ترد…
الأرض اهتزت تحت رجلي.
نور قوي ضرب المكان فجأة.
كشافات عربيات جاية بسرعة من كل ناحية.
سليم صرخ: “اتحركوا! دلوقتي!”
الرجالة بدأت تجري في كل اتجاه.
الراجل الغريب مسك الفلاشة في إيده: “مفيش خروج النهاردة…”
ورماها في الهواء!
أنا صرخت: “الفلاشة!”
أحمد جري في نفس اللحظة… وخبط واحد من الرجالة وقع… لكنه مد إيده ولحقها قبل ما تقع على الأرض.
مسكها.
لكن في نفس الثانية…
ضربة جامدة جات له من ورا.
وقع على الأرض وهو بيحاول يحضنها.
أنا جريت ناحيته: “أحمد!”
بس قبل ما أوصل له…
مريم صرخت صرخة مش طبيعية: “ماما ابعدي!”
لفيت.
ولقيت سليم رافع مسدس صغير… وبيشاور ناحيتي مباشرة.
وقتها الزمن وقف.
كل حاجة بقت بطيئة.
صوته طلع هادي بشكل مرعب: “أنا آسف… بس مش هينفع توصلي للفلاشة.”
مريم صرخت: “لاااا!”
وفجأة…
الراجل الغريب ظهر قدامه في لحظة… وضرب إيده.
المسدس طار في الهوا.
اتقلب المشهد كله في ثانية.
الناس اللي جاية من العربيات نزلوا بسرعة… وابتدى اشتباك في نص الطريق.
صوت خبط وجري وصريخ…
والعربيات كشافاتها عاملة دوائر نور بتخبط في بعضها.
أنا واقفة… مش قادرة أتحرك.
أحمد على الأرض بيحاول يقوم.
مريم بتصرخ.
وسليم بيتراجع لورا وهو بيزعق: “إنتوا فاهمين إنكم أنقذتوا حد؟! أنتم كده فتحتم باب مايتقفلش!”
الراجل الغريب قرب منه وقال بهدوء: “الباب اتفتح من زمان… وإنت اللي كنت ماسكه.”
وفي اللحظة دي…
لف ناحيتي.
وقالي جملة واحدة خلت جسمي كله يقشعر:
“بنتك ماكنتش هدف… إنتي اللي كنتي المفتاح.”
سكت ثانية.
وبعدين أكمل:
“والمرة دي… المفتاح خلاص في الإيد.”
وبص ناحية الفلاشة اللي في إيد أحمد.
اللي كان لسه بيزحف بيها على الأرض…
قبل ما يغمى عليه.
أنا صرخت: “أحمد!”
وجريت عليه تاني…
بس قبل ما أوصل…
إيد شدتني من ورا.
بقوة.
وصوت واطي قال في ودني:
“لو عايزة تعيشي وتفهمي الحقيقة كاملة… تيجي معايا دلوقتي… لوحدك.”
لفيت ببطء…
ولقيت مريم واقفة قدامي…
بس المرة دي…
ماكانش في دموع.
كان في قرار.
وقتها بس…
فهمت إن اللي جاي مش إنقاذ بنت…
ده كشف سر عمره سنين.
ومريم قالت بصوت ثابت لأول مرة:
“ماما… ثقي فيا المرة دي.”
والظلام…
ابتدى يقفل علينا من جديد.مريم ماسكة إيدي بقوة… أقوى من أي مرة في حياتها.
بس عينها كانت غريبة… مش خوف بس، كأن فيها حاجة متخزّنة من سنين وبتطلع دلوقتي.
قلت بصوت مبحوح: “إنتِ عايزة مني إيه يا مريم؟”
ردت بهدوء مرعب: “أني أخرجك من هنا… قبل ما يبقوا هما اللي يختاروا نهايتك.”
صوت الاشتباك حواليّنا كان بيزيد… صفارات، صريخ، زجاج بيتكسر، وعربيات بتلف في دوائر جنون.
أحمد كان على الأرض بيحاول يقوم، والفلاشة لسه في إيده.
الراجل الغريب بصلي من بعيد وهو بيزعق: “ما تسمعيش ليها! دي جزء من اللعبة!”
وسليم من الناحية التانية: “هي مش بنتك اللي تعرفيها!”
الاتنين بيتكلموا وكأن كل واحد فيهم بيشدني لنهاية مختلفة.
بس مريم شدّتني خطوة لورا وقالت بسرعة: “مفيش وقت… لو الفلاشة اتفتحت هنا، الكل هيموت… بما فيهم أحمد.”
وقتها قلبي اتقبض.
