كنت على وشك أعلن خطوبتي على واحدة تانية، لكني دخلت حمام مطعم ولقيت 4 أولاد عندهم 6 سنين شبه بعض بشكل يخوف… وكلهم طلعوا شبهي! بعد ساعات، اكتشفت إن أمي هي اللي حرمتني من ولادي، وسرقت مني بهدوء الحياة اللي كان المفروض أعيشها. الخطوبة اللي عمري ما كنت متأكد إني عايزها لحد الساعة ستة مساءً يوم الجمعة، كان مستقبل عمر باين كأنه اتحدد خلاص. البدلة الكحلي الغامق كانت وصلت له من عند ترزي مشهور في شارع راقي بالقاهرة. أزرار الأكمام الفضية اللي ورثها عن جده كانت متثبتة بعناية تحت أكمام القميص. وفي جيب البدلة الداخلي، كان فيه خاتم ألماس اختاره بعد كذا مقابلة سرية مع صائغ، وبعد أكتر من حوار هادي مع والدته. الساعة تمانية، كان المفروض عمر يطلب إيد سلمى للجواز، خلال حفلة خاصة في قاعة زجاجية فوق سطح أحد الفنادق، مطلة على النيل. كل الناس المهمة في العيلتين كانوا هيكونوا موجودين. أمه. وأهل سلمى. وكذا عضو من مجلس إدارة الشركة. واتنين من كبار الشركاء في شركة عيلة سلمى. الخطوبة كان المفروض إنها تقوّي علاقة شراكة بين العيلتين، علاقة هم الاتنين كانوا بيبنوا فيها من سنين. لكن كان فيه مشكلة واحدة بس. عمر كان بيحترم سلمى. لكن عمره ما حبها بجد. من زمان، اتعلم إن الرجالة اللي بيتولدوا في عائلات كبيرة زي عيلته، غالبًا بيتطلب منهم يعتبروا سعادتهم الشخصية حاجة ممكن يتنازلوا عنها. وفي الليلة دي، كان تقريبًا قدر يقنع نفسه إنه ممكن يعيش بالطريقة دي. لحد ما دخل حمام المطعم اللي تحت القاعة. كان فيه 4 أولاد صغيرين واقفين جنب الأحواض، لابسين بلوفرات كحلي شبه بعض، وبيحاولوا ينشفوا إيديهم تحت مجفف الهواء الأوتوماتيك. كان واضح إن عمرهم حوالي ست سنين. عمر ابتسم ابتسامة سريعة واتجه ناحية المراية. لكن فجأة... واحد من الأولاد رفع شعره الغامق بعيد عن جبهته بإصباعين، ومَيّل راسه شوية، وبعدها حط إيده على رقبته من الناحية الخلفية. عمر وقف مكانه. ولد تاني عمل نفس الحركة. وبعده التالت. وبعده الرابع. عمر فضل باصص لانعكاسهم في المراية. والده كان دايمًا بيهزر معاه بسبب الحركة دي من وهو صغير. كان بيقوله إن لما بيتوتر أو يحتار، بيرجع شعره لورا ويلمس الناحية الشمال من رقبته. واحد من الأولاد لاحظ إن عمر مركز معاهم. — إنت بتبص علينا ليه؟ عمر رمش كذا مرة. — آسف... ماكنتش أقصد. الولد فضل يبص له بعينين رماديين. وبعدين قال: — إنت كمان بتعمل حركة رقبتك دي. عمر بص ببطء لانعكاسه في المراية. نفس العيون الرمادي. نفس الدقن الرفيعة. حتى نفس الخط الخفيف اللي بيظهر جنب الخد الشمال لما يبتسموا. وحواجبهم كانت شبهه بشكل مخيف، لدرجة إنه افتكر صورته وهو في نفس سنهم. أطول واحد فيهم مد إيده بثقة غريبة بالنسبة لطفل في سنه. — أنا آدم. ودول يوسف، ياسين، ويحيى. إحنا إخوات. عمر مسك إيده بشكل تلقائي. — إنتوا الأربعة في نفس السن؟ آدم ابتسم. — إحنا توأم رباعي. عمر حس بضغط غريب في صدره. سأل بصوت متردد: — فين أبوكم؟ ابتسامة الولد اختفت ببطء. — إحنا معندناش أب. عمر بلع ريقه. — وأمكم؟ آدم أشار ناحية المطعم. — هي بتشتغل هنا. عمر لف ناحية المكان اللي أشار له عليه. وفي لحظة واحدة... ست سنين كاملة اختفت من قدامه. الست اللي كنت فاكر إنها اختفت من حياتي كانت تسنيم واقفة جنب محطة الخدمة، لابسة مريلة سودا فوق بلوزة زرقاء بسيطة. عمر عرفها فورًا. شعرها البني الناعم كان أقصر دلوقتي. وحول عينيها كانت فيه علامات إرهاق خفيفة، علامات ماكنتش موجودة لما كانوا عندهم 26 سنة. لكن عينيها العسلي المائلة للأخضر كانوا زي ما هم. حتى الندبة الصغيرة على شكل هلال جنب حاجبها اليمين كانت لسه موجودة. عمر كان زمان يعرف كل تعبير على الوش ده. وكان في وقت من الأوقات... مصدق إنه هيكبر ويموت جنبها. لكن بعدها اختفت من حياته. أو على الأقل... دي كانت الحكاية اللي اتقالت له. الجزء الثاني موجود في أول تعليق. ولو مش ظاهر عندك فورًا، اختار الاختيار المناسب واضغط على «عرض كل التعليقات»، وهتلاقي رسالتنا هناك. #حكايات_ميراا سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️الجزء الثالث: الحقيقة التي سرقتها السنوات عمر ما اتحركش. لثواني طويلة، فضل واقف مكانه كأنه نسي إزاي يتنفس. تسنيم رفعت عينيها بالصدفة، وشافته. الكوب اللي كان في إيدها وقف في نص الطريق. اتسعت عينيها. —عمر؟ صوتها خرج ضعيفًا لدرجة إنه بالكاد سمعه. اقترب منها خطوة. —إنتِ؟ تسنيم بصت حواليها بسرعة، وكأنها بتدور على مكان تهرب إليه. لكن قبل ما تتحرك، جرى آدم ناحية عمر. —ماما، ده الراجل اللي شبهنا! تسنيم أغمضت عينيها. —آدم... تعالى هنا. لكن الولد تجاهلها. —هو ليه شبهنا؟ عمر بص له، وبعدين بص لإخوته الأربعة. أربعة أطفال. أربعة وجوه صغيرة تحمل ملامحه. أربعة أزواج من العيون الرمادية التي ورثها هو عن والده. صوته خرج متقطعًا: —تسنيم... دول ولادي؟ الدموع لمعت في عينيها. لم تجب. وهذا الصمت كان كافيًا. عمر تراجع خطوة. —ست سنين... ضحك ضحكة قصيرة مكسورة. —ست سنين وأنا فاكر إنك سيبتيني. تسنيم مسحت دمعة نزلت على خدها. —أنا ما سبتكش. —أمال إيه اللي حصل؟ رفعت عينيها إليه. —أمك. الكلمة نزلت عليه كأنها ضربة. —أمي؟ هزت تسنيم رأسها. —بعد ما عرفت إني حامل، جاتلي بنفسها. عمر شعر ببرودة في أطرافه. —حامل؟ —كنت حامل في الأربعة. اقترب منها أكثر. —وليه ما قالتليش؟ ضحكت تسنيم بمرارة. —لأنها قالتلي إنك مش عايزني. —مستحيل. —قالت إنك اختارت مستقبلك، وإنك هتتجوز واحدة من مستواك، وإن وجودي في حياتك هيهدم كل حاجة. عمر هز رأسه بعنف. —أنا كنت بدور عليكِ! —أنا كمان كنت مستنياك. سكتت لحظة، ثم أضافت: —لكن أمك قالتلي إنك طلبت منها تمنعني من الوصول ليك. عمر شعر كأن الأرض بتتحرك تحت قدميه. —أنا ما قلتش كده. —عرفت ده متأخر. —إمتى؟ تسنيم بصت للأولاد. —بعد ما اتولدوا. آدم كان واقف جنبها، ماسك طرف مريلتها. عمر انحنى أمامه. نظر إلى وجهه طويلًا. ثم رفع عينيه إلى يوسف. ثم ياسين. ثم يحيى. أربعة أطفال كانوا بيبصوا له بفضول. قال ياسين فجأة: —إنت أبويا؟ عمر لم يستطع الرد. ابتلع غصته، ومد يده ولمس شعره. —أيوه. الولد ابتسم. —كنت عارف إن عندي أب. الجملة البسيطة كسرت شيئًا داخله. جلس عمر على ركبته أمامهم. الأطفال الأربعة اقتربوا منه. وفي اللحظة التي لمس فيها آدم يده، شعر عمر بأن السنوات الست التي ضاعت منه كلها عادت دفعة واحدة، لكنها عادت كألم. ست أعياد ميلاد. ست سنوات دراسية. أول كلمة. أول خطوة. أول يوم مرض. أول حضن. كل شيء عاشوه بدونه. وكل شيء لم يعشه معهم. رفع عمر عينيه إلى تسنيم. —أمي عملت ده كله؟ هزت رأسها والدموع في عينيها. —وأكتر. —إيه يعني أكتر؟ سكتت. ثم قالت: —هي ما اكتفتش إنها تبعدك عني. —أمال عملت إيه؟ تسنيم أخذت نفسًا عميقًا. —خلتني أعتقد إنك اتجوزت. تجمد عمر. —إيه؟ —ورّتني صورًا. أخرجت هاتفها، وفتحت مجلدًا قديمًا. كانت هناك صور لعمر مع نساء مختلفات، وصور لعشاءات عائلية، وصورة له بجانب سلمى. لكن عمر عرف الحقيقة فورًا. بعض الصور كانت حقيقية. لكنها كانت مأخوذة خارج سياقها. وبعضها كان معدّلًا. —دي كانت بتقولك إني عايش حياتي؟ —وقالت إنك اخترت سلمى من زمان. عمر أغلق عينيه. ثم تذكر الخاتم الموجود في جيبه. الخاتم الذي كان سيضعه في يد امرأة أخرى بعد أقل من ساعتين. ضحك بمرارة. —وأنا كنت داخل أطلب إيد سلمى النهارده. تسنيم لم تقل شيئًا. نظر إليها. —لكن دلوقتي عرفت إن الست اللي كنت هتخطبها ما كانتش المشكلة. —أمال إيه المشكلة؟ اقترب عمر من أولاده الأربعة. ثم قال بصوت ثابت لأول مرة: —إن فيه ست سرقت مني ست سنين كاملة. وفي اللحظة نفسها، اهتز هاتفه. اسم والدته ظهر على الشاشة. "أمي." عمر ظل ينظر إلى الاسم عدة ثوانٍ. ثم ضغط على زر الاتصال. جاء صوتها هادئًا: —عمر؟ إنت فين؟ الناس كلها مستنياك فوق. صمت. ثم قال: —ماما... —خير؟ —كنتِ تعرفي تسنيم؟ الصمت الذي جاء بعدها كان أطول من اللازم. وعمر فهم. لكن قبل أن يتكلم، سمع صوتها منخفضًا: —إنت قابلتها؟ قبض عمر على الهاتف. —وعرفت ولادي. لم ترد. فقال: —الأربعة. شهقت أمه. وفي تلك اللحظة، عرف عمر أن هناك شيئًا آخر لم تخبره به. شيئًا أخطر بكثير من مجرد إبعاده عن تسنيم. —ماما... ليه صوتك اتغير؟ لم تجب. فقال: —إيه الحقيقة اللي لسه مخبياها عني؟ انقطع الاتصال. وعمر ظل واقفًا، والهاتف في يده. أما تسنيم... فكانت تنظر إليه بخوف. لأنها كانت تعرف بالضبط ما الذي اكتشفته أمه الآن. إن عمر لم يكن يعرف الحقيقة كاملة بعد.الجزء الرابع: السر الذي لم يكن عمر مستعدًا لسماعه عمر فضل واقف قدام الشاشة المظلمة لهاتفه. اتصال انتهى. لكن صدى صوت أمه كان لسه في ودانه. —إنت قابلتها؟ مش سؤال واحدة اتفاجئت. كان صوت واحدة اتكشفت. رفع عمر عينيه لتسنيم. —إنتِ عارفة هي مخبية إيه؟ تسنيم سكتت. —تسنيم، ردي عليا. قالت بصوت مرتجف: —أنا كنت خايفة اليوم ده ييجي. —أي يوم؟ —اليوم اللي تعرف فيه كل حاجة. اقترب منها. —كل حاجة إيه؟ نظرت للأولاد الأربعة، ثم انحنت أمامهم. —آدم، يوسف، ياسين، يحيى... روحوا اقعدوا جوه مع خالتكم هناء. آدم بص لعمر. —هترجع؟ عمر ابتسم رغم الألم. —هرجع. الأولاد مشيوا ببطء. ولما اختفوا، التفت عمر إلى تسنيم. —اتكلمي. أخذت نفسًا طويلًا. —بعد ما ولدتهم، أمك عرضت عليا فلوس. عمر اتصدم. —فلوس؟ —قالتلي آخد مبلغ كبير وأسافر، وأربيهم بعيد عنك. —وإنتِ رفضتي. —طبعًا. —أمال ليه مشيتي؟ تسنيم ابتسمت بحزن. —لأنها خلتني أصدق إنك أنت اللي طلبت ده. عمر ضغط على فكه. —إزاي؟ —في يوم من الأيام، جابتلي تسجيل صوتي. —تسجيل؟ —صوتك. تجمد عمر. —صوتي بيقول إيه؟ —إنك مش عايز أطفال، وإنك مش مستعد تتحمل مسؤوليتهم، وإنك طلبت منها تتصرف. عمر هز رأسه. —أنا عمري ما قلت الكلام ده. —عرفت بعدين. —إزاي؟ مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت هاتفًا قديمًا. —بعد خمس سنين، قابلت شخصًا كان بيشتغل مع أمك. شغلت تسجيلًا. صوت رجل مسن ظهر من السماعة: —أنا آسف يا مدام تسنيم. اللي اتعمل كان غلط. تسنيم أغلقت التسجيل. —قال إن التسجيل اتفبرك. عمر شعر بقلبه يخبط في صدره. —مين عمله؟ —هو ما عرفش يقول. —وأمي؟ —كانت الوحيدة اللي تقدر توصل للشخص اللي عمله. عمر أخذ الهاتف منها. —وليه الشخص ده قالك الحقيقة بعد خمس سنين؟ تسنيم نظرت إلى الأرض. —لأنه كان بيموت. ساد الصمت. ثم قال عمر: —يعني أمي كذبت عليا، وكذبت عليكِ، وخدت مني ولادي. تسنيم لم تجبه. —ليه؟ رفعت عينيها إليه. —عشان كانت شايفة إنك لازم تتجوز سلمى. عمر ضحك بمرارة. —كل ده عشان شراكة؟ —مش بس شراكة. توقفت. —أمك كانت مقتنعة إن سلمى هتحافظ على اسم العيلة. —وتسنيم؟ —كانت شايفاني أقل منك. الكلمة وجعت عمر أكثر مما توقع. اقترب منها. —إنتِ عمرك ما كنتِ أقل مني. دمعت عيناها. —قول الكلام ده لأول ست سنين من عمر ولادك. عمر سكت. لأنه لم يجد ردًا. وفجأة سمع صوت خطوات صغيرة. التفت. كان آدم واقف عند الباب. —بابا؟ عمر انحنى فورًا. —أيوه؟ الطفل قال: —ماما كانت بتقول إن بابا مات. تسنيم شهقت. عمر تجمد. —إيه؟ آدم أكمل ببراءة: —كانت بتقول إن بابا بعيد قوي، وإنه مش هيقدر ييجي. عمر نظر إلى تسنيم. —إنتِ قلتي لهم إني ميت؟ —لا! قالتها بسرعة. ثم اقتربت من ابنها. —أنا عمري ما قلت كده. آدم هز رأسه. —بس جدتي قالت. تغير وجه عمر بالكامل. —جدتك؟ —آه. —إمتى؟ —كل مرة كانت تيجي تشوفنا. عمر وقف ببطء. وفي اللحظة نفسها، وصلته رسالة. فتحها. صورة قديمة. صورة لأمه وهي واقفة أمام باب شقة تسنيم. وتحتها جملة واحدة: "لو عايز تعرف ليه أمك كانت مصممة تبعدك عن أولادك... اسألها عن ليلة ولادتهم." عمر قرأ الرسالة مرة. ثم مرة ثانية. وبص لتسنيم. —ليلة ولادتهم؟ وجهها شحب. —عمر... —إيه اللي حصل ليلة ولادتهم؟ سكتت. —تسنيم، إنتِ لازم تقوليلي. نزلت دمعة على خدها. —كان فيه واحد من الأطفال في خطر. عمر شعر بأن قلبه توقف. —مين؟ نظرت ناحية الغرفة التي دخل إليها الأولاد. —يحيى. —إيه اللي حصل له؟ تسنيم لم تستطع الكلام. وفي نفس اللحظة، رن هاتف عمر مرة أخرى. لكن المرة دي... المتصل لم يكن أمه. كان رقمًا مجهولًا. رد. لم يسمع سوى صوت رجل: —لو عايز تعرف الحقيقة كاملة عن أولادك، ما تروحش حفلة الخطوبة. عمر شد قبضته. —مين إنت؟ —واحد كان موجود في المستشفى ليلة ولادتهم. —قول اسمك. الرجل ضحك بهدوء. —اسأل أمك الأول... ليه شهادة ميلاد واحد من أولادك الأربعة اتغيرت بعد يومين من الولادة؟ ثم أغلق الخط. عمر ظل محدقًا في الهاتف. وتسنيم قالت بصوت خافت: —دلوقتي فهمت ليه كنت خايفة. رفع عمر عينيه إليها. —إحنا مش بندور على سبب إنها فرقتنا. —لأ. —إحنا بندور على سبب إنها أخفت واحد من أولادي عني. تسنيم لم تجب. لكن عينيها قالتا إن الحقيقة القادمة... هتغير حياة الأربعة للأبد.الجزء الخامس: الطفل الذي اختفى من السجلات عمر فضل واقف مكانه، والهاتف في إيده. الجملة الأخيرة كانت بتتكرر في دماغه: "ليه شهادة ميلاد واحد من أولادك الأربعة اتغيرت؟" بص لتسنيم. —إنتِ كنتِ عارفة؟ تسنيم نزلت عينيها. —مش كل حاجة. —يعني إيه مش كل حاجة؟ —كنت عارفة إن فيه حاجة غلط حصلت في المستشفى، لكن ما كنتش عارفة حجمها. عمر اقترب منها. —احكيلي من الأول. سكتت تسنيم ثواني، وبعدها قالت: —ولادتهم كانت صعبة. —كنتِ لوحدك؟ —أمك كانت هناك. عمر رفع حاجبه. —أمي؟ —أيوه. وصلت قبل ما تولدهم بساعات. —ليه؟ —قالت إنها جاية تساعدني. تسنيم ابتلعت ريقها. —بعد الولادة، الدكتور قال إن الأطفال الأربعة محتاجين متابعة دقيقة. واحد منهم كان وزنه أقل من الباقيين، وكان محتاج حضانة. —يحيى؟ هزت رأسها. —أيوه. —وبعدين؟ —أنا كنت مرهقة جدًا، وبعد الولادة حصلتلي مضاعفات. أخدوني غرفة تانية، والأولاد دخلوا الحضانة. عمر سأل: —وأمي؟ —قالت إنها هتفضل معاهم. سكتت. —ولما صحيت، سألت عنهم. —كانوا فين؟ —قالوا لي إنهم بخير. —كلهم؟ —كلهم. عمر عقد حاجبيه. —إيه اللي حصل بعدها؟ تسنيم أخرجت ورقة قديمة من حقيبتها. —دي نسخة من أول شهادة استلمتها. أخذها عمر. كانت أسماء الأطفال الأربعة مكتوبة. آدم. يوسف. ياسين. يحيى. لكن بجانب اسم يحيى كان هناك رقم مختلف عن الموجود في الأوراق الحالية. عمر رفع عينيه. —الرقم ده إيه؟ —رقم ملف المستشفى. —والنسخة الحالية؟ —رقم تاني. —يعني حد غير بياناته. —أيوه. عمر شعر بالغضب يتصاعد داخله. —وليه؟ —ما أعرفش. وقبل أن يكمل، سمع صوتًا من خلفه. —أنا أعرف. استدار عمر. كانت امرأة في الخمسين تقريبًا تقف عند مدخل المطعم. تسنيم شهقت. —دكتورة ناهد؟ المرأة اقتربت ببطء. —أنا كنت طبيبة الأطفال في الليلة دي. عمر وقف أمامها. —إنتِ اللي اتصلتي؟ —أيوه. —إنتِ اللي بعتيلي الصورة؟ هزت رأسها. —أنا. —عايز أعرف الحقيقة. نظرت إلى تسنيم. ثم إلى عمر. —الحقيقة إن أمك دخلت الحضانة بعد منتصف الليل. عمر سأل: —وعملت إيه؟ —طلبت مني ملف واحد من الأطفال. —أي واحد؟ —يحيى. تسنيم وضعت يدها على فمها. —ليه؟ الدكتورة ناهد أخذت نفسًا عميقًا. —قالت إن الطفل محتاج يتحول لمستشفى تاني بشكل عاجل. —وإنتِ وافقتي؟ —كنت فاكرة إن التحويل رسمي. —لكن؟ —بعد ساعتين، اكتشفت إن مفيش أي سيارة إسعاف خرجت من المستشفى. عمر شعر ببرودة تسري في جسده. —يعني يحيى ما اتنقلش؟ —لا. —أمال راح فين؟ الدكتورة ناهد نظرت إليه طويلًا. —ده السؤال اللي فضل يطاردني ست سنين. سكت الجميع. ثم قالت: —بعد الفجر، رجع الطفل. عمر فتح عينيه. —رجع؟ —أيوه. —مع مين؟ —مع سيدة قالت إنها قريبة للعائلة. —مين؟ الدكتورة ناهد لم تجب فورًا. ثم قالت: —أمك. عمر شعر بأن الأرض تميد تحته. —يعني أمي أخدت ابني ورجعته بعد ساعات؟ —أيوه. —وليه؟ —قالت إن الطفل كان عنده مشكلة في التنفس، وإنها نقلته لمكان خاص للعلاج. —وده حصل فعلًا؟ هزت الدكتورة رأسها. —ما كانش عندي دليل وقتها إنه ما حصلش. —والشهادة؟ —لما سألت عن الملف، اكتشفت إن بيانات يحيى اتغيرت. عمر نظر إلى تسنيم. —إنتِ ليه ما عرفتيش؟ الدكتورة أجابت: —لأنك كنتِ في حالة صحية سيئة، وأمك قالت إنك وافقتِ على كل الإجراءات. تسنيم بدأت تبكي. —أنا عمري ما وافقت على حاجة. عمر شد على الورقة. —مين كان يعرف؟ الدكتورة ناهد قالت: —أنا. ثم أضافت: —والممرضة اللي كانت معايا. —فين هي؟ ترددت. —اختفت من المستشفى بعد أسبوع. عمر شعر بأن الغضب يتحول إلى خوف. —اختفت إزاي؟ —قدمت استقالتها، وسافرت. —فين؟ —ما أعرفش. وفجأة رن هاتف الدكتورة. نظرت إلى الشاشة، وتغير وجهها. —لا... عمر سأل: —إيه؟ رفعت الهاتف. كانت رسالة من رقم مجهول. فتحتها. صورة حديثة لرجل يقف أمام بوابة مدرسة. وبجانبه طفل صغير. الطفل كان يشبه آدم ويوسف وياسين ويحيى... لكن عمر لم يعرفه. تحت الصورة كانت جملة: "لو عايز تعرف فين كان يحيى طول السنين دي، تعال لوحدك." عمر بص للدكتورة. —إنتِ كنتِ عارفة إنه ما كانش مع إخوته؟ هزت رأسها والدموع في عينيها. —كنت شاكّة. —من إمتى؟ —من أول يوم. عمر أخذ الهاتف منها. —فين المكان؟ الدكتورة ناهد أشارت إلى عنوان في الرسالة. لكن قبل ما يتحرك، ظهر اسم جديد على شاشة هاتفه. سلمى. نظر إليه للحظات. ثم رد. جاء صوتها مرتبكًا: —عمر... إنت فين؟ —مش هنتخطب الليلة. ساد صمت. ثم قالت: —أنا عارفة. عمر تجمد. —إنتِ عارفة إيه؟ صوتها ارتجف. —أمك اتصلت بيا من شوية. —وقالتلك إيه؟ سلمى سكتت طويلًا. ثم قالت: —قالتلي إن لو أنت عرفت الحقيقة... مش هتسامحها أبدًا. عمر شد قبضته. —سلمى، إنتِ تعرفي الحقيقة؟ لم تجب. فقال: —ردي عليا. خرج صوتها أخيرًا: —أنا شفت يحيى قبل كده. عمر شعر بأن قلبه توقف. —فين؟ قالت سلمى بصوت مكسور: —في بيتنا. ثم أغلقت الخط.الجزء السادس: البيت الذي كان يخفي ابنه عمر فضل ماسك الهاتف على أذنه بعد ما الخط اتقفل. —في بيتنا... الكلمتان فضلوا يرنوا في دماغه. سلمى كانت بتعرف يحيى. وأمه كانت بتعرف. والطبيبة كانت بتعرف. لكن تسنيم... أم الطفل نفسها، ما كانتش تعرف. لف ناحية تسنيم. —إنتِ عمرك قابلتي سلمى؟ تسنيم هزت رأسها. —لا. عمر بص للدكتورة ناهد. —أنا لازم أروح لها. الدكتورة قالت بسرعة: —مش لوحدك. —ليه؟ —لأن اللي بيحصل أكبر من أمك. عمر سكت. ثم أخرج هاتفه واتصل بسلمى مرة تانية. لم ترد. اتصل مرة ثالثة. ولا إجابة. في اللحظة دي، دخل آدم وإخوته إلى المكان. آدم قال: —بابا، هنروح معاك؟ عمر انحنى أمامه. —لا يا حبيبي. —بس إنت قلت هترجع. ابتسم عمر، رغم أن قلبه كان يتقطع. —وهعمل كده. ثم نظر إلى تسنيم. —خليهم معاكي. تسنيم فهمت من نظرته إن الموضوع أخطر مما كانت تتخيل. —عمر، إنت رايح فين؟ —بيت سلمى. —لوحدك؟ —مش هتأخر. خرج عمر من المطعم. لكن بدل ما يركب عربيته، اتصل بأحد رجاله الموثوقين. —عايزك تروح معايا. —حاضر يا فندم. —ومن غير ما حد يعرف. بعد أقل من نصف ساعة، كان عمر واقف أمام منزل عائلة سلمى. الباب اتفتح. سلمى كانت واقفة أمامه. وشها كان شاحبًا. —ادخل. دخل عمر. —فين والدتك؟ —في الداخل. —وأبوك؟ —مسافر. عمر بص لها. —فين الطفل؟ بدأت دموعها تنزل. —أنا مش عارفة. —إنتِ قلتي إنك شوفتيه هنا. —أيوه. —إمتى؟ —من أربع سنين. عمر تجمد. —أربع سنين؟ —كان عمره سنتين تقريبًا. —وكان مع مين؟ —مع أمك. عمر شعر بالغضب. —أمي كانت بتربي ابني هنا؟ سلمى هزت رأسها. —مش بالضبط. —أمال إيه؟ —كانت بتجيبه أوقات. —ليه؟ —قالت إنه ابن واحدة من قرايبها. عمر ضحك بمرارة. —وإنتِ صدقتي؟ —في الأول. —وبعدين؟ سلمى بصت للأرض. —بدأت أشك. —إيه اللي خلاكي تشكي؟ —لأن الطفل كان بيناديها "تيتا". عمر لم يتحرك. —وكان بيناديكي إيه؟ سلمى رفعت عينيها. —كان بيناديني "ماما". الصمت وقع بينهم. عمر اقترب منها خطوة. —إنتِ كنتِ بتربي ابني؟ —لا. صرخت وهي تبكي: —أنا ما كنتش عارفة إنه ابنك! —أمال؟ —أمك قالتلي إنه طفل من عيلة قريبة، وإن أمه ماتت. عمر ضغط على أسنانه. —وفين الطفل دلوقتي؟ —مش هنا. —فين؟ —مش عارفة. —سلمى! ارتجف صوتها. —آخر مرة شفته فيها كانت من حوالي سنتين. —وبعدين؟ —أمك أخدته. —راحت بيه فين؟ —ما قالتليش. عمر أغمض عينيه. كل إجابة كانت بتفتح سؤال أسوأ. وفجأة سمع صوتًا من أعلى السلم. —هي ما كانتش بتعرف. رفع عمر رأسه. كانت والدة سلمى واقفة هناك. سيدة أنيقة، في أواخر الخمسينات. نظرت إلى عمر بثبات. —أنا اللي كنت عارفة. عمر تقدم نحوها. —فين ابني؟ قالت: —قبل ما أقولك، لازم تعرف حاجة. —مش عندي وقت. —لو عرفت مكانه، حياتك كلها هتتغير. —حياتي اتدمرت من ست سنين. سكتت المرأة. ثم قالت: —يحيى لم يكن الطفل الوحيد الذي خرج من المستشفى تلك الليلة. عمر اتجمد. —يعني إيه؟ —كان فيه طفل خامس. سقطت الكلمات كأنها قنبلة. تسنيم لم تكن موجودة هنا، لكن عمر تخيل وجهها. —إيه؟ —طفل خامس اتولد في نفس الليلة. —مين؟ —ما كانش من توأمك. عمر حدق فيها. —إنتِ بتقولي إيه؟ قالت: —كان طفلًا آخر، ولدته امرأة ماتت أثناء الولادة. —وإيه علاقته بولادي؟ سكتت. ثم قالت: —الطفل الخامس كان السبب في كل اللي حصل. عمر شعر بصدمة. —إزاي؟ نظرت إليه مباشرة. —لأن في تلك الليلة حصل خطأ في الملفات. —أي خطأ؟ —الأطفال اتبدلت أرقام ملفاتهم. عمر شهق. —يعني؟ —يعني... توقفت لحظة. ثم قالت: —الطفل اللي رجعته أمك للمستشفى بعد الفجر... رفعت عينيها إليه. —ما كانش يحيى. عمر لم يفهم. —أمال كان مين؟ قالت بصوت خافت: —كان الطفل الخامس. وفي اللحظة نفسها، رن هاتف عمر. رسالة جديدة. صورة لطفل عمره ست سنوات تقريبًا. الطفل كان واقفًا أمام مدرسة. لكن هذه المرة... لم يكن وحده. كانت تسنيم واقفة خلفه. وعلى الصورة جملة واحدة: "وجدنا الطفل الذي تبحث عنه... لكن اسمه ليس يحيى." عمر شعر بأن الدم انسحب من وجهه. ثم وصلته رسالة ثانية: "وتسنيم الآن في خطر."الجزء السابع: الطفل الذي لم يكن يحيى عمر فضل محدق في الصورة. تسنيم. واقفة خلف طفل صغير. والطفل... كان يشبهه. لكن في عينيه حاجة مختلفة. عمر رفع رأسه بسرعة. —الصورة دي اتصورت إمتى؟ والدة سلمى لم تجب. —أنا سألتك! قالتها المرأة بصوت متوتر: —من دقائق. عمر اتصل بتسنيم. مرة. مرتين. ثلاث مرات. لا رد. اتصل بالمطعم. —تسنيم فين؟ جاءه صوت الموظفة: —خرجت من حوالي عشر دقايق. —مع مين؟ —كانت لوحدها. عمر أغلق الهاتف. ثم نظر إلى رجله الموثوق الذي كان واقفًا خلفه. —هاتلي مكان آخر ظهور لتليفونها. —حاضر. خلال ثوانٍ، ظهر الموقع. عمر بص للشاشة. —ده مش بعيد. ثم خرج مسرعًا. --- بعد عشرين دقيقة، وصل إلى مبنى قديم في شارع جانبي. الباب الخارجي كان مفتوحًا. دخل. —تسنيم! لا رد. صعد السلم. في الدور الثاني، وجد بابًا نصف مفتوح. دفعه. الغرفة كانت فاضية. كرسي مقلوب. كوب مياه مكسور. وشال تسنيم مرمي على الأرض. عمر انحنى وأمسكه. كانت رائحته لسه موجودة. لكن ما كانش فيه أثر لها. وفجأة سمع صوت طفل. —بابا؟ استدار. الطفل الموجود في الصورة كان واقفًا عند نهاية الممر. عمر لم يتحرك. الطفل اقترب ببطء. —إنت عمر؟ صوت عمر خرج مبحوحًا: —أيوه. الطفل بص له طويلًا. —ماما قالتلي إنك هتيجي. عمر انحنى أمامه. —إنت اسمك إيه؟ الطفل تردد. —يحيى. عمر شعر بأن قلبه توقف. —مين قالك إن اسمك يحيى؟ الطفل أشار إلى جيبه. أخرج ورقة صغيرة. عمر فتحها. كان مكتوبًا: "اسمه الحقيقي: يحيى عمر الشاذلي." تحت الاسم كان فيه تاريخ ميلاد مطابق لتاريخ ولادة التوأم الأربعة. عمر رفع عينيه. —إنت فين كنت طول السنين دي؟ الطفل قال: —مع واحدة اسمها مريم. عمر سأل: —مين مريم؟ —كانت بتقول إنها أخت ماما. عمر تجمد. —تسنيم ما عندهاش أخت اسمها مريم. الطفل هز رأسه. —هي مش أختها. قبل ما عمر يكمل، سمع صوت سيارة تتوقف بالخارج. ثم صوت باب سيارة اتقفل. الرجل اللي مع عمر اقترب منه. —لازم نمشي. لكن الطفل أمسك يد عمر. —بابا... —أيوه؟ —ماما قالتلي ما أثقش في جدتك. عمر شعر بقشعريرة. —ليه؟ الطفل رد: —عشان هي اللي خلتني أختفي. --- في نفس الوقت، كانت تسنيم داخل سيارة سوداء. إيديها لم تكن مقيدة. لكن الرجل الجالس بجانبها قال: —لو حاولتي تنزلي، هنرجع للقديم. تسنيم بصت له. —إنتوا عايزين إيه؟ —نفس اللي اتعمل من ست سنين. —عمر عرف. الرجل ابتسم. —وده اللي مخلينا مستعجلين. —أمي عمرها ما هتقدر تمنعه. الرجل أخرج هاتفه. وعرض عليها صورة لعمر وهو واقف مع الطفل. تسنيم شهقت. —يحيى... —لسه مش عارف الحقيقة كاملة. —سيبوه! —مش بإيدنا. ثم أضاف: —اللي بدأته والدته لازم ينتهي. تسنيم بصت له بخوف. —إنت بتتكلم عن مين؟ الرجل لم يرد. لكن بعد لحظات، توقفت السيارة أمام منزل كبير. نزلت تسنيم. دخلت. وفورًا عرفت المكان. كان منزل والدة عمر. --- في غرفة المعيشة، كانت أم عمر جالسة بهدوء. تسنيم دخلت وهي ترتجف. —إنتِ! رفعت المرأة عينيها. —أخيرًا. —إنتِ اللي خطفتيني؟ —أنا اللي طلبت منهم يجيبوكي. —فين عمر؟ —هييجي. تسنيم اقتربت منها. —ليه عملتي كده؟ المرأة ظلت صامتة. ثم قالت: —لأن الحقيقة لو خرجت، مش هتخسري عمر بس. —أمال؟ —هتخسري أولادك الأربعة. تسنيم تجمدت. —إيه؟ فتحت المرأة درجًا وأخرجت ملفًا قديمًا. رمته أمامها. —اقري. تسنيم فتحته. وبمجرد ما شافت أول ورقة... بدأت إيديها ترتعش. كان تقرير مستشفى. وتحت عنوان الأطفال الأربعة كان فيه ملاحظة بخط اليد: "تم تسجيل أربعة أطفال... لكن عدد الأمهات المسجلات في غرفة الولادة كان خمسًا." تسنيم رفعت عينيها. —الطفل الخامس... أم عمر قالت بهدوء: —مش هو السر. —أمال إيه؟ ابتسمت ابتسامة باردة. —السر الحقيقي إن واحد من أولادك الأربعة... سكتت لحظة. ثم قالت: —لم يكن ابنك أنتِ. تسنيم شهقت. وفي نفس اللحظة، وصل عمر إلى المنزل. فتح الباب بعنف. —ماما! المرأة قامت. تسنيم التفتت. وعمر دخل وهو ماسك يد الطفل. —عايز أفهم كل حاجة. أمه نظرت إلى الطفل. وتغير وجهها لأول مرة. —أنت... الطفل اختبأ خلف عمر. عمر لاحظ خوف أمه. —إنتِ تعرفيه؟ لم تجب. —مين هو؟ صمتت. ثم قالت: —اسأل تسنيم. عمر التفت إليها. لكن قبل أن تتكلم، فتح الطفل فمه وقال: —أنا مش ابن تسنيم. سقط الصمت على الغرفة. عمر لم يستوعب. —إنت بتقول إيه؟ الطفل رفع عينيه إليه. —ماما الحقيقية هي الست اللي كانت معاك في المستشفى يوم ولادتنا. عمر تجمد. ثم نظر إلى أمه. وفي اللحظة نفسها... عرف أن الليلة لم تكن بداية اكتشاف الحقيقة. كانت فقط بداية الكارثة.