سكتت حضّانة. حكايات_ميراا
هز راسه بابتسامة خفيفة.
“لأ… خليه ينام.”
قلت باستغراب: “حضرتك حتى ما كلتش.”
رد بهدوء: “الأكل يستنى… هو لأ.”
الكلام لمسني بطريقة غريبة.
على مدار اليوم، الأهالي كانوا بيدخلوا ويخرجوا، يزوروا أولادهم ويروحوا.
إلا محمد…
كان الوحيد اللي لسه لاقي حد قاعد معاه.
الساعة بقت عشرة بالليل.
اثناشر ساعة كاملة.
ووائل لسه على نفس الكرسي.
لما قربت منه عشان أقوله إن وقت الزيارة انتهى، لاحظت حاجة وأنا بناول له إزازة مية.
كم الرداء اتحرك سنة…
وساعتها شفت معصمه.
كان عليه سوار مستشفى قديم جدًا، محفوظ في غلاف بلاستيك شفاف، وكأنه أغلى حاجة يملكها.
مكتوب عليه بخط باهت:
“الطفل آدم حمدي – حضّانة الأطفال المبتسرين.”
وتحت الاسم…
تاريخ راجع لأكتر من ثلاثين سنة.
اتجمدت مكاني.
سألته بهدوء: “السوار ده… لابنك؟”
سكت ثواني طويلة.
وبعدين أخد نفس عميق وقال:
“لأ…”
“ده كان أخويا الصغير.”
نزلت عيني على الأرض.
أما هو فكمل بصوت مكسور لأول مرة:
“أمي ولدته بدري… وأبويا كان شايف إن المستشفيات مضيعة فلوس.”
“كان لازم حد يقعد معاه… بس محدش كان بييجي.”
بلع ريقه بصعوبة.
“كنت عندي عشر سنين… وكنت أستخبى كل يوم وأدخل أبص عليه من الشباك.”
“وكل مرة كانوا يقولولي ممنوع.”
“وفي يوم… جيت.”
وسكت.
“قالولي… اتأخرت.”
فضل ماسك إيد محمد الصغيرة وهو بيكمل:
“من يومها وعدت نفسي… إن أي طفل هيكون لوحده، عمره ما هيحس بالوحدة وأنا عايش.”
الدموع كانت في عيني قبل ما أحس بيها.
دلوقتي فهمت…
ليه الراجل الضخم ده فضل قاعد 12 ساعة كاملة من غير ما يتحرك.
وليه الطفل محمد أول ما سمع صوته… حس بالأمان.
لكن اللي محدش كان يعرفه…
إن المفاجأة الأكبر كانت لسه مستنياه تاني يوم الصبح.تاني يوم الصبح، وصل وائل قبل معاد الزيارة بساعة.
كان شايل معاه شنطة صغيرة فيها زجاجة مية، وسندويتش، وكتاب قديم.