قبل عشر شهور حكايات ميرا
فتحت الظرف.
كان فيه شيك قديم لم يُصرف.
المكافأة السنوية الأخيرة التي كانت تستحقها قبل فصلها.
قال سامي:
“الإدارة وقتها ألغتها.”
“لكن بعد تصفية الشركة… اكتشفنا إنها حقك القانوني.”
ابتسمت غادة.
ثم أعادت إليه الشيك.
قال باستغراب:
“مش هتاخديه؟”
قالت بهدوء:
“في يوم من الأيام كنت محتاجاه.”
“دلوقتي… في حد تاني محتاجه أكتر.”
نادت على إحدى المتدربات.
كانت فتاة اسمها سارة.
أبوها توفي، وكانت بتشتغل بالليل وتدرس بالنهار.
حطت الشيك في إيدها.
وقالت:
“ده هيكون أول رأس مال لمشروعك.”
سارة انفجرت في البكاء.
وقالت:
“بس ده حق حضرتك.”
ابتسمت غادة.
“وأنا باخد حقي كل يوم… لما أشوف حد بيبدأ من جديد.”
سامي مسح دموعه.
وقال:
“دلوقتي فهمت… ليه الناس بتحب المكان ده.”
في المساء…
قفلوا المخبز.
وقفت غادة قدام الباب.
ولمست الجرس النحاسي بإيدها.
آدم وقف جنبها.
وقال:
“إيه اللي بتفكري فيه؟”
ابتسمت وهي تنظر إلى المطر الذي بدأ ينزل بهدوء.
وقالت:
“زمان كنت فاكرة إن اليوم اللي خرجت فيه من الشركة… كان أسوأ يوم في حياتي.”
سكتت لحظة.
ثم أكملت:
“لكن لو رجع بيا الزمن…”
“مش هغيّر أي حاجة.”
نظر إليها آدم باستغراب.
قالت:
“لأن لو ما كنتش خسرت شغلي…”
“ما كنتش هلاقي رسالتي.”
رفع آدم رأسه نحو لافتة المخبز المضيئة.
ثم احتضن أمه.
وفي تلك اللحظة…
مرّت طفلة صغيرة أمام المخبز، أمسكت يد أمها وقالت:
“ماما… لما أكبر، عايزة أفتح مخبز زي ده.”
ابتسمت الأم وقالت:
“مش بس مخبز…”
“اعمليه مكان يخلي الناس تخرج منه وهي مبتسمة.”
سمعت غادة الجملة…
فأغمضت عينيها، وابتسمت في هدوء.
لأنها عرفت أن الحكايات الجميلة…
لا تنتهي عندما نصل إلى آخر صفحة.
بل عندما تبدأ في إلهام حياة أشخاص آخرين.
تمت حقًا.بعد خمسة عشر عامًا…
لم يعد الناس يقولون:
“تعالوا نروح المخبز.”
بل كانوا يقولون:
“تعالوا نروح عند الست غادة.”
لأن المكان لم يعد مجرد محل يبيع الخبز…
بل صار بيتًا لكل من ضاقت به الدنيا.
—
في صباح شتوي بارد…
دخل شاب في الثلاثين من عمره، يحمل طفلًا صغيرًا على كتفه.
وقف أمام غادة، التي بدأ الشيب يغزو شعرها.