سكتت حضّانة. حكايات_ميراا
“لما كبرت، كانوا يحكوا لي الحكاية كل سنة في عيد ميلادي.”
قلبت الصفحة الثانية.
كان فيها رسم آخر.
رجل كبير يمسك يد طفلة تمشي لأول مرة.
قالت:
“أنا رسمته من خيالي… لأن ماعنديش صورة معاه.”
سكت محمد لحظة.
ثم فتح درج المكتب القريب، وأخرج الصندوق الخشبي الذي احتفظ فيه بصور وائل.
بدأ يقلب الصور واحدة تلو الأخرى.
وفجأة…
توقف.
ابتسم.
وأخرج صورة صغيرة.
كانت لوائل، يجلس على الكرسي القديم، وعلى صدره رضيعة ملفوفة في بطانية وردية.
على ظهر الصورة مكتوب:
“ليلى… خرجت النهارده من الحضانة.”
شهقت ليلى.
وضمت الصورة إلى صدرها وهي تبكي.
وقالت:
“دي أول صورة ليا في حياتي.”
ابتسم محمد وقال:
“وكان أول واحد شايلك فيها… عم وائل.”
خرجت ليلى من المستشفى وهي تحمل الصورة بكلتا يديها، وكأنها كنز.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت تأتي كل عام في نفس الموعد، تضع وردة جديدة تحت صورة الرجل الذي لم يكن قريبًا لها…
لكنه كان سببًا في أن تبدأ حياتها بشعور لم يفارقها أبدًا:
أن هناك دائمًا إنسانًا قد يظهر في أصعب لحظة… ويمنحك الأمان دون أن ينتظر منك شيئًا في المقابل. 🌹مرت السنوات…
وكبرت ليلى، والتحقت بكلية التمريض.
وفي أول يوم تدريب لها، أخبرها المشرف أنهم سيرسلونها إلى حضّانة الأطفال المبتسرين.
ابتسمت في هدوء، لكنها لم تخبر أحدًا أن هذا المكان لم يكن غريبًا عليها أبدًا.
ما إن دخلت القسم حتى وقعت عيناها على الكرسي الخشبي القديم.
كرسي وائل.
اقتربت منه وربتت عليه برفق، وكأنها تُسلّم على صاحبه.
لاحظت ممرضة كبيرة في السن ما فعلته، فسألتها:
“إنتِ تعرفي حكاية الكرسي؟”
ابتسمت ليلى وقالت:
“أنا واحدة من الأطفال اللي اتشالوا عليه.”
اتسعت عينا الممرضة، ثم احتضنتها وهي تقول:
“يبقى النهارده الحكاية كملت.”
في تلك الليلة، وُلد طفل مبتسر جديد.
كان يبكي بلا توقف، وأمه دخلت العناية المركزة بعد الولادة.
وقفت ليلى أمام الحضانة، وشعرت أن الزمن عاد بها إلى الوراء.