سكتت حضّانة. حكايات_ميراا
اسمها… ريم.
الأم توفيت أثناء الولادة.
والأب اختفى قبل وصول الإسعاف.
وضعت الطفلة في الحضانة، وبدأت تبكي بنفس الطريقة التي كان يبكي بها محمد قبل أكثر من ثلاثين عامًا.
وقفت إحدى الممرضات الشابات وقالت:
“دكتور محمد… البنت دي ملهاش حد.”
تجمد مكانه.
نفس الجملة…
التي قيلت يوم كان هو ذلك الطفل.
اقترب من الحضانة، وحمل ريم برفق، ثم جلس على الكرسي الخشبي القديم.
نفس الكرسي الذي جلس عليه وائل مئات المرات.
أغمض عينيه، وهمس دون أن يشعر:
“اهدَي يا بطلة… أنا جنبك.”
فتحت الممرضة عينيها بدهشة.
وقالت وهي تبتسم:
“دي نفس الجملة اللي كان بيقولها عم وائل.”
ابتسم محمد، وشعر لأول مرة أن صوته يشبه صوت الرجل الذي أنقذ حياته.
هدأت ريم.
وانتظمت أنفاسها.
وفي تلك اللحظة، رفع محمد عينيه إلى صورة وائل المعلقة على الحائط.
وقال في نفسه:
“اطمن… الوعد لسه مستمر.”
ومنذ تلك الليلة، صار الكرسي القديم يُعرف داخل المستشفى باسم:
“كرسي وائل.”
وكان أي متطوع جديد يجلس عليه يعرف أن مهمته ليست مجرد حمل طفل…
بل أن يمنحه شعورًا بالأمان، ولو لساعات قليلة.
وهكذا، لم تصبح قصة وائل مجرد ذكرى…
بل تحولت إلى رسالة تنتقل من قلبٍ إلى قلب، ومن جيلٍ إلى جيل، لتثبت أن الرحمة لا تموت أبدًا. النهاية. ❤️بعد مرور عشرين عامًا أخرى…
تحولت “مبادرة آدم” إلى مؤسسة خيرية لها فروع في محافظات كثيرة.
وأصبح اسمها معروفًا بين المستشفيات، حتى إن أي طفل يدخل حضانة من غير زائر، يُسجل تلقائيًا في برنامج المتطوعين.
وفي يوم افتتاح أول فرع جديد، دُعي الدكتور محمد لإلقاء كلمة.
وقف على المنصة، ثم قال:
“الناس دايمًا بيسألوني: مين مؤسس المبادرة؟
وأنا كل مرة أقول لهم: مؤسسها طفل عمره سبعة أيام… ورجل كان شايل وجع عمره كله.”
بعد انتهاء الكلمة، اقترب منه شاب في العشرينات.
كان يرتدي معطف طبيب امتياز.
قال بتردد:
“حضرتك ما تعرفنيش… لكن أنا أعرفك.”
استغرب محمد.
أخرج الشاب صورة قديمة من محفظته.
كانت صورته وهو رضيع داخل حضانة الأطفال.
وخلفها توقيع بخط وائل:
“هتطلع راجل قوي… متستسلمش.”