أوصلت طفلًا تايهًا حكايات ميراا

أوصلت طفلًا تايهًا لبيته… لكن لما زعيم المافيا خبط على بابها بعد ساعات، ماكانش جاي يشكرها
الرجل اللي كان واقف قدام شقة كلير، أو بالأصح ندى، كان عارف بالثانية هي اتحركت إمتى.

كان عارف إنها خرجت بعربيتها الساعة 3:47 الفجر، وعارف الطريق اللي سلكته وسط المطر، وعارف الدقيقة اللي دخل فيها طفل حافي القدمين من بوابة قصره الحديدية.

وكان عارف كمان إنها كذبت على موظف النجدة.

ندى فهمت كل ده قبل حتى ما تفتح الباب.

شافته واقف تحت نور اللمبة الضعيف في طرقة العمارة، لابس بدلة فخمة بلون فحمي، مكانها الطبيعي شركة كبيرة في القاهرة، مش عمارة الأسانسير فيها بايظ من شهور.

كان طويل، عريض الكتفين، وثابت بشكل مرعب.

وواقف وراه راجل أصلع، ملامحه هادية جدًا… هدوء واحد مستني مجرد إشارة عشان يبدأ العنف.

الرجل رفع عينيه ناحية العين السحرية.

ندى رجعت خطوة لورا تلقائيًا.

هو مستحيل يشوفها من خلالها…

لكنها حست إنه شايفها.

خبط تلات خبطات هادية على الباب.

وقال:

— ندى حسن.

ماكانش بيسأل…

كان متأكد.

صوته كان واطي، هادي، ومهذب بشكل يخوف أكتر من أي صريخ.

ندى مسكت مضرب الألومنيوم اللي كانت مخبياه جنب شماعة الهدوم.

وقالت:

— إنت مين؟

رد بهدوء:

— اسمي عمر السيوفي.

الاسم وقع عليها زي تلج.

سمعت عنه قبل كده…

بس الناس عمرها ما كانت بتنطقه بصوت عالي.

عمر السيوفي كان صاحب شركة شحن بحرية، وسلسلة فنادق فخمة، وشركة مقاولات، ونص عمارات وسط البلد تقريبًا.

الجرائد كانت بتسميه رجل أعمال ملياردير…

أما رجال المباحث، فكانوا بيسموه اسم تاني لما يتأكدوا إن محدش سامعهم.

آخر زعيم مافيا حقيقي في البلد.

ندى فتحت الباب فتحة صغيرة، ولسه الجنزير راكب.

وقالت:

— عايز إيه؟

فضل وشه من غير أي تعبير.

وقال:

— الساعة تلاتة سبعة وأربعين الفجر… ابني نزل من عربيتك.

وفجأة…

كل اللي حصل الليلة اللي فاتت رجع قدام عينيها.

قبلها بإحدى عشر ساعة…

كانت راجعة من نبطشية مرهقة في قسم الطوارئ.

المطر كان بينزل بغزارة، والمسّاحات بتصرخ على الإزاز، واليونيفورم بتاعها ريحته مطهرات وتعب وقهوة مستشفى.

كل اللي كانت نفسها فيه دش دافي وست ساعات نوم.

لكنها شافت الولد.

كان قاعد تحت موقف أتوبيس مكسور في شارع صناعي مهجور.

شكله مايزدش عن تمن سنين.

جاكيته مبلول، على خده كدمة، ورجله الشمال فيها شراب متوسخ من غير جزمة.

عدّت بالعربية…

وبعد تلات ثواني بس…

لعنت نفسها، وضربت فرامل، ورجعتله.

فتحت الإزاز.

وقالت:

— يا حبيبي… إنت كويس؟

الولد رفع راسه.

أي طفل تايه عادة بيبان عليه الخوف أو الراحة لما حد يعرض يساعده…

لكن الولد ده…

كان مرهق لدرجة إنه حتى مش قادر يخاف.

— تعرف بابا أو مامتك فين؟

ما ردش.

ندى بصت للطريق الفاضي.

كل إحساس جواها قال إن في حاجة غلط.

فكرت تتصل بالشرطة…

لكن الولد كان بيرتعش من البرد وشفايفه بقت زرقا.

قالت:

— اركب العربية الأول… ندفيك وبعدين نكلم أي حد.

فضل يبص في وشها شوية…

وبعدين ركب بهدوء.

شغلت الدفاية على الآخر، لكنها طلعت هوا ضعيف.

ابتسمت وقالت:

— اسمك إيه؟

— آدم.

— وأنا ندى… تعرف عنوان بيتكم؟

— ٦٠٠ شارع الياسمين.

استغربت.

العنوان ده في منطقة كلها فيلات وقصور.

وقالت:

— وصلت هنا إزاي؟

— مشيت.

— في المطر ده؟

بص للإزاز وسكت.

خفضت صوتها.

— حد ضربك؟

ولا كلمة.

— لازم أكلم الشرطة.

فجأة…

مسك إيدها.

بقوة خلتها تتفاجئ.

وقال:

— بلاش الشرطة.

كان طفل…

لكن نبرة صوته كانت نبرة راجل كبير.

ركنت العربية.

وقالت:

— آدم… إنت متعور وساقك بردانة ومش لابس جزمة… مينفعش أتجاهل ده.

قال بهدوء:

— الناس اللي خطفتني تعرف ظباط.

اتجمدت في مكانها.

— خطفوك؟

— لو ودتيني القسم… هيوصلولي قبل بابا.

— باباك مين؟

ساب إيدها.

وقال برجاء:

— وصليني البيت… لو سمحتي.

كان المفروض ترفض.

كان المفروض تتصل بالإسعاف أو القسم أو أي جهة مسؤولة.

كل قواعد شغلها كممرضة كانت بتقول كده.

لكن لما شافته حاضن ضلوعه من الوجع…

قلبها سبق عقلها.

قالت:

— اربط حزام الأمان.

نفذ من غير كلمة.

طول الطريق كان بيبص في المراية.

أي عربية تمشي وراهم كان جسمه يتشنج.

وأي عربية نقل تعدي، يبص على السواق.

لما وصلوا لبوابة القصر الضخمة…

البوابات الحديدية اتفتحت لوحدها.

قال آدم بسرعة:

— وقفي هنا.

— هوصلك لحد الباب.

— لأ.

— رجلك متجمدة.

— ماينفعش يشوفوا عربيتك.

ندى بصت للطريق الطويل المؤدي للقصر.

وسألته:

— مين اللي مايشوفهاش؟

😳 يتبع…

#حكايات_ميراا

🎀 لسه الحكاية مخلصتش.. عشان يوصلك باقي القصة لايك وكومنت وتابعوا الصفحه من هنا 👈 ميرا احمدكان آدم لسه ماسك مقبض الباب لما لفّ لها وشه وقال بصوت واطي:

— رجال بابا.

ندى عقدت حاجبيها.

— مش فاهمة… دول حراسه.

هز راسه بالنفي.

— لو كانوا حراسه… ماكنتش ههرب منهم.

قبل ما تلحق تسأله أي حاجة، فتح الباب ونزل يجري وهو بيعرج.

البوابة اتقفلت وراه في ثواني.

فضلت ندى واقفة بالعربية، قلبها بيدق بعنف.

كل حاجة في الموقف كانت غلط.

لكن مكنش قدامها غير إنها تمشي.

بعد ساعات…

كان عمر السيوفي واقف قدام باب شقتها.

ولما قال:

— الساعة تلاتة سبعة وأربعين… ابني نزل من عربيتك.

ابتلعت ريقها وقالت:

— أنا رجعته بيته… لو ده سبب وجودك، يبقى مفيش حاجة تانية أقولها.

سكت ثواني.

ثم قال:

— افتحي الباب.

— لأ.

ابتسم لأول مرة.

ابتسامة صغيرة، لكنها ماطمنتش قلبها.

— لو كنت جاي أؤذيكي… مكنتش هخبط.

فضلت مترددة.

ثم فكّت الجنزير بحذر.

دخل عمر بخطوات هادئة، لكن الراجل الأصلع فضل واقف برا وقفّل الباب وراه.

بص عمر حوالين الشقة الصغيرة.

كنبة قديمة.

مروحة سقف بتصدر صوت مزعج.

صور لأب وأم على الحيطة.

وكرسي متحرك مطوي جنب الأوضة.

وقف عنده.

— مين بيستخدمه؟

ندى اتوترت.

— أمي… عندها جلطة من سنتين.

هز راسه وكأنه سجل المعلومة في دماغه.

ثم قال:

— آدم قال إنك أنقذتي حياته.

ردت بسرعة:

— أي حد مكاني كان هيعمل كده.

رفع عينه ليها.

— لأ.

صوته كان حاسمًا.

— أي حد كان هيبلغ الشرطة.

ندى سكتت.

أكمل:

— وإبلاغ الشرطة… كان هيقتله.

شهقت وهي بتقول:

— يعني كلامبعد ثانيتين من الصمت…

لف آدم وشه ناحيتها لأول مرة من ساعة ما ركب العربية.

وشه الصغير كان شاحب، لكن عينيه كانوا مليانين خوف حقيقي.

وقال بصوت واطي:

— الناس اللي جوا… فيهم واحد مش المفروض يعرف إنك شفتني.

ندى عقدت حواجبها.

— قصدك إيه؟

آدم فتح الباب بسرعة.

وقبل ما ينزل…

قال جملة خلت قلبها يدق بعنف.

— لو سألك أي حد… قوليلهم إنك عمرِك ما شفتني.

وجري.

وقف على رجل واحدة بسبب الألم، لكنه كمل لحد البوابة.

في نفس اللحظة…

أربع عربيات سوداء دخلت من البوابة الخلفية بسرعة.

رجالة مسلحين نزلوا منها.

واحد منهم جري ناحية آدم واحتضنه بقوة.

أما الباقي…

فاتلفتوا في كل الاتجاهات كأنهم بيدوروا على حد.

ندى ما استنتش.

دارت العربية ورجعت بيتها.

لكنها ماقدرتش تنام.

كل كلمة قالها الطفل كانت بتلف في دماغها.

“الناس اللي خطفتني تعرف ظباط.”

“في واحد جوا…”

“قوليلهم إنك عمرِك ما شفتني.”

…

دلوقتي…

كانت واقفة ورا باب شقتها.

وعمر السيوفي واقف قدامها.

قال بهدوء:

— ابني بخير بسببك.

ندى ردت بسرعة:

— الحمد لله… يبقى حضرتك جيت تشكرهولي؟

هز رأسه بالنفي.

— لا.

سكت ثانية.

ثم قال:

— أنا جيت أعرف… إنتِ ليه كذبتي على النجدة؟

اتسعت عيناها.

— إنت… عرفت؟

أخرج الرجل الأصلع هاتفًا.

ضغط على زر.

وانطلق تسجيل صوتي.

كان صوت ندى وهي بتبلغ النجدة.

> “لقيت طفلًا تائهًا، لكن أهله وصلوا قبل ما الدورية تيجي.”

 

التسجيل وقف.

عمر قال:

— الحقيقة إن محدش وصله غيرك.

ندى ابتلعت ريقها.

— كنت بحاول أحميه.

— من مين؟

— معرفش.

رفع حاجبه.

— ومع ذلك صدقتيه؟

قالت بثبات:

— الخوف اللي كان في عينه… مستحيل يكون تمثيل.

لأول مرة…

ظهر شيء يشبه الابتسامة على وجه عمر.

ابتسامة صغيرة جدًا.

لكنها اختفت بسرعة.

قال:

— نفس الإجابة اللي قالها ابني.

ندى بصت له باستغراب.

— قال إيه؟

— قال إنك أول شخص سأله إذا كان جعان… قبل ما يسأله هو ابن مين.

ساد الصمت.

ثم أخرج عمر ظرفًا أبيض من جيب بدلته.

ومده لها.

— ده أقل حاجة.

ندى حتى ما بصتش عليه.

— فيه إيه؟

— مليون جنيه.

اتجمدت.

— إيه؟

— مكافأة.

دفعت الظرف ناحيته.

— لا.

الرجل الأصلع بص لها كأنها مجنونة.

أما عمر…

فظل ينظر إليها في صمت.

ندى قالت بحزم:

— أنا ساعدت طفل… مش بعت ضميري.

مرت ثوانٍ طويلة.

ثم أعاد الظرف إلى جيبه ببطء.

وقال:

— كنت متوقع ترفضي.

استغربت.

— أمال جايبه ليه؟

نظر إليها مباشرة.

وقال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقها.

— لأن ده ماكنش اختبار كرم…

كان اختبار أمانة.

ندى شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها.

— اختبار؟

أومأ برأسه.

— في البيت اللي رجع له آدم… في خائن.

ثم أضاف بصوت أخفض:

— والخائن عرف إن ابني قضى عشرين دقيقة مع واحدة اسمها ندى حسن.

اتسعت عيناها.

— يعني…؟

— يعني من اللحظة دي…

إنتِ بقيتي هدف.

وفي نفس الثانية…

رن هاتف عمر.

رد فورًا.

لكن ملامحه تغيرت تمامًا.

واستدار ناحية السلم.

ثم قال للرجل الأصلع بصوت حاد:

— اطلع فوق… حالًا!

ندى شعرت بقشعريرة.

— في إيه؟

نظر إليها عمر لأول مرة بقلق حقيقي.

وقال:

— فيه حد سبقنا لشقتك…

وللأسف…

لسه موجود جواها.

يتبع…ندى اتجمدت مكانها.

بصت لعمر، ثم لباب شقتها.

— مستحيل… أنا كنت واقفة ورا الباب طول الوقت.

الرجل الأصلع كان طلع السلم في أقل من ثانيتين، وسحب م\سدسه بكاتم صوت.

أشار بإيده إن محدش يتحرك.

عمّ الصمت.

ثلاث ثوانٍ…

أربع…

ثم…

طَق!

صوت خفيف جه من جوه الشقة.

صوت درج بيتقفل.

الرجل الأصلع ركل الباب بقوة.

دخل في لحظة.

ندى شهقت وجريت وراه.

أول حاجة شافتها…

كل حاجة مكانها زي ما هي.

الكنبة.

الترابيزة.

المطبخ.

لكن أوضة النوم…

كانت مفتوحة.

دخلت وهي بتتنفس بسرعة.

الدولاب مفتوح.

هدومها مرمية على الأرض.

والكرسي المتحرك بتاع أمها متزحزح من مكانه.

صرخت:

— أمي!

خرجت أمها من الحمام وهي مرعوبة.

— في إيه يا بنتي؟

ندى جريت حضنتها.

— حد دخل الشقة!

الأم بصت حواليها باستغراب.

— أنا كنت في الحمام… سمعت صوت، افتكرته إنتِ.

في اللحظة دي…

الرجل الأصلع نادى من الصالة:

— لقيتها.

خرجوا بسرعة.

كان ماسك ظرفًا أسود صغيرًا.

مكانه كان تحت الكنبة.

ندى عقدت حاجبيها.

— ده مش بتاعي.

عمر أخد الظرف.

فتحُه بهدوء.

كان جواه فلاشة ميموري صغيرة جدًا.

وبس.

بص للرجل الأصلع.

— شغّلها.

وصلها باللاب توب اللي كان في شنطة جلد معاه.

بعد ثواني…

ظهر فيديو.

كاميرا مراقبة.

التاريخ…

كان قبل أربع ساعات فقط.

الفيديو أظهر رجل ملثم داخل مكتب فخم.

فتح خزنة.

وأخرج ملفات.

ثم رفع وشه للحظة.

ندى معرفتهوش.

لكن عمر…

وشه فقد كل لونه.

همس:

— مستحيل…

الرجل الأصلع قال:

— ده فريد.

عمر قفل اللاب توب بعنف.

ندى سألت:

— مين فريد؟

رد عمر ببطء:

— أخويا.

سكت الجميع.

ثم أكمل:

— والراجل الوحيد اللي كان عارف مكان الخزنة.

ندى حاولت تستوعب.

— يعني أخوك هو الخائن؟

هز رأسه.

— لا…

لو كان هو الخائن، مكنش حد بعتلي الفيديو.

ندى فهمت.

— يعني…

— حد بيحاول يوقعنا في بعض.

وقبل ما يكمل…

رن هاتف ندى.

رقم مجهول.

ردت بتردد.

جالها صوت مشوش إلكترونيًا:

— لو عايزة أمك تعيش…

ابعدي عن عمر السيوفي.

ثم اتقفل الخط.

ندى بصت لأمها، التي كانت ترتجف من الخوف.

أما عمر…

فرفع رأسه ببطء وقال:

— بدأوا يلعبوا.

ندى قالت بصوت مرتعش:

— مين؟

نظر إليها مباشرة.

— الناس اللي خطفوا آدم…

واللي واضح إن هدفهم من البداية ماكانش ابني…

كان أنا.

وفي نفس اللحظة، دوّى انفجار هائل في الشارع.

اهتزت العمارة كلها.

الجميع جرى ناحية الشباك.

سيارة عمر السوداء…

كانت مشتعلة بالكامل.

أما السائق…

فلم يكن بداخلها.

واختفى دون أثر.

يتبع…ألسنة اللهب كانت طالعة لعنان السماء.

صوت إنذار العربيات ملأ الشارع، والجيران فتحوا الشبابيك وهم بيبصوا برعب.

ندى همست:

— يا ساتر…

عمر ما بصش للعربية.

كان بيبص على حاجة تانية.

على العربية اللي كانت راكنة آخر الشارع.

عربية بيضاء قديمة.

محركها شغال.

ومن ورا الزجاج الداكن…

كان فيه شخص بيراقب العمارة.

قال للرجل الأصلع:

— سامح… هاتهم أحياء.

أومأ سامح، ونزل يجري على السلم.

في اللحظة اللي خرج فيها من باب العمارة…

العربية البيضاء انطلقت بأقصى سرعة.

لكن سامح كان أسرع.

قفز على عربية الحراسة التانية، وانطلق وراهم.

بعد أقل من دقيقة…

اختفى صوت العربيتين.

ندى بصت لعمر.

— حضرتك مش هتنزل؟

رد بهدوء:

— دي مش مهمتي.

— إزاي؟

— مهمتي دلوقتي أحافظ على الشخص اللي هم جُم عشانه.

ندى اتجمدت.

— تقصد… أنا؟

هز رأسه.

— لا…

ثم بص ناحية أمها.

— والدتك.

ندى شهقت.

— أمي مالها؟

تنهد عمر وقال:

— اللي اتصل بيكي من شوية ماكانش بيهدد وخلاص… هو كان بيثبت إنه قادر يوصل لأي حد.

في اللحظة دي…

رن هاتف عمر.

فتح الخط.

كان سامح.

صوته كان متقطعًا بسبب سرعة العربية.

— يا باشا… لحقناهم.

— مين؟

— العربية البيضا.

— واللي فيها؟

ساد صمت لثانيتين.

ثم قال سامح:

— للأسف… كانت فاضية.

عمر ضيق عينيه.

— إزاي؟

— كانت متجهزة كسِتارة… وسواقها نط منها وهي ماشية، والعربية كملت لوحدها لحد ما خبطت في سور.

ندى همست:

— يعني كانوا بيلعبوا بيكم.

أغلق عمر الهاتف ببطء.

ثم التفت إليها.

— لأ…

وسكت لحظة.

— كانوا بيلهونا.

وقبل ما تسأله يقصد إيه…

جاء صوت صراخ من الدور الأرضي.

أحد الحراس اندفع إلى الشقة وهو يلهث.

— يا باشا!

عمر استدار فورًا.

— في إيه؟

قال الحارس:

— أوضة ابن حضرتك…

اتفتشت.

عمر اتجمد مكانه لأول مرة.

— إمتى؟

— أثناء ما كلنا جينا هنا.

ندى فهمت في لحظة.

تفجير العربية…

العربية البيضاء…

المطاردة…

كل ده كان مجرد خطة.

علشان يخلوا عمر يسيب القصر.

قالت بسرعة:

— آدم!

عمر لم يرد.

لكنه اندفع نحو الباب.

قبل أن يخرج، توقف فجأة.

التفت إلى ندى وقال:

— من اللحظة دي… إنتِ وأمك هتيجوا معايا.

ندى رفضت فورًا.

— مستحيل أسيب بيتي.

نظر إليها نظرة حادة وقال:

— بعد ساعة… البيت ده هيبقى أخطر مكان في القاهرة بالنسبة لك.

وقبل أن تنطق بكلمة…

رن هاتف ندى مرة أخرى.

الرقم المجهول نفسه.

فتحت الخط.

جاءها صوت طفل يبكي.

— يا آنسة ندى…

كان آدم.

وهو يصرخ:

— متروحيش مع بابا… هو مش عارف إن الخاين… موجود جنبه دلوقتي!

وانقطع الاتصال فجأة.

ساد صمت ثقيل.

ندى رفعت عينيها ببطء نحو عمر…

ثم نحو الحارس…

ثم نحو سامح الذي كان قد عاد لتوه إلى باب الشقة.

لأول مرة…

لم تعد تعرف من الموجود في الغرفة يمكن الوثوق به، ومن ينتظر اللحظة المناسبة ليطعن الجميع في الظهر.

يتبع…ألسنة اللهب كانت طالعة لعنان السماء.

صوت إنذار العربيات ملأ الشارع، والجيران فتحوا الشبابيك وهم بيبصوا برعب.

ندى همست:

— يا ساتر…

عمر ما بصش للعربية.

كان بيبص على حاجة تانية.

على العربية اللي كانت راكنة آخر الشارع.

عربية بيضاء قديمة.

محركها شغال.

ومن ورا الزجاج الداكن…

كان فيه شخص بيراقب العمارة.

قال للرجل الأصلع:

— سامح… هاتهم أحياء.

أومأ سامح، ونزل يجري على السلم.

في اللحظة اللي خرج فيها من باب العمارة…

العربية البيضاء انطلقت بأقصى سرعة.

لكن سامح كان أسرع.

قفز على عربية الحراسة التانية، وانطلق وراهم.

بعد أقل من دقيقة…

اختفى صوت العربيتين.

ندى بصت لعمر.

— حضرتك مش هتنزل؟

رد بهدوء:

— دي مش مهمتي.

— إزاي؟

— مهمتي دلوقتي أحافظ على الشخص اللي هم جُم عشانه.

ندى اتجمدت.

— تقصد… أنا؟

هز رأسه.

— لا…

ثم بص ناحية أمها.

— والدتك.

ندى شهقت.

— أمي مالها؟

تنهد عمر وقال:

— اللي اتصل بيكي من شوية ماكانش بيهدد وخلاص… هو كان بيثبت إنه قادر يوصل لأي حد.

في اللحظة دي…

رن هاتف عمر.

فتح الخط.

كان سامح.

صوته كان متقطعًا بسبب سرعة العربية.

— يا باشا… لحقناهم.

— مين؟

— العربية البيضا.

— واللي فيها؟

ساد صمت لثانيتين.

ثم قال سامح:

— للأسف… كانت فاضية.

عمر ضيق عينيه.

— إزاي؟

— كانت متجهزة كسِتارة… وسواقها نط منها وهي ماشية، والعربية كملت لوحدها لحد ما خبطت في سور.

ندى همست:

— يعني كانوا بيلعبوا بيكم.

أغلق عمر الهاتف ببطء.

ثم التفت إليها.

— لأ…

وسكت لحظة.

— كانوا بيلهونا.

وقبل ما تسأله يقصد إيه…

جاء صوت صراخ من الدور الأرضي.

أحد الحراس اندفع إلى الشقة وهو يلهث.

— يا باشا!

عمر استدار فورًا.

— في إيه؟

قال الحارس:

— أوضة ابن حضرتك…

اتفتشت.

عمر اتجمد مكانه لأول مرة.

— إمتى؟

— أثناء ما كلنا جينا هنا.

ندى فهمت في لحظة.

تفجير العربية…

العربية البيضاء…

المطاردة…

كل ده كان مجرد خطة.

علشان يخلوا عمر يسيب القصر.

قالت بسرعة:

— آدم!

عمر لم يرد.

لكنه اندفع نحو الباب.

قبل أن يخرج، توقف فجأة.

التفت إلى ندى وقال:

— من اللحظة دي… إنتِ وأمك هتيجوا معايا.

ندى رفضت فورًا.

— مستحيل أسيب بيتي.

نظر إليها نظرة حادة وقال:

— بعد ساعة… البيت ده هيبقى أخطر مكان في القاهرة بالنسبة لك.

وقبل أن تنطق بكلمة…

رن هاتف ندى مرة أخرى.

الرقم المجهول نفسه.

فتحت الخط.

جاءها صوت طفل يبكي.

— يا آنسة ندى…

كان آدم.

وهو يصرخ:

— متروحيش مع بابا… هو مش عارف إن الخاين… موجود جنبه دلوقتي!

وانقطع الاتصال فجأة.

ساد صمت ثقيل.

ندى رفعت عينيها ببطء نحو عمر…

ثم نحو الحارس…

ثم نحو سامح الذي كان قد عاد لتوه إلى باب الشقة.

لأول مرة…

لم تعد تعرف من الموجود في الغرفة يمكن الوثوق به، ومن ينتظر اللحظة المناسبة ليطعن الجميع في الظهر.

يتبع…ندى اتجمدت مكانها.

بصت لعمر، ثم لباب شقتها.

— مستحيل… أنا كنت واقفة ورا الباب طول الوقت.

الرجل الأصلع كان طلع السلم في أقل من ثانيتين، وسحب مس\دسه بكاتم صوت.

أشار بإيده إن محدش يتحرك.

عمّ الصمت.

ثلاث ثوانٍ…

أربع…

ثم…

طَق!

صوت خفيف جه من جوه الشقة.

صوت درج بيتقفل.

الرجل الأصلع ركل الباب بقوة.

دخل في لحظة.

ندى شهقت وجريت وراه.

أول حاجة شافتها…

كل حاجة مكانها زي ما هي.

الكنبة.

الترابيزة.

المطبخ.

لكن أوضة النوم…

كانت مفتوحة.

دخلت وهي بتتنفس بسرعة.

الدولاب مفتوح.

هدومها مرمية على الأرض.

والكرسي المتحرك بتاع أمها متزحزح من مكانه.

صرخت:

— أمي!

خرجت أمها من الحمام وهي مرعوبة.

— في إيه يا بنتي؟

ندى جريت حضنتها.

— حد دخل الشقة!

الأم بصت حواليها باستغراب.

— أنا كنت في الحمام… سمعت صوت، افتكرته إنتِ.

في اللحظة دي…

الرجل الأصلع نادى من الصالة:

— لقيتها.

خرجوا بسرعة.

كان ماسك ظرفًا أسود صغيرًا.

مكانه كان تحت الكنبة.

ندى عقدت حاجبيها.

— ده مش بتاعي.

عمر أخد الظرف.

فتحُه بهدوء.

كان جواه فلاشة ميموري صغيرة جدًا.

وبس.

بص للرجل الأصلع.

— شغّلها.

وصلها باللاب توب اللي كان في شنطة جلد معاه.

بعد ثواني…

ظهر فيديو.

كاميرا مراقبة.

التاريخ…

كان قبل أربع ساعات فقط.

الفيديو أظهر رجل ملثم داخل مكتب فخم.

فتح خزنة.

وأخرج ملفات.

ثم رفع وشه للحظة.

ندى معرفتهوش.

لكن عمر…

وشه فقد كل لونه.

همس:

— مستحيل…

الرجل الأصلع قال:

— ده فريد.

عمر قفل اللاب توب بعنف.

ندى سألت:

— مين فريد؟

رد عمر ببطء:

— أخويا.

سكت الجميع.

ثم أكمل:

— والراجل الوحيد اللي كان عارف مكان الخزنة.

ندى حاولت تستوعب.

— يعني أخوك هو الخائن؟

هز رأسه.

— لا…

لو كان هو الخائن، مكنش حد بعتلي الفيديو.

ندى فهمت.

— يعني…

— حد بيحاول يوقعنا في بعض.

وقبل ما يكمل…

رن هاتف ندى.

رقم مجهول.

ردت بتردد.

جالها صوت مشوش إلكترونيًا:

— لو عايزة أمك تعيش…

ابعدي عن عمر السيوفي.

ثم اتقفل الخط.

ندى بصت لأمها، التي كانت ترتجف من الخوف.

أما عمر…

فرفع رأسه ببطء وقال:

— بدأوا يلعبوا.

ندى قالت بصوت مرتعش:

— مين؟

نظر إليها مباشرة.

— الناس اللي خطفوا آدم…

واللي واضح إن هدفهم من البداية ماكانش ابني…

كان أنا.

وفي نفس اللحظة، دوّى انفجار هائل في الشارع.

اهتزت العمارة كلها.

الجميع جرى ناحية الشباك.

سيارة عمر السوداء…

كانت مشتعلة بالكامل.

أما السائق…

فلم يكن بداخلها.

واختفى دون أثر.

يتبع…ألسنة اللهب كانت طالعة لعنان السماء.

صوت إنذار العربيات ملأ الشارع، والجيران فتحوا الشبابيك وهم بيبصوا برعب.

ندى همست:

— يا ساتر…

عمر ما بصش للعربية.

كان بيبص على حاجة تانية.

على العربية اللي كانت راكنة آخر الشارع.

عربية بيضاء قديمة.

محركها شغال.

ومن ورا الزجاج الداكن…

كان فيه شخص بيراقب العمارة.

قال للرجل الأصلع:

— سامح… هاتهم أحياء.

أومأ سامح، ونزل يجري على السلم.

في اللحظة اللي خرج فيها من باب العمارة…

العربية البيضاء انطلقت بأقصى سرعة.

لكن سامح كان أسرع.

قفز على عربية الحراسة التانية، وانطلق وراهم.

بعد أقل من دقيقة…

اختفى صوت العربيتين.

ندى بصت لعمر.

— حضرتك مش هتنزل؟

رد بهدوء:

— دي مش مهمتي.

— إزاي؟

— مهمتي دلوقتي أحافظ على الشخص اللي هم جُم عشانه.

ندى اتجمدت.

— تقصد… أنا؟

هز رأسه.

— لا…

ثم بص ناحية أمها.

— والدتك.

ندى شهقت.

— أمي مالها؟

تنهد عمر وقال:

— اللي اتصل بيكي من شوية ماكانش بيهدد وخلاص… هو كان بيثبت إنه قادر يوصل لأي حد.

في اللحظة دي…

رن هاتف عمر.

فتح الخط.

كان سامح.

صوته كان متقطعًا بسبب سرعة العربية.

— يا باشا… لحقناهم.

— مين؟

— العربية البيضا.

— واللي فيها؟

ساد صمت لثانيتين.

ثم قال سامح:

— للأسف… كانت فاضية.

عمر ضيق عينيه.

— إزاي؟

— كانت متجهزة كسِتارة… وسواقها نط منها وهي ماشية، والعربية كملت لوحدها لحد ما خبطت في سور.

ندى همست:

— يعني كانوا بيلعبوا بيكم.

أغلق عمر الهاتف ببطء.

ثم التفت إليها.

— لأ…

وسكت لحظة.

— كانوا بيلهونا.

وقبل ما تسأله يقصد إيه…

جاء صوت صراخ من الدور الأرضي.

أحد الحراس اندفع إلى الشقة وهو يلهث.

— يا باشا!

عمر استدار فورًا.

— في إيه؟

قال الحارس:

— أوضة ابن حضرتك…

اتفتشت.

عمر اتجمد مكانه لأول مرة.

— إمتى؟

— أثناء ما كلنا جينا هنا.

ندى فهمت في لحظة.

تفجير العربية…

العربية البيضاء…

المطاردة…

كل ده كان مجرد خطة.

علشان يخلوا عمر يسيب القصر.

قالت بسرعة:

— آدم!

عمر لم يرد.

لكنه اندفع نحو الباب.

قبل أن يخرج، توقف فجأة.

التفت إلى ندى وقال:

— من اللحظة دي… إنتِ وأمك هتيجوا معايا.

ندى رفضت فورًا.

— مستحيل أسيب بيتي.

نظر إليها نظرة حادة وقال:

— بعد ساعة… البيت ده هيبقى أخطر مكان في القاهرة بالنسبة لك.

وقبل أن تنطق بكلمة…

رن هاتف ندى مرة أخرى.

الرقم المجهول نفسه.

فتحت الخط.

جاءها صوت طفل يبكي.

— يا آنسة ندى…

كان آدم.

وهو يصرخ:

— متروحيش مع بابا… هو مش عارف إن الخاين… موجود جنبه دلوقتي!

وانقطع الاتصال فجأة.

ساد صمت ثقيل.

ندى رفعت عينيها ببطء نحو عمر…

ثم نحو الحارس…

ثم نحو سامح الذي كان قد عاد لتوه إلى باب الشقة.

لأول مرة…

لم تعد تعرف من الموجود في الغرفة يمكن الوثوق به، ومن ينتظر اللحظة المناسبة ليطعن الجميع في الظهر.

يتبع…الصمت سيطر على الشقة.
ولا واحد فيهم اتكلم.
كل واحد بقى يبص للتاني.
عمر كسر الصمت أولًا.
بص لسامح وقال بهدوء:
— سلّم سلاحك.
سامح اتفاجئ.
— يا باشا؟
— قلت سلّم سلاحك.
من غير اعتراض…
سامح فك المس\دس وحطه على الترابيزة.
ثم بصله وقال:
— لو حضرتك شاكك فيا… فتشني.
عمر هز رأسه.
— أنا مش بشك فيك…
ثم بص للحارس الجديد.
— أنا بشك فيه.
الحارس ارتبك.
— أنا يا باشا؟
في أقل من ثانية…
حاول يجري ناحية الباب.
لكن سامح انقض عليه وأسقطه أرضًا.
وبعد مقاومة عنيفة…
طلع من جيبه تليفون صغير جدًا.
وعلبة دواء.
وس\كين مطوية.
ندى بصت لعمر.
— ده هو؟
عمر هز رأسه بالنفي.
— لا…
الحارس ابتسم وهو مكبل.
ابتسامة مستفزة.
وقال:
— حتى لو قتلتوني…
أنتم متأخرين.
تغيرت ملامح عمر.
— متأخرين في إيه؟
الحارس ضحك.
— الراجل اللي بتدوروا عليه… دخل القصر من ساعة.
ندى شهقت.
— يعني الخائن لسه هناك؟
رد الحارس بثقة:
— الخائن عمره ما خرج.
…
بعد عشرين دقيقة…
وصل الموكب إلى قصر السيوفي.
البوابة كانت مفتوحة.
وده أول شيء أقلق عمر.
الحراس الحقيقيون كانوا مرميين على الأرض.
مخدرين…
مش مقتولين.
قال عمر بهدوء:
— هو عايزني صاحي.
دخلوا القصر.
كل شيء كان هادئًا بشكل مخيف.
النجف منور.
الموسيقى الكلاسيكية شغالة.
وأكواب الشاي لسه دافية.
كأن أصحاب البيت خرجوا من دقيقة.
فجأة…
نزل آدم من على السلم.
جري على ندى مباشرة.
حضنها بكل قوته.
ندى ركعت على الأرض.
— إنت كويس؟
هز رأسه.
لكن عينيه كانت مليانة دموع.
وقال:
— قلتلك ماتجيش.
عمر جري عليه.
— آدم.
لكن الولد رجع خطوة لورا.
وبص ناحية والده بخوف.
ندى لاحظت ده فورًا.
وقالت:
— هو خايف منك ليه؟
عمر اتصدم.
— خايف مني؟
آدم بص للأرض.
وقال بصوت مرتعش:
— لأن الراجل قاللي…
لو قلت الحقيقة…
بابا هو أول واحد هيموت.
ندى عقدت حاجبيها.
— أي راجل؟
قبل ما آدم يرد…
انطفأت أنوار القصر كلها.
غرق المكان في الظلام.
ثم اشتغلت شاشة السينما الكبيرة الموجودة في الصالة وحدها.
ظهر عليها رجل ملثم.
قاعد على كرسي.
وبيصفق ببطء.
وقال بصوت مشوش:
— مساء الخير يا عمر…
واضح إنك لسه بتثق في الناس بسرعة.
ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة.
ندى قربت منها.
اتسعت عيناها.
الصورة كانت لعمر…
واقف جنب ضابط شرطة…
ورجل ثالث.
الرجل الثالث…
كان والد ندى.
ندى همست بعدم تصديق:
— مستحيل…
عمر بص للصورة، ثم إليها.
وكانت الصدمة واضحة على وجهه هو أيضًا.
أما الصوت المشوش…
فضحك وقال:
— يبدو إن اللعبة هتبقى أمتع مما توقعت…
لأن الليلة…
هتعرفوا إن كل اللي حصل من عشرين سنة…
بدأ بسبب أبو ندى.
يتبع…ندى فضلت مثبتة عينيها على الشاشة.

كأنها نسيت تتنفس.

همست:

— مستحيل… بابا مات من خمسة عشر سنة.

الصوت المشوش ضحك ضحكة قصيرة.

— دي القصة اللي اتقالتلك.

عمر كان لسه باصص للصورة القديمة.

اقترب منها ببطء.

ثم قال:

— أنا فاكر اليوم ده.

ندى التفتت إليه بسرعة.

— تعرفه؟

أومأ برأسه.

— أبوكي ماكانش مجرم… ولا كان ظابط.

سكت لحظة.

— كان محاسبًا جنائيًا بيشتغل سرًا مع النيابة في أكبر ق\ضية غسيل أموال في البلد.

ندى شعرت إن الدنيا بتلف بيها.

— يعني إيه؟

عمر تنهد.

— من عشرين سنة… كانت فيه خمس عائلات بتحكم تجارة السلاح والتهريب.

— وإنت كنت واحد منهم؟

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

— لأ…

— كنت بحاول أخرج منها.

الصوت على الشاشة قاطعه.

— يا سلام… لسه بتحب تلعب دور البطل؟

ثم ظهرت صورة جديدة.

رجل في الخمسينات، مبتسم، واضعًا يده على كتف طفلة صغيرة.

ندى شهقت.

— دي… دي أنا!

الصورة كانت قديمة جدًا.

عمر قرب من الشاشة.

وفجأة تغيرت ملامحه.

— لا…

ندى بصت له.

— في إيه؟

أشار إلى الرجل.

— ده مش أبوكي.

سكت الجميع.

ندى قالت بعصبية:

— إزاي؟! دي صورتي وأنا صغيرة!

رد عمر بهدوء:

— لأن أبوكي الحقيقي هو اللي كان بيصور.

أما الراجل اللي شايلة إيده…

فكان ضابط الحماية اللي كان مكلف يخفي هويتك.

ندى حست إن رجليها خانتها.

جلست على أقرب كرسي.

— أنا… مش فاهمة أي حاجة.

الصوت المشوش قال:

— ولا هتفهمي… إلا لما تعرفي الحقيقة كلها.

ثم ضغط زرًا.

ظهر فيديو قديم.

كاميرا مراقبة بتاريخ قبل عشرين سنة.

امرأة تحمل طفلة رضيعة وتركض داخل مستشفى.

وخلفها إطلاق نار.

ندى همست:

— دي… ماما.

الفيديو استمر.

المرأة سلمت الطفلة لرجل يرتدي بالطو طبيب.

وقالت وهي تبكي:

— خدها… متخليهمش يعرفوا إنها بنته.

ثم انقطع التسجيل.

ندى بدأت تبكي.

— بنت مين؟

الصوت رد في هدوء مرعب:

— بنت الرجل الوحيد اللي كانت كل العصابات عايزة تقتله.

عمر أغلق الشاشة فجأة.

ثم صاح لأول مرة:

— كفاية!

الصالة كلها سكتت.

نظر إلى الكاميرا المخفية أعلى النجفة وقال:

— لو عايزني… سيبها برا اللعبة.

رد الصوت فورًا.

— متأخر يا عمر.

ثم بدأت كل شاشات القصر تعمل في نفس اللحظة.

على كل شاشة…

ظهر عدّاد أحمر.

09:59

09:58

09:57

ندى رفعت رأسها بخوف.

— ده إيه؟

سامح فتح جهازًا صغيرًا كان يحمله.

تغير لون وجهه.

— يا باشا…

عمر نظر إليه.

— اتكلم.

قال سامح بصوت متوتر:

— فيه متفجرات مزروعة في القصر…

والعداد هو وقت التفجير.

تجمد الجميع.

لكن عمر لم يتحرك.

كان ينظر إلى إحدى الشاشات.

لأنها عرضت جملة واحدة فقط:

“لو خرجتوا من القصر… هيموت آدم.”

وفي اللحظة نفسها…

اختفى آدم.

كان واقف بجوار ندى قبل ثوانٍ…

والآن…

لم يعد له أي أثر.

يتبع…ندى صرخت:

— آدم!

صوتها دوّى في القصر.

كل واحد بدأ يدور في اتجاه.

سامح جرى ناحية السلم.

اتنين من الحراس فتشوا المطبخ والممرات.

أما عمر…

فوقف مكانه.

ندى مسكت دراعه بعصبية.

— واقف ليه؟ ابنك اختفى!

قال بهدوء غريب:

— لأنه ما اختفاش…

بصت له بعدم فهم.

ضغط على زر صغير في ساعته.

ظهرت خريطة مصغرة.

فيها نقطة خضراء بتتحرك.

— حاطط جهاز تتبع في ساعة آدم.

ندى تنفست الصعداء.

— الحمد لله…

لكن فرحتها ما كملتش.

النقطة الخضرا…

كانت بتتحرك بسرعة.

وبتخرج من حدود القصر.

سامح صاح من فوق:

— يا باشا!

— إيه؟

— لقيت نفق!

جرى الجميع.

في آخر المكتبة الضخمة…

كانت رفوف الكتب متحركة.

وخلفها باب حديدي مفتوح.

النفق كان قديم جدًا.

ندى همست:

— ده موجود من إمتى؟

عمر رد وهو بينزل السلالم:

— من أيام جدي…

كان ممر هروب وقت الحروب.

كلهم نزلوا.

المكان كان مظلمًا ورطبًا.

بعد حوالي مئة متر…

وصلوا لغرفة حجرية.

فاضية.

لكن في نصها…

كانت ساعة آدم.

مكسورة.

وجهاز التتبع مرمي على الأرض.

ندى حست بقلبها يقع.

— خدعونا…

سامح انحنى على الأرض.

ثم قال:

— لا يا باشا…

في آثار رجلين كبار…

وآثار طفل.

يعني طلعوا من هنا من دقايق.

وفجأة…

سمعوا صوت تصفيق.

خرج رجل من الظلام.

من غير قناع.

ومن غير خوف.

كان في أوائل الأربعينات.

أنيق جدًا.

وبيبتسم.

بمجرد ما شافه عمر…

تغيرت ملامحه بالكامل.

همس:

— يوسف…

ندى بصت بين الاتنين.

— تعرفه؟

الرجل ابتسم.

— للأسف…

ثم مد إيده يصافح عمر.

— بقالنا خمستاشر سنة يا صاحبي.

عمر ما صافحوش.

قال ببرود:

— كنت فاكرك ميت.

يوسف ضحك.

— وده كان المطلوب.

ندى سألت:

— إنت مين؟

التفت إليها.

— أنا الراجل اللي خطف آدم.

ثم أضاف بابتسامة أوسع:

— وأنا كمان… الراجل اللي أنقذ أبوكي زمان.

ندى اتجمدت.

— أبويا؟

يوسف أومأ.

— والدك لسه عايش يا ندى.

الصمت خيّم على المكان.

ندى حست إن ركبها مش شايلينها.

— لا…

— أيوه.

أخرج يوسف صورة حديثة من جيبه.

رجل بشعر أبيض ولحية خفيفة، جالس على كرسي خشبي داخل كوخ بسيط.

كان أكبر سنًا…

لكن ملامحه هي نفسها الموجودة في الصور القديمة.

يوسف قال بهدوء:

— طول السنين دي… كان مستخبي علشان يحميكي.

ندى كانت على وشك تمسك الصورة…

لكن يوسف سحبها بسرعة.

وقال:

— لو عايزة تشوفيه…

يبقى لازم تعملي حاجة واحدة.

عمر صرخ:

— أوعى تسمعي كلامه!

يوسف تجاهله.

ونظر مباشرة إلى ندى.

— قبل شروق الشمس…

هتسلميني الملف اللي أبوكي خبّاه…

أو مش هتشوفيه حي تاني.

ندى قالت وهي تبكي:

— أنا معرفش أي ملف!

يوسف ابتسم بثقة.

— هتعرفي…

لأن أبوكي خبّاه في مكان محدش يقدر يوصله…

غير بنته.

ثم استدار واختفى داخل النفق.

وفي اللحظة الأخيرة…

وصلهم صوت آدم وهو يصرخ من بعيد:

— آنسة ندى… متصدقيهوش!

ثم عاد الصمت…

ولم يبقَ في النفق سوى الصورة التي قلبت حياة ندى رأسًا على عقب، وسؤال واحد:

إذا كان والدها حيًا… فمن هو الرجل الذي دفنوه قبل خمسة عشر عامًا؟

يتبع…ندى كانت لسه ماسكة الصورة بإيديها المرتعشتين.

كل ملامح الراجل كانت بتقول إنه أبوها.

حتى الندبة الصغيرة اللي فوق حاجبه الشمال…

كانت نفس الندبة اللي كانت بتشوفها في صور طفولتها.

همست:

— لو ده أبويا…

يبقى مين اللي دفناه؟

عمر أخذ الصورة منها بهدوء.

دقق فيها لثوانٍ.

ثم قال:

— الصورة دي متصورة من أسبوع.

ندى رفعت رأسها بسرعة.

— إنت عرفت إزاي؟

أشار إلى ركن الصورة.

كان فيه تاريخ مطبوع بخط صغير.

قبل سبعة أيام فقط.

في اللحظة دي…

سامح خرج من آخر النفق وهو ماسك قطعة قماش سوداء.

— يا باشا… لقيت دي.

عمر أخدها.

كانت كمامة طبية.

لكن عليها بقعة دم.

ناولها لندى.

— بصي كويس.

ندى قربتها من وشها.

وفجأة اتسعت عيناها.

— دي…

سامح قال:

— عرفتيها؟

هزت رأسها ببطء.

— دي من المستشفى اللي بشتغل فيها.

الجميع سكت.

عمر قال:

— متأكدة؟

— أيوه.

وأشارت إلى شعار صغير مطبوع على طرف الكمامة.

— الشعار ده خاص بمستشفى الشفاء… إحنا بس اللي بنستخدم النوع ده.

عمر تبادل النظرات مع سامح.

وقال:

— يبقى يوسف عنده حد من جوه المستشفى.

ندى افتكرت حاجة فجأة.

— استنى…

كلهم بصوا لها.

قالت:

— الطفل آدم…

لما ركب معايا العربية، كان في دراعه كانيولا.

سامح عقد حاجبيه.

— يعني كان داخل مستشفى قبل ما يهرب.

ندى أومأت.

— وأنا افتكرتها لأنه مريض.

عمر همس:

— لا…

ثم نظر إلى سامح.

— كانوا محتجزينه في المستشفى.

ندى بصت له بعدم تصديق.

— مستشفى؟

— أحسن مكان تخبي فيه حد… محدش هيفتش عن مخطوف في أوضة مريض.

في اللحظة دي…

رن هاتف ندى.

المرة دي الرقم معروف.

مدير قسم الطوارئ.

ردت بسرعة.

— ألو يا دكتور.

لكن اللي رد…

ماكانش المدير.

كان نفس الصوت المشوش.

— صباح الخير يا ندى.

جسمها كله اتجمد.

قال الصوت:

— روحي شغلك النهارده عادي.

متقوليش لحد إنك شفتيني.

ندى صرخت:

— إنت عايز إيه؟

ضحك.

— لأن أول مريض هيوصل بعد نص ساعة…

هيكون والدك.

وانقطع الخط.

ساد صمت ثقيل.

ندى بصت لعمر بعينين مليانين خوف.

— لو كلامه صح…

يبقى بابا هيكون في المستشفى.

عمر قال من غير تردد:

— يبقى هنروح قبله.

خرج الجميع من النفق بسرعة.

ركبوا العربيات.

ولأول مرة…

عمر السيوفي، الرجل الذي كانت كل المدينة تخشاه…

ضغط بنفسه على دواسة البنزين.

السيارة انطلقت بأقصى سرعتها نحو المستشفى.

لكنهم لم يكونوا يعرفون…

أن الشخص الذي ينتظرهم في غرفة الطوارئ…

لم يكن مريضًا.

كان يحمل في جيبه جهازًا صغيرًا…

وضغطة زر واحدة منه…

كانت كفيلة بتحويل المستشفى كلها إلى ساحة رعب.

يتبع…وصلت سيارات عمر السيوفي إلى المستشفى في أقل من عشر دقائق.
ندى نزلت من العربية قبل ما تقف بالكامل.
جريت على باب الطوارئ وهي لابسة نفس اليونيفورم اللي خرجت بيه من الشغل الليلة اللي قبلها.
أول ما دخلت…
حست إن في حاجة مش طبيعية.
الدور هادي بشكل غريب.
الممرضات بيتحركوا عادي.
الأطباء بيكشفوا على المرضى.
لكن…
كل واحد فيهم كان باصص عليها.
كأنهم مستنيينها.
خرج مدير القسم من مكتبه بسرعة.
— ندى! إنتِ فين من امبارح؟ إحنا قلبنا الدنيا عليكي.
ندى بصت في عينيه.
— يا دكتور… وصل أي مريض جديد؟
هز رأسه.
— لسه من خمس دقايق.
— راجل كبير؟
— أيوه… حادث عربية.
قلبها دق بعنف.
— فين؟
أشار إلى أوضة الإنعاش رقم (3).
ندى جرت.
وعمر وسامح واثنين من الحراس خلفها.
لكن قبل ما تفتح الباب…
خرج طبيب شاب من الأوضة.
أول ما شاف عمر…
اتوتر.
ندى لاحظت.
قالت بسرعة:
— في إيه؟
الطبيب ابتسم ابتسامة مصطنعة.
— مفيش… المريض تحت الفحص.
عمر اقترب منه خطوة.
— اسمه إيه؟
تردد الطبيب.
ثانية…
ثم قال:
— مش… مش معايا البيانات لسه.
سامح همس:
— بيكدب.
وفي لحظة واحدة…
دفع عمر الباب.
دخلوا جميعًا.
لكن السرير…
كان فاضي.
ندى اتلفتت حولها.
— فين المريض؟
في اللحظة نفسها…
انفتح باب الحمام ببطء.
خرج رجل مسن.
شعره أبيض.
لحيته طويلة.
وكان لابس هدوم مريض.
أول ما شافته ندى…
حست إن قلبها وقف.
ملامحه…
هي نفس ملامح الصورة.
الرجل رفع عينيه إليها.
وعيناه امتلأتا بالدموع.
وقال بصوت مبحوح:
— ندى…
يا بنتي.
دموعها نزلت في نفس اللحظة.
خطت خطوة نحوه.
— بابا…؟
الرجل مد إيده.
— سامحيني…
عشرين سنة وأنا بعيد عنك.
ندى جريت ناحيته.
حضنته وهي بتبكي.
حتى عمر كان واقف في صمت.
لكن…
سامح كان مركز على حاجة تانية.
قال فجأة بصوت مرتفع:
— يا باشا… إيده!
الجميع بصوا على يد الرجل.
كان ماسك جهازًا صغيرًا أسود.
نفس الجهاز اللي وصفه يوسف.
عمر صرخ:
— ابعدي عنه!
لكن كان فات الأوان.
الرجل ضغط الزر.
ندى شهقت.
انتظرت الانفجار.
مرت ثانية…
اثنتان…
ولم يحدث شيء.
الرجل ابتسم بحزن.
وقال:
— الجهاز ده مش قنبلة.
ثم نظر إلى عمر.
— ده جهاز بيقفل شبكة الاتصالات كلها في المستشفى.
في اللحظة نفسها…
كل الهواتف فصلت.
أجهزة الإنترنت توقفت.
حتى أجهزة المراقبة انطفأت.
ثم رفع الرجل رأسه وقال:
— لأن اللي داخل دلوقتي…
مش عايز أي كاميرا تشوفه.
وفي نهاية الممر…
دوى صوت خطوات بطيئة.
ظهر يوسف.
لكن هذه المرة…
لم يكن وحده.
كان يمسك بيد آدم.
وفوق رأس آدم…
كان مصوبًا مس\دس.
ابتسم يوسف وقال:
— صباح الخير…
أعتقد إن العيلة كلها بقت مجتمعة أخيرًا.
يتبع…تجمدت ندى مكانها.
آدم كان واقف قدام يوسف، وشه شاحب، لكن عينيه كانوا ثابتين.
المس\دس كان ملاصقًا لرأسه.
يوسف ابتسم وقال بهدوء:
— أي حركة غلط… والولد يموت.
سامح شد سلاحه.
لكن عمر رفع إيده فورًا.
— نزل السلاح.
سامح بصله باستغراب.
— يا باشا…
— قلت نزل السلاح.
أنزله ببطء.
يوسف ضحك.
— لسه عندك نفس العيب يا عمر… بتفضل حياة الناس على مصلحتك.
عمر رد ببرود:
— قول عايز إيه.
يوسف دفع آدم لقدامه خطوة.
ثم قال:
— الملف.
ندى صاحت:
— قلتلك معرفش أي ملف!
يوسف أخرج ساعة جيب قديمة من معطفه.
ورماها عند قدميها.
ندى انحنت وأخذتها.
بمجرد ما فتحت الغطاء…
شهقت.
كانت فيه صورة صغيرة جدًا.
لها وهي طفلة عمرها حوالي خمس سنين.
وخلف الصورة…
جملة مكتوبة بخط يد.
“إذا وصلت الساعة لندى… يبقى وقت الحقيقة جه.”
تحت الجملة…
كان فيه عنوان.
ندى همست:
— ده… بيت جدتي.
الرجل المسن الذي قال إنه والدها أغمض عينيه وقال:
— أيوه… تحت شجرة الليمون اللي في الجنينة.
ندى بصت له.
— إيه اللي تحتها؟
رد بصعوبة:
— صندوق حديد.
يوسف ابتسم بانتصار.
— أخيرًا.
لكن عمر قال فجأة:
— متروحيش.
ندى التفتت إليه.
— ليه؟
قال بثقة:
— لأن يوسف عارف مكان الصندوق من زمان.
يوسف سكت.
وده كان أول مرة ملامحه تتغير.
عمر أكمل:
— لو كان الملف هناك فعلًا… كنت خدته من سنين.
ندى بدأت تستوعب.
بصت للرجل المسن.
— يعني… العنوان ده كذب؟
الرجل هز رأسه.
— لا…
ثم ابتسم لأول مرة.
— لكنه مش كامل.
يوسف صرخ بغضب:
— اسكت!
لكن الرجل أكمل:
— أبوكي الحقيقي… عمره ما كان بيكتب مكان كامل في ورقة.
ندى قربت من الساعة مرة تانية.
قلبتها بين إيديها.
لاحظت إن عقاربها واقفة عند الساعة ٣:٤٧.
اتسعت عيناها.
— تلاتة سبعة وأربعين…
عمر همس:
— نفس توقيت هروب آدم.
ندى ضغطت على العقرب الصغير دون قصد.
فسمعت صوت تك خفيف.
غطاء داخلي فتح.
خرجت منه ورقة مطوية بحجم الإصبع.
يوسف صرخ:
— هاتها!
لكن ندى فتحتها بسرعة.
كان مكتوبًا فيها سطر واحد فقط:
“الملف ليس تحت شجرة الليمون… الملف داخل غرفة رقم 347 بمستشفى الشفاء.”
الجميع صمت.
ندى رفعت رأسها ببطء.
ثم بصت حولها.
قالت وهي تكاد لا تصدق:
— إحنا…
إحنا أصلًا في مستشفى الشفاء.
وقبل أن يتحرك أي شخص…
سمعوا صوت قفل إلكتروني يُفتح في نهاية الممر.
ثم خرجت ممرضة مسنة لم يرها أحد من قبل.
كانت تحمل صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
نظرت مباشرة إلى ندى وقالت:
— أبوكي طلب مني أسلمهولك… لكن لما تتمي تلاتين سنة.
توقفت لحظة.
ثم ابتسمت بحزن.
— واضح إننا اضطرينا نسلّمه بدري.
أما يوسف…
فابتسم ابتسامة باردة، ورفع سلاحه نحو الصندوق مباشرة.
وقال:
— أخيرًا… انتهت لعبة العشرين سنة.
يتبع…في أقل من ثانية…

اندفع سامح أمام الممرضة.

دوّى صوت طلقة.

لكن الرصاصة ماوصلتش للصندوق.

سامح تلقاها في كتفه، ووقع على ركبة واحدة، وهو لسه حاضن الممرضة بإيده.

صرخ عمر:

— ندى! خدي الصندوق!

جريت ندى بسرعة، وخطفته من إيد الممرضة.

يوسف ابتسم.

— ممتاز… كده بقى في إيدك.

ندى فهمت قصده.

من اللحظة دي…

هي الهدف.

لفّت تجري وسط الممرات، ويوسف ورجالُه خلفها.

دخلت قسم الأشعة.

ثم خرجت من باب تاني.

كانت بتحاول تفتكر المستشفى.

كل أوضة…

كل ممر…

كل سلمة.

دي مكان شغلها.

وأخيرًا دخلت غرفة الأشعة القديمة، اللي اتقفلت من سنين.

قفلت الباب وراها.

كانت بتنهج بعنف.

بصت للصندوق.

كان حديد تقيل، وعليه قفل برقم سري.

همست:

— الرقم…

إيه هو؟

وفجأة افتكرت.

٣…٤…٧.

دخلت الأرقام.

القفل فتح.

رفعت الغطا ببطء…

لكنها اتجمدت.

الصندوق…

ماكانش فيه فلوس.

ولا ذهب.

ولا مستندات.

كان فيه دفتر جلدي قديم.

وفلاشة.

وظرف أبيض مكتوب عليه:

“إلى ابنتي ندى.”

إيديها كانت بتترعش وهي بتفتح الظرف.

كان جواه خطاب.

> “يا ندى…

لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مقدرتش أرجعلك.

أنا مش هطلب منك تسامحيني.

لكن لازم تعرفي الحقيقة.

أنا اكتشفت من عشرين سنة شبكة فساد كانت بتضم رجال أعمال، وضباط، وقضاة، وسياسيين.

كل الأدلة موجودة في الفلاشة.

لو الأدلة دي خرجت للنور… إمبراطوريات كاملة هتقع.

ولو وقعت في إيد الشخص الغلط… البلد كلها هتدفع الثمن.”

 

ندى كانت بتقرأ والدموع بتنزل.

في آخر الخطاب…

كان فيه سطر واحد.

“متثقيش إلا في عمر السيوفي.”

في نفس اللحظة…

انكسر باب الغرفة.

يوسف دخل وهو بيصفق.

— كنت مستني الجملة دي.

ندى خبّت الفلاشة في جيبها بسرعة.

يوسف ابتسم.

— الخطاب مزور.

ندى بصت له.

— إيه؟

أخرج ورقة قديمة من جيبه.

ورماها قدامها.

— لأن أبوكي كتب رسالة تانية.

فتحتها بسرعة.

كانت بنفس خط اليد.

لكن آخرها مكتوب:

“لو اضطررت تختار بيني وبين عمر… اختار تنقذ نفسك من عمر.”

ندى رفعت رأسها بصدمة.

الاتنين…

معاهم رسالتين.

الاتنين…

بنفس الخط.

وبنفس التوقيع.

واحدة بتقول تثق في عمر.

والتانية بتحذر منه.

قبل ما تلحق تستوعب…

دخل عمر الغرفة.

وقف في مواجهة يوسف.

ولأول مرة…

قال اسمه الحقيقي.

— كفاية يا يوسف السيوفي.

ندى اتسعت عيناها.

— السيوفي؟!

يوسف ابتسم.

— أيوه…

ثم نظر إليها وقال:

— أنا وعمر…

مش مجرد شركاء قدام.

إحنا أخوات.

والحرب دي…

بدأت بين أخوين.

وأنتِ…

المفتاح الوحيد اللي هيحدد مين فينا هيعيش…

ومين هيدفن التاني.

يتبع…ندى كانت واقفة في نص الغرفة، ماسكة الفلاشة بإيد، والرسالتين بالإيد التانية.

بصت لعمر…

ثم ليوسف.

وقالت بصوت مخنوق:

— واحد فيكم بيكدب…

مين؟

يوسف رد فورًا:

— اسأليه ليه اختفى عشرين سنة من حياتك؟

عمر رد بهدوء:

— وأنا هسأله ليه خطف طفل بريء علشان يوصل لورقة.

يوسف ضحك.

— لأنك لسه فاكر إن آدم مجرد طفل.

ندى التفتت بسرعة.

— يعني إيه؟

يوسف تنهد.

— آدم مش ابنه.

الصمت نزل على المكان كأنه حجر.

ندى بصت لعمر.

— الكلام ده حقيقي؟

عمر أغمض عينيه للحظة.

ثم قال:

— أيوه.

ندى شهقت.

— أيوه؟!

— آدم ابن أخويا.

وأشار إلى يوسف.

يوسف ابتسم بسخرية.

— أخيرًا قلت الحقيقة.

ندى بصت ليوسف.

— يبقى ليه خطفته؟

ابتسامته اختفت.

ولأول مرة ظهر الألم على وشه.

— أنا ما خطفتوش…

أنا كنت برجعه.

ندى عقدت حاجبيها.

يوسف أكمل:

— بعد وفاة مراتي، عمر أخد آدم بحجة إنه هيحميه.

عمر قاطعه بعصبية:

— لأنك كنت هتقتله!

يوسف صرخ لأول مرة:

— كنت بحاول أمنعه يعرف الحقيقة!

الصوتين ارتفعوا.

ندى صرخت:

— كفاية!

الاتنين سكتوا.

قالت وهي بتبص لآدم، اللي كان واقف عند الباب وعينيه مليانة دموع:

— الحقيقة من فمه هو.

ركعت قدامه.

— آدم…

مين اللي كان بيعاملك كويس؟

الولد بص لعمه عمر…

ثم لأبوه يوسف.

وبدأ يبكي.

— الاتنين…

ندى سألته بهدوء:

— ومين اللي ضربك؟

سكت.

ثم رفع كُم الجاكيت.

كانت على ذراعه آثار حقن.

قال بصوت مرتجف:

— محدش ضربني…

كانوا بيدوني دوا يخليني أنام.

عمر اتصدم.

— مين؟

آدم أشار ناحية الباب.

لكن…

ما أشارش لعمر.

ولا ليوسف.

أشار للرجل المسن الذي ادعى أنه والد ندى.

الجميع لفوا ناحيته.

الرجل كانت ملامحه هادئة جدًا.

زيادة عن اللزوم.

قال عمر ببطء:

— إنت…

ابتسم الرجل.

ثم خلع اللحية البيضاء بيده.

ثم نزع الشعر المستعار.

ندى شهقت.

ماكانش والدها.

كان رجلًا أصغر بعشرين سنة.

ابتسم وقال:

— أخيرًا…

حد ركز معايا.

يوسف رجع خطوة لورا.

حتى هو كان مصدومًا.

— إنت؟!

الرجل قال بابتسامة باردة:

— أنا كريم.

الاسم وقع على الجميع كالصاعقة.

عمر همس:

— مستحيل…

إنت مت من خمسة عشر سنة.

كريم ضحك.

— واضح إن الناس بتحب تصدق شهادات الوفاة المزورة.

ثم أخرج مس\دسًا من تحت ملابسه.

ووجهه نحو الثلاثة.

عمر…

يوسف…

وندى.

وقال:

— كنتوا فاكرين الحرب بين أخوين.

لكن الحقيقة…

إنكم كنتوا طول الوقت بتحاربوا العدو الغلط.

ثم نظر إلى ندى مباشرة.

وقال الجملة التي غيّرت كل شيء:

— والدك الحقيقي… عندي.

ولسه عايش.

لكن لو الفلاشة ماوصلتش لإيدي خلال عشر دقائق…

هتموتي من غير ما تشوفيه مرة واحدة.

يتبع…ندى حست إن رجليها مش شايلينها.

همست:

— يعني… الراجل اللي حضنته من شوية…

طلع نصاب؟

كريم ابتسم.

— ممثل كويس… مش كده؟

ندى بصت للرجل اللي كان متنكر.

كان واقف مطأطئ راسه، وكأنه مجرد أداة.

لكن كريم…

هو اللي كان بيدير كل حاجة.

عمر قبض إيده بقوة.

— كنت أنت اللي ورا كل حاجة من البداية.

كريم هز كتفه.

— خطف آدم…

الرسالتين…

القنبلة الوهمية…

العربية اللي انفجرت…

كلها كانت مجرد شطرنج.

ثم أشار إلى الفلاشة.

— والملكة في اللعبة دي… هي دي.

ندى رفعت الفلاشة قدامها.

وقالت بثبات لأول مرة:

— لو هي دي اللي إنت عايزها…

يبقى مستحيل تاخدها.

كريم ابتسم.

وأخرج هاتفه.

ضغط على زر.

ظهر بث مباشر.

رجل عجوز مربوط على كرسي داخل مخزن قديم.

وشه متورم…

لكن ندى عرفته من الصور.

كان والدها الحقيقي.

فتح عينيه بصعوبة.

ولما شاف الكاميرا…

همس:

— ندى…

دموعها نزلت فورًا.

— بابا!

كريم قال ببرود:

— قدامك خمس دقايق.

يا الفلاشة…

يا أبوكي.

يوسف قرب من ندى وهمس:

— متسلميهوش.

عمر قال في نفس اللحظة:

— حتى لو قتل أبوكي… الفلاشة أهم.

ندى بصت له بصدمة.

— إزاي تقول كده؟!

قال وهو بيحاول يسيطر على انفعاله:

— لأن الفلاشة فيها أسماء مئات الناس.

لو راحت له…

هيقتل أبوكي بعد ما ياخدها.

وهيقتل أي شاهد.

يوسف أومأ.

— لأول مرة… أنا وعمر متفقين.

ندى كانت منهارة.

بين أبوها…

وبين مئات الأبرياء.

وفجأة…

آدم شد طرف هدومها.

وقال بصوت واطي:

— آنسة ندى…

هو بيكدب.

بصت له بسرعة.

— مين؟

أشار إلى كريم.

— جدي علمني حاجة.

— إيه؟

— الشرير لما يبقى واثق إنه كسب…

عمره ما يوري الورقة الحقيقية.

ندى ركزت في البث.

دققت في الصورة.

ثم فجأة…

شهقت.

— لا…

عمر التفت إليها.

— في إيه؟

أشارت إلى شاشة الهاتف.

— الساعة.

كريم عقد حاجبيه.

ندى قالت بسرعة:

— الساعة اللي ورا الراجل…

واقفـة على الساعة اتنين.

لكن دلوقتي المغرب.

يعني البث…

مش مباشر.

الصمت خيم على المكان.

يوسف ابتسم لأول مرة.

أما عمر…

فنظر إلى كريم وقال:

— انتهت لعبتك.

ملامح كريم تجمدت.

لأول مرة…

فقد هدوءه.

ندى رفعت الفلاشة عاليًا.

وقالت بثقة:

— أبويا مش عندك دلوقتي…

إنت بتحاول تكسب وقت.

كريم ضغط على الزناد في لحظة غضب.

لكن قبل ما يطلق النار…

اندفع آدم بكل قوته.

اصطدم بذراع كريم.

خرجت الرصاصة…

واخترقت زجاج النافذة بدلًا من صدر ندى.

وفي نفس اللحظة…

انقض عمر ويوسف معًا على كريم.

لأول مرة منذ سنوات…

الأخوان قاتلا جنبًا إلى جنب…

ضد عدو واحد.

وبعد اشتباك عنيف…

سقط المس\دس من يد كريم.

لكن…

قبل أن يتمكن سامح من تقييده…

ضغط كريم على زر صغير مخفي في خاتمه.

وسمع الجميع صوتًا إلكترونيًا.

ثم ظهر على شاشة هاتفه سطر واحد:

“تم إرسال جميع الملفات تلقائيًا.”

ابتسم كريم وهو ينظر إلى عمر.

وقال بهدوء:

— حتى لو قبضتوا عليّ…

اللعبة لسه بدأت.

يتبع…صمت ثقيل ملأ الغرفة.

الجميع كان باصص لهاتف كريم.

عمر خطفه بسرعة.

فتح الشاشة.

ظهر إشعار واحد فقط:

“Transfer Failed.”

رفع عمر عينيه ببطء.

ثم ابتسم لأول مرة من بداية الأحداث.

كريم اتغير لون وشه.

خطف الهاتف منه.

ضغط على الشاشة بعصبية.

مرة…

واتنين…

وثلاثة.

لكن نفس الرسالة كانت بتظهر.

لا توجد شبكة.

اتجمد مكانه.

ثم بص ناحية ندى.

ندى ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:

— نسيت حاجة؟

كريم عقد حاجبيه.

قالت:

— الراجل اللي إنت استخدمته علشان يفصل شبكة المستشفى…

قطع الإنترنت عنك إنت كمان.

عمر ضحك ضحكة قصيرة.

— طول عمرك ذكي…

بس المرة دي وقعت في فخك بنفسك.

سامح انتهز اللحظة.

قيد كريم بالأصفاد الحديدية.

لأول مرة…

ظهر الخوف الحقيقي في عينيه.

لكن بدل ما ينهار…

بدأ يضحك.

ضحكة طويلة.

ندى قالت بضيق:

— بتضحك على إيه؟

رفع رأسه.

وقال:

— لأنكم لسه فاكرين إن الفلاشة هي كل حاجة.

ثم نظر إلى ندى مباشرة.

— افتحيها.

ندى أخرجت الفلاشة.

ناولتها لعمر.

وصلها باللاب توب.

ظهر مجلد واحد فقط.

اسمه:

“إذا وصلت لهذا الملف… فأنت متأخر.”

فتحوه.

ظهر فيديو.

لكن المفاجأة…

اللي في الفيديو ماكانش والد ندى.

ولا كريم.

ولا يوسف.

كان رجلًا في الستينات، يرتدي بدلة قاضٍ.

قال بهدوء:

> “إذا كنت تشاهد هذا التسجيل، فمعناه أن المؤامرة نجحت.”

 

ثم بدأ يقرأ أسماء.

وزراء.

رجال أعمال.

ضباط كبار.

قضاة.

أكثر من خمسين اسمًا.

وفي نهاية الفيديو قال:

> “لكن الرأس الحقيقي للتنظيم… لن تجدوه في أي قائمة.”

 

ثم رفع ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.

وقال:

> “اسمه موجود هنا.”

 

وانتهى الفيديو.

ندى همست:

— الظرف فين؟

كريم ابتسم من جديد.

— معايا.

عمر صرخ:

— كذاب!

قال كريم بثقة:

— فتشوني.

سامح فتشه بالكامل.

البدلة.

الأحذية.

الساعة.

الخاتم.

مافيش أي ظرف.

ندى بصت إلى اللاب توب.

ثم أعادت تشغيل آخر ثانية من الفيديو.

لاحظت حاجة.

القاضي لما رفع الظرف…

كان واقف قدام لوحة زيتية.

وفي اللوحة…

انعكس شخص واقف خارج الكاميرا.

كبرت الصورة.

الانعكاس كان مشوشًا.

لكنها قدرت تميز خاتمًا فضيًا كبيرًا في يد الشخص.

ندى شهقت.

بصت إلى سامح.

في نفس اللحظة…

سامح كان لابس نفس الخاتم.

ساد الصمت.

سامح بص لإيده…

ثم بسرعة خلع الخاتم ورماه على الأرض.

وقال بغضب:

— ده مجرد خاتم!

لكن عمر كان مركز في تفاصيل تانية.

اقترب منه.

ثم قال بهدوء:

— أنا عمري ما شفتك بتلبس خاتم.

سامح تراجع خطوة.

ندى همست:

— هو…

هو الخائن؟

سامح ابتسم.

ابتسامة مختلفة تمامًا.

باردة…

ومليانة سخرية.

ثم قال:

— أخيرًا…

استغرقتم وقتًا طويلًا.

وقبل أن يتحرك أحد…

ضغط بإصبعه على الخاتم بعد أن كان على الأرض.

خرج منه دخان أبيض كثيف ملأ الغرفة كلها.

اختفت الرؤية.

وتعالت أصوات السعال.

وبعد أقل من عشر ثوانٍ…

اختفى سامح.

وكريم…

اختفى معه.

ولم يبقَ على الأرض…

إلا الظرف الأحمر المختوم بالشمع.

لكن عندما انحنى عمر ليلتقطه…

وجد مكتوبًا عليه بخط واضح:

“لا تفتحه داخل المستشفى.”

يتبع…عمر مد إيده ناحية الظرف.

لكن قبل ما يلمسه…

ندى مسكت دراعه.

— استنى.

بصلها باستغراب.

— ليه؟

قالت وهي بتفتكر كل اللي حصل من أول الليلة:

— كل مرة استعجلنا… وقعنا في فخ.

يوسف قرب هو كمان.

— معاها حق.

عمر رجع إيده ببطء.

قال لسامح… ثم سكت.

افتكر إن سامح هرب.

أغمض عينيه للحظة.

ثم نادى أحد الحراس.

— هات جهاز فحص متفجرات.

بعد دقائق…

وصل خبير المفرقعات.

فحص الظرف بحذر شديد.

ثم رفع رأسه وقال:

— مفيش متفجرات.

ندى تنفست براحة.

لكن الخبير أكمل:

— فيه شريحة إلكترونية دقيقة جدًا جوه ختم الشمع.

عمر عقد حاجبيه.

— شريحة؟

— أيوه… ولو اتفتح الظرف هنا… هتبعت إشارة لمكان مجهول.

يوسف ابتسم بمرارة.

— علشان يعرفوا إننا قرينا الرسالة.

ندى قالت بسرعة:

— يبقى نكسر الشريحة الأول.

الخبير هز رأسه.

— مستحيل… لأنها متوصلة بورقة الظرف نفسها.

عمر فكر ثواني.

ثم قال:

— ناخده لمعمل الأدلة الجنائية.

…

بعد ساعة…

داخل معمل تابع للنيابة العامة.

نجح الخبراء في تعطيل الشريحة.

وأخيرًا…

فتح عمر الظرف.

كل الموجودين كانوا منتظرين أسماء كبار العصابة.

لكن المفاجأة…

الظرف كان فيه ورقة واحدة فقط.

مكتوب فيها:

“إذا وصلتوا للمرحلة دي… يبقى أنا خسرت.”

ندى همست:

— إيه ده؟

عمر قلب الورقة.

على ظهرها…

كان فيه عنوان.

مخزن 17… ميناء الإسكندرية القديم.

وأسفل العنوان جملة قصيرة.

“الحقيقة كلها هناك.”

…

بعد ثلاث ساعات…

وصلت قوة كبيرة إلى الميناء.

المخزن رقم 17 كان مهجورًا.

الباب الحديدي عليه صدأ.

لكن القفل…

كان جديدًا.

يوسف قال بهدوء:

— هو هنا.

الحراس كسروا الباب.

ودخل الجميع.

المخزن كان مظلمًا.

وفاضي…

إلا من كرسي واحد في المنتصف.

وعليه رجل مقيد.

ندى جريت ناحيته.

دموعها نزلت قبل ما توصل.

— بابا!

الرجل رفع رأسه ببطء.

كانت ملامحه مرهقة جدًا.

ولحيته طويلة.

لكن هذه المرة…

ندى عرفت.

عرفته من عينيه.

ومن الندبة الصغيرة فوق حاجبه.

ابتسم بصعوبة.

— كبرتي يا ندى…

ندى حضنته وهي بتبكي.

— كنت فين كل السنين دي؟

رد بصوت مبحوح:

— كنت مستخبي…

علشان تعيشي.

وقبل ما يكمل…

سمعوا صوت تصفيق.

الجميع لفّوا بسرعة.

كريم خرج من بين الحاويات.

لكن هذه المرة…

ماكانش معاه سلاح.

وكان وحده.

ابتسم وقال:

— مبروك…

لقيتوا أبوها.

عمر رفع مس\دسه.

— انتهت.

كريم هز رأسه.

— لا… دي البداية.

وأشار إلى والد ندى.

— اسأله هو…

مين اللي سلّم أسماء الشهود للعصابة من عشرين سنة.

الصمت خيم على المكان.

ندى بصت لأبوها بعدم تصديق.

— يعني إيه؟

الرجل أغلق عينيه.

ونزلت دمعة على خده.

ثم قال بصوت مكسور:

— للأسف…

كريم بيقول الحقيقة.

أنا…

أنا السبب في موت ناس كتير.

ندى رجعت خطوة للخلف.

كأنها اتلقت صدمة جديدة.

أما عمر…

فأخفض سلاحه ببطء.

لأنه فهم أخيرًا…

أن القض\ية اللي دمرت حياة الجميع…

لم يكن فيها أبرياء بالكامل.

النهاية… أم أن الحقيقة ما زال ينقصها فصل أخير؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *