كنت على وشك. حكايات ميراا
—بس إنت قلت هترجع.
ابتسم عمر، رغم أن قلبه كان يتقطع.
—وهعمل كده.
ثم نظر إلى تسنيم.
—خليهم معاكي.
تسنيم فهمت من نظرته إن الموضوع أخطر مما كانت تتخيل.
—عمر، إنت رايح فين؟
—بيت سلمى.
—لوحدك؟
—مش هتأخر.
خرج عمر من المطعم.
لكن بدل ما يركب عربيته، اتصل بأحد رجاله الموثوقين.
—عايزك تروح معايا.
—حاضر يا فندم.
—ومن غير ما حد يعرف.
بعد أقل من نصف ساعة، كان عمر واقف أمام منزل عائلة سلمى.
الباب اتفتح.
سلمى كانت واقفة أمامه.
وشها كان شاحبًا.
—ادخل.
دخل عمر.
—فين والدتك؟
—في الداخل.
—وأبوك؟
—مسافر.
عمر بص لها.
—فين الطفل؟
بدأت دموعها تنزل.
—أنا مش عارفة.
—إنتِ قلتي إنك شوفتيه هنا.
—أيوه.
—إمتى؟
—من أربع سنين.
عمر تجمد.
—أربع سنين؟
—كان عمره سنتين تقريبًا.
—وكان مع مين؟
—مع أمك.
عمر شعر بالغضب.
—أمي كانت بتربي ابني هنا؟
سلمى هزت رأسها.
—مش بالضبط.
—أمال إيه؟
—كانت بتجيبه أوقات.
—ليه؟
—قالت إنه ابن واحدة من قرايبها.
عمر ضحك بمرارة.
—وإنتِ صدقتي؟
—في الأول.
—وبعدين؟
سلمى بصت للأرض.
—بدأت أشك.
—إيه اللي خلاكي تشكي؟
—لأن الطفل كان بيناديها “تيتا”.
عمر لم يتحرك.
—وكان بيناديكي إيه؟
سلمى رفعت عينيها.
—كان بيناديني “ماما”.
الصمت وقع بينهم.
عمر اقترب منها خطوة.
—إنتِ كنتِ بتربي ابني؟
—لا.
صرخت وهي تبكي:
—أنا ما كنتش عارفة إنه ابنك!
—أمال؟
—أمك قالتلي إنه طفل من عيلة قريبة، وإن أمه ماتت.
عمر ضغط على أسنانه.
—وفين الطفل دلوقتي؟
—مش هنا.
—فين؟
—مش عارفة.
—سلمى!
ارتجف صوتها.
—آخر مرة شفته فيها كانت من حوالي سنتين.
—وبعدين؟
—أمك أخدته.
—راحت بيه فين؟
—ما قالتليش.
عمر أغمض عينيه.
كل إجابة كانت بتفتح سؤال أسوأ.
وفجأة سمع صوتًا من أعلى السلم.
—هي ما كانتش بتعرف.
رفع عمر رأسه.
كانت والدة سلمى واقفة هناك.
سيدة أنيقة، في أواخر الخمسينات.
نظرت إلى عمر بثبات.
—أنا اللي كنت عارفة.
عمر تقدم نحوها.
—فين ابني؟
قالت:
—قبل ما أقولك، لازم تعرف حاجة.
—مش عندي وقت.
—لو عرفت مكانه، حياتك كلها هتتغير.
—حياتي اتدمرت من ست سنين.
سكتت المرأة.
ثم قالت:
—يحيى لم يكن الطفل الوحيد الذي خرج من المستشفى تلك الليلة.
عمر اتجمد.
—يعني إيه؟
—كان فيه طفل خامس.
سقطت الكلمات كأنها قنبلة.
تسنيم لم تكن موجودة هنا، لكن عمر تخيل وجهها.