الجزء الثامن: الأم التي لم تكن تعرف أنها أم عمر فضل باصص للطفل كأنه مستني منه يضحك ويقول إنه كان بيهزر. لكن الطفل ما ضحكش. كان واقف ورا عمر، ماسك في إيده بقوة. عمر بص لتسنيم. —قوليلي إن الكلام ده مش حقيقي. تسنيم كانت بتبكي. —أنا... مش عارفة. عمر التفت لأمه. —إنتِ تعرفي مين أمه؟ أمه ظلت ساكتة. فصرخ: —ماما! رفعت عينيها إليه. —أيوه. —مين؟ قالت: —المرأة اللي كانت في المستشفى الليلة دي. —اسمها إيه؟ —ليلى. تسنيم شهقت. —ليلى؟ عمر عقد حاجبيه. —مين ليلى؟ أمه قالت: —أخت أبوك. سكت عمر. —عمتي؟ —أيوه. —بس عمتي ليلى ماتت قبل ما أنا أتجوز تسنيم بسنين! هزت أمه رأسها. —الناس كلها كانت فاكرة إنها ماتت. عمر شعر بصداع حاد. —إنتِ بتقولي إيه؟ أمه فتحت الملف القديم. —ليلى كانت حامل. تسنيم اقتربت. —وحملت من مين؟ أم عمر لم تجب. عمر أخذ الملف من يدها. وجد صورة قديمة. امرأة شابة تشبه عمر بشكل واضح. ليلى. وتحت الصورة اسم رجل. حسام الشاذلي. والد عمر. عمر تجمد. —بابا؟ قالت أمه: —ليلى كانت بنت خاله. —يعني إيه؟ —يعني الطفل الخامس كان... توقفت. لكن الطفل هو الذي أكمل: —أخويا. عمر نظر إليه. —إيه؟ الطفل قال: —أنا واحد من الخمسة. تسنيم وضعت يدها على فمها. —خمسة أطفال... أم عمر أغلقت عينيها. —أيوه. عمر بدأ يستوعب. —يعني الليلة دي ما كانش فيها أربعة أطفال بس. —كانوا خمسة. —وأمي؟ —كنت عارفة. —وسبتيني ست سنين أفتكر إنهم أربعة؟ أمه بكت لأول مرة. —كنت بحاول أحميك. عمر ضحك بمرارة. —تحميني من إيه؟ —من الحقيقة. —أي حقيقة؟ قالت بصوت مكسور: —إن أبوك كان له ابن آخر. عمر تجمد. —أخويا؟ —أيوه. ثم أشارت إلى الطفل. —وده ابنه. عمر نظر إلى الطفل. —يبقى إنت ابن عمي؟ الطفل هز رأسه. —ماما قالتلي إنك عمي. عمر شعر بأن كل شيء أصبح أكثر تعقيدًا. —فين أمه؟ أمه سكتت. —ماما! قالت أخيرًا: —ليلى ماتت. —إمتى؟ —بعد الولادة بساعات. —يبقى الطفل كان يتيم. —أيوه. —وليه أخدتيه؟ نظرت إلى تسنيم. —لأن تسنيم كانت في حالة خطرة. تسنيم قالت: —لكن ده مش مبرر إنك تخفيه. أم عمر قالت: —لو عرف عمر إن عنده أخ، كان كل شيء هينهار. عمر انفجر: —كل شيء انهار أصلًا! سكت الجميع. ثم سأل: —فين يحيى الحقيقي؟ أمه لم تجب. عمر اقترب منها. —فين ابني؟ رفعت عينيها. —الطفل اللي أخدتيه من المستشفى... سكتت. ثم قالت: —كان يحيى. عمر تنفس براحة للحظة. لكنها أكملت: —لكن الطفل اللي رجعته للمستشفى بعدها... نظرت إلى الطفل. —كان ابن ليلى. عمر تراجع. —يعني يحيى اختفى فعلًا. هزت رأسها. —أيوه. —فين؟ لم تجب. وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوت سيارة أمام المنزل. ثم صوت باب يُغلق. خطوات اقتربت من الباب. عمر التفت. الباب اتفتح. دخلت امرأة شابة. وجهها كان شاحبًا. وشعرها بني طويل. وعينيها... تشبهان عيني عمر بشكل مخيف. تسنيم همست: —مين دي؟ المرأة نظرت إلى الطفل. ثم قالت: —ابني. الطفل جرى إليها. —ماما! عمر لم يستطع الكلام. المرأة احتضنته. ثم رفعت عينيها إليه. —أنا ليلى. عمر تجمد. —إنتِ... عايشة؟ ابتسمت بحزن. —أيوه. ثم نظرت إلى أمه. —لكنها أخبرت الجميع أنني مت. عمر شعر أن قلبه يخفق بعنف. —ليه؟ ليلى قالت: —لأنني في الليلة التي ولدت فيها الأطفال... نظرت إلى تسنيم. ثم إلى عمر. —رأيت شيئًا لم يكن من المفترض أن أراه. عمر اقترب. —إيه؟ ليلى قالت: —رأيت والدتك وهي تحمل طفلًا خارج الحضانة. سكتت. —لكن الطفل اللي كانت بتحمله... رفعت عينيها إلى عمر. —لم يكن يحيى. وفي نفس اللحظة، رن هاتف عمر. رسالة واحدة. صورة لطفل صغير جالس على كرسي. وتحت الصورة: "لو عايز ابنك الحقيقي يرجع، تعالى للمكان اللي اتولدت فيه الحكاية... لوحدك." عمر رفع عينيه ببطء. لكن ليلى أمسكت ذراعه. —ما تروحش. —ليه؟ قالت بصوت مرتجف: —لأن الشخص اللي أخد يحيى... كان أبوك.