كنت بروح اساعد مرات ابني. حكايات_ميراا
واحدة بس…
ثم سُمعت أصوات أشخاص يتحدثون في الخلفية، لكن الكلمات لم تكن واضحة.
وفجأة…
انقطع التسجيل بصوت ارتطام قوي، ثم عمّ الصمت.
نظر الجميع إلى بعضهم في ذهول.
أما أحمد، فشعر لأول مرة أن الحقيقة أصبحت قريبة جدًا… لكنها ما زالت مخفية خلف ذلك الصوت الغامض الذي لم يتعرف عليه أحد بعد أخذ الضابط الورقة بحذر، وطلب إرسالها للفحص مع باقي الأدلة.
أما أحمد، فظل يحدق في الكلمات وكأنها آخر خيط يمكن أن يوصله للحقيقة.
بعد دقائق، خرجت ممرضة وقالت
المريضة فتحت عينيها… لكنها مرهقة جدًا. مسموح لشخص واحد يدخل دقيقة.
اندفع أحمد نحو الباب، لكن الضابط أوقفه.
ممنوع تضغط عليها… اسأل سؤالًا واحدًا بس.
دخل أحمد الغرفة.
كانت سارة شاحبة بشكل مخيف، وعيناها تتحركان بصعوبة.
اقترب منها، أمسك يدها، وقال بصوت مكسور
مين عمل فيكي كده؟
بدأت شفايفها تتحرك ببطء…
خرج صوتها بالكاد يُسمع
آ… د…
توقف النفس في صدر أحمد.
آدم؟
هزت رأسها بالنفي بسرعة، ثم حاولت تكمل.
آ… م…
وفجأة انقطع صوت الأجهزة للحظة، واندفع الأطباء لإعادة تثبيت أحد المحاليل.
أخرجوا أحمد من الغرفة فورًا.
وقف خارج الباب يضرب الحائط بقبضته وهو يردد
كانت هتقول الاسم… كانت خلاص هتقوله.
في تلك اللحظة، عاد أحد أفراد الشرطة من المنزل.
كان يحمل صندوقًا صغيرًا وملفًا.
قال للضابط
يا فندم… لقينا الصندوق ده فوق الدولاب في أوضة النوم.
فتح الضابط الصندوق.
كان بداخله أساور المستشفى التي خرجت بها سارة وآدم بعد الولادة، وبعض الأوراق… وتحتها ظرف مغلق مكتوب عليه بخط واضح
يفتحه أحمد لو حصل لي حاجة.
تبادل الجميع النظرات.
مد أحمد يده وهو يرتجف ليفتح الظرف…
لكن الضابط أمسك يده وقال بحزم
استنى… لازم نوثق كل حاجة الأول. الرسالة دي ممكن تغير القضية كلها.
وظلت عيون أحمد معلقة على الظرف المغلق، وهو لا يعلم أن ما بداخله قد يقلب كل ما كان يظنه عن الأيام الأربعة الماضية… لكنه لم يكن مستعدًا بعد لمعرفة الحقيقة رفع أحمد صوته وهو يكاد يفقد أعصابه
قول يا فندم… التقرير فيه إيه؟
ظل الضابط صامتًا لثوانٍ، ثم أغلق شاشة الهاتف وقال
مش هينفع أقول أي حاجة قبل ما نتأكد بنسبة مية في المية.
اعترض أحمد بعصبية
كل دقيقة بتضيع وأنا مش عارف مين عمل كده في مراتي وابني!
لكن الضابط اكتفى بقوله
إحنا قربنا جدًا.
في نفس الوقت، وصل فريق المعاينة إلى المستشفى حاملين الصندوق المقفول وبطاقة الذاكرة التي وُجدت داخل الدرج السري.
وُضعت بطاقة الذاكرة في جهاز الكمبيوتر.
ظهرت ملفات كثيرة، لكن معظمها كان محميًا بكلمة مرور.
إلا أن هناك ملف فيديو واحدًا لم يكن عليه أي حماية.
ضغط الضابط على زر التشغيل.
ظهر تاريخ التسجيل…
قبل سفر أحمد بيوم واحد.
كانت الكاميرا موضوعة في زاوية غرفة الجلوس، وكأنها سُجلت سرًا.
دخلت سارة إلى الغرفة وهي تحمل آدم، ثم نظرت مباشرة ناحية الكاميرا وقالت بصوت هادئ لكنه مليء بالخوف
لو الفيديو ده بيتشاف… يبقى أنا كنت حاسة إن في حاجة غلط، وعشان كده سجلته.
توقف الجميع عن الكلام.
أكملت سارة
أنا مش باتهم حد… لكن في حاجات بتحصل في البيت وأنا مش فاهمة سببها. كل ما أحمد يسافر، أمور غريبة بتحصل، وأنا قررت أوثق أي حاجة أشوفها.
ثم التفتت فجأة ناحية باب الغرفة، وكأنها سمعت أحدًا يقترب.
أسرعت وأوقفت التسجيل.
انتهى الفيديو.
ساد الصمت.
قال الضابط
واضح إن فيه تسجيلات تانية… ولو عرفنا نفتحها، هنعرف اللي حصل.
وفي تلك اللحظة دخل خبير الأدلة الرقمية إلى الغرفة وهو يحمل جهاز الكمبيوتر.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
عندي خبر مهم… قدرت أفك تشفير أول ملف من الملفات المقفولة.
اقترب الجميع من الشاشة.
ظهر شريط التقدم وهو يفتح الملف ببطء…
ثم ظهرت أول لقطة، جعلت الضابط ينهض من مكانه فجأة دون أن ينطق بكلمة، بينما تجمد أحمد وهو يحدق في الشاشة، غير مصدق ما يراه وقف الضابط يكرر التسجيل أكثر من مرة.
في كل مرة كان يركز على الأصوات اللي في الخلفية.
وفجأة قال أحد أفراد المباحث
استنوا… ارجعوا ثانيتين.
رجعوا التسجيل ببطء.
وسط بكاء سارة، ظهر صوت خافت جدًا وهو بيقول
اقفل التسجيل… بسرعة.
لكن ما كانش واضح مين اللي قالها.
أرسل الضابط التسجيل إلى قسم الأدلة الجنائية لتحسين الصوت، وطلب منهم تقريرًا عاجلًا.
في نفس الوقت، دخلت الممرضة مسرعة.
يا دكتور… المريضة بدأت تستعيد وعيها.
دخلت الطبيبة إليها، وبعد دقائق خرجت وهي تنظر إلى الضابط.
تقدروا تكلموها… لكن لدقائق قليلة.
دخل الضابط ومعه أحمد.
كانت سارة تتنفس بصعوبة، لكنها هذه المرة كانت أكثر وعيًا.
اقترب أحمد وهمس
أنا جنبك… متخافيش.
امتلأت عيناها بالدموع.
حاولت ترفع يدها، وأشارت ناحية حقيبة أحمد الموضوعة على الكرسي.
استغرب، وفتحها.
في الجيب الجانبي وجد مفتاحًا صغيرًا لم يره من قبل.
سألها
المفتاح ده بتاع إيه؟
أغلقت عينيها للحظة، ثم همست بصوت ضعيف جدًا
الدولاب… فوق…
وقبل أن تكمل، دخل الطبيب وطلب خروج الجميع حتى لا تجهد نفسها.
لم يضيع الضابط دقيقة واحدة.
اتصل بفريق المعاينة وطلب منهم تفتيش الدولاب الموجود في غرفة النوم باستخدام المفتاح.
مر أقل من نصف ساعة…
ثم جاء الاتصال.
قال العسكري بصوت متوتر
يا فندم… المفتاح فتح درجًا سريًا داخل الدولاب.
أحمد اتسعت عيناه.
درج سري؟! أنا عايش في البيت ده من خمس سنين ومعرفش إنه موجود!
رد العسكري
وفيه جوه… ملف كامل، وصندوق صغير مقفول، وكاميرا ذاكرة.
ساد صمت ثقيل.
نظر الضابط إلى أحمد وقال
واضح إن سارة كانت بتحاول تخبي حاجة مهمة جدًا… والسؤال دلوقتي ليه أخفتها حتى عنك؟
وفي اللحظة نفسها، وصلت رسالة من الأدلة الجنائية
تم تحسين التسجيل الصوتي… ونجحنا في استخراج جملة كاملة كانت مخفية وسط الضوضاء.
فتح الضابط الرسالة ببطء…
وتغيرت ملامحه فور أن قرأها، بينما بقي أحمد ينظر إليه بقلق، غير مدرك أن الكلمات التي ظهرت في التقرير قد تغير مسار القضية بالكامل تجمدت الأنفاس داخل الغرفة.
أحمد حاول يقترب من الشاشة، لكن الضابط رفع يده وقال
اهدى… لازم نشوف الفيديو للنهاية.
بدأ التسجيل.
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرًا.
الصورة أظهرت ممر البيت، والإضاءة كانت خافتة.
بعد ثوانٍ، ظهر شخص يدخل الممر ببطء.
لكن وجهه لم يكن واضحًا، لأن الكاميرا كانت تصور من الخلف.
ظهر وهو يحمل زجاجة مياه وكوبًا، ثم اختفى داخل غرفة سارة لدقائق.
خرج بعدها مسرعًا وهو ينظر يمينًا ويسارًا، ثم مد يده نحو الكاميرا.
في اللحظة نفسها انقطع التسجيل.
قال خبير الأدلة
واضح إنه اكتشف الكاميرا بعد كده.
لكن قبل أن يغلق الفيديو، لاحظ أحد الضباط شيئًا صغيرًا.
أوقف الصورة.
وكبّرها.
كان انعكاس مرآة معلقة في آخر الممر.
وفي الانعكاس ظهر جزء من وجه الشخص لثانية واحدة فقط.
لم تكن الصورة كافية للتعرف عليه، لكنها أظهرت شيئًا لفت انتباه الجميع…
كان يرتدي في يده ساعة معدنية كبيرة عليها خدش واضح في السوار.
همس أحمد
الساعة دي… أنا شفتها قبل كده.
نظر إليه الضابط بسرعة.
فين؟
ظل أحمد يحاول التذكر.
ثم ضرب كفًا بكف وقال
استنى… عندي صورة من يوم سبوع آدم.
أخرج هاتفه وفتح ألبوم الصور.
بدأ يقلب صورة وراء أخرى.
وفجأة توقف.
كبر الصورة، ثم سلّم الهاتف للضابط.
في الصورة كانت العائلة كلها مجتمعة.
لكن عين أحمد لم تكن على الوجوه…
كانت على يد أحد الواقفين في الخلف.
نفس الساعة.
ونفس الخدش الموجود في الفيديو.
رفع الضابط رأسه ببطء، ثم قال
اطبعوا الصورة… واستدعوا كل اللي كانوا موجودين يوم السبوع للتحقيق.
ساد صمت ثقيل.
أحمد شعر أن الحقيقة أصبحت على بعد خطوة واحدة فقط.
لكن السؤال الذي ظل يطارد الجميع كان
هل صاحب الساعة هو من ظهر في الفيديو فعلًا… أم أن هناك شخصًا آخر تعمد ارتداءها ليُوجّه الاتهام إليه؟في صباح اليوم التالي، بدأت