كنت على وشك. حكايات ميراا
لكن قبل ما تتحرك، جرى آدم ناحية عمر.
—ماما، ده الراجل اللي شبهنا!
تسنيم أغمضت عينيها.
—آدم… تعالى هنا.
لكن الولد تجاهلها.
—هو ليه شبهنا؟
عمر بص له، وبعدين بص لإخوته الأربعة.
أربعة أطفال.
أربعة وجوه صغيرة تحمل ملامحه.
أربعة أزواج من العيون الرمادية التي ورثها هو عن والده.
صوته خرج متقطعًا:
—تسنيم… دول ولادي؟
الدموع لمعت في عينيها.
لم تجب.
وهذا الصمت كان كافيًا.
عمر تراجع خطوة.
—ست سنين…
ضحك ضحكة قصيرة مكسورة.
—ست سنين وأنا فاكر إنك سيبتيني.
تسنيم مسحت دمعة نزلت على خدها.
—أنا ما سبتكش.
—أمال إيه اللي حصل؟
رفعت عينيها إليه.
—أمك.
الكلمة نزلت عليه كأنها ضربة.
—أمي؟
هزت تسنيم رأسها.
—بعد ما عرفت إني حامل، جاتلي بنفسها.
عمر شعر ببرودة في أطرافه.
—حامل؟
—كنت حامل في الأربعة.
اقترب منها أكثر.
—وليه ما قالتليش؟
ضحكت تسنيم بمرارة.
—لأنها قالتلي إنك مش عايزني.
—مستحيل.
—قالت إنك اختارت مستقبلك، وإنك هتتجوز واحدة من مستواك، وإن وجودي في حياتك هيهدم كل حاجة.
عمر هز رأسه بعنف.
—أنا كنت بدور عليكِ!
—أنا كمان كنت مستنياك.
سكتت لحظة، ثم أضافت:
—لكن أمك قالتلي إنك طلبت منها تمنعني من الوصول ليك.
عمر شعر كأن الأرض بتتحرك تحت قدميه.
—أنا ما قلتش كده.
—عرفت ده متأخر.
—إمتى؟
تسنيم بصت للأولاد.
—بعد ما اتولدوا.
آدم كان واقف جنبها، ماسك طرف مريلتها.
عمر انحنى أمامه.
نظر إلى وجهه طويلًا.
ثم رفع عينيه إلى يوسف.
ثم ياسين.
ثم يحيى.
أربعة أطفال كانوا بيبصوا له بفضول.
قال ياسين فجأة:
—إنت أبويا؟
عمر لم يستطع الرد.
ابتلع غصته، ومد يده ولمس شعره.
—أيوه.
الولد ابتسم.
—كنت عارف إن عندي أب.
الجملة البسيطة كسرت شيئًا داخله.
جلس عمر على ركبته أمامهم.
الأطفال الأربعة اقتربوا منه.
وفي اللحظة التي لمس فيها آدم يده، شعر عمر بأن السنوات الست التي ضاعت منه كلها عادت دفعة واحدة، لكنها عادت كألم.
ست أعياد ميلاد.
ست سنوات دراسية.
أول كلمة.
أول خطوة.
أول يوم مرض.
أول حضن.
كل شيء عاشوه بدونه.
وكل شيء لم يعشه معهم.
رفع عمر عينيه إلى تسنيم.
—أمي عملت ده كله؟
هزت رأسها والدموع في عينيها.
—وأكتر.
—إيه يعني أكتر؟
سكتت.
ثم قالت:
—هي ما اكتفتش إنها تبعدك عني.
—أمال عملت إيه؟
تسنيم أخذت نفسًا عميقًا.