سكتت حضّانة. حكايات_ميراا

 

حملت الطفل برفق، وجلست على كرسي وائل.

 

أغمضت عينيها، ورددت الجملة التي سمعتها منذ طفولتها:

 

“اهدى يا بطل… أنا جنبك.”

 

وبعد لحظات…

 

هدأ الطفل.

 

كانت الممرضة الكبيرة تراقب المشهد من بعيد، والدموع تملأ عينيها.

 

همست لنفسها:

 

“سبحان الله… الرحمة بتورث.”

 

وفي نهاية المناوبة، دخل الدكتور محمد إلى القسم.

 

رأى ليلى جالسة على الكرسي، والطفل نائم على صدرها.

 

ابتسم دون أن يقول شيئًا.

 

ثم نظر إلى صورة وائل المعلقة على الحائط، وقال في سره:

 

“شايف يا عم وائل؟

 

ولا طفل بقى لوحده…

 

والوعد لسه بيتنفذ.”

 

وهكذا، لم يعد إرث وائل مجرد صورة على الحائط، ولا اسمًا على مبادرة…

 

بل أصبح أشخاصًا يحملون نفس الرحمة، وينقلونها من قلب إلى قلب، حتى صار كل طفل يدخل ذلك المكان يجد من يهمس له بنفس الكلمات التي بدأت بها الحكاية:

 

“أنا جنبك.” ❤️ابتسم الدكتور محمد وهو يطفئ أنوار القسم استعدادًا لانتهاء المناوبة، لكنه توقف عندما لمح صندوقًا خشبيًا قديمًا في خزانة المكتب، لم يُفتح منذ سنوات.

نزعه برفق، ومسح عنه الغبار.

كان مكتوبًا عليه بخط يدٍ مألوف:

“يُفتح عندما تكبر ليلى.”

تجمدت أنفاسه.

فتح الصندوق ببطء، فوجد بداخله دمية صغيرة وردية اللون، وصورة باهتة لوائل وهو يجلس على الكرسي، وعلى صدره رضيعة صغيرة لا يظهر منها سوى يدٍ بحجم الإصبع.

وتحت الصورة…

رسالة.

ناولها إلى ليلى بصمت.

ارتجفت أصابعها وهي تفتح الورقة.

كان الخط هو نفسه…

خط وائل.

“يا ليلى…

لو وصلتك الرسالة دي، يبقى ربنا كتبلك عمرًا طويلًا، وحقق الأمنية الوحيدة اللي كنت بدعي بيها كل ليلة.

يمكن أنا ماكنتش أبوكي، ولا من دمك… لكن من أول مرة شلتك فيها، حسيت إن ربنا سلّمني أمانة.

لو كبرتي وبقيتي بتقري كلامي، أوعى تفتكري إن اللي عملته كان بطولة. أنا كنت بس راجل عرف يعني إيه الوحدة، ومارضيش طفل يعيشها زيه.

لو قدرتي في يوم تهدي خوف طفل، أو تمسحي دمعة أم، أو تطمني أب مكسور… يبقى أنا لسه عايش.

ماتزعليش عليّ. لأن الإنسان ما بيموتش يوم ما قلبه يوقف… الإنسان بيموت يوم ما الناس تنسى الرحمة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *