في تمام الساعة 11:53. حكايات_ميراا

في تمام الساعة 11:53 مساءً من ليلة أربعاء شديدة البرودة، قفزت هنا عبد الرحمن، ذات السبعة والعشرين عامًا، في مياه النيل لتنقذ طفلًا لم تره من قبل.

 

وبعد سبع دقائق فقط، وهي ترتجف من شدة البرد على ضفة النهر الموحلة، وجدت بطاقة سوداء داخل جيب معطفه، فاتصلت بالرقم الوحيد المطبوع عليها.

 

رد رجل بعد أول رنة.

 

— أمامك عشر ثوانٍ لتشرحي سبب اتصالك بهذا الرقم.

 

نظرت هنا إلى الطفل فاقد الوعي بين ذراعيها. كانت قطرات المطر تنساب فوق وجهه الشاحب، وشفتيه قد تحولتا إلى اللون الأزرق، بينما كان صدره الصغير بالكاد يرتفع وينخفض تحت معطفه الشتوي المبلل.

 

قالت بصوت متقطع:

 

— أنقذت طفلًا من النيل عند المرسى القديم. عمره حوالي ثماني سنوات، شعره أسود، وعنده ندبة صغيرة تحت دقنه. لقيت بطاقتك في جيبه.

 

ساد الصمت لثانيتين مرعبتين.

 

ثم تغيّرت نبرة الرجل فجأة.

 

— هو بيتنفس؟

 

— بصعوبة.

 

— اسمك إيه؟

 

— هنا عبد الرحمن.

 

— اسمعيني كويس يا هنا عبد الرحمن… أنا عاصم المنصوري. الطفل ده ابني. حاولي تدفيه، وخليه صاحي، وإوعي تسيبي مكانك على ضفة النهر… أنا جاي حالًا.

 

وأغلق الخط.

 

ظلت هنا تحدق في الهاتف.

 

كان الجميع يعرف اسم عاصم المنصوري.

 

رجل أعمال يملك شركات شحن عملاقة، وعدة فنادق، ومستودعات تمتد على طول النيل. الجرائد تصفه بأنه مستثمر ناجح، لكن الناس كانت تهمس باسمه بطريقة مختلفة عندما تظن أن أحدًا لا يسمعها.

 

رجل خطير.

 

لا ينسى معروفًا.

 

ولا يسامح خيانة.

 

لكن كل ذلك لم يكن يهم هنا بقدر أهمية الطفل المرتجف بين ذراعيها.

 

همست وهي تربت على كتفه:

 

— يا حبيبي… سامعني؟

 

ارتعشت جفونه قليلًا.

 

— متنامش.

 

سعل الطفل بعنف حتى خرجت المياه من فمه. أسرعت هنا بإمالته على جانبه وأسندت رأسه حتى هدأت نوبة السعال.

 

كانت تعمل منذ ست سنوات في دار لرعاية المسنين، ولذلك كانت تعرف جيدًا مدى هشاشة الجسد حين ينهكه البرد والخوف.

 

كما كانت تعلم أن الوقت ينفد.

 

هبت رياح باردة من فوق النهر.

 

نزعت معطفها المبلل، رغم أنه لم يعد يمنح أي دفء، ولفته حول الطفل، ثم ضمته بقوة إلى صدرها.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *