في اللحظة اللي طلاقي حكايات ميرااا
في اللحظة اللي طلاقي بقى رسمي… ألغيت كارت حماتي البنكي. وقبل ما الشمس تطلع، طليقي كان بيحاول يقتحم بيتي… من غير ما يعرف إنه بعد دقائق هيكشف السر اللي استخبى ورا جوازنا سنين.
الكارت اللي بطل يشتغل أخيرًا
صباح اليوم اللي بقى فيه طلاقي رسمي، عملت حاجة بسيطة جدًا.
لغيت كارت بنكي.
مش الكارت الشخصي بتاعي… ولا كارت للطوارئ.
كان كارت فاخر كانت حماتي السابقة، أمينة, بتستخدمه من سنين، وكأن فلوسي جزء من ميراث عيلتهم.
خلال خمس سنين جواز، كانت أمينة تعاملني كإني ضيفة في بيتي… لكن عمرها ما اعتبرت حسابي البنكي غريب عنها.
شنط ماركات عالمية… أيام سبا فاخرة… تذاكر طيران درجة أولى… عزومات في أغلى المطاعم… دهب ومجوهرات كانت بتسميها “تقاليد العيلة”، رغم إن اللي كان بيدفع في هدوء كنت أنا.
ولما القاضي وقّع على أوراق الطلاق في محكمة القاهرة، وبقى جوازي من كريم رسميًا من الماضي، رجعت بيتي، فتحت اللابتوب، وشلت اسم أمينة من كل الحسابات والكروت المرتبطة باسمي.
افتكرت إنها نهاية هادئة ونظيفة.
لكن كنت غلطانة.
في نفس الليلة، موبايلي رن.
كريم.
كدت أتجاهل المكالمة، لكن جزء جوايا كان عايز يسمع آخر صدى للحرية.
رديت.
قال وهو بيزعق:
“إنتِ عملتي إيه يا ندى؟! أمي اتفضحت قدام الناس كلها!”
كنت واقفة في المطبخ، ماسكة فنجان قهوة، وببص من الشباك على أنوار المدينة.
قلت بهدوء:
“هتضطر توضح أكتر.”
رد بعصبية:
“كانت بتزايد على عقد ألماس من كارتييه في مزاد خيري… بخمسين ألف دولار… والكارت اترفض قدام القاعة كلها!”
ولأول مرة من سنين…
ابتسمت من غير أي إحساس بالذنب.
قلت:
“يبقى كان المفروض تدفع بكارتها هي.”
ساد صمت قصير.
وبعدين خفّض كريم صوته، بنفس الطريقة اللي كان دايمًا بيعملها لما يحب يهدد من غير ما يبان إنه منفعل.
قال:
“ندى… ماتفتحيش حرب إنتِ مش قدها.”
حطيت فنجان القهوة على الرخامة.
وقلت:
“يا كريم… الحرب انتهت الصبح. إنت بس لسه ما استوعبتش إنك خسرت حق الوصول.”
وقفلت المكالمة.
وبلوك.
ونمت أحسن نومة نمتها من شهور.
لحد الساعة 6:39 صباحًا.
صحيت على صوت عمر أي حد ما يتمنى يسمعه جوا بيته.
صوت شنيور.
مش خبط على الباب.
ولا جرس.
شنيور بيحفر في كالون باب شقتي.
—
الصبح اللي اختار فيه الباب الغلط
قلبي كان هيقف.
مسكت موبايلي بسرعة وفتحت كاميرات المراقبة.
كان واقف قدام الباب.
كريم.
لابس بدلة كحلي، شعره متظبط، لكن وشه مليان ذعر بيحاول يداريه.
وبجانبه كانت أمينة، لابسة بالطو كريمي، والغضب باين في عينيها، ولسه بتتصرف كأنها هي الضحية.
وأمامهم…
أسطى مفاتيح راكع قدام الباب.
كريم أشار ناحية الكالون وقال بحزم:
“افتحه… مراتي السابقة مش في حالتها الطبيعية. ممكن تعمل في نفسها حاجة. لازم ندخل حالًا.”
يتبع…
في اللحظة اللي طلاقي بقى رسمي… ألغيت كارت حماتي البنكي. وقبل ما الشمس تطلع، طليقي كان بيحاول يقتحم بيتي… من غير ما يعرف إنه بعد دقائق هيكشف السر اللي استخبى ورا جوازنا سنين.
#حكايات_ميراااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل في أول تعليق 👇♥️
الأسطى رفع رأسه بتردد وقال:
“يا باشا… حتى لو كانت مراتك، دلوقتي هي مطلقتك. أنا مقدرش أكسر باب من غير محضر أو إذن.”
أمينة صاحت بانفعال:
“إحنا عيلتها! والبيت ده اتصرف عليه من فلوس ابني!”
وأنا كنت لسه بتفرج عليهم من شاشة الموبايل.
بهدوء شديد…
اتصلت بالنجدة.
قلت عنواني، وشرحت إن فيه محاولة اقتحام موثقة بالكاميرات.
وخلال أقل من عشر دقائق…
وصلت أول عربية شرطة.
أول ما الضابط نزل، كريم جري ناحيته بسرعة.
“حضرة الظابط… دي مراتي السابقة. حالتها النفسية تعبانة جدًا، وإحنا خايفين عليها.”
الضابط بص للباب.
وبعدين بص لكريم.
وسأل:
“حضرتك ساكن هنا؟”
“…لا.”
“البيت باسمك؟”
“…لا.”
“يبقى على أي أساس بتحاول تفتح الباب؟”
كريم اتلعثم.
قبل ما يرد…
فتحت أنا الباب.
وقفت بهدوء، لابسة روب البيت، وفي إيدي الموبايل.
قلت للضابط:
“صباح الخير يا فندم.”
وبعدين وريته تسجيل الكاميرات.
الصوت والصورة.
كريم وهو بيقول للأسطى:
“افتحه بأي طريقة.”
الضابط وشه اتغير فورًا.
بص للأسطى.
“مين طلب منك تكسر الباب؟”
الراجل أشار على كريم بسرعة.
“هو يا باشا… وأنا كنت رافض.”
أمينة حاولت تتدخل.
“إحنا أهل…”
لكن الضابط قاطعها بحزم:
“بعد الطلاق مفيش حد له حق يدخل الشقة دي غصب.”
كنت فاكرة إن الموضوع انتهى.
لكن اللي حصل بعد كده…
كان بداية الكارثة الحقيقية.
لأن في لحظة عصبية…
كريم صرخ وهو بيشاور عليّ:
“هي فاكرة إنها تقدر تمنعنا؟! ده كل اللي معاها أصلًا من فلوسنا… والشركة باسمها مؤقتًا بس!”
سكت.
وأول ما الكلمة خرجت من بقه…
عرف إنه غلط.
الضابط رفع حاجبه.
“شركة إيه؟”
وأنا…
بصيت لكريم لأول مرة بابتسامة واثقة.
لأن السر اللي فضل مستخبي خمس سنين…
بدأ هو بنفسه يكشفه.
يتبع…ندى أخدت نفسًا هادئًا، ثم قالت للضابط:
“ممكن أسأله سؤال واحد بس؟”
أومأ الضابط برأسه.
بصت لكريم وقالت:
“قول تاني… الشركة باسم مين؟”
اتجمد كريم.
أمينة شدته من دراعه وهمست:
“اسكت.”
لكن كان خلاص.
الكلمة خرجت.
قال وهو يحاول يصلح الموقف:
“أنا قصدي… كانت باسمها علشان الضرائب.”
ابتسمت ندى.
“لأ… مش علشان الضرائب.”
ثم دخلت الشقة، ورجعت بعد أقل من دقيقة وهي ماسكة ملف أزرق.
ناولته للضابط.
“دي السجلات التجارية، والعقود، وكشوف التحويلات.”
الضابط قلب أول ورقة…
ثم الثانية…
ثم الثالثة.
كل ورقة كانت بتأكد نفس الحقيقة.
اسم المالك الوحيد…
ندى.
أما كريم…
فكان مجرد مدير تنفيذي بعقد عمل.
وشه اصفر فجأة.
أمينة خطفت الملف من إيد الضابط وهي بتصرخ:
“ده مستحيل!”
لكنها أول ما شافت التوقيعات والأختام الرسمية…
إيديها بدأت ترتعش.
ندى قالت بهدوء:
“فاكر يا كريم لما قلتلي زمان إن تسجيل الشركة باسمي هيكون إجراء مؤقت لحد ما مشاكلك الضريبية تخلص؟”
هز رأسه من غير كلام.
“وأنا وثقت فيك… لكن اللي ماكنتش تعرفه إن المحامي أصر يضيف بند واضح جدًا.”
“أي بند؟”
“إن أي نقل للملكية لازم يتم بموافقتي أنا شخصيًا.”
ساد صمت ثقيل.
ثم أخرجت ندى ورقة أخيرة من الملف.
وقالت:
“وأنت طول خمس سنين… ولا مرة طلبت تنقل الملكية.”
كريم همس بصوت مكسور:
“يعني… الشركة كلها…”
“أيوه… قانونًا هي ملكي بالكامل.”
أمينة صرخت بانهيار:
“إحنا صرفنا عمرنا فيها!”
ندى ردت بثبات:
“لا… أنتم صرفتم من أرباحها. أما رأس المال، والقروض، والمخاطرة… فكانت كلها باسمي.”
وفي تلك اللحظة…
رن هاتف ندى.
نظرت إلى الشاشة.
كان المتصل…
مدير البنك.
ابتسمت وردت:
“أيوه يا أستاذ حسام.”
جاءها الرد الذي غيّر ملامح الجميع:
“يا فندم، تم تنفيذ طلب حضرتك بالكامل… وتم تجميد جميع صلاحيات الأستاذ كريم على حسابات الشركة، وأصبح التوقيع الوحيد المعتمد هو توقيع حضرتك.”
سقط الهاتف من يد كريم…
لأنه أدرك أخيرًا أن خسارته لم تكن زوجته فقط…
بل الإمبراطورية التي عاش سنوات يظن أنها ملكه.
يتبع…سادت لحظة صمت…
صمت تقيل لدرجة إن أمينة كانت سامعة أنفاس ابنها وهو بيحاول يستوعب اللي حصل.
كريم بص لندى بعينين مليانين صدمة.
وقال بصوت مرتجف:
“إنتِ خططتي لكل ده؟”
ندى هزت رأسها بهدوء.
“لا… أنا بس بطلت أصلح أخطاءك.”
وفجأة…
رن موبايل كريم.
المتصل كان المدير المالي للشركة.
رد بسرعة.
“أيوه… خير؟”
لكن ملامحه اتغيرت في ثواني.
“إيه؟!”
كل اللي حواليه سمعوا صوته وهو بيصرخ:
“مين قال توقفوا التحويلات؟!”
جاله الرد من الطرف التاني:
“الأستاذة ندى باعت قرار رسمي النهارده الصبح، باعتبارها المالكة الوحيدة للشركة. وكل البنوك اعتمدته.”
بدأ العرق ينزل من جبينه.
“طيب… المرتبات؟”
“مش هتطلع غير بعد اعتمادها.”
“والعقود الجديدة؟”
“متوقفة.”
“والموردين؟”
“كلهم مستنيين توقيعها.”
قفل المكالمة وهو حاسس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
أمينة قربت منه وهمست:
“قولها تتنازل… دي أكيد لسه بتحبك.”
ندى ضحكت لأول مرة.
ضحكة قصيرة…
لكن كانت كفاية توجعهم أكتر من أي كلمة.
وقالت:
“الحب اللي كنتوا بتستغلوه خلص يوم ما بقيتوا تعتبروا تعبي حق مكتسب ليكم.”
وفي اللحظة دي…
وصلت عربية سوداء ووقفت قدام العمارة.
نزل منها رجل في الخمسينات، أنيق جدًا، وما إن شافته ندى حتى ابتسمت وقالت:
“أهلًا يا أستاذ فؤاد.”
كريم اتجمد.
كان يعرف الرجل جيدًا.
إنه المحامي اللي أسس الشركة من أول يوم.
اقترب المحامي، سلّم على الضابط، ثم أخرج ظرفًا مختومًا وقال:
“كنت مستني اليوم ده من خمس سنين.”
فتح الظرف، وأخرج مستندًا رسميًا.
ثم قال بهدوء:
“ده خطاب كان موصى بعدم تسليمه إلا إذا تم الطلاق رسميًا.”
نظر كريم للمستند، وبدأت يداه ترتعشان…
لأنه عرف التوقيع الموجود أسفل الصفحة.
توقيع الشخص الوحيد الذي كان يظن أنه مات دون أن يترك شيئًا…
والده.
يتبع…كريم خطف الورقة من إيد المحامي وهو بيقول بانفعال:
“مستحيل… أبويا مات من سبع سنين!”
المحامي رد بهدوء:
“وده صحيح. لكن قبل وفاته بشهر، حضر عندي بنفسه ووقّع على الوصية دي.”
فتح كريم الورقة بسرعة.
كانت أول جملة فيها:
“إذا وصلتك هذه الرسالة، فمعنى ذلك أنك خسرت زوجتك بسبب نفسك.”
تجمد مكانه.
أما أمينة فبدأت تتوتر وهي تحاول تشوف باقي الكلام.
أكمل المحامي القراءة:
“يا كريم… أنا كنت شايف طمع أمك، وشايف إن ندى هي الوحيدة اللي كانت بتحافظ على الشركة بجد. علشان كده سجّلت كل الأصول باسمها، ورفضت أي تعديل إلا بموافقتها الكاملة.”
شهقت أمينة.
“كدب! هو عمره ما يعمل كده!”
المحامي أخرج نسخة موثقة من التوكيل والعقود.
وقال:
“كلها موثقة ومسجلة رسميًا.”
في تلك اللحظة، نظر الضابط إلى كريم وقال:
“واضح إن الموضوع مدني، لكن محاولة اقتحام الشقة موثقة، ولازم تتفضلوا معانا لتحرير المحضر.”
أمينة حاولت تعترض.
لكن كريم رفع إيده يمنعها.
لأول مرة…
كان ساكت.
نظر إلى ندى طويلًا وقال بصوت مكسور:
“لو رجع بيا الزمن… كنت هختارك إنتِ.”
ندى ابتسمت ابتسامة هادئة، لكنها خالية تمامًا من الحنين.
وقالت:
“الزمن رجعلك فرص كتير وإحنا متجوزين… لكن كل مرة كنت بتختار مصلحة أمك.”
استدار الضابط، وأشار لكريم وأمينة أن يرافقاه.
وأثناء نزولهم السلم، التفت كريم مرة أخيرة إلى باب الشقة.
الباب الذي حاول كسره قبل دقائق…
أصبح رمزًا لحياة لن يدخلها مرة أخرى أبدًا.
أغلقت ندى الباب بهدوء.
ثم نظرت إلى الملف الموجود على الطاولة.
كان أول يوم منذ سنوات تشعر فيه أن كل شيء أصبح في مكانه الصحيح.
تمت.انتهت القصة السابقة نهاية مكتملة، وأي تكملة بعدها ستكون أحداثًا جديدة وليست استمرارًا للأصل.
إذا حابة تمديها بجزء إضافي، فده ممكن يكون بالشكل ده:
—
مرّت ثلاثة أشهر…
كانت ندى واقفة قدام المبنى الرئيسي للشركة، والموظفين بيصفقوا بعد إعلان أول أرباح حقيقية من سنين.
من يوم ما استلمت الإدارة بنفسها، اكتشفت عقودًا وهمية، ومصاريف شخصية كانت بتتسجل على حساب الشركة، ومكافآت بالملايين كانت بتخرج من غير أي مبرر.
كل ده وقف.
وأول قرار أخدته…
إنها ترد لكل موظف اتظلم حقه.
في نفس الوقت…
كان كريم قاعد في شقة إيجار صغيرة، بيبص في شاشة موبايله.
كل يوم يفتح أخبار الشركة.
كل يوم يشوف نجاح جديد.
وكل يوم يفتكر إنه كان يملك كل ده…
ثم خسره بيده.
رن جرس الباب.
فتح.
تفاجأ برجل يسلمه ظرفًا رسميًا.
فتح الظرف بسرعة.
كان إشعارًا من المحكمة.
ندى رفعت دعوى جديدة.
لكنها ما كانتش دعوى انتقام.
كانت دعوى لاسترداد ملايين الجنيهات اللي أثبتت التحقيقات إنها اتصرفت من حسابات الشركة على رحلات، ومجوهرات، ومشتريات شخصية باسم كريم وأمينة.
جلس كريم على الكرسي منهارًا.
همس لنفسه:
“كل مرة كنت فاكر إنها هتسامح… وهي كانت بس بتجمع الأدلة.”
وفي الجهة الأخرى…
وقفت ندى أمام نافذة مكتبها، وأغلقت الملف الأخير.
ابتسمت لأول مرة منذ سنوات.
ليس لأنها انتصرت على كريم…
بل لأنها أخيرًا انتصرت لنفسها.بعد أسبوعين…
امتلأت قاعة المحكمة بالمحامين والمحاسبين وخبراء الجهاز المالي.
لم تكن القض*ية سهلة كما توقع الجميع.
لأن محامي كريم دخل بثقة وقال:
“موكلنا لا ينكر استخدام الأموال، لكنه كان يفعل ذلك بعلم زوجته، ولم يختلس شيئًا.”
التفتت الأنظار إلى ندى.
وقفت بهدوء.
ثم قالت للقاضي:
“عندي شاهد واحد فقط.”
همس الحاضرون باستغراب.
شاهد واحد في قض*ية فيها آلاف المستندات؟
فتح الحاجب الباب…
ودخل رجل مسن يحمل حقيبة جلدية قديمة.
توقفت أمينة عن التنفس للحظة.
عرفته فورًا.
كان عم عادل…
المحاسب الذي عمل مع والد كريم أكثر من عشرين سنة، ثم اختفى فجأة بعد وفاته.
اقترب من منصة الشهود، وأخرج من حقيبته دفاتر حسابات ورقية.
وقال:
“قبل وفاة الحاج محمود، طلب مني أحتفظ بالنسخ الأصلية خارج الشركة، وقال: لو حصل أي خلاف يومًا، سلّمها للمحكمة.”
بدأ القاضي يقلب الدفاتر.
كل عملية سحب كانت مكتوبة.
كل تحويل.
كل فاتورة.
حتى مشتريات المجوهرات والسفر.
وبجوار كل بند…
كان مكتوب بخط واضح:
“مصروف شخصي… لا يخص الشركة.”
ساد الصمت.
ثم رفع القاضي نظره إلى كريم.
“هل لديك ما يثبت عكس ذلك؟”
خفض كريم رأسه.
ولأول مرة منذ بدء الق*ضية…
لم يجد كلمة واحدة يقولها.
أما أمينة، فجلست على المقعد وهي تدرك أن السنوات التي عاشتها وهي تعتبر أموال الشركة ملكًا للعائلة، انتهت داخل هذه القاعة.
خرجت ندى من المحكمة دون أن تلتفت خلفها.
كانت السماء تمطر مطرًا خفيفًا.
رفعت وجهها للأعلى، وأغمضت عينيها للحظة.
شعرت أن الحمل الذي حملته سنوات… بدأ أخيرًا يزول.
لكنها لم تكن تعرف…
أن هناك شخصًا كان يراقب كل ما حدث من بعيد، ممسكًا بملف قديم يحمل اسم والد كريم، ويهمس:
“لسه في سر واحد… محدش عرفه.”الرجل أغلق الملف ببطء…
ثم نظر إلى صورة قديمة كانت مثبتة على الغلاف.
الصورة كانت لوالد كريم وهو يقف أمام أول مقر للشركة، وبجواره شابة صغيرة تبتسم.
لم تكن أمينة.
ولم تكن ندى.
قال الرجل بصوت خافت:
“آن الأوان تظهر الحقيقة.”
في اليوم التالي…
كانت ندى في مكتبها تراجع بعض العقود، عندما أخبرتها السكرتيرة:
“في راجل كبير برّه، بيقول إن عنده أمانة لازم يسلمها لحضرتك بنفسه.”
سمحت له بالدخول.
دخل الرجل، ووضع الملف على المكتب.
وقال:
“أنا اسمي عادل… وكنت الصديق الأقرب للحاج محمود.”
ثم دفع الملف نحوها.
“أبوكِ في القانون كان عارف إن اليوم ده هييجي.”
فتحت ندى الملف.
في الصفحة الأولى كانت رسالة بخط يد الحاج محمود.
“يا ندى… لو بتقري الرسالة دي، يبقى انتي حافظتي على الشركة زي ما كنت واثق. لكن لسه في حاجة لازم تعرفيها.”
توقفت ندى عن القراءة للحظة.
أكملت:
“قبل وفاتي، اكتشفت إن أمينة كانت بتستغل اسم العائلة في ديون وضمانات أنا معرفتش بيها إلا متأخر. قدرت ألغي معظمها… لكن في ملف واحد اختفى.”
رفعت ندى رأسها.
“ملف إيه؟”
أجاب عادل:
“ملف ملكية قطعة أرض كبيرة على أطراف القاهرة. قيمتها النهارده بالملايين.”
وقبل أن تنطق بأي كلمة…
رن هاتفها.
كان مدير الشؤون القانونية.
قال بصوت متوتر:
“أستاذة ندى… في ناس وصلوا الأرض ومعاهم عقود بيقولوا إنها ملكهم، وعايزين يستلموها النهارده.”
نظرت ندى إلى عادل.
فقال بهدوء:
“واضح إنهم عرفوا إن الملف ظهر.”
أغلقت الهاتف، وأخذت الملف في يدها.
كانت تدرك أن معركة الطلاق انتهت…
لكن معركة الحفاظ على إرث الشركة بدأت للتو.وصلت ندى إلى قطعة الأرض قبل الظهر.
وجدت مجموعة من الرجال يقفون عند البوابة، وبرفقتهم محامٍ يحمل ملفًا سميكًا.
ما إن رأوها حتى تقدم المحامي وقال بثقة:
“حضرتك الأستاذة ندى؟”
“أيوه.”
أخرج عقدًا وقال:
“إحنا اشترينا الأرض دي بعقد موثق من أربع سنين.”
أخذت ندى العقد، وبدأت تقلب صفحاته.
ثم توقفت فجأة.
الاسم المكتوب كبائع…
لم يكن والد كريم.
ولم يكن الشركة.
كان اسم كريم نفسه.
رفعت رأسها وقالت بهدوء:
“إزاي باع أرض عمرها ما كانت باسمه؟”
ساد الصمت.
نظر المحامي إلى موكليه باستغراب، ثم أعاد مراجعة الأوراق.
وفي تلك اللحظة وصل عادل، يحمل صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
قال:
“كنت مستني اللحظة دي.”
فتح الصندوق أمام الجميع.
كان بداخله أصل سند الملكية القديم، وخريطة مساحية، وتوكيل رسمي يعود إلى أكثر من عشرين عامًا.
ناولها للمحامي.
قرأها لدقائق، ثم تغيرت ملامحه تمامًا.
قال لموكليه:
“لازم ننسحب… دلوقتي.”
أحد الرجال صاح:
“يعني إيه ننسحب؟ دفعنا ملايين!”
رد المحامي وهو يغلق الملف:
“لأن اللي باع لكم ما كانش يملك حق البيع من الأساس.”
في تلك اللحظة…
وصلت سيارة سوداء، ونزل منها كريم.
كان يبدو مرهقًا، وكأنه لم ينم منذ أيام.
اقترب ببطء من ندى وقال:
“أنا ما كنتش أعرف إن الأرض مش باسمي.”
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:
“يمكن… لكنك وقعت على عقد بيع وأخذت ثمنها.”
خفض رأسه.
ولأول مرة، لم يحاول الدفاع عن نفسه.
أخرج من جيبه شيكًا مصرفيًا.
“ده كل اللي باقي من الفلوس… والباقي هسدده حتى لو فضلت سنين.”
نظرت ندى إلى الشيك، ثم أعادته إليه.
وقالت:
“الفلوس هترجع بالقانون… مش بالشفقة.”
ثم استدارت وغادرت.
وقف كريم يشاهدها وهي تبتعد، وأدرك أن أكثر شيء خسره لم يكن الشركة ولا الأرض…
بل ثقة إنسانة وقفت بجانبه يومًا، بينما كان هو يهدم كل ما بنته بيديه.مرّت ستة أشهر…
وأصبحت قض*ية الأرض حديث الجميع.
لم تعد مجرد نزاع على ملكية قطعة أرض، بل تحولت إلى تحقيق واسع كشف شبكة من العقود المزورة والوسطاء الذين استغلوا اسم الشركة لسنوات.
وفي صباح هادئ…
تلقت ندى اتصالًا من المحامي فؤاد.
قال بصوت جاد:
“في خبر لازم تعرفيه بنفسك… المحكمة أنهت تقرير الخبير.”
سألته:
“والنتيجة؟”
رد:
“كل العقود اللي اتباعت باسم كريم باطلة… لكن في مفاجأة.”
عقدت حاجبيها.
“إيه هي؟”
“الخبير اكتشف إن في حساب بنكي قديم باسم الشركة، محدش لمسه من أكتر من عشر سنين.”
ذهبت ندى معه إلى البنك.
أخرج الموظف صندوق ودائع صغيرًا، بعد أن أثبتت هويتها بصفتها المالكة القانونية.
فتحت الصندوق ببطء…
لم تجد أموالًا ولا مجوهرات.
وجدت دفترًا صغيرًا، ومفتاحًا قديمًا، ورسالة.
فتحت الرسالة.
كان والد كريم قد كتب فيها:
“الثروة الحقيقية مش اللي في الحسابات… الثروة هي السمعة. لو وصلتي للرسالة دي، فمعناه إنك حافظتي على الاتنين.”
أغلقت ندى الرسالة وهي تشعر بالامتنان.
ثم سألت موظف البنك عن المفتاح.
ابتسم وقال:
“ده مفتاح خزنة تانية… في فرع الإسكندرية.”
نظر إليها المحامي وقال:
“واضح إن الحاج محمود كان بيخطط لكل حاجة.”
ابتسمت ندى للمرة الأولى منذ شهور.
لكنها قالت:
“مهما كان اللي في الخزنة… أنا مش هدور على كنز.”
رد المحامي:
“وأنا متأكد إن ده بالضبط السبب اللي خلاه يثق فيكي.”
خرجا من البنك، بينما كانت الشمس تميل إلى الغروب.
وفي مكان آخر…
كان كريم يقرأ خبر الحكم النهائي على هاتفه.
أغلق الشاشة، ثم همس لنفسه:
“بعض الخسائر… بتبدأ يوم الإنسان يستهين بأقرب الناس ليه.”
النهاية.القصة وصلت إلى نهاية طبيعية، وأي “تكملة” بعدها ستكون قصة جديدة بالكامل. وإذا حابة تخليها مفتوحة، فده ممكن يكون فصل أخير إضافي:
—
بعد عام كامل…
لم تعد ندى تُعرف بأنها “طليقة كريم”.
أصبحت تُعرف بأنها سيدة الأعمال التي أعادت بناء الشركة من الصفر.
في صباح أحد الأيام، دخلت إلى مكتبها، فوجدت ظرفًا أبيض على مكتبها دون اسم مرسل.
فتحته بحذر.
كانت بداخله ورقة واحدة.
مكتوب فيها:
> “فيه شخص من الماضي عايز يقابلك… لأن عنده الحقيقة اللي ما اتقالتش في المحكمة.”
وفي أسفل الورقة…
عنوان ومَوعد.
ترددت للحظات، ثم قررت الذهاب.
وصلت إلى منزل قديم على أطراف المدينة.
فتح الباب رجل تجاوز السبعين من عمره.
نظر إليها طويلًا وقال:
“أنا كنت الشريك الأول للحاج محمود… وفي حاجة فضلت مستخبية عن الكل.”
جلسا في غرفة بسيطة.
أخرج الرجل صورة قديمة للشركة يوم افتتاحها.
وأشار إلى شاب يقف في آخر الصورة.
“تعرفي ده مين؟”
هزت ندى رأسها.
قال:
“ده كريم… لكنه وقتها ما كانش وريث الشركة.”
اتسعت عيناها.
“إزاي؟”
تنهد الرجل وقال:
“لأن الشركة من البداية كانت ملكًا لثلاثة شركاء، والحاج محمود اشترى حصصهم كلها بعد سنين. لكنه عمره ما حب يحكي لحد تفاصيل البدايات، لأنه كان شايف إن قيمة الشركة في تعب أصحابها، مش في اسم اللي ورثها.”
سكت لحظة، ثم ابتسم.
“وفي الآخر… اللي حافظ على التعب هو اللي استحق يكمل الطريق.”
خرجت ندى من المنزل وهي تشعر أن كل الأسئلة التي كانت تطاردها لم تعد مهمة.
فبعض الأسرار لا تغيّر المستقبل…
بل تفسّر الماضي فقط.
تمت القصة.ممكن أكملها كقصة جديدة بنفس الشخصيات:
—
بعد ثلاثة أيام…
كانت ندى في مكتبها عندما دخلت السكرتيرة وهي تبدو متوترة.
“أستاذة ندى… في سيدة بره مُصرة تقابلك.”
“مين؟”
“بتقول إن اسمها… سعاد.”
الاسم لم يكن يعني لندى شيئًا.
سمحت لها بالدخول.
دخلت امرأة في أوائل الستينيات، ملامحها هادئة لكنها مرهقة، وفي يدها حقيبة جلدية قديمة.
جلست دون أن تنطق.
ثم وضعت الحقيبة على المكتب.
وقالت:
“أنا جاية أصلح غلطة عمرها ثلاثين سنة.”
فتحت الحقيبة.
وأخرجت دفترًا قديمًا، وعقدًا، وصورة.
الصورة كانت تجمع الحاج محمود… وسعاد… وطفلًا صغيرًا.
تجمدت ندى.
“مين الطفل ده؟”
تنهدت سعاد وقالت:
“ده كريم.”
اتسعت عينا ندى.
“وأنا… أمه الحقيقية.”
ساد الصمت في المكتب.
كان الصمت أثقل من أي كلمة.
قالت ندى بصوت منخفض:
“إزاي؟”
مسحت سعاد دمعة سقطت من عينها.
“أمينة ما كانتش بتخلف… وبعد وفاة أختي، الحاج محمود طلب مني أسيب كريم يعيش معاهم، وقال إنه هيكون ابنه رسميًا وهيعيش أحسن حياة.”
“وأمينة وافقت؟”
ابتسمت سعاد بحزن.
“وافقت… بشرط إن محدش يعرف الحقيقة أبدًا.”
ثم أخرجت شهادة الميلاد القديمة، وأوراق التبني القانونية التي كانت محفوظة طوال تلك السنوات.
قالت:
“أنا ما جيتش أطالب بحاجة… لا فلوس ولا ميراث.”
“أمال ليه جيتي؟”
أخذت نفسًا طويلًا.
“لأن كريم هيعرف الحقيقة من غيري خلال أيام… وفي ناس ناوية تستغلها علشان يطعنوا في كل أحكام المحكمة.”
في تلك اللحظة…
رن هاتف ندى.
كان المحامي فؤاد.
ردت بسرعة.
جاءها صوته المتوتر:
“ندى… لازم تيجي حالًا.”
“خير؟”
“في حد قدم التماس جديد للمحكمة… وبيحاول يبطل كل العقود القديمة باستخدام مستندات ظهرت فجأة.”
نظرت ندى إلى الأوراق الموجودة أمامها…
ثم إلى سعاد.
وأدركت أن الماضي…
لم ينتهِ بعد.ندى أغلقت الهاتف ببطء، ثم نظرت إلى سعاد وقالت:
“لو الكلام ده صحيح… يبقى لازم الحقيقة تتقال كاملة، ومن غير أي كذب.”
هزّت سعاد رأسها.
“أنا مستعدة أشهد بكل اللي أعرفه.”
بعد ساعة…
كانتا تجلسان في مكتب المحامي فؤاد.
راجع المحامي الأوراق بدقة، ثم قال:
“حتى لو ثبتت قصة التبني، ده مش هيغيّر ملكية الشركة. الشركة انتقلت بعقود صحيحة، وأحكام المحكمة كانت مبنية على مستندات الملكية، مش على صلة القرابة.”
تنفست ندى الصعداء.
لكن فؤاد أكمل:
“المشكلة إن اللي رفع الالتماس هدفه مش يكسب القض*ية… هدفه يطولها ويعطل شغل الشركة.”
في صباح اليوم التالي…
انعقدت جلسة المحكمة.
دخل الرجل الذي رفع الالتماس، وبرفقته محامٍ جديد.
وقف أمام القاضي وقال بثقة:
“لدينا مستندات تثبت أن كل ما بُني عليه الحكم يحتاج إلى إعادة نظر.”
رد القاضي بهدوء:
“هاتوا مستنداتكم.”
بدأ المحامي يعرض أوراقه.
لكن بعد دقائق، سأله القاضي:
“هل عندكم ما يثبت أن عقود ملكية الشركة مزورة؟”
ساد الصمت.
“هل عندكم دليل أن توقيع الحاج محمود غير صحيح؟”
لا أحد أجاب.
“هل عندكم ما يثبت أن السيدة ندى استولت على الشركة بطريقة غير قانونية؟”
أخفض المحامي رأسه.
قال:
“لا… لكن…”
قاطعه القاضي:
“إذن ما قدمتموه لا يغيّر شيئًا في موضوع الدعوى.”
وبعد مداولة قصيرة…
صدر القرار:
رفض الالتماس، وتأييد جميع الأحكام السابقة، مع إلزام رافع الدعوى بالمصروفات.
خرجت ندى من المحكمة، فوجدت كريم واقفًا عند الباب.
اقترب منها ببطء.
وقال:
“أنا عرفت الحقيقة… وعرفت كمان إن كل اللي حصل كان بسبب قراراتي أنا.”
نظرت إليه للحظات.
ثم قالت بهدوء:
“الإنسان مش بيتحاسب على أصله… بيتحاسب على أفعاله.”
لم يجد ردًا.
اكتفى بإيماءة خفيفة، ثم استدار ورحل.
راقبته ندى حتى اختفى من آخر الشارع.
ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.
هذه المرة…
لم تكن ابتسامة انتصار.
كانت ابتسامة انتهاء آخر فصل من قصة استمرت سنوات.بعد ستة أشهر…
كانت ندى تقف على منصة المؤتمر السنوي للشركة.
صفق الحضور بحرارة بعد إعلان أكبر أرباح حققتها الشركة منذ تأسيسها.
انتهى الحفل، وبينما كانت تستعد للمغادرة، اقترب منها أحد أفراد الأمن.
قال بهدوء:
“أستاذة ندى… في راجل مصر يقابلك، ورفض يقول اسمه.”
نظرت من خلف الزجاج.
كان كريم.
لكن هذه المرة…
لم يكن يرتدي بدلة فاخرة، ولا تحيط به أمه، ولا يحمل تلك النظرة المتعالية التي اعتادت رؤيتها.
كان يبدو أكبر من عمره بعشر سنوات.
ترددت للحظة، ثم قالت:
“خليه يدخل.”
دخل كريم ببطء، ووضع ملفًا على المكتب.
قال:
“مش جاي أطلب فرصة… ولا فلوس.”
نظرت إلى الملف.
“أمال جاي ليه؟”
فتح الملف أمامها.
كان يحتوي على عشرات الإيصالات والتحويلات البنكية.
قال:
“دي آخر حاجة قدرت أرجعها… بعت العربية، والشقة، وكل اللي باسمي.”
سألته باستغراب:
“ليه؟”
تنهد وقال:
“لأن أول مرة في حياتي فهمت معنى كلمة مسؤولية.”
ثم دفع الملف نحوها.
“دي فلوس الشركة… اللي كنت فاكر إنها حقي.”
سادت لحظة صمت.
أغلقت ندى الملف.
ثم أعادته إليه.
قالت بهدوء:
“الفلوس هتدخل حساب الشركة عن طريق المحكمة، مش من إيدك لإيدي.”
هز رأسه.
“عارف… وكنت متأكد إنك هتقولي كده.”
وقف ليستعد للمغادرة.
لكن قبل أن يفتح الباب، استدار وقال:
“في حاجة واحدة كنت عايز أقولهالك.”
“إيه هي؟”
ابتسم ابتسامة حزينة.
“أمي توفيت الأسبوع اللي فات.”
تجمدت ندى في مكانها.
أكمل كريم بصوت منخفض:
“قبل ما تموت، قالتلي جملة واحدة… قالت: أنا اللي خربت بيتك بإيدي.”
ساد الصمت.
لم تشعر ندى بالشماتة.
ولا بالفرح.
فقط شعرت أن دائرة طويلة من الألم… أُغلقت أخيرًا.
خرج كريم من المكتب دون أن يلتفت خلفه.
وقفت ندى أمام النافذة، تنظر إلى المدينة التي بدأت فيها قصتها.
همست لنفسها:
“بعض النهايات… لا تُعيد ما ضاع، لكنها تمنع الألم من أن ينتقل إلى المستقبل.”
تمت.بعد عامين…
كانت ندى قد ابتعدت تمامًا عن كل ما يربطها بالماضي.
أصبحت الشركة من أكبر الشركات في مجالها، ولم تعد الصحف تتحدث عن قض*ية الطلاق، بل عن نجاحها في تحويل شركة كانت على وشك الانهيار إلى قصة نجاح.
وفي صباح هادئ…
وصلها خطاب رسمي.
لم يكن من المحكمة.
ولا من البنك.
كان من مستشفى خاص.
استغربت.
فتحت الظرف.
كانت رسالة قصيرة:
> “الأستاذة ندى، يوجد شخص أوصى ألا تُسلَّم لك هذه الأمانة إلا بعد مرور عامين كاملين.”
وفي أسفل الخطاب…
اسم كريم.
تجمدت للحظة.
وفي المساء، ذهبت إلى المستشفى.
استقبلها مدير المستشفى بنفسه، ثم أخذها إلى غرفة صغيرة داخل قسم الأرشيف.
فتح خزانة حديدية، وأخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قال:
“الأستاذ كريم أودع الصندوق ده هنا قبل وفاته بستة أشهر.”
شهقت ندى.
“وفاته؟!”
خفض الرجل رأسه وقال:
“للأسف… تعرض لحادث سيارة، وما قدرش ينجو.”
شعرت ندى أن الدنيا دارت بها.
رغم كل ما حدث بينهما…
لم تتخيل أبدًا أن تسمع الخبر بهذه الطريقة.
جلست بصمت، ثم فتحت الصندوق.
كان بداخله خاتم زواجهما.
وساعة يد قديمة.
وظرف مغلق.
فتحت الرسالة.
كان خط كريم واضحًا.
> “يا ندى… لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا خلاص مش موجود.
قضيت آخر سنتين بحاول أصلح أخطاء عمري، ويمكن ما قدرتش.
لكن في حاجة واحدة لازم تعرفيها…
يوم حاولت أكسر باب شقتك… ما كنتش رايح عشان الفلوس.
كنت رايح لأن أمي قالتلي إن في ناس داخلين يقت*لوك ويجبرواكي توقعي على تنازل.
ولما وصلت، اكتشفت إنها كانت كذبة منها علشان ترجعني أسيطر على حياتك من جديد.
للأسف… كنت ضعيف، وصدقتها.
سامحيني… لو تقدري.”
أغلقت ندى الرسالة ببطء.
لم تبكِ.
لكن دمعة واحدة نزلت دون استئذان.
وضعت الخاتم داخل الصندوق مرة أخرى.
ثم قالت بهدوء:
“سامحتك… لكن بعد فوات الأوان.”
أغلقت الصندوق للمرة الأخيرة.
وتركت الماضي داخله…
إلى الأبد.بعد عدة سنوات…
في إحدى أمسيات الشتاء، كانت ندى ترتب مكتبتها استعدادًا للانتقال إلى المقر الجديد للشركة.
لفت نظرها صندوق خشبي قديم.
نفس الصندوق الذي تركه كريم.
ظلت تنظر إليه لدقائق، ثم فتحته للمرة الأولى منذ سنوات.
كانت تتوقع أن تجد الرسالة والخاتم فقط.
لكن في قاع الصندوق…
كان هناك ظرف صغير لم تنتبه له من قبل.
مكتوب عليه بخط كريم:
“لا تفتحيه إلا إذا قدرتِ تعيشي من غير أي كراهية.”
ابتسمت ندى ابتسامة هادئة.
همست:
“أعتقد… جه وقته.”
فتحت الظرف.
وجدت بداخله مفتاحًا، وعنوانًا، ورسالة قصيرة.
> “المفتاح ده لشقة صغيرة كنت اشتريتها قبل الطلاق بأشهر. ما حدش يعرف عنها حاجة. كنت ناوي نفاجئك بيها في عيد جوازنا الخامس… لكن كل حاجة اتغيرت.”
ذهبت ندى إلى العنوان في اليوم التالي.
كانت العمارة قديمة، لكنها هادئة.
صعدت إلى الطابق الرابع.
وأدارت المفتاح.
فتح الباب بسهولة.
دخلت الشقة.
كانت خالية تقريبًا…
إلا من غرفة واحدة مجهزة بالكامل.
وعلى الحائط صورة كبيرة.
صورتها هي وكريم في أول سنة زواج.
أسفل الصورة…
عبارة مكتوبة بخط يده:
> “كان ممكن تكون دي بداية حياة جديدة… لو كنت عرفت وقتها إن الحب محتاج احترام، مش سيطرة.”
جلست ندى في صمت طويل.
ثم أنزلت الصورة من على الحائط.
وضعتها داخل صندوق صغير.
لم تمزقها.
ولم تحتفظ بها معلقة.
فبعض الذكريات…
لا تستحق أن تُمحى.
ولا تستحق أيضًا أن تبقى معلقة أمام العين كل يوم.
قبل أن تغادر، أغلقت الأنوار، وأقفلت الباب.
ثم سلّمت المفتاح إلى مكتب الشهر العقاري، وطلبت أن تُباع الشقة، وأن يُخصص ثمنها لإنشاء صندوق منح دراسية باسم والد كريم، تكريمًا للرجل الذي وقف إلى جانبها عندما لم يقف معها أحد.
وبينما كانت تغادر…
شعرت لأول مرة أن القصة لم تنتهِ بالانتصار على أحد.
بل انتهت عندما تحررت من ثقل الماضي، وبدأت تعيش حياتها دون أن يحمل قلبها غضبًا أو انتظارًا.بعد خمس سنوات…
كانت ندى تجلس في شرفة منزلها الجديد، تحتسي قهوتها في هدوء، حين رن هاتفها.
رقم غير مسجل.
ترددت قليلًا، ثم أجابت.
جاءها صوت شاب في أوائل العشرينات.
“حضرتك الأستاذة ندى؟”
“أيوه.”
“أنا اسمي يوسف… ويمكن حضرتك ما تعرفينيش، لكن أنا واحد من الطلبة اللي اتعلموا بمنحة الصندوق اللي حضرتك عملتيه.”
ابتسمت ندى.
“أهلًا يا يوسف.”
أكمل الشاب بصوت متأثر:
“أنا اتخرجت النهارده مهندس… وأول مرتب هقبضه، قررت أتبرع بجزء منه للصندوق، علشان طالب تاني ياخد نفس الفرصة اللي أنا أخدتها.”
سكتت ندى للحظة.
شعرت أن كل الألم الذي مرت به…
تحول إلى خير في حياة أشخاص لم تكن تعرفهم.
أنهت المكالمة، وهي تنظر إلى السماء.
همست:
“يمكن ده كان المعنى الحقيقي لكل اللي حصل.”
وفي اليوم التالي…
وقفت أمام المبنى الجديد الذي افتتحته الشركة.
لم يحمل اسمها.
بل حمل لوحة بسيطة كُتب عليها:
“مؤسسة الأمل للتعليم والعمل.”
دخلت المبنى، ورأت عشرات الشباب والبنات يتلقون تدريبًا مجانيًا، ويستعدون لأول وظيفة في حياتهم.
في أحد الفصول…
وقعت عيناها على صورة صغيرة معلقة على الحائط.
كانت صورة للحاج محمود.
وأسفلها عبارة كان يرددها دائمًا:
“الثروة الحقيقية… هي الإنسان.”
ابتسمت ندى، ثم أكملت جولتها بين المتدربين.
لم تعد تفكر في الطلاق.
ولا في الشركة.
ولا في المحاكم.
أصبحت تفكر فقط في المستقبل الذي تصنعه لغيرها.
وهكذا…
تحولت القصة التي بدأت بخيانة وصراع على المال…
إلى حكاية عن العدل، والغفران، وبداية جديدة.
النهاية الحقيقية.بما أن القصة وصلت لنهاية واضحة أكثر من مرة، فأي جزء جديد سيكون رواية جديدة بنفس الشخصيات. إليك فصلًا إضافيًا:
مرّت عشر سنوات…
وفي مساء هادئ، كانت ندى تستعد لإغلاق مكتبها عندما دخلت سكرتيرتها.
“أستاذة ندى… في شاب مصر يقابلك، وبيقول إن الموضوع شخصي جدًا.”
سمحت له بالدخول.
دخل شاب في الخامسة والعشرين من عمره، يحمل ملفًا قديمًا.
وقف أمامها وقال:
“حضرتك متعرفنيش… لكن أنا ابن عم كريم.”
ارتبكت ندى قليلًا.
“اتفضل.”
جلس الشاب ووضع الملف على المكتب.
“وأنا برتب حاجات العيلة بعد وفاة آخر فرد من الجيل القديم… لقيت الملف ده في خزنة جدي.”
فتحت ندى الملف.
كان يحتوي على عشرات الصور القديمة، وأوراق تخص بداية تأسيس الشركة.
لكن أكثر ما لفت نظرها…
رسالة مغلقة بخط والد كريم.
فتحتها.
وجاء فيها:
“يا ندى… لو وصلتك الرسالة دي، فمعناه إن السنين عدّت، وإنك قدرتي تعملي اللي أنا كنت بحلم بيه للشركة.
يمكن الناس افتكرت إني كنت بحمي أموالي… لكن الحقيقة إني كنت بحمي تعب عمر كامل.
المال بيتعوّض… أما الأمانة، فلو ضاعت مرة، عمرها ما بترجع.”
أغلقت ندى الرسالة وعيناها تلمعان.
ابتسم الشاب وقال:
“كنت عايز أوصلها لحضرتك… وبس.”
سألته:
“هتعمل إيه بعد كده؟”
ابتسم بثقة.
“قدمت على وظيفة في المؤسسة اللي حضرتك أسستِها… ورفضت أستخدم اسم عيلتي.”
ابتسمت ندى.
وقالت:
“يبقى إنت فهمت أهم درس في القصة كلها.”
مدت يدها تصافحه.
“أهلًا بيك… يا أستاذ يوسف.”
خرج الشاب من المكتب، بينما نظرت ندى من النافذة إلى المدينة التي تغيّرت كثيرًا.
وأدركت أن أجمل الميراث لم يكن الشركة، ولا الأرض، ولا الأموال…
بل القيم التي بقيت حية بعد أن رحل أصحابها.
تمت.القصة اكتملت بالفعل، واستمرارها بنفس الشخصيات سيجعلها تدور في حلقات متكررة. إذا أردتِ، فإليك بداية جزء ثانٍ يحمل مفاجأة جديدة:
الجزء الثاني: الرسالة التي وصلت بعد خمسة عشر عامًا
في صباح شتوي هادئ…
كانت ندى تستعد لافتتاح أكبر فرع لمؤسستها، عندما دخل أحد الموظفين مسرعًا.
“أستاذة ندى… في طرد وصل لحضرتك، ومكتوب عليه: لا يُفتح إلا بيد ندى شخصيًا.”
استغربت.
لم يكن عليه اسم مرسل.
فقط ختم قديم يعود إلى مكتب المحامي فؤاد… الذي توفي قبل عام.
فتحت الطرد بحذر.
وجدت داخله فلاشة إلكترونية، ورسالة قصيرة.
“لو وصلك الطرد ده، يبقى أنا كمان رحلت. لكن قبل ما أموت، اكتشفت حاجة ما قدرتش أموت من غير ما تعرفيها.”
كان التوقيع…
فؤاد.
شغّلت الفلاشة على جهاز الكمبيوتر.
ظهر فيديو قديم.
كان المحامي فؤاد يجلس داخل مكتبه، ويبدو عليه المرض.
قال وهو ينظر إلى الكاميرا:
“يا ندى… لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى فيه سر أخفيته عنك سنين… مش لأنك ما كنتيش تستحقي تعرفيه… لكن لأن الوقت ما كانش مناسب.”
توقفت أنفاسها.
أكمل:
“الحاج محمود ما سابش شركة واحدة…”
“ساب شركتين.”
اتسعت عينا ندى.
“الشركة التانية كانت باسم مستعار، وفيها استثمارات خارج مصر محدش يعرف عنها حاجة.”
ثم رفع ملفًا بني اللون أمام الكاميرا.
“ولو حد غيرك عرف بوجودها… هتبدأ حرب جديدة.”
في تلك اللحظة…
انطفأت شاشة الكمبيوتر فجأة.
وانقطعت الكهرباء عن المبنى كله.
وبعد ثوانٍ…
سمع الجميع صوت جهاز الإنذار.
وأسرع أحد أفراد الأمن إلى مكتبها وهو يصرخ:
“أستاذة ندى… في حد اقتحم غرفة الأرشيف… وبيسأل عن الفلاشة!”
يتبع…كان قلب ندى يخفق بقوة، لكنها تماسكت.
أغلقت شاشة الكمبيوتر بسرعة، وانتزعت الفلاشة من الجهاز ووضعتها في جيبها.
دخل مسؤول الأمن وهو يلهث.
“اللص هرب… لكن الغريب إنه ما سرقش أي حاجة.”
سألته ندى:
“أمال كان بيدور على إيه؟”
ناولها ورقة وجدها ملقاة على الأرض.
كان مكتوبًا عليها بخط اليد:
> “فات الأوان… النسخة الأصلية معانا.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
بعد دقائق عاد التيار الكهربائي.
حاولت تشغيل الفيديو مرة أخرى.
ظهر المحامي فؤاد وهو يقول:
“لو حصل أي محاولة لسرقة الملف… يبقى توقعي إن الشخص اللي كنت فاكره اختفى من حياتكم، لسه موجود.”
تجمدت ندى.
همست:
“مين؟”
لكن الفيديو كان قد انتهى.
في صباح اليوم التالي، اجتمعت مع فريقها القانوني.
قال أحد المحامين:
“فيه شركة جديدة ظهرت في السوق من شهرين، وبتطالب بحقوق في استثمارات قديمة.”
سألته:
“اسمها إيه؟”
أجاب وهو يدفع ملفًا نحوها:
“شركة الأفق الدولية.”
فتحت ندى الملف…
وفجأة توقف نظرها عند اسم رئيس مجلس الإدارة.
شحب وجهها.
قالت بصوت يكاد لا يُسمع:
“ده… مستحيل.”
رفع المحامي رأسه وسأل:
“حضرتك تعرفيه؟”
أغلقت الملف ببطء.
ثم قالت:
“أعرفه… لأنه الشخص اللي اختفى قبل خمسة عشر سنة، والكل كان فاكر إنه مات.”
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتفها.
رقم دولي.
ترددت، ثم أجابت.
جاءها صوت رجل هادئ:
“مساء الخير يا أستاذة ندى…”
تجمدت في مكانها.
أكمل الرجل:
“واضح إنك عرفتي إنني لسه عايش.”
سألت بصعوبة:
“إنت… مين؟”
ضحك ضحكة قصيرة، ثم قال:
“أنا الشريك الثالث للحاج محمود… والوقت جه أسترد نصيبي.”
يتبع…