فاتهم اهم انترفيو

فاتها أهم انترفيو في حياتها عشان تنقذ طفلة صغيرة كانت بتعيط… وبعد أقل من ساعة، صاحب الشركة بنفسه جري عليها.
الجزء الأول

“لو سمحتي… ماتسبينيش أنا كمان.”

الجملة دي قالتها طفلة صغيرة وهي ماسكة في كم جاكيت نور.

خمس كلمات بس…

وقفوا الدنيا كلها.

نور بصت للطفلة…

وبعدين بصت للساعة الإلكترونية فوق رصيف المترو.

7:42 الصبح.

كان عندها انترفيو الساعة 8:30.

في شركة كبيرة جدًا في القاهرة.

وظيفة كانت هتغير حياتها كلها.

كانت صحيت قبل الفجر.

كوت الفستان الكحلي مرتين.

وطبعت الـCV من مكتبة عامة لأن طابعة البيت باظت من زمان.

وقفت قدام المراية تحفظ إجابات الانترفيو…

لحد ما بطلت ترتعش وهي بتتكلم.

المرتب…

كان كفيل إنها تبطل تعد الفكة قبل ما تشتري أكل.

وتقدر تشتري علاج أمها كل شهر.

لكن دلوقتي…

قدامها طفلة عندها حوالي ست سنين.

بتعيط لدرجة إنها مش قادرة تاخد نفسها.

الناس كلها كانت ماشية حواليهم.

راجل زق نور وهو مستعجل.

واحدة عدت بكوباية القهوة في إيديها…

ولا حتى بصت للبنت.

المترو وصل.

وراح.

والمدينة كملت حياتها…

كأن مفيش طفلة تايهة واقفة وسط الزحمة.

نور ركعت على ركبتها.

وقالت بابتسامة هادية:

“أنا اسمي نور.”

“وإنتِ اسمك إيه؟”

البنت شهقت من العياط.

وقالت:

“ليلى.”

“إنتِ تايهة؟”

هزت راسها بسرعة.

“كنت مع طنط… وقفت أربط الجزمة… والناس زقتني… ولما بصيت ملقتهاش.”

نور بلعت ريقها.

وقالت:

“عارفة رقم بابا؟”

ليلى هزت راسها.

“لأ.”

“اسم العيلة؟”

“المنشاوي.”

الاسم ما قالش لنور أي حاجة.

هي كانت باصة للساعة.

7:44.

لو مشت دلوقتي…

يمكن تلحق.

ممكن تسيب البنت مع أمن المحطة.

أو مع أي موظف.

أو أي حد.

لكن فجأة…

ليلى شدت في كمها أكتر.

وقالت وهي بتمسح دموعها:

“لو سمحتي…”

“طنط قالتلي ماكلمش حد غريب…”

“بس محدش غيرك بصلي.”

الكلمة خبطت نور في قلبها.

لأنها عارفة يعني إيه تبقى وسط ناس كتير…

ومحدش يشوفك.

عاشت عمرها تشوف أمها بتنضف مكاتب…

والناس ما تعرفش حتى اسمها.

وشافت موظفين ودكاترة وأصحاب بيوت…

يعاملوا الغلابة كأنهم هوا.

ومن يومها…

وعدت نفسها…

إن لو في يوم بقى عندها مشوار مهم…

عمرها ما هتسيب طفل خايف لوحده.

ابتسمت.

ومسكت إيد ليلى.

وقالت:

“يلا بينا.”

“هنلاقي حد يساعدنا.”

النص ساعة اللي بعد كده…

ضيعوا كل اللي كانت مخططة له.

أول موظف قالها:

“مش شغلي.”

التاني قالها:

“روحي الأمن.”

الأمن فضل يسأل البنت بسرعة…

لحد ما عيطت أكتر.

نور فضلت تهديها.

وتمسح دموعها.

وتطمنها.

الساعة 8:04…

اتصلت بالشركة.

وقالت:

“أنا نور…”

“عندي انترفيو الساعة تمانية ونص…”

“بس فيه طفلة تايهة وأنا معاها…”

“هتأخر شوية.”

الموظفة ردت ببرود:

“لو حضرتك ما وصلتيش في ميعادك…”

“هيتم اعتبارك متغيبة.”

نور حاولت تشرح.

لكن المكالمة خلصت.

قفلت الموبايل.

وبصت للشاشة.

متغيبة.

كلمة واحدة…

ضيعت حلم كانت مستنياه بقالها سنين.

ليلى سندت راسها على كتفها.

وقالت بخوف:

“إنتِ زعلانة مني؟”

نور بصتلها بسرعة.

وقالت:

“لأ يا حبيبتي.”

“إنتِ مالكيش ذنب.”

“بس إنتِ حزينة.”

نور ابتسمت بالعافية.

وقالت:

“ساعات… الصح بيوجع.”

ليلى فضلت باصة لها شوية.

وبعدين فتحت شنطتها.

وطلعت استيكر على شكل فراشة بنفسجي.

وقالت:

“خديه.”

“عشان ساعدتيني.”

نور أخدته…

كأنه أغلى هدية في الدنيا.

الساعة 8:31…

راجل جري في الممر.

كان لابس بدلة فخمة.

وكرافتته مفكوكة.

ووشه كله رعب.

أول ما شاف البنت…

صرخ:

“ليلى!”

البنت جريت عليه.

وقالت وهي بتعيط:

“بابا!”

نزل على ركبته.

وحضنها جامد.

وباس راسها كذا مرة.

وكان بيترعش.

قال:

“أنا آسف.”

“أنا هنا.”

“مش هسيبك تاني.”

وبعدين…

رفع عينه لأول مرة ناحية نور.

شاف فستانها اللي اتكرمش.

والملف اللي في إيديها.

والجزمة اللي بهدلتها الجرية.

والخيبة اللي بتحاول تخبيها.

قال:

“إنتِ اللي لقيتيها؟”

نور هزت راسها.

وقالت:

“كانت لوحدها في المحطة.”

“فضلت معاها لحد ما الأمن وصلك.”

ابتسم وهو لسه شايل بنته.

وقال:

“مش عارف أشكرك إزاي.”

“أنا هشام المنشاوي.”

نور قلبها وقع.

المنشاوي؟!

استحالة…

قالت بهدوء:

“أنا نور حسن.”

أول ما سمع اسمها…

ملامحه اتغيرت فجأة.

وقال وهو باصصلها باستغراب:

“نور… حسن؟”

يتبع…
فاتها أهم انترفيو في حياتها عشان تنقذ طفلة صغيرة كانت بتعيط… وبعد أقل من ساعة، صاحب الشركة بنفسه جري عليها.
هشام فضل باصص لها ثواني…

كأنه بيحاول يفتكر حاجة.

وبعدين قال:

“إنتِ… كنتِ جاية النهارده تعملِي انترفيو؟”

نور اتجمدت مكانها.

وقالت باستغراب:

“حضرتك عرفت منين؟”

بص على الملف اللي في إيديها.

كان عليه لوجو الشركة.

واسمها مكتوب بخط واضح.

نور حسن.

ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

“إنتِ كنتِ متقدمة لوظيفة مساعد مدير المشروعات… صح؟”

نور حست إن قلبها وقف.

“حضرتك… تبع الشركة؟”

قبل ما يرد…

واحد من أفراد الأمن جري عليهم.

وقال باحترام شديد:

“يا فندم… العربية مستنياك قدام الباب.”

نور بصت للرجل…

وبعدين للأمن…

ولأول مرة استوعبت مين اللي واقف قدامها.

ده نفس الاسم اللي كان مكتوب فوق إعلان الوظيفة.

رئيس مجلس إدارة الشركة.

هشام لاحظ ارتباكها.

قال بهدوء:

“واضح إن القدر عنده طريقته الغريبة.”

نور ابتسمت ابتسامة باهتة.

وقالت:

“للأسف القدر ضيع عليا الشغل.”

هز رأسه.

“مين قال كده؟”

طلعت نفس طويل.

“السكرتيرة قالت لو اتأخرت هيتعتبر إني متغيبة.”

سكت لحظة…

وبعدين بص على ساعته.

كانت لسه 8:36.

قال للأمن:

“هاتولي العربية.”

ثم التفت لنور.

“اتفضلي اركبي.”

نور رجعت خطوة لورا.

“لا… أنا مش طالبة أي مجاملة.”

ابتسم.

“وأنا مش بعرض مجاملة.”

“أنا بعرض أوصلك لانترفيو كان سبب تأخرك فيه إنك أنقذت بنتي.”

نور قالت بسرعة:

“بس ده هيبقى ظلم لباقي المتقدمين.”

هشام رد من غير ما يرفع صوته:

“الظلم الحقيقي… إن الشركة تخسر إنسانة حطت حياة طفلة قبل مصلحتها.”

قبل ما ترد…

رن موبايله.

بص للشاشة…

وتغيرت ملامحه.

رد بسرعة.

“أيوه.”

الطرف التاني اتكلم بعصبية.

هشام قال بحدة:

“مين سمح بده؟”

نور ما كانتش سامعة غير كلمات متقطعة.

“الاجتماع اتلغى؟”

“…”

“مين خد القرار؟”

“…”

“أنا جاي حالًا.”

قفل المكالمة…

وأخد نفس طويل.

واضح إن في حاجة كبيرة حصلت في الشركة.

ليلى كانت ماسكة رقبة أبوها.

وبصت لنور بابتسامة بريئة.

وقالت:

“بابا… هي هتيجي معانا؟”

هشام بص لنور.

وقال:

“القرار في إيدك.”

نور بصت للساعة.

8:39.

حتى لو راحت…

أكيد الدور خلص.

ويمكن الموظفين خرجوا.

لكن في نفس اللحظة…

وصل إشعار على موبايلها.

رقم غريب.

فتحت الرسالة.

وكان مكتوب فيها:

“تم إلغاء مقابلتك الشخصية بسبب عدم الحضور.”

وتحتها مباشرة…

“نتمنى لك التوفيق مستقبلًا.”

نور ابتسمت بمرارة.

وقفلت الموبايل.

وقالت بهدوء:

“خلاص… الموضوع انتهى.”

لكن هشام مد إيده وقال بثقة:

“لأ يا آنسة نور…”

“الموضوع لسه ما بدأش أصلاً.”

وفي اللحظة دي…

خرجت من باب المحطة سيارة سوداء فاخرة.

ووقف السائق يفتح الباب باحترام.

وفي الناحية التانية من المدينة…

داخل مقر الشركة…

كانت نفس الموظفة اللي رفضت تسمع تبرير نور…

بتقول لزميلتها وهي بتضحك:

“أي حد يتأخر دقيقة يبقى ما ينفعش يشتغل عندنا.”

لكنها ما كانتش تعرف…

إن بعد دقائق قليلة…

هي نفسها هتتفاجئ بالشخص اللي هيدخل الشركة مع رئيس مجلس الإدارة… والملف الأزرق اللي كانت اعتبرته منتهيًا، هيقلب يوم الشركة كله.ركبت نور العربية وهي لسه مش مستوعبة اللي بيحصل.

قعدت في آخر الكرسي، وحطت ملفها على رجلها.

وقالت بهدوء:

“أنا بجد مش عايزة أفضل عن حد.”

هشام كان قاعد قدامها، وليلى نايمة في حضنه من كتر الخوف اللي عاشته.

رد من غير ما يبصلها:

“وأنا طول عمري بكره الواسطة.”

سكت لحظة…

وقال:

“علشان كده مش هاعتبرك نجحتي.”

نور بصتله باستغراب.

ابتسم وقال:

“هتاخدي فرصة… زي أي متقدم.”

“بس فرصة ضاعت بسبب ظرف أنا مسؤول عنه بشكل غير مباشر.”

نور ما ردتش.

الكلام كان منطقي…

وده خلاها ترتاح شوية.

…

بعد ربع ساعة…

العربية وقفت قدام مبنى الشركة.

نور رفعت رأسها.

نفس المبنى اللي كانت بتحلم تدخله من سنين.

لكن المرة دي…

دخلته جنب رئيس مجلس الإدارة نفسه.

أول ما دخلوا الريسبشن…

السكرتيرة اللي كلمتها في الصبح اتسعت عينيها.

وقفت بسرعة.

وقالت بتوتر:

“صباح الخير يا فندم.”

هشام رد بهدوء:

“فين لجنة التوظيف؟”

“في قاعة الاجتماعات يا فندم.”

بص ناحية نور.

وقال:

“اتفضلي.”

السكرتيرة بصت لنور بدهشة.

دي نفس البنت…

اللي قالتلها من ساعة:

“اعتبري نفسك متغيبة.”

حاولت تتكلم.

“يا فندم… هي…”

رفع هشام إيده.

“بعد إذنك.”

وسكتت فورًا.

…

داخل قاعة الاجتماعات…

كان خمسة قاعدين حوالين ترابيزة كبيرة.

وأول ما هشام دخل…

الكل وقف.

واحد منهم قال:

“كنا فاكرين حضرتك في الطريق للاجتماع الخارجي.”

هشام قال:

“اتأجل.”

وبعدين أشار لنور.

“الآنسة دي كان عندها انترفيو الساعة تمانية ونص.”

مدير الموارد البشرية فتح اللابتوب بسرعة.

وقال:

“للأسف ملفها اتقفل بسبب الغياب.”

هشام سأله بهدوء:

“تعرف سبب غيابها؟”

هز رأسه.

“لا يا فندم.”

هشام حكى في أقل من دقيقة اللي حصل في محطة المترو.

القاعة كلها سكتت.

واحدة من أعضاء اللجنة قالت بصوت منخفض:

“يعني ضحت بالوظيفة عشان طفلة متعرفهاش.”

هشام رد:

“وده بالضبط السبب اللي خلاني أرجعها.”

ثم بص للجنة وقال:

“لكن…”

التفت ناحية نور.

“…من هنا ورايح أنا ماليش أي دور.”

“اسألوها… اختبروها… ولو تستحق الوظيفة خدّوها.”

“ولو ما تستحقهاش… ارفضوها.”

“لكن احكمو عليها بعلمها… مش بميعاد وصلت فيه.”

قال كده…

وأخذ ليلى وخرج من القاعة.

وساب نور لوحدها.

…

أول سؤال بدأ.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

ونور كانت كل دقيقة ثقتها بتزيد.

نسيت التوتر.

ونسيت اللي حصل الصبح.

وبقت بتجاوب بعفوية وفهم.

بعد ساعة كاملة…

طلبوا منها تستنى بره.

خرجت وهي مش عارفة النتيجة.

بعد عشر دقائق…

بدأت الأصوات تعلى جوه القاعة.

كان واضح إن أعضاء اللجنة مختلفين على حاجة.

وفجأة…

باب القاعة اتفتح بعنف.

وخرج أحد المديرين وهو متضايق جدًا.

وقال بصوت مسموع:

“أنا مستحيل أوافق!”

الجميع في الممر بص له باستغراب.

أما نور…

فحست إن قلبها نزل في رجليها.

ترى… كانوا مختلفين عليها؟

أم أن هناك سرًا آخر داخل الشركة… سيغيّر كل شيء؟نور فضلت واقفة قدام الباب…

إيديها ساقعة.

وقلبها بيدق بسرعة.

المدير اللي خرج كان بيتمشى في الممر بعصبية، وهو بيقول:

“ده ضد اللائحة… وضد كل نظام إحنا شغالين بيه.”

ورا منه خرجت مديرة الموارد البشرية.

وقالت بهدوء:

“يا أستاذ سامح… اسمع باقي الكلام الأول.”

رد بعصبية:

“أنا سمعت كفاية.”

“لو عملنا استثناء النهارده… بكرة كل واحد هيتأخر هيقول كان بينقذ حد.”

نور سمعت الجملة…

فلفت وشها ومشيت ناحية المصعد.

قالت لنفسها:

“معاه حق.”

“أنا مش عايزة حد يختلف عشاني.”

كانت لسه هتضغط زر المصعد…

لما سمعت صوت بيناديها.

“آنسة نور.”

لفت.

كان هشام.

واقف في آخر الممر.

قال بهدوء:

“إنتِ رايحة فين؟”

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

“كفاية إني أخدت فرصتي.”

“والنتيجة… أيًا كانت… هتقبلها.”

هشام هز رأسه بإعجاب.

لكن قبل ما يتكلم…

باب المصعد اتفتح.

ونزل منه راجل كبير في السن.

شعره أبيض.

وكل الموظفين أول ما شافوه وقفوا باحترام.

واحدة همست:

“المهندس فؤاد!”

“عضو مجلس الإدارة.”

الراجل كان ماشي بخطوات هادية…

لكن أول ما عينه وقعت على نور…

وقف مكانه.

فضل يبصلها ثواني.

وقال باستغراب واضح:

“اسمك… نور حسن؟”

نور استغربت للمرة التانية في نفس اليوم.

وقالت:

“أيوه.”

قرب منها أكتر.

وقال:

“والدتك اسمها… سعاد؟”

اتسعت عيون نور.

“حضرتك تعرف ماما؟”

ابتسم ابتسامة دافية.

وقال:

“أعرفها؟”

“دي الست اللي أنقذت حياتي من خمسة وعشرين سنة.”

كل اللي في المكان سكت.

حتى هشام بص لفؤاد باستغراب.

فؤاد كمل كلامه وهو بيبص لنور:

“عملت حادثة بالعربية.”

“والناس كانت واقفة تتفرج.”

“أمك كانت بتنضف في مبنى قريب.”

“جريت عليّ… وفضلت توقف العربيات وتطلب الإسعاف.”

“ولما عرضت عليها مكافأة…”

“رفضت وقالت: اللي يتعمل لوجه ربنا عمره ما يتباع.”

نور دموعها لمعت.

لأن أمها عمرها ما حكت لها الموقف ده.

فؤاد ابتسم وقال:

“واضح إن الأخلاق بتتورث.”

وفي اللحظة دي…

خرجت لجنة التوظيف كلها من القاعة.

وكانت رئيسة اللجنة ماسكة ملف نور.

وقالت:

“إحنا وصلنا لقرار.”

نور حبست نفسها…

لكن قبل ما رئيسة اللجنة تنطق بكلمة واحدة…

رن جرس إنذار قوي في المبنى كله.

ثم انطفأت الكهرباء فجأة.

وغرق الدور بالكامل في ظلام مفاجئ…

لتبدأ فوضى لم يكن أحد يتوقعها.صوت الإنذار كان حاد لدرجة إن كل اللي في الدور وقف مكانه.

ثواني…

وأنوار الطوارئ اشتغلت بلون أحمر خافت.

الموظفين بدأوا يبصوا لبعض بقلق.

واحدة من السكرتيرات قالت:

“إيه اللي حصل؟”

ورجل الأمن رد في السماعة:

“محدش يتحرك… بنتأكد الأول من سبب الإنذار.”

في وسط الارتباك…

ليلى، اللي كانت ماسكة إيد أبوها، اتخضت من الصوت.

حضنت رجله وهي بتعيط.

نور نزلت على ركبتها بسرعة.

وقالت بابتسامة هادية:

“بصيلي يا ليلى…”

“افتكري لعبة الفراشة.”

ليلى بصتلها وهي بتمسح دموعها.

نور طلعت الاستيكر البنفسجي من ملفها.

وقالت:

“الفراشة الشجاعة مبتخافش من الأصوات العالية.”

ليلى خدت نفس عميق…

وبدأت تهدى فعلًا.

هشام كان بيتابع الموقف في صمت.

ولأول مرة من الصبح…

ابتسم.

مش علشان نور أنقذت بنته…

لكن لأنها حتى وسط توترها وخوفها، كانت أول حاجة فكرت فيها هي تهدئة طفلة صغيرة.

بعد دقائق…

دخل مسؤول السلامة وهو بيجري.

وقال:

“الحمد لله… الإنذار كان بسبب عطل في أحد حساسات الدور الأرضي.”

الموظفين تنفسوا الصعداء.

ورجعت الكهرباء تشتغل.

الكل رجع يبص ناحية لجنة التوظيف.

رئيسة اللجنة فتحت الملف مرة تانية.

وقالت:

“دلوقتي نقدر نكمل.”

نور وقفت في هدوء.

رغم إن قلبها كان بيدق بقوة.

رئيسة اللجنة قالت:

“اللجنة كانت منقسمة.”

“مش بسبب تأخيرك…”

“لكن بسبب نتيجة الاختبارات.”

نور استغربت.

أكملت:

“ثلاثة من اللجنة شايفين إن مستواكي ممتاز.”

“واتنين شايفين إن خبرتك العملية لسه محتاجة وقت.”

ساد الصمت.

ثم قالت:

“وعشان كده…”

فتحت آخر صفحة في الملف.

وفي اللحظة دي…

دخل شاب في أوائل الثلاثينات مسرعًا وهو بيقول:

“معلش… أنا آسف على التأخير.”

كل الموجودين بصوا ناحيته.

هشام عقد حاجبيه.

وقال:

“أنت جيت أخيرًا يا عمر.”

الشاب رد وهو بياخد نفسه:

“كنت راجع من فرع الإسكندرية.”

ثم بص على نور…

وتجمد مكانه.

وقال بدهشة:

“…إنتِ!”

نور هي كمان اتفاجئت.

لأنها عرفته فورًا.

كان نفس الشاب…

اللي من أسبوعين، وهي راجعة في الأتوبيس، وقع منه ملف مليان أوراق مهمة.

وكل الركاب كانوا مستعجلين…

لكن هي الوحيدة اللي جريت وراه وسلمتهوله قبل ما الأتوبيس يتحرك.

وقتها شكرها ومشى…

ولا واحد فيهم عرف اسم التاني.

أما الآن…

كان واقف قدامها داخل الشركة.

وبدا من نظرات الموظفين…

إنه شخص له مكانة كبيرة داخلها.

يتبع…عمر فضل يبص لنور ثواني…

وكأنه بيتأكد إنها هي فعلًا.

وبعدين ابتسم وقال:

“أنا مستحيل أنسى وشك.”

أحد أعضاء اللجنة سأله باستغراب:

“حضرتك تعرف الآنسة نور؟”

هز رأسه.

وقال:

“من أسبوعين تقريبًا.”

“كان معايا ملف فيه عقود خاصة بمناقصة كبيرة.”

“وقعت مني وأنا بجري ألحق اجتماع.”

“ولو الملف كان ضاع…”

“الشركة كانت هتدخل في مشكلة كبيرة.”

بص لنور وهو بيكمل:

“كل الناس شافت الورق بيتطاير…”

“لكن هي الوحيدة اللي جريت تجمعه.”

“وسلمتهولي كامل.”

نور ابتسمت في هدوء.

وقالت:

“أي حد مكاني كان هيعمل كده.”

عمر رد بابتسامة:

“للأسف… مش أي حد.”

هشام كان بيسمع من غير ما يقاطع.

ثم سأل عمر:

“وأنت ماعرفتش اسمها وقتها؟”

ضحك عمر وقال:

“لا.”

“شكرتها وجريت على الاجتماع.”

“ولما رجعت أدور عليها… كانت اختفت.”

ثم التفت للجنة.

وقال:

“واضح إن دي تاني مرة تحط مصلحة شخص تاني قبل نفسها.”

ساد الصمت داخل القاعة.

لكن الأستاذ سامح، المدير اللي كان معترض، قال بهدوء:

“كل ده يحترم.”

“لكن إحنا هنا بنعين موظف.”

“مش بنوزع شهادات تقدير.”

هشام هز رأسه موافقًا.

وقال:

“كلامك صحيح.”

ثم بص لرئيسة اللجنة.

“القرار لازم يبقى مبني على الكفاءة.”

رئيسة اللجنة فتحت أوراق الاختبار.

وقالت:

“وده اللي خلانا نطلب إعادة مراجعة النتيجة.”

سحبت ورقة من الملف.

وقالت:

“الآنسة نور حققت أعلى درجة في الاختبار التحريري بين كل المتقدمين.”

نور اتسعت عيناها.

هي نفسها ماكنتش متوقعة.

أكملت رئيسة اللجنة:

“وفي المقابلة الشخصية…”

“إجاباتها كانت دقيقة جدًا.”

ثم نظرت إلى سامح.

“اعتراض حضرتك الوحيد كان قلة سنوات الخبرة.”

سامح رد:

“وده اعتراض منطقي.”

قبل أن يرد أحد…

رن هاتف هشام.

نظر إلى الشاشة، ثم اعتذر وخرج من القاعة ليرد.

وبعد أقل من دقيقة…

عاد، لكن ملامحه كانت مختلفة تمامًا.

الهدوء اختفى من وجهه.

قال بصوت جاد:

“في مشكلة كبيرة في فرع الشركة بمدينة نصر.”

ثم نظر إلى أعضاء اللجنة.

وأضاف:

“واضح إننا هنضطر نأجل إعلان النتيجة لساعتين.”

نور خفضت رأسها.

وشعرت أن الحظ ما زال يطاردها.

لكن قبل أن تغادر…

التفت إليها هشام وقال:

“لو عندك وقت…”

“استني.”

“لأن اللي هيحصل في الساعتين الجايين…”

“ممكن يحدد مستقبل الشركة كلها.”نور وقفت لحظة…

كانت تقدر تمشي.

ترجع لأمها.

وتقول إن الفرصة راحت وخلاص.

لكن حاجة جواها قالت لها تستنى.

قعدت في ركن هادئ في الاستقبال.

وأخرجت موبايلها.

أول حاجة عملتها…

اتصلت بأمها.

“ألو يا ماما.”

صوت أمها طلع قلقان.

“طمنيني يا بنتي… عملتي الانترفيو؟”

نور ابتسمت رغم تعبها.

“لسه يا ماما… ادعيلي بس.”

أمها قالت بثقة:

“أنا بدعيلك من الفجر.”

“والرزق عمره ما بيتأخر.”

قفلت المكالمة…

وكلمات أمها فضلت ترن في ودانها.

الرزق عمره ما بيتأخر.

…

في نفس الوقت…

كان الدور الأخير في الشركة كله في حالة استنفار.

أعضاء الإدارة داخلين خارجين.

والهواتف مبتقفش.

سمعت نور موظفين بيتكلموا.

“العميل الأجنبي وصل.”

“ولو الاجتماع فشل… العقد هيضيع.”

“العقد ده بمئات الملايين.”

بعد دقائق…

خرج عمر من قاعة الاجتماعات بسرعة.

كان واضح عليه التوتر.

وقف قدام موظفة الاستقبال وقال:

“فين المترجم؟”

ردت بتوتر:

“بلغ إنه عمل حادث بسيط… ومش هيقدر ييجي.”

عمر ضرب كفه في بعض.

“إزاي يعني؟!”

“الوفد وصل خلاص.”

هشام خرج في نفس اللحظة.

“في بديل؟”

“للأسف لا.”

ساد صمت ثقيل.

العميل كان أجنبيًا…

ومعاه فريق كامل.

وأغلبهم لا يتحدث العربية.

وفجأة…

نور، من غير قصد، سمعت اسم الشركة الأجنبية.

ابتسمت لنفسها.

ثم قالت بهدوء:

“هو الوفد… من سنغافورة؟”

عمر استغرب.

“أيوه.”

“إنتِ عرفتي منين؟”

“سمعت الاسم.”

“طيب؟”

قالت بتردد:

“أنا ماعرفش لغة سنغافورية طبعًا…”

“لكن الاجتماع هيكون بالإنجليزي… صح؟”

هز رأسه.

قالت:

“ممكن أساعد… لو تحبوا.”

سامح ابتسم بسخرية.

“يعني حضرتك مترجمة كمان؟”

نور ردت بهدوء:

“لا.”

“بس اشتغلت سنتين أونلاين في خدمة العملاء مع شركة خارج مصر.”

“وكان كل شغلي بالإنجليزي.”

عمر بص لهشام.

وهشام قال:

“مفيش وقت نجرب حد تاني.”

ثم سأل نور:

“واثقة من نفسك؟”

نور أخذت نفسًا عميقًا.

وتذكرت الليلة التي سبقت الانترفيو…

وهي بتراجع الإنجليزي لساعات.

ثم قالت بثبات:

“هعمل اللي أقدر عليه.”

نظر هشام إلى عمر وقال:

“خدها معاك.”

أما سامح…

فاكتفى بهز رأسه وهو يتمتم:

“يارب ما نندمش.”

وبينما كانت نور تدخل قاعة الاجتماعات…

لم تكن تعرف أن الدقائق القادمة لن تختبر لغتها الإنجليزية فقط…

بل ستكشف موهبة أخرى لم تكن تتوقع أن يلاحظها أحد.نور دخلت القاعة بخطوات هادئة…

ورغم إن قلبها كان بيدق بسرعة…

حاولت ما تبينش أي توتر.

على الناحية التانية من الترابيزة…

كان الوفد الأجنبي قاعد.

أربع أشخاص.

قدامهم ملفات، وأجهزة لابتوب.

أول ما هشام دخل…

الكل وقف وسلم.

بدأ الاجتماع.

وفي أول عشر دقايق…

نور كانت بتترجم الكلام بدقة.

من غير ما تقاطع حد.

ولا تضيف كلمة من عندها.

عمر كان كل شوية يبصلها…

واضح إنه بدأ يطمئن.

لكن بعد شوية…

رئيس الوفد فتح ملف قدامه.

وقال بالإنجليزية:

“قبل ما نكمل… عندي ملاحظة مهمة في البند السابع.”

نور ترجمت الجملة.

المحامي بتاع الشركة فتح العقد بسرعة.

لكن رئيس الوفد كمل كلامه.

واتكلم بسرعة أكبر.

ولما خلص…

نور سكتت ثانيتين.

ثم قالت بهدوء:

“هو مش بيقول إن البند فيه مشكلة.”

كل الموجودين بصوا لها.

أكملت:

“هو بيقول إن فيه اختلاف بين النسخة العربية والنسخة الإنجليزية.”

عمر أخذ العقدين بسرعة.

بدأ يقارن.

وبعد أقل من دقيقة…

اتغير لون وشه.

“يا نهار أبيض…”

هشام سأله:

“في إيه؟”

قال وهو بيقلب الصفحات:

“النسخة العربية كاتبة مدة الضمان سنتين…”

“والإنجليزية مكتوب فيها سنة واحدة.”

ساد الصمت.

المحامي فتح عينيه بدهشة.

“إزاي ده حصل؟!”

رئيس الوفد كان مستني الرد.

ولو حد وافق على النسخة بالغلط…

كان ممكن الشركة تدخل في نزاع قانوني كبير بعد توقيع العقد.

هشام بص لنور.

وقال بهدوء:

“لولا إنك انتبهتي…”

“كنا وقعنا على حاجة مختلفة.”

نور قالت بخجل:

“أنا بس ركزت في الصياغة.”

رئيس الوفد ابتسم لأول مرة.

وقال بالإنجليزية:

“من الجيد أن لديكم شخصًا يدقق التفاصيل.”

نور ترجمت الجملة.

والجو في القاعة بدأ يهدأ.

بعد ساعة تقريبًا…

انتهى الاجتماع.

الوفد خرج وهو راضٍ.

واتفقوا على مراجعة النسخة الصحيحة قبل التوقيع النهائي.

أول ما الباب اتقفل…

المحامي تنفس الصعداء.

وقال:

“الغلطة دي كانت هتكلفنا كتير.”

عمر التفت إلى نور.

“واضح إن النهارده مش أول مرة تنقذي موقف.”

لكن قبل أن يرد أحد…

دخل السكرتير مسرعًا، وفي يده ظرف أبيض مختوم.

وقال:

“يا فندم… ده وصل حالًا لحضرتك.”

هشام فتح الظرف.

قرأ الورقة…

ثم رفع رأسه ببطء.

وتغيرت ملامحه مرة أخرى.

نظر إلى أعضاء مجلس الإدارة وقال:

“واضح إن عندنا أزمة أكبر مما كنا متوقعين…”

ثم التفت إلى نور…

وقال:

“والغريب…”

“إن اسمك موجود في الخطاب ده.”هشام فضل ماسك الورقة لحظات…

ثم رفع عينه ناحية نور.

وقال بهدوء:

“متقلقيش… الخطاب مش ضدك.”

مد لها الورقة.

نور أخدتها وهي مستغربة.

كان الخطاب من مؤسسة خيرية كبيرة كانت الشركة بتدعمها كل سنة.

ومكتوب فيه:

> “نتقدم بالشكر للآنسة نور حسن، التي قامت منذ أشهر بإعادة حقيبة تبرعات مفقودة، ورفضت أي مكافأة مالية، ولم نتمكن وقتها من معرفة وسيلة للتواصل معها.”

 

نور افتكرت الموقف.

كانت راجعة من شغلها القديم، ولقت حقيبة على مقعد في أتوبيس.

فضلت تدور على صاحبها لحد ما سلمتها للمؤسسة بنفسها، ومشت قبل حتى ما تعرف اسم المدير.

هشام ابتسم وقال:

“الغريب إن كل مرة بنعرف عنك حاجة جديدة… نكتشف إنك بتعملي الخير من غير ما تستني مقابل.”

الأستاذ سامح، اللي كان أكتر واحد معترض، طأطأ رأسه وقال:

“أنا كنت معترض عشان أحافظ على النظام… لكن بعد اللي شفته النهارده، وبعد نتيجة الاختبارات، وبعد اللي حصل في الاجتماع… معنديش أي اعتراض.”

رئيسة لجنة التوظيف فتحت الملف وقالت بابتسامة:

“بناءً على أعلى نتيجة في الاختبار، وأداء المقابلة الشخصية، وموافقة اللجنة…”

ثم مدت يدها إلى نور.

“مبروك… تم قبولك في الوظيفة.”

نور فضلت واقفة مكانها.

كأنها مش مصدقة.

دموعها نزلت من غير ما تحس.

أول حد عملته…

إنها طلعت موبايلها واتصلت بأمها.

“أيوه يا ماما…”

أمها ردت بسرعة:

“طمنيني يا بنتي.”

نور ضحكت وسط دموعها.

“اتقبلت يا ماما.”

على الطرف التاني…

ساد صمت ثوانٍ.

ثم سمعت أمها بتبكي من الفرحة وهي بتقول:

“الحمد لله… كنت عارفة إن ربنا مش هيضيع تعبك.”

بعد أسبوع…

دخلت نور الشركة في أول يوم عمل.

مش كضيفة…

ولا كمتقدمة لوظيفة…

لكن كموظفة رسمية.

وأول حاجة لفتت نظرها…

استيكر الفراشة البنفسجي، اللي كانت محتفظة بيه داخل ملفها.

ابتسمت، ولسه بتبص له…

سمعت صوت صغير بينادي:

“طنط نور!”

لفت…

ولقت ليلى داخلة تجري عليها.

حضنتها بكل براءتها، وقالت:

“أنا قلت لبابا إنك لازم تشتغلي هنا… عشان الناس الطيبين لازم يبقوا قريبين مننا.”

ضحك الجميع.

أما هشام فقال وهو ينظر إلى الموظفين:

“في الشهادات بنقيس العلم… وفي المقابلات بنقيس المهارة… لكن المواقف هي اللي بتكشف الأخلاق.”

ابتسمت نور وهي تنظر إلى أمها التي جاءت تزورها في أول يوم عمل.

تذكرت تلك اللحظة في محطة المترو…

ولو أنها اختارت وقتها أن تترك ليلى وتمضي، ربما كانت ستصل إلى المقابلة في موعدها…

لكنها كانت ستخسر شيئًا أكبر من الوظيفة.

لأن الخير الحقيقي قد يتأخر في العودة…

لكنه لا يضيع أبدًا.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *