قبل عامين. حكايات_ميراا

 

 

—

 

في صباح أحد الأيام، دخل آدم إلى مكتبي وهو يحمل دفترًا صغيرًا.

 

كان في التاسعة من عمره.

 

قال بثقة:

 

“بابا… ممكن تساعدني؟”

 

ابتسمت.

 

كانت هذه الجملة وحدها معجزة بالنسبة لي.

 

“أكيد يا بطل.”

 

فتح الدفتر.

 

كان يكتب خطابًا بخط طفولي غير منتظم.

 

قرأ بصوت مرتجف:

 

“إلى الآنسة سارة…”

 

ثم توقف.

 

نظر إليّ وقال:

 

“مش عارف أكمل.”

 

قلت له:

 

“اكتب اللي في قلبك.”

 

أطرق برأسه، ثم أكمل الكتابة وحده.

 

 

—

 

في احتفال المركز السنوي، وقف آدم أمام الجميع.

 

كانت القاعة مليئة بالأطفال وأسرهم.

 

وفي الصف الأول جلست سارة، كعادتها، بعيدًا عن المنصة.

 

أمسك آدم الورقة بكلتا يديه.

 

وقال:

 

“لما كنت صغير… كنت فاكر إن العالم كله بيخوف.”

 

توقف لحظة.

 

ثم تابع:

 

“ولما شفت الأرنب الأبيض… حسيت لأول مرة إن فيه حد فهمني من غير ما أتكلم.”

 

بدأت دموع سارة تنهمر.

 

أما آدم فأكمل:

 

“كل الناس كانت بتحاول تغيرني…”

 

ثم ابتسم وهو ينظر إليها.

 

“إنتِ الوحيدة اللي حاولتِ تفهميني.”

 

ساد الصمت في القاعة.

 

ثم نزل آدم من المنصة.

 

واتجه مباشرة نحو سارة.

 

وأعطاها رسالة مطوية.

 

لم تفتحها إلا بعد انتهاء الحفل.

 

كان بداخلها رسم بسيط.

 

طفل صغير…

 

وأرنب أبيض…

 

وامرأة تبتسم.

 

وتحت الرسم كتب آدم بخطه المتعرج:

 

“أنتِ أول شخص سمع صوتي… قبل ما أقدر أنا أسمعه.”

 

احتضنت الورقة إلى صدرها.

 

وأغلقت عينيها.

 

وفي تلك اللحظة، أدركت أن بعض الأعمال الصغيرة…

 

كمنشفة طُويت بحنان…

 

قد تغيّر حياة إنسان إلى الأبد، وتترك أثرًا لا يمحوه الزمن.بعد انتهاء الحفل بأيام، كنت أمر بجوار غرفة الرسم في المركز عندما سمعت آدم يضحك.

لم يكن ضحكًا عاديًا.

كان عاليًا… صافيًا… يملأ المكان بالحياة.

وقفت عند الباب دون أن يشعر بي.

كان يجلس مع طفل جديد اسمه ياسين.

في الخامسة من عمره.

ولم ينطق بحرف واحد منذ أكثر من عام.

كان ياسين يجلس في الركن نفسه الذي كان آدم يختبئ فيه قديمًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *