قبل عشر شهور حكايات ميرا
الجملة فضلت ترن في ودنها.
وفي نفس الليلة…
خرجت الوصفة القديمة الخاصة بجدتها.
بدأت تخبز في البيت.
الأول للجيران.
وبعدين لأصحاب المدارس.
وبعدين للطلبات الصغيرة على الإنترنت.
كانت بتنام ساعتين أو تلاتة في اليوم.
آدم كان يساعدها يحط الاستيكرات على العلب.
ويكتب بخطه الصغير:
“بالهنا.”
بعد ستة شهور…
استأجرت محل صغير جدًا في شارع جانبي.
المحل كان قديم، وسقفه محتاج تصليح.
لكن أول يوم افتتاح…
الطابور وصل لآخر الشارع.
لأن الناس ما كانتش بتشتري عيش وحلويات بس…
كانت بتشتري الإحساس اللي بتحطه غادة في كل حاجة.
وفي يوم…
دخل عليها عم حسين، الحارس السابق في شركة النيل.
قال وهو بيضحك:
“أنا سيبت الشركة بعدك بشهر.”
استغربت.
“ليه؟”
رد:
“المكان بعدك بقى بارد… الناس بقت تخاف تقول الحقيقة.”
ومع الأيام…
كبر المخبز.
وبقى عندها خمسة موظفين.
ثم عشرة.
ثم فرع تاني.
وكانت أول قاعدة كتبتها على الحيطة جوه المكتب:
“مفيش حد هيتحاسب على خطأ حذر منه قبل ما يحصل.”
وبعد عشرة شهور بالظبط…
في صباح ممطر…
رن الجرس النحاسي فوق الباب.
ورفعت غادة رأسها.
وشافت أدهم منصور واقف قدامها.
واقف لوحده…
وشكله أكبر بعشر سنين.
وقالت ببرود:
“إنت جاي هنا ليه؟”
مد الظرف اللي في إيده.
وقال بصوت متعب:
“أنا استقلت.”
ما ردتش.
فتح الظرف، وطلع منه نسخة من تقرير قديم.
تقرير كانت هي كتباه.
وعليه توقيعه.
لكن المرة دي…
كان معاه ورقة تانية.
قرار رسمي من مجلس الإدارة.
إعادة التحقيق في مشروع النهضة.
وقال وهو بيبصلها في عينيها:
“الحقيقة ظهرت… وكل اللي قلتيه كان صح.”
سكت لحظة، ثم كمل:
“أنا خسرت منصبي… لكن ده أقل تمن كان لازم أدفعه.”
غادة فضلت ساكتة.
فقال بصوت مرتجف:
“أنا مش جاي أطلب منك تسامحيني.”
“ولا جاي أرجعك للشركة.”
“أنا جاي أطلب حاجة واحدة…”
قطبت حاجبيها.
“إيه هي؟”
نزلت دمعة لأول مرة من عينه.
وقال:
“بنتي عندها تسع سنين… ومن شهرين بطلت تاكل تقريبًا.”
“الأطباء قالوا حالتها النفسية.”
“كل ما نسألها نفسها في إيه… تقول إنها نفسها تذوق الكعك اللي بتشوفه في فيديوهات مخبزك.”
ابتسم بمرارة.
“أنا لفّيت على كل حد يعرف يوصلني ليكي.”
“لأنها رافضة تاكل أي حاجة غير اللي إنتِ بتعمليه.”