“إزاي يعني؟!”
ردت وهي بتسحبني ناحية ضلمة جنب الطريق: “اللي في الفلاشة مش مجرد تسجيل… ده كود تشغيل.”
سكتت لحظة كأنها بتبلع غصة: “تشغيل إيه؟”
“تشغيل حاجة متجهزة من سنين… وناس كتير صرفت عمرها تمنعها تشتغل.”
قبل ما أفهم كلمة زيادة…
نور قوي ضرب المكان.
صوت عربيه جيه من بعيد بسرعة مجنونة.
سليم صرخ: “خلاص… هو وصل.”
مريم شدّتني أكتر: “ده اللي كنت خايفة منه.”
العربية وقفت في نص الطريق.
نزل منها شخص واحد.
مش مسلح.
مش بيجري.
بس حضوره خلا كل اللي بيتخانقوا يهدوا فجأة.
حتى صوت الاشتباك قلّ تدريجيًا… كأن حد قفل زرار الصوت.
أحمد همس من الأرض: “ده مين تاني؟”
الشخص ده بص حواليه… وبعدين بص للفلاشة في إيد أحمد.
وقال بهدوء: “أخيرًا رجعت.”
سليم انصدم: “إنت المفروض ميت!”
الراجل ابتسم: “وأنا ميت فعلاً… بس مش جسديًا.”
مريم همست: “ده هو… اللي كان بيكلمني.”
بصيت لها: “يعني إنتِ كنتِ عارفة؟!”
هزت راسها: “مش كله… بس كفاية أعرف إني لو ما جبتكيش هنا، كنتِ هتدخلي بنفسك في قلب الحاجة دي من غير حماية.”
الراجل رفع إيده وقال: “هاتوا الفلاشة.”
أحمد حاول يزحف وراه وهو ماسكها: “لا! دي تخص أمي!”
لكن فجأة…
سليم جري عليه وخطفها منه بسرعة.
وفي ثانية واحدة…
الراجل الغريب صرخ: “ما تفتحهاش هنا!”
لكن سليم كان خلاص فتحها بالفعل…
وصوت خفيف طلع من الفلاشة… زي همسة إلكترونية.
وبعدها…
كل الكشافات اللي حوالينا بدأت ترمش.
العربيات وقفت.
الموبايلات فصلت شبكات.
والهواء نفسه بقى تقيل كأن حاجة اتفكّت.
الراجل اللي كان واقف قال بصوت منخفض جدًا: “كده… الباب اتفتح.”
وفي اللحظة دي…
مريم بصتلي وقالت بصوت مخنوق: “ماما… أنا آسفة… بس خلاص مفيش رجوع.”
ومرة واحدة…
الأرض تحتينا كلها نورت بإضاءة بيضا قوية جدًا…
وكل حاجة اختفت.
لا صوت.
لا عربيات.
لا صراخ.
بس إحساس واحد بس فضل:
إن اللي كان بيحصل طول الليل… ماكنش مطاردة…
ده كان اختبار بداية.
واللي فات… كان مجرد أول خطوة في حاجة أكبر بكتير من أي حد فينا كان متخيلها.الضوء الأبيض كان بيبلع كل حاجة… كأن الدنيا نفسها اتفكّت من مكانها.
آخر حاجة شوفتها قبل ما عيني تقفل كانت مريم… واقفة ثابتة، وبتبصلي نظرة فيها اعتذار وخوف وقرار في نفس الوقت.
وبعدين…
سكون.
—
صحيت على صوت تنفّس تقيل.
فتحت عيني ببطء…
لقيت نفسي قاعدة على أرض ترابية ناشفة، مش على الأسفلت.
مفيش عربيات.
مفيش اشتباك.
مفيش حد.
بس في حاجة واحدة غريبة…
السما كانت صافية جدًا، كأن مفيش ليلة حصلت أصلاً.
قمت مفزوعة: “أحمد؟!”
صوت جالي من ورا حجر كبير: “أنا هنا…”
جريت ناحيته.
لقيته قاعد ماسك راسه، والفلاشة في إيده… بس متشققة من النص.
قلت بلهفة: “إنت كويس؟ حصل إيه؟”
هز راسه: “مش فاكر غير نور أبيض… وبعدها صحيت هنا.”
وقبل ما أكمل كلامي…
لقيت مريم واقفة على بعد خطوات.
بس لوحدها.
مدحت… سليم… الراجل الغريب… كلهم اختفوا.
جريت عليها: “إنتِ كويسة؟ فين كل دول؟!”
مريم بصتلي بهدوء غريب: “مكانهم الحقيقي.”
“يعني إيه؟!”
سكتت لحظة… وبعدين قالت: “إحنا ماكناش في طريق أصلاً يا ماما.”
قلبي اتقبض: “إزاي يعني؟!”
ردت: “اللي حصل كان محاكاة… نسخة كاملة من الواقع… اتعملت عشان تختاروا القرار الصح.”
أحمد وقف بسرعة: “محاكاة إيه؟! إحنا كنا بنموت بجد!”
مريم هزت راسها: “الإحساس كان حقيقي… بس المكان ماكانش حقيقي.”
بصيت حواليّا… الأرض، الصمت، الهواء… كل حاجة كانت شبه حلم تقيل.
قلت بصوت مكسور: “وإنتِ كنتِ عارفة من الأول؟”
مريم نزلت عينها: “أنا دخلت قبلكم المحاكاة… وغلطت مرة… وماتوا بسبب اختياري.”
سكتت.
وبعدين أكملت: “وعشان كده رجعت أكرر الليلة… بس معاكم إنتوا.”
أحمد اتنرفز: “إنتوا مين أصلاً؟!”
مريم رفعت عينها لأول مرة بوضوح كامل: “ناس بتحاول تمنع حاجة أكبر من إنها توصل للأرض.”
مدت إيديها ببطء… وفتحت راحة كفها.
كان فيها قطعة صغيرة من الفلاشة… لكن بتلمع بشكل مش طبيعي.
وقالت: “الجزء ده هو اللي نجينا بيه.”
سألتها: “نجينا؟ من إيه؟”
سكتت ثانية…
وبعدين قالت الجملة اللي خلت جسمي كله يبرد:
“من إننا نكون خرجنا من التجربة… ولسه جواها.”
وفجأة…
الأرض تحتينا اهتزت.
والسماء اللي كانت صافية…
بدأ يظهر فيها تشققات خفيفة زي زجاج بيتكسر من غير صوت.
أحمد بص لفوق: “ده إيه ده؟!”
مريم مسكت إيدي جامد: “لأن في تجربة تانية بدأت… وإحنا لسه جوّاها.”
الضوء بدأ يرجع تاني…
بس المرة دي مش أبيض.
كان أغمق… أعمق…
وكأنه بينادي علينا نرجع لمكان أول ليلة ما بدأت.
ومريم همست: “المرة دي… لازم نختار صح من الأول.”
والنور ابتلعنا تاني.النور ابتلعنا تاني… بس المرة دي كان مختلف.
مش أبيض زي الأول…
كان رمادي تقيل… كأنه غبار بيغطي العين والعقل معًا.
لما فتحت عيني تاني، كنت واقفة في نفس الطريق…
بس النسخة دي منه أقدم… مهجور أكتر… والأشجار حوالين السكة ميتة بشكل غريب، كأنها محروقة من جوه.
أحمد بص حواليه: “إحنا رجعنا تاني؟ ولا دي مرة تانية من نفس الكابوس؟”
مريم كانت واقفة ساكتة… بس إيديها كانت بترتعش.
همست: “دي مش إعادة… دي مستوى أعمق.”
قبل ما أسألها يعني إيه…
صوت جه من السماعة الصغيرة اللي في إيدها فجأة، صوت الراجل الغريب نفسه:
“أهلًا بيكم في النسخة الثانية.”
أحمد صرخ: “إنتوا عايزين مننا إيه بالظبط؟!”
الصوت رد بهدوء: “عايزين الحقيقة… بس المرة دي من غير هروب.”
الهواء حوالينا اتقل.
وفجأة…
العربية اللي كنا فيها ظهرت تاني قدامنا، بس متكسّرة، كأنها خرجت من حادث قديم.
بابها مفتوح.
جوهها شنطة مريم.
نفس الشنطة اللي كانت في بيتها زمان.
قلبت بصدمه: “دي شنطتها… إزاي جت هنا؟”
مريم نزلت عينيها: “لأن كل حاجة هنا مبنية على ذكرياتنا… وأخطر حاجة فينا هي الذكريات اللي بنهرب منها.”
أحمد قرب من العربية بحذر: “طب لو دي ذكريات… يبقى نخرج إزاي؟”
مريم ردت بصوت واطي: “بنواجه الحاجة اللي إحنا خايفين منها.”
سكتت لحظة… وبعدين بصتلي مباشرة: “وإنتِ يا ماما… في حاجة عمرك ما واجهتيها.”
قلبي اتقبض: “إيه هي؟”
قبل ما ترد…
الأرض تحت رجلي اتفتحت كأنها شقّ صغير.
ومن جوه…
طلع صوت بنتي وهي صغيرة… بتعيط.
صوت مريم وهي طفلة.
أحمد رجع خطوة: “ده بيحصل إزاي؟!”
مريم همست وهي بتبص للفتحة: “ده أول يوم سبتيني فيه لوحدي… في المستشفى.”
افتكرت.
اللحظة اللي كنت فاكرة إني نسيتها.
وقتها مريم كانت بتتولد بدري… والدكاترة قالوا لازم أسيبها في الحضّانة… يوم واحد بس…
بس اليوم ده جواها مكملش يوم واحد…
جواها كبر سنين.
الصوت جوه الشق كان بيزيد في العياط.
ومريم بصتلي وقالت: “لو ما دخلتيش دلوقتي… هنفضل محبوسين في الذنب ده للأبد.”
أحمد مسك دراعي: “متدخليش يا أمي، ده مش طبيعي!”
بس أنا ما كنتش بسمعه.
كنت ببص على الصوت… وعلى بنت صغيرة بتعيط جوا ظلمة غريبة.
وخطي خطوة لقدّام.
مريم همست: “آه… كده بنبدأ نفهم اللعبة الحقيقية.”
وقبل ما ألمس الأرض المكسورة…
إيدي مسكها إيد دافئة جدًا.
مريم.
بس المرة دي مش بنتي الكبيرة…
كانت هي الصغيرة.
بتبصلي وبتقول: “ماما… ليه سبتيني؟”
وساعتها…
كل العالم حواليّ وقع في صمت تام.الصمت كان تقيل… لدرجة إني سمعت دقات قلبي كأنها جوا ودني.
مريم الصغيرة ماسكة إيدي… عينيها مليانة عتاب مش مفروض يتقال لطفلة.
أنا حاولت أتكلم، بس صوتي ماطلعش.
“أنا… أنا ما سبتكيش…”
بس الكلمة نفسها كانت ضعيفة، كأنها مش مقتنعة بيا.
مريم الكبيرة وقفت ورايا وقالت بهدوء مخيف: “هنا مفيش كدب… حتى الكدب اللي إحنا مصدقينه.”
أحمد من ورا صرخ: “إنتوا بتقولوا إيه؟ دي طفلة! إزاي بنتك تبقى صغيرة وكبيرة في نفس الوقت؟!”
مريم الصغيرة بصتله بسكوت… وبعدين قالت: “هو مش فاهم… لأنه ماكنش موجود في اللحظة دي.”
بصيت لها: “لحظة إيه؟”
الأرض بدأت تهتز تاني.
والشق اللي طالع منه صوت العياط بدأ يتوسع.
مريم الكبيرة قالت بسرعة: “لو ما دخلتيش اللحظة دي، هيفضل جواكي ذنب مش هيتقفل… وهنفضل محبوسين هنا للأبد.”
مريم الصغيرة شدت إيدي أكتر: “ماما… أنا لسه قاعدة هناك لوحدي… الجو كان وحش… والدكاترة كانوا بيجروا… وإنتي مشيتي.”
دموعي نزلت غصب عني.
افتكرت…
كنت مضطرة أخرج أجيب أوراق… أو أجيب حد… أو أعمل أي حاجة… بس سبتيها ثواني.
ثواني بس…
بس واضح إنها ما كانتش ثواني بالنسبالها.
أحمد همس: “ده مش حقيقي… ده بيستغل إحساسك بالذنب!”
بس مريم الكبيرة قاطعته: “كل اللي هنا حقيقي… بس جواها هي.”
وبصتلي: “لو فضلتِ واقفة، اللحظة دي هتفضل تعيد نفسها للأبد.”
الصوت جوه الشق بدأ يبقى أعلى… مريم الصغيرة بدأت تبكي أكتر.
أنا حسيت إني بتشد ناحيتها غصب عني.
رجلي اتحركت خطوة…
وبعدين خطوة تانية.
مريم الصغيرة رفعت إيديها: “متسبنيش تاني…”
وساعتها… كل حاجة جوايا اتكسرت.
نزلت على الأرض ودخلت الشق.
في لحظة دخول… حسيت بهواء المستشفى…
ريحة مطهرات…
صوت أجهزة…
دكاترة بيجروا.
وبصيت حواليّ…
لقيت نفسي في حضّانة بيضاء… ضوءها قوي.
وهي هناك…
مريم الصغيرة نايمة في سرير زجاجي… بتتنفس بصعوبة.
والباب بيتقفل عليّا من ورا.
وأول ما التفت…
لقيت نفسي تاني بره.
بس المرة دي… مريم الصغيرة كانت واقفة وبتبصلي بهدوء.
مش بتعيط.
بس بتقول: “دلوقتي فهمتِ…”
مريم الكبيرة ابتسمت ابتسامة صغيرة: “أول قفل اتفتح.”
أحمد قرب: “قفل إيه؟ إنتوا بتتكلموا كأنها لعبة مفاتيح!”
مريم الكبيرة رفعت إيدها ناحية السماء.
الشقوق بدأت تزيد… بس المرة دي مش في الأرض…
في الواقع نفسه.
وقالت: “كل ذنب ما يتقفلش… بيعمل باب.”
وبصتلي:
“وده كان أول باب… ولسه في أبواب تانية.”
وفجأة…
صوت الراجل الغريب رجع تاني، بس المرة دي كان أقرب:
“برافو… عدّيتي المرحلة الأولى.”
وبعدين سكت لحظة…
“بس السؤال الحقيقي دلوقتي…”
“مين فيكم هيكون الباب الجاي؟”الكلمة وقعت علينا كأنها حجر تقيل.
“مين فيكم هيكون الباب الجاي؟”
أحمد رجع خطوة لورا: “إيه الكلام ده؟ باب إيه؟ إحنا مش فاهمين حاجة!”
مريم الكبيرة بصّت له بهدوء: “هو فاهم أكتر مما إنت متخيل… بس بيرفض.”
مريم الصغيرة فضلت بصالي بسكوت… كأنها مستنية قرار مش كلام.
الهواء حوالينا بدأ يتغيّر تاني… الأرض اللي تحتينا رجعت تبقى كأنها بتتنفس.
وفجأة…
ظهر قدامنا طريق جديد.
مش نفس الطريق القديم.
ده كان طريق طويل جدًا… نهايته مش باينة، كأنها داخلة في ضباب.
أحمد همس: “إحنا لازم نمشي هناك؟”
مريم الكبيرة ردت: “لو وقفتوا هنا… هتفضلوا محبوسين في أول ذنب طول العمر.”
أنا بصيت للطريق… وبعدين بصيت لمريم الصغيرة.
وسألت بصوت مكسور: “ولو مشينا… هنفقد إيه تاني؟”
سكتت لحظة…
وبعدين قالت: “هتفقدي فكرة إنك تقدر ترجعي قبل الحقيقة.”
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة حصلت.
أحمد بصلي: “يا أمي، إحنا ممكن نخرج دلوقتي ونخلص!”
بس مريم الصغيرة هزت راسها: “مش هتخرجوا غير لما كل واحد فيكم يشوف نفسه من غير أعذار.”
وفجأة…
الأرض بدأت تتحرك تحتنا زي سلم بيظهر تدريجيًا.
أول درجة ظهرت من تحت الرمل.
وبعدين درجة تانية.
مريم الكبيرة قالت: “الطريق ده مش للمشي… ده للمواجهة.”
أول خطوة ظهرت قدامي.
وقبل ما أحط رجلي عليها، سمعت صوت همس من ورايا:
صوتي أنا… بس أصغر.
لفيت…
لقيت نفسي واقفة هناك، أصغر مني بسنين، بتبصلي بخوف: “إنتِ هتمشي وتسيبيني كمان؟”
أحمد اتجمد: “ده بيحصل إزاي…؟!”
مريم الكبيرة ردت بهدوء: “كل خطوة هنا… بتفتح نسخة من اللي جواكم.”
النسخة الصغيرة مني قربت خطوة: “إنتِ دايمًا بتمشي وتسيبيني أواجه لوحدي.”
قلبي اتقبض.
أنا مش بس في تجربة…
أنا جوا نفسي.
أحمد شد دراعي: “ما تسمعيش الكلام ده!”
بس النسخة الصغيرة منه كمان ظهرت وراه… بتبصله بغضب: “وإنت كمان دايمًا بتجري ورا غضبك بدل ما تفكر!”
الطريق بدأ يبان أكتر…
وكل واحد فينا كان بيواجه نسخة منه هو.
مريم الصغيرة بصتلي وقالت: “لو مشيتي الخطوة دي… مش هتكوني نفس الشخص اللي بدأ.”
وسكتت لحظة…
“بس ممكن تبقي أخف.”
سكون.
أنا بصيت للطريق.
بصيت لنفسي الصغيرة.
بصيت لأحمد.
وبعدين أخدت نفس عميق…
ووضعت رجلي على أول درجة.
وفي اللحظة دي…
كل النسخ بدأت تصرخ مع بعض.
والطريق كله فتح قدامنا مرة واحدة…
كأنه بيقول:
“لأول مرة… إنتوا ماشيين جوا نفسكم بجد